ما الذي حصل للحلم الأميركي؟

5 كتب تستكشف «الوعود» والمخاطر الاقتصادية

ما الذي حصل للحلم الأميركي؟
TT

ما الذي حصل للحلم الأميركي؟

ما الذي حصل للحلم الأميركي؟

في غضون خمسين عاماً من الاستقلال، شيّدت أميركا رؤيتين متناقضتين: النشوة، والحلم الأميركي. كانت الأولى مدفوعة بحماس نهاية العالم الذي رافق الصحوة الكبرى الثانية، فيما استُمدّت الرؤية الثانية من التفاؤل الجامح للمؤسسين أمثال توماس جيفرسون. وَعَدَت الأولى بأن الصالحين سيرتقون، فيما أقسمت الثانية بأن بإمكان الجميع فعل ذلك.

لكن اليوم، تبدو أسس الصعود غير ذات صلة. كل شيء أصبح أغلى ثمناً -رعاية الأطفال، والإيجار، والرهون العقارية، والتأمين الصحي، وفواتير الخدمات، والبقالة، والمطاعم، والأدوات المنزلية، وخدمات البث، وتذاكر الحفلات الموسيقية، وتذاكر الطيران، ومواقف السيارات، ناهيك بهدايا الأعياد... الرواتب ثابتة، وقوة العمال متحجرة، ومعركة مكافحة التضخم مستمرة للعام الخامس.

كيف ومتى أصبح الارتقاء الاجتماعي بعيد المنال كما يبدو؟ تتناول الكتب المعروضة هنا، هذا السؤال مباشرةً؛ إذ يتعمق بعض المؤلفين في كيفية تشكل الثغرات في طريق الحياة الأفضل؛ بينما يحدد آخرون مواطن الضغط الحالية. وتُظهر هذه الكتب مجتمعةً أن الأميركيين كافحوا لإصلاح اقتصادهم منذ تأسيس الولايات المتحدة، وأن جهود جيلٍ ما غالباً ما تؤتي ثمارها في الجيل الذي يليه.

كتاب «ثمن الديمقراطية» لفانيسا ويليامسون

من الضرائب المفروضة خلال حفلة شاي في بوسطن إلى التعريفات الجمركية في العصر الذهبي، قلّما نجد ما يُحدد التاريخ الأميركي مثل الضرائب. في هذا السرد التحليلي الدقيق للضرائب في الولايات المتحدة، تُجادل ويليامسون، الباحثة في معهد بروكينغز، بأن السياسة الضريبية تتجاوز مجرد تمويل الحكومة، فهي آلية لتوزيع السلطة والحفاظ عليها، فلطالما دعمت الضرائب أثرياء البلاد على حساب بقية الشعب. وتكتب ويليامسون أنه بعد الثورة، كانت أبيجيل آدامز من بين النخب التي اشترت سندات الحرب الحكومية متراجعة القيمة بأبخس الأثمان، ثم شاهدت قيمتها ترتفع مع رفع ماساتشوستس الضرائب لسدادها، على حساب المزارعين البسطاء في الغالب.

وعلى الرغم من هذه التفاوتات، فإن أطروحة ويليامسون المفاجئة هي أن الضرائب، عند تطبيقها بشكل صحيح، تُفيد الديمقراطية. فقد أسهم فرض ضريبة الدخل في ستينات القرن التاسع عشر في دعم المجهود الحربي للاتحاد، مما ضمن عدم تحميل الفقراء وحدهم عبء التكاليف.

وبعد الحرب، فرضت حكومة إعادة الإعمار في كارولاينا الجنوبية ضرائب على الأراضي، مما زاد عدد الأطفال الذين يمكنهم الحصول على التعليم العام بأكثر من أربعة أضعاف، حتى في ظل تفشي التهرب الضريبي.

وتجادل ويليامسون بأن معارضة الضرائب لطالما تستّرت وراء دعوات العدالة، لكن الخطر الحقيقي يكمن في غياب الشعور بالانتماء. وتكتب أنه في نهاية المطاف، عندما يسهم الناس في تمويل حكومة فعّالة، يصبحون أكثر ميلاً للمطالبة بحقهم في إبداء رأيهم فيما تفعله، ويتوقعون منها الاستجابة.

«حرية رجل واحد» لنيكولاس بوكولا

بين مقاطعة حافلات مونتغمري في خمسينات القرن الماضي وانتخابات عام 1964، طرح زعيم الحقوق المدنية مارتن لوثر كينغ والمرشح الرئاسي الجمهوري باري غولد ووتر، أفكاراً مؤثرة حول معنى «الحرية» في أميركا. في هذه الصورة المزدوجة المُلهمة، يُعيد بوكولا بناء كيفية تصادم حركتيهما، إذ قدّم كلا الرجلين مفهوماً مختلفاً للحرية، مُرسّخاً فهماً مُغايراً للنظام الاقتصادي الأمثل: اقتصر مفهوم كينغ عن الحرية على المساواة في الوصول إلى السلع والخدمات العامة، فيما استندت رؤية غولد ووتر للحرية إلى حقوق الملكية الشخصية.

يتتبع بوكولا، أستاذ الفلسفة السياسية في جامعة «كليرمونت ماكينا»، كيف أصبحت رؤاهما المتنافستان، اللتان عَبّرا عنهما في خطاباتهما ومواعظهما ومناقشات مجلس الشيوخ، المنطق الأخلاقي المزدوج لأميركا الحديثة: أحدهما يُقدّس السوق، والآخر يُطالب بإصلاحها. حذّر غولد ووتر من أن «الحكومة الكبيرة» -بضرائبها وشبكات الأمان الاجتماعي- و«العمالة الكبيرة» -بضغطها التصاعدي على الأجور- تُهدّدان «نمط الحياة الاقتصادي الأميركي». وردّ كينغ بأن الحقوق السياسية دون فرص اقتصادية هي حقوق جوفاء. ويرى بوكولا أن تحالف الحقوق المدنية الذي قاده كينغ أسهم في إفشال حملة غولد ووتر، لكن أفكار غولد ووتر انتشرت في أوساط السياسة الأميركية، مُشكّلةً ثورة ريغان وعولمة السوق الحرة في عهد كلينتون.

«أمراء التمويل» للياقت أحمد

في كتابه التاريخي الحائز جائزة «بوليتزر» عام 2009، يتتبع أحمد مسيرة أربعة رجال سيطروا على البنوك المركزية الكبرى في العالم في السنوات التي سبقت الكساد الكبير، وهم: مونتاجو نورمان (بنك إنجلترا)، وبنيامين سترونغ (بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك)، وإميل مورو (بنك فرنسا)، وهيالمار شاخت (بنك الرايخ).

يتناول هذا الكتاب التاريخ العالمي، ولكنه يُعدّ جزءاً لا يتجزأ من التاريخ الأميركي، إذ لطالما امتدت آثار الاقتصاد الأميركي عبر الحدود الوطنية. وبينما كانت الاقتصادات الأوروبية تعاني من الركود بعد الحرب العالمية الأولى تحت وطأة التعويضات والديون، استخدم سترونغ خطوط الائتمان الأميركية للمساعدة في إنعاش البنوك الأوروبية.

«الصندوق الراديكالي» لجون فابيان ويت

لم يعتمد الأميركيون دائماً على الحكومة لتحسين أوضاعهم المعيشية. فقد شهدت عشرينات القرن الماضي ازدهاراً في الأسواق وتفاقماً في عدم المساواة. وكان رأس المال الخاص في كثير من الأحيان شريان الحياة الوحيد لمن يكافحون الفقر والفصل العنصري المتجذر والاعتداء واسع النطاق على الحريات المدنية.

في عام 1922، رفض تشارلز غارلاند، وريث وول ستريت، المصرفي البالغ من العمر 23 عاماً من ولاية ماساتشوستس، التربح من نظام رآه ظالماً، وتبرع بكامل ميراثه البالغ مليون دولار؛ لتأسيس الصندوق الأميركي للخدمة العامة. وكما يُبين ويت في كتابه التاريخي الشيق عن الصندوق الفيدرالي، فقد أصبح هذا التنازل محركاً مالياً دعم الأفراد والمؤسسات التي ستُشكل لاحقاً برنامج الصفقة الجديدة، وحركة الحقوق المدنية.

تحت قيادة روجر بالدوين، من الاتحاد الأميركي للحريات المدنية، دعم الصندوق مشاريع عالم الاجتماع الأسود دبليو إي بي دو بويز. دو بويز، ونورمان توماس، حامل لواء الحزب الاشتراكي، وماري وايت أوفينغتون، المؤسِّسة المشاركة للجمعية الوطنية للنهوض بالملوَّنين. وأشعلت نضالاتهم شرارة تحالفات عمالية واسعة النطاق، مثل مؤتمر المنظمات الصناعية، والحملات القانونية التي بلغت ذروتها في قضية براون ضد مجلس التعليم.

«بابيت» لسنكلير لويس

يسأل جورج ف. بابيت، رجل العقارات المولع بالأجهزة، وسائق سيارة بويك، والمنتمي إلى نادٍ ريفي، والذي يُمثّل محور رواية لويس الساخرة التي صدرت عام 1922، عن الرضا الذاتي للطبقة الوسطى: «بصراحة، هل تعتقدين أن الناس سيظنونني ليبرالياً أكثر من اللازم لو قلتُ إن المضربين كانوا محترمين؟». تدور أحداث هذه الرواية وسط احتجاجات عاملات بدالة الهاتف في مدينة زينيث الخيالية في الغرب الأوسط الأميركي.

تجيبه زوجته: «لا تقلق يا عزيزي، أعرف أنك لا تعني كلمة مما تقول». ومع ذلك، فإن مساعدة المضربين هي أول ما سيفعله ذلك الشاب الجامعي -الذي كان يحلم بالدفاع عن الفقراء. يعترف لابنه لاحقاً قائلاً: «لم أفعل في حياتي شيئاً أردته حقاً!». ثم يمر بأزمة منتصف العمر قصيرة الأمد. ينخرط في الأوساط البوهيمية، ويقيم علاقة غرامية مع أرملة، ويثير ضجة في ناديه الرياضي. لكن عندما يُقابل بتجاهل مجتمعه، ومرض زوجته، ينهار بابيت.

حققت الرواية مبيعات هائلة، ودخل عنوانها إلى اللغة الدارجة: أصبح «بابيت» اختصاراً للشخص المتوافق مع التيار السائد، العالق في عالم ضيق الأفق. لقد أدرك لويس، أول أميركي يفوز بجائزة نوبل في الأدب، ما يغيب غالباً عن الاقتصاديين: الحلم الذي انتقده ليس طموحاً، بل هو إجباري. الانسحاب يعني النفي، لذا يبقى معظم الناس في الداخل، مبتسمين في الفراغ.

* تكتب أليكسس كو عموداً عن التاريخ الأميركي في ملحق الكتب بصحيفة «التايمز». وهي زميلة بارزة في مؤسسة «نيو أميركا»، ومؤلفة كتاب «لن تنسى أبداً بدايتك: سيرة جورج واشنطن».

خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

كتاب ومفكرون وسينمائيون: سالي روني كاتبة وليست إرهابية

ثقافة وفنون كتاب ومفكرون وسينمائيون: سالي روني كاتبة وليست إرهابية

كتاب ومفكرون وسينمائيون: سالي روني كاتبة وليست إرهابية

تعدّ الروائية الآيرلندية سالي روني، البالغة 35 عاماً، من أبرز ظواهر النشر الأدبي في العقد الأخير.

ندى حطيط (لندن)
ثقافة وفنون «الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

في المفارقة التي ينطوي عليها عنوان رواية «الأمل مرضي المفضل» للروائي المصري مينا ناجي، يتحدد أحد توتراتها الأساسية

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

صدر أخيراً في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ديوان «مرآتان لوجه واحد» للشاعر العراقي عدنان الصائغ، ضمن إصدارات سلسلة «الإبداع العربي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «في أُنس الأشياء»... الشعر في مرمى الذاكرة والنسيان

«في أُنس الأشياء»... الشعر في مرمى الذاكرة والنسيان

عن الولع بالشعر والشغف به كحياة أخري متخيلة أكثر عدلاً وأماناً، وسط عالم لا يكف عن العبث والحروب تدور أجواء ديوان «في أُنس الأشياء» للشاعرة السورية فاطما خضر.

جمال القصاص
ثقافة وفنون «جائزة باسكال» الأدبية للأعمال المكتوبة بمساعدة الذكاء الاصطناعي

«جائزة باسكال» الأدبية للأعمال المكتوبة بمساعدة الذكاء الاصطناعي

في خطوة مفاجئة، تم الإعلان عن «جائزة باسكال»، وهي الأولى من نوعها في فرنسا التي تُمنح لعمل أدبي تم تأليفه بالاشتراك بين بشري وذكاء اصطناعي.

سوسن الأبطح

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟
TT

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

لم يعد الكتاب الصوتي يقف على هامش عالم النشر، بوصفه نسخة أخرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب، الذي أقيم بين السابع والحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2026، احتلّ موقعاً بارزاً، لا بوصفه ابتكاراً في وسائل الإتاحة فحسب، بل بوصفه تجربة ثقافية تعيد طرح أسئلة القراءة نفسها: كيف نتلقّى الأدب حين نسمعه؟ وماذا يضيف صوت الراوي إلى النص؟ وهل تستطيع الحكاية، حين تغادر الصفحة إلى الأذن، أن تبلغ قرّاء لم تكن تصل إليهم من قبل؟

اللافت، أن المعرض منح هذا التحوّل حيّزاً أوسع ضمن «فرانكفورت أوديو»، فجمع بين مركز جديد للقاء الناشرين والمنتجين والمنصّات، ومساحات تتيح للجمهور اكتشاف الأعمال المسموعة والاقتراب من أصحابها. ولم يقتصر البرنامج على مناقشة الأسواق ووسائل الإنتاج؛ بل شمل لقاءات بين الكتّاب والرواة، وفضاءً للاستماع إلى أدب الفانتازيا.

حين يصبح الصوت جزءاً من الكتاب

ليس الكتاب الصوتي نصًّا مطبوعاً أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى: نبرة تكشف التردّد، ووقفة تمنح الصمت ثقله، وإيقاع يقرّب الشخصيات أو يباعد بينها. لا يكتب الراوي الحكاية من جديد، لكنه يقترح سبيلاً إلى سماعها، ويصبح أداؤه ضرباً من التأويل؛ فقد يلتقط المستمع في جملة مألوفة سخرية خفيّة أو حزناً لم ينتبه إليه على الصفحة.

وتزداد هذه العلاقة خصوصية حين يقرأ الكاتب سيرته بنفسه. ففي النسخة المسموعة من «وأصبحت» لميشيل أوباما، التي أدّتها بصوتها، يغدو الاستماع لقاءً بين رواية الحياة والصوت الذي يستعيدها. وكانت دار «بنغوين راندوم هاوس» قد وصفت النسخة المسموعة من مذكراتها بأنها الأسرع مبيعاً بين كتبها الصوتية آنذاك.

أما الأعمال الروائية التي ارتبط بها القرّاء طويلاً، فتفتح النسخة المسموعة باباً آخر للعودة إليها. ومن الأمثلة الدالّة اهتمام «فرانكفورت» بعالم «هاري بوتر»؛ إذ تضمّن برنامجه لقاءً مع الأصوات التي أدّت الكتب بالألمانية. هنا لا يأتي الجمهور لاكتشاف الحكاية وحدها، بل للتعرّف إلى من منح شخصياتها حضورها المسموع؛ كأنّ للرواية ذاكرة صوتية تضاف إلى ذاكرتها المكتوبة.

على أن خصوصية هذه التجربة لا تجعل الاستماع أعلى منزلة من القراءة البصرية أو أدنى منها. فقارئ الورق يضبط سرعته، ويتوقّف عند عبارة، ويعود بعينه إلى صفحة سابقة، في حين يختبر المستمع زمناً يصوغه الأداء، وإن استطاع إيقافه أو استعادته. إنهما علاقتان مختلفتان بالنص، ليست امتحاناً لإثبات أفضلية أحدهما على الآخر. وتكمن جاذبية الكتاب الصوتي أيضاً في أنه يوسّع الأوقات التي يمكن للأدب أن يجد فيها مكاناً: في الطريق، وأثناء المشي، وبين الأعمال اليومية.

جمهور يتّسع... ومبيعات يصعب حصرها

تقدّم فرنسا صورة دالّة على اتّساع هذه الصلة. فحسب بارومتر «صوفيا» والنقابة الوطنية للنشر وجمعية أهل الأدب لاستخدامات الكتاب الرقمي والكتاب الصوتي، الذي أنجزه معهد «ميديامتري» ونُشر في 2026، استمع نحو 10.1 مليون شخص، أي 17 في المائة من السكان بين 6 و80 عاماً، إلى كتاب صوتي رقمي خلال الاثني عشر شهراً الماضية. وتكشف الدراسة أيضاً عن أن جمهور هذا النوع من الكتب أصغر سنًّا، في المتوسط، من جمهور الكتاب المطبوع. والأهم ثقافيًّا ليس الرقم وحده، بل ما يفتحه من سؤال: هل يصبح الصوت مدخلاً إلى الأدب لدى فئات لا تجعل القراءة الورقية عادة ثابتة؟

رأت لور ساجيه، المديرة العامة لدار «أوديوليب»، في اتّساع العرض فرصة لتجديد الجمهور. وقالت لصحيفة «لوموند»، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إن هذا التطوّر «سيجعل جمهور الكتاب الصوتي أصغر سنًّا، ويوسّع انتشاره». وربطت ذلك بإمكان تجربة مؤلّفين وأجناس مختلفة، بدلاً من حصر الاختيار منذ البداية في عنوان واحد. بهذا المعنى، قد تقود عتبة الاستماع السهلة إلى مغامرة أدبية: قصّة قصيرة لم يكن المتلقّي ليشتريها منفردة، أو كتاب للأطفال، أو كاتب يلتقيه للمرة الأولى.

غير أن عدد المستمعين لا يساوي عدد المشترين، ولا يكفي وحده لقياس مكانة الكتاب الصوتي في اقتصاد النشر. ففي مقالها «سبوتيفاي يربك عالم الكتاب الصوتي» المنشور في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أوضحت «لوموند» أن السوق الفرنسية لا تُقاس بدقّة، بسبب امتناع منصّات رئيسية عن نشر بياناتها، وقدّرتها آنذاك بنحو اثنين في المائة من قطاع النشر. وفي المقابل، تُظهر بيانات جمعية ناشري الكتب الصوتية الأميركية استمرار نموّ الإيرادات في الولايات المتحدة خلال 2025؛ إذ ارتفعت 9 في المائة لتبلغ 2.43 مليار دولار، بما يؤكّد أن الكتاب الصوتي لم يعد تجربة عابرة في أسواق النشر الكبرى. لكنّ نجاحه الثقافي يظلّ أوسع من حصيلته التجارية.

مَن يتحكّم في بوابة الاستماع؟

خلف الألفة التي يصنعها صوت الراوي، تقف وساطة أخرى أقلّ ظهوراً: المنصّة التي يكتشف عبرها المستمع كتابه. في فرنسا، رسّخت «أوديبل»، التابعة لـ«أمازون»، موقعاً مهيمناً في هذا المجال. وقدّرت صحيفة «لو فيغارو»، في مقالها «سبوتيفاي يستثمر مليون يورو لإنتاج كتب صوتية في أوروبا»، المنشور في 11 أبريل (نيسان) 2025، حصّتها آنذاك بنحو ثلثي السوق الفرنسية. وتناول المقال نفسه استثماراً أعلنت عنه «سبوتيفاي» لدعم الإنتاج في أسواق من بينها فرنسا وهولندا. وفي حديثها إلى «لوموند»، وصفت لور ساجيه عرضَي «أوديبل» و«سبوتيفاي» بأنهما «عرضان متكاملان»، يتيحان بيع كتب مختلفة. وأوضحت أن الاضطرار إلى مفاضلة حاسمة قد يدفع إلى اختيار الكتب الأشهر أو الأطول، في حين يشجّع إمكان التجربة على التنقّل بين مؤلّفين وأجناس أدبية قبل الاستقرار على عمل بعينه.

الناشرون بين توسيع الجمهور وحماية القيمة

لا يقف الناشرون خارج هذا التحوّل؛ فهم من يصنع مادّته الأدبية ويختار الأصوات التي تحملها. وفي فرنسا، تعمل دور متخصّصة، من بينها «أوديوليب» المرتبطة بهاشيت وألبان ميشيل، و«ليزي» التابعة لإديتيس، إلى جانب نشاط مجموعة «مادريغال»، على توسيع حضور الكتاب الصوتي. وقد ربط مسؤولو هذه الجهات وصول منصّات جديدة بإمكان تنويع الجمهور وإعادة تحريك أعمال من رصيدهم المنشور، لا بالاكتفاء بمرافقة الإصدارات الحديثة.

وفي هذا السياق، قال إريك ماربو، مدير المبيعات الرقمية في مجموعة «مادريغال»، لصحيفة «لوموند» إن العرض الجديد يتيح «استقطاب مستمعين عرضيّين جدد»، ولاحظ «تنوّعاً جميلاً في الأعمال المستمع إليها»، مرحّباً خصوصاً بالتفات الجمهور إلى عناوين أقدم في فهارس المجموعة. وهذه نقطة جوهرية في الرهان الثقافي: أن يمنح الصوت الكتاب حياة إضافية، وأن يعيده إلى التداول بعدما يكون قد ابتعد عن واجهات المكتبات.

وقد أعادت الكتب الصوتية إلى بعض روائع الأدب الكلاسيكي قرّاءً جدداً؛ فاستعادت «البؤساء» لفيكتور هوغو و«الكونت دي مونت كريستو» لألكسندر دوما حضورها بين المستمعين، كما سهّلت التسجيلات الصوتية الاقتراب من «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست. وشهدت «كبرياء وهوى» لجين أوستن ارتفاعاً ملحوظاً في الاستماع، بما يثبت أن الصوت قادر على إحياء النصوص القديمة وإعادة الشباب إليها.

وبعيداً عن التفاؤل التجاري الذي يحمله هذا القول، فإن جمهور الكتاب الصوتي ليس كتلة واحدة؛ فتعدّد منافذ الوصول يمكن أن يتيح طرائق متباينة للقاء الأدب، بشرط أن يصاحبه تعدّد حقيقي في الأعمال المعروضة. ومن هنا يتّصل السؤال الثقافي بالتجاري: كيف تصل رواية أقلّ شهرة إلى الأذن التي قد تحبّها؟ وما الذي يضمن بقاء مكان للقصّة القصيرة، وللأعمال التي تحتاج إلى إصغاء صبور، حين يصبح الإقبال معياراً حاسماً في الاختيار؟ إن زيادة المعروض فرصة، لكنها لا تكفي وحدها لصون التنوّع. فليست قيمة الكتاب في قدرته على جمع ساعات الاستماع فحسب، بل في التجربة التي يتركها، ولو لدى جمهور محدود.


«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي
TT

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

يوثِّق كتاب «كتابة المذبحة... أشكال تناول صبرا وشاتيلا»، الصادر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، للباحثة سمية ممدوح الشامي، الكثير من وقائعها، كما يأتي مواكباً للذكرى الرابعة والأربعين لحدث اختلط فيه السياسي بالإنساني بالثقافي، وتعددت بشأنه السرديات والشهادات، لكن المؤكد أنه يظل وصمة عار على جبين كل حر، حتى لو لم يعاصر وقائع إبادة المخيمين اللذين كانا يضمان لاجئين فلسطينيين في بيروت بين يومي 16 و18 سبتمبر (أيلول) 1982.

وحسب تقارير الأمم المتحدة، دخل مسلحون من «القوات اللبنانية»، الجناح العسكري لـ«حزب الكتائب»، إلى صبرا وشاتيلا، واستمرت عمليات القتل الجماعي نحو 43 ساعة لتخلف أعداداً غير مسبوقة من الضحايا، بينهم جثامين أطفال ونساء، لكن الكتاب الذي كان في الأصل آخر رسالة علمية بالإنجليزية ناقشتها الكاتبة والأكاديمية الراحلة رضوى عاشور قبل أسابيع من رحيلها في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، يعيد تفكيك سردية المذبحة من منظور ثقافي ليرصد تجلياتها في التحليل الغربي والرواية العربية، على حد سواء.

يتوقف الكتاب، الذي ترجمته نسمة محمد دياب وياسمين أسامة الشيمي وراجعه عمرو زكريا عبد الله، بشكل خاص، عند تجارب ثلاثة مثقفين غربيين اختاروا أن ينظروا إلى المأساة الفلسطينية من خارج القوالب الجاهزة، وأن يستندوا إلى ما شاهدوه وقرأوه وعايشوه، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطاب الإعلامي السائد آنذاك.

على رأس هؤلاء يأتي الكاتب الفرنسي جان جينيه، لا سيما مقاله «أربع ساعات في شاتيلا» الذي يصف فيه، بلغة مشحونة بالألم، تفاصيل الصدمة التي خلفتها المشاهد التي رآها، كما توقف مطولاً عند إشكالية اللغة التي استخدمها الخطاب السياسي في وصف الفلسطينيين، وكيف يمكن لكلمة أو توصيف مختزل أن يحجب إنسانية الضحية ويطمس هويتها، كما ذهب إلى أن الواقعة تحولت من منظوره إلى مواجهة أوسع مع الاستبداد، بعد أن بات «يشتم رائحة الموت تنبعث من جسده»، وفق تعبيره.

وفيما يتعلق بالصحافي البريطاني روبرت فيسك، فقد اقترب من مأساة المخيم بأدوات التحقيق الصحافي الميداني، إذ توجه إلى المكان وعاين آثار المذبحة وطرح أسئلة مباشرة حول الروايات التي قُدمت لتفسير ما حدث، ومن بين ما لفت انتباهه الطريقة التي جرى بها استخدام اللغة، مثل استبدال تعبير فضفاض هو «أحداث» بكلمة «مذبحة»، أو حذف كلمة «فلسطيني» من بعض الصياغات، بما يسهم في طمس حقيقة ما جرى.

أما المفكر الأميركي نعوم تشومسكي، فيركز على الروايات الرسمية والحجج التي قُدمت حول المذبحة، محاولاً تفكيك ما اعتبره «تناقضات داخل بنيتها»، عبر أدوات التحليل والسخرية للكشف عن الفجوات بين ما قيل وما حدث على الأرض. كما توقف كذلك عند الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الجدل السياسي إلى وسيلة لإغلاق النقاش، من خلال وضع «منتقدي الصهيونية» تلقائياً في مواجهة اتهامات بـ«معاداة السامية»، بما يصرف الانتباه عن مناقشة الظروف السياسية التي أحاطت بالمذبحة، على حد تعبيره.

في المقابل، تتوقف الباحثة عند ثلاث روايات عربية، هي: «الحب في المنفى» لبهاء طاهر، و«الطنطورية» لرضوى عاشور، و«باب الشمس» لإلياس خوري، إذ تتناول تلك النصوص المأساة من زوايا مختلفة، وتقدم سردية أدبية إبداعية لما حدث بالفعل، من خلال منظور فني يستند إلى سردية الواقع.

تضع «الحب في المنفى» الواقعة في سياق إنساني يتجاوز حدود فلسطين ولبنان، فالرواية تربط بين ما يواجهه المعارضون في العالم العربي وبين مآسٍ شهدتها شعوب أخرى، من تشيلي وغينيا إلى إسبانيا، لتصبح «صبرا وشاتيلا» واحدة من صور القمع التي يتعرض لها الإنسان عندما يتم إخضاع الآخرين وسلب حقوقهم بالقهر. وتقدم «الطنطورية» معالجة مختلفة، إذ تمتد أحداث الرواية زمنياً من نكبة 1948 إلى تحرير الجنوب اللبناني عام 2000، عبر حكايات الشخصيات وذكرياتها وما عاشته من تهجير وفقد، عبر سردية تمتزج فيها التفاصيل التاريخية مع جوانب من الحياة اليومية والتراث الشعبي الفلسطيني، مما يمنح الأحداث بعداً إنسانياً لافتاً. وتعيد «باب الشمس» بناء جانب واسع من تاريخ النكبة من خلال قصص الفلسطينيين وذاكرتهم، مثل سقوط قرى: عين الزيتون والبروة والشعب خلال عام 1948، فالكاتب هنا لا يتوقف فقط عند الأحداث الكبرى المحفورة في الوجدان العام، إنما يهتم أيضاً بالتفاصيل الصغيرة التي حفظها أصحابها، من أسماء الأماكن إلى حكايات العائلات وتجارب النزوح.


الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني
TT

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية للأحداث من 1888 حتى 1914»، من تأليف الرحالة والشاعر والدبلوماسي البريطاني ويلفريد سكاون بلنت، ترجمة أسامة الغزولي.

يعد الكتاب سجلاً تاريخياً واجتماعياً يلتقي فيه الخاص بالعام، والسفر بالتأمل السياسي، عبر مفارقة نادرة لرجل انحاز للشرق وتعاطف معه ضد سياسات بلاده الاستعمارية، كما يكتسب أهمية خاصة للقارئ العربي لأنه يقدم شهادة شخصية مباشرة على مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ المنطقة، تمتد في الأصل إلى الفترة من 1888 إلى 1914.

عاش بلنت في الفترة من 1840 حتى 1922، وعمل في السلك الدبلوماسي البريطاني بين عامي 1858 و1869، ثم اتجه لاحقاً إلى السفر والكتابة، وارتبط اهتمامه بالشرق بعلاقته بزوجته الليدي آن بلنت، حفيدة الشاعر الإنجليزي لورد بايرون، إذ جاب الزوجان مناطق واسعة من الشرق الأوسط، وأسسا لاحقاً مزرعة لتربية الخيول العربية.

ورغم ذلك، لم يكن اهتمامه بالشرق مجرد شغف بالرحلات أو بالحياة البدوية، فقد تطور تدريجياً إلى موقف سياسي ناقد للإمبريالية البريطانية، بالتزامن مع موقف أقرب إلى الانبهار بالثقافة العربية.

وتكمن قيمة الكتاب في أن مؤلفه لم يكن مؤرخاً يكتب بعد عقود من وقوع الأحداث، وإنما رجل تحرك داخل دوائر سياسية واجتماعية متعددة، وشاهد شخصيات وأحداثاً وصراعات كانت لا تزال في طور التشكل، ولذلك تبدو اليوميات أقرب إلى كاميرا تتحرك بين لندن والقاهرة ومناطق الشرق، فتسجل الانطباعات والمحادثات والأخبار والقرارات، ثم تربطها بسياق سياسي أكبر.

ينتقل المؤلف إلى تونس وليبيا، في خطوة من شأنها توسيع زاوية النظر من مصر إلى شمال أفريقيا في الوقت الذي كانت فيه القوى الأوروبية تتنافس على المنطقة، كما أولى شبه الجزيرة العربية اهتماماً خاصاً، في إطاراهتمامه بالخيول العربية والمجتمعات البدوية، إذ انتقد النظرة الغربية المنحازة سلفاً ضد المجتمعات المحلية.

يتسع المشهد ليشمل السودان أيضاً، من خلال فصل «أم درمان وفاشودة»، حيث تدخل اليوميات في قلب التنافس البريطاني الفرنسي في أفريقيا، ضمن محطات التوتر بين القوتين في نهاية القرن التاسع عشر، مع تحول موقف المؤلف من «الاستشراق الرومانسي» في شبابه إلى بلورة موقف نقدي أكثر تماسكاً للسياسة الاستعمارية.

ولأنه شاعر في الأساس، لا يمكن فصل الحس الأدبي عن طريقة كتابة اليوميات لدى ويلفريد بلنت فحتى عندما يتناول الشأن السياسي المباشر لا يكتفي بتسجيل أسماء المسؤولين أو القرارات، إنما يهتم بالشخصيات وطباعها وعلاقاتها بما وراء التصريحات الرسمية، عبر لغة تجمع بين الصورة الأدبية ودقة المؤرخ والحس التوثيقي.

على هذه الخلفية، يصعب التعامل مع الكتاب بوصفه وثيقة محايدة فيما يتعلق بتناول الشأن المصري تحديداً، فالمؤلف نفسه شخصية سياسية ذات مواقف واضحة، فقد عاش خصماً للسياسة الإمبراطورية البريطانية، ومناصراً لثورة الزعيم الوطني أحمد عرابي، وهو ما يعني أن اختياراته لما يسجله وطريقته في وصف الشخصيات والأحداث تأثرت برؤيته الفكرية كناقد للإمبريالية ومتعاطف مع الحركة الوطنية المصرية.

من هنا تكتسب المواجهة بين بلنت واللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني في القاهرة، أهمية خاصة لأنها تكاد تكون مواجهة بين رؤيتين متناقضتين لمصر بعيون إنجليزية، فالثاني يمثل الإدارة الاستعمارية ويدافع عن تجربتها في مستعمرات الشرق، بينما كان بلنت يرى أن الوجود البريطاني تحول إلى سيطرة سياسية تتعارض مع حق المصريين في تقرير مستقبلهم.

اللافت أن هذه اليوميات تجعل التاريخ أقل تجريداً وحيادية كما تمنحه بعداً شخصياً ملموساً، فبدلاً من أن نقرأ الاحتلال البريطاني للبلدان العربية في صورة تواريخ ومعاهدات وأسماء حكام، نراه من خلال رجل يتحرك بين لندن والشرق، ويتابع العلاقات بين القوى السياسية، ويراقب المجتمع والناس، ويكتب عن صراع الإمبراطوريات وهي تتوسع، على نحو يثبت أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، وإنما شبكة من النفوذ المالي والإداري والسياسي والثقافي.