«وثيقة ترمب» تُسرّع توجّه أوروبا نحو «الاستقلالية الاستراتيجية»

القارة تنظر بقلق كبير إلى «الاستدارة» الأميركية

ستارمر مستقبلاً قادة ألمانيا وفرنسا وأوكرانيا في لندن 8 ديسمبر (أ.ب)
ستارمر مستقبلاً قادة ألمانيا وفرنسا وأوكرانيا في لندن 8 ديسمبر (أ.ب)
TT

«وثيقة ترمب» تُسرّع توجّه أوروبا نحو «الاستقلالية الاستراتيجية»

ستارمر مستقبلاً قادة ألمانيا وفرنسا وأوكرانيا في لندن 8 ديسمبر (أ.ب)
ستارمر مستقبلاً قادة ألمانيا وفرنسا وأوكرانيا في لندن 8 ديسمبر (أ.ب)

كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، منذ وصوله إلى قصر الإليزيه ربيع عام 2017، سباقاً في الدعوة إلى «الاستقلالية الاستراتيجية» لأوروبا عن الولايات المتحدة الأميركية. وباستثناء بعض الأصوات الأوروبية الضعيفة التي «تفهمت» دعوته، فإن أكثرية الدول الأوروبية الأعضاء في الاتحاد الأوروبي عبّرت عن مواقف «فاترة»، إن لم تكن «متحفظة».

وثمة سببان رئيسيان لذلك. الأول، أن أوروبا عاشت، منذ انتهاء الحرب العالمية، تحت المظلة الأميركية - الأطلسية. وحتى اليوم، لم تعثر على بديل عنها لحماية نفسها في عالم يتسم بالخطورة. والآخر، أن الاتحاد الأوروبي، رغم الجهود الذي بذلها في السنوات الأخيرة لتعزيز قدراته الدفاعية وصناعاته العسكرية، ما زال يعاني الضعف عسكرياً. وأبرز دليل على ذلك أن «تحالف الراغبين» المتشكل من 34 دولة غالبيتها أوروبية، الذي رأى النور لدعم أوكرانيا عسكرياً من خلال نشر قوات بعيداً عن خطوط القتال ولردع روسيا من معاودة الهجوم على أوكرانيا بعد التوصل إلى اتفاق لوقف النار أو اتفاقية سلام مع موسكو، ما زال كياناً نظرياً لأن الكثير من الدول «الراغبة» تربط إرسال وحداتها العسكرية بوجود «ضمانة أميركية» لحماية القوة لأوروبية.

ما بعد «الوثيقة الاستراتيجية»

أحدث نشر إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وثيقة «استراتيجية الأمن القومي»، التي تحثّ الأوروبيين على التكفل بالدفاع عن أنفسهم - ما يعني عملياً سحب مظلة الحماية عنهم-، انقلاباً في الوضع وفي علاقة الأوروبيين بالطرف الأميركي.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال تجمع في ماونهت بوكونو بولاية بنسلفانيا 9 ديسمبر (د.ب.أ)

وسارع وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، إلى تأكيد أن نشر الوثيقة الأميركية يُشكّل «لحظة التوضيح والحقيقة التي تدعونا إلى الثبات على المسار والتسريع» في الذهاب نحو الاستقلالية الاستراتيجية. وأضاف بارو أن التطورات الأخيرة «أتثبت أن فرنسا على حق» في دعوتها أوروبا منذ عام 2017 إلى تحقيق الاستقلال الاستراتيجي.

ووفق القراءة الفرنسية، فإن «شعوب أوروبا ترفض أن تصبح قارتهم تابعة وهرمة. إنها تريد أن تكون أوروبا قوة ديمقراطية لا تسمح لأحد بأن يقرر نيابة عنها». وقبل بارو، قالت وزيرة الدولة في وزارة الدفاع الفرنسية أليس روفو، الثلاثاء، للنواب إنه يتعين على أوروبا أن تسرّع عملية إعادة التسلح؛ رداً على التحول الواضح في العقيدة العسكرية الأميركية الجديدة. وأضافت: «أوروبا لا يمكن أن تتصرف بمفردها. ولن تحظى أوروبا بالاحترام إلا إذا عرفت كيف تفرض هذا الاحترام».

يحق للفرنسيين أن يقولوا إنهم سبقوا الآخرين على درب الدعوة إلى قيام دفاع أوروبي مستقل عن الولايات المتحدة. لكن ردة الفعل الأوروبية السابقة، خصوصاً من دول بحر البلطيق وبولندا ومن الدولتين المنضمتين حديثاً إلى الحلف الأطلسي وهما السويد وفنلندا، دفعت باريس إلى القول إن القوة الأوروبية «لن تكون بديلاً عن الحلف الأطلسي، بل إلى جانبه».

قادة ألمانيا وبريطانيا وأوكرانيا وفرنسا في مقر رئاسة الوزراء البريطاني بلندن 12 أغسطس (د.ب.أ)

لكن التطور الأخير أزال التحفظ الأوروبي السابق، إلى درجة أن المستشار الألماني فريدريتش ميرتس ذهب إلى حد تبني الدعوة الفرنسية؛ كون أن الحاصل مؤخراً في الولايات المتحدة «يؤكد تقييمي القائل إن علينا في أوروبا، وبالتالي في ألمانيا أيضاً، أن نصبح أكثر استقلالية بكثير عن الولايات المتحدة فيما يتصل بسياسة الأمن».

بيد أن كايا كالاس، مسؤولة شؤون السياسة الخارجية والدفاع في الاتحاد الأوروبي، التزمت «منزلة بين المنزلتين»؛ إذ إنها، من جهة، رأت أن «الولايات المتحدة لا تزال حليفنا الأكبر». ومن جهة أخرى، دعت الأوروبيين إلى أن «يكونوا أكثر ثقة بأنفسهم»، بمعنى أن يضعوا في الحسبان أنهم يشكلون قوة عسكرية. وقالت: «إذا نظرتم إلى أوروبا، مثلاً، فإنها خفضت تقدير قوتها تجاه روسيا».

وفي السياق نفسه، أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، رداً على توصيفات ترمب لأوروبا بأن القارة القديمة «ستبقى قوية ومتحدة».

خوف من استياء ترمب

ثمة نتيجتان متلازمتان يمكن استخلاصهما من الجدل المستجد بين ضفتي المحيط الأطلسي.

الأولى، أن الردود الأوروبية على الانتقادات العنيفة التي تضمنتها الوثيقة الاستراتيجية الأميركية وانتقادات ترمب في تصريحاته الأخيرة تُبيّن أن الجانب الأوروبي أصيب بالصدمة، ليس فقط بسبب وصف أوروبا بـ«الضعيفة»، بل بسبب الانتقادات الثقافية والمجتمعية التي وُجهت لـ«أسلوب الحياة الأوروبي» وللممارسة الديمقراطية على الطريقة الأوروبية. وكأن ترمب يريد فرض «النموذج الأميركي» على القارة القديمة بسبب قراءة آيديولوجية منطلقها اليمين الأميركي المتطرف.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث أمام مؤتمر ميونيخ للأمن 14 فبراير (أ.ب)

وسبق لنائب الرئيس جي دي فانس أن صدم الأوروبيين في خطابه بمناسبة انعقاد «مؤتمر ميونيخ للأمن» بخطاب مشابه. ورغم هذه الصدمة، فإن الأوروبيين بقوا ضمن نطاق «الحد الأدنى» في الرد على ترمب، مخافة إغاظته وما يمكن أن يترتب على أمر كهذا بخصوص سياسته إزاء أوكرانيا، والتخوف الأوروبي من استدارة أميركية كاملة باتجاه روسيا.

والحقيقة، أن أوروبا، اليوم، في حاجة للولايات المتحدة حتى لا تفرض حلاً على كييف يُصيب أمن أوكرانيا في الصميم، ويهدد مستقبل الأمن الأوروبي للعقود القادمة. وينطلق الأوروبيون من مبدأ أن أوكرانيا «تشكل خط الدفاع الأول عن أوروبا»، وبالتالي لا يتعين تركها فريسة لخطط ترمب. لذا؛ يجهد الأوروبيون، وفق مقدراتهم، للحلول محل واشنطن في توفير الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا. لكنهم، بالمقابل، يتخوفون من أن يفقد ترمب صبره وأن يشيح كليةً بنظره عن أوكرانيا وأوروبا؛ ما سيترك المجال مفتوحاً لروسيا. والقناعة الأوروبية تقول إن الرئيس بوتين لن يتردد، بعد أوكرانيا، في امتحان أوروبا من خلال استهداف دول أوروبية أخرى، خصوصاً تلك التي كانت إلى أمد غير بعيد جزءاً من الاتحاد السوفياتي كأستونيا وليتوانيا ولاتفيا.

جانب من اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع قادة أوروبا حول حرب أوكرانيا في البيت الأبيض 15 أغسطس (إ.ب.أ)

أما النتيجة الأخرى، فمفادها أن الاتحاد الأوروبي فتح عينيه «أخيراً» على تطور جذري في العلاقات الدولية أحدثه الرئيس الأميركي، حيث إن الأخير آخذ برسم صورة جديدة للعالم لا تضع في الحسبان التحالفات التاريخية والمتأصلة كالتحالف الغربي بين جناحي الأطلسي. فالرؤية الترمبية لم تعد تنظر إلى الاتحاد الأوروبي بصفته شريكاً وحليفاً استراتيجياً موثوقاً وأساسياً، بل أخذت تُقيّمه وفق ميزان الربح والخسارة؛ بمعنى ما الذي يستطيع تقديمه للولايات المتحدة والمنافع التي تستطيع الأخيرة جبايتها منه؛ الأمر الذي يعيد المراقب إلى شعار ترمب الرئيسي الأول وهو «أميركا أولاً» أي «مصلحة أميركا أولاً».

إنها مرحلة تحولات جذرية تصدم الأوروبيين الخائفين حتى اليوم من «قطع حبل السرة» مع واشنطن بسبب حاجتهم الحيوية إليها. كذلك، فإنهم قصروا، لا بل عجزوا، عن بناء اتحاد أوروبي قوي يكون مختلفاً عن السوق الحرة التي أقاموها، والتي تضم 450 مليون نسمة. ساعة الحقيقة حلّت واستفاقتهم على التغيرات الجذرية التي أحدثها ترمب جاءت مريرة.

والسؤال الذي يفرض نفسه هور هل سيتوجهون حقيقة نحو «الاستقلالية الاستراتيجية» عن «الشريك» الأميركي، أم أنههم يراهنون على تغيير في القيادة الأميركية قد يأتي مع الانتخابات النصفية أو مع الانتخابات الرئاسية القادمة، حيث سيخرج ترمب من المشهد السياسي الداخلي والدولي على السواء ولن يبقى سوى إرثه؟


مقالات ذات صلة

مصادر: ترمب يرفض جهوداً لبدء محادثات وقف إطلاق النار مع إيران

شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ) p-circle

مصادر: ترمب يرفض جهوداً لبدء محادثات وقف إطلاق النار مع إيران

ذكرت مصادر مطلعة أن الإدارة الأميركية رفضت جهود حلفاء بالشرق الأوسط لبدء مفاوضات دبلوماسية تهدف إلى إنهاء الحرب مع إيران التي بدأت قبل أسبوعين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي يتبادلان التحية خلال اجتماع في طهران - 19 يوليو 2022 (أرشيفية - أ.ب) p-circle

زيلينسكي: التركيز العالمي على الشرق الأوسط «ليس في صالح أوكرانيا»

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إنه يتفهم تحول انتباه العالم إلى الشرق الأوسط، لكن ذلك «ليس في صالح أوكرانيا». وأضاف زيلينسكي للطلاب في باريس، خلال…

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (رويترز) p-circle

عراقجي يدعو الدول المجاورة لإيران إلى «طرد» القوات الأميركية

دعا وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، السبت، الدول المجاورة لإيران إلى «طرد» القوات الأميركية من الشرق الأوسط، وذلك في اليوم الـ15 للحرب مع إسرائيل وأميركا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تحليل إخباري الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (رويترز)

تحليل إخباري حرب إيران في الميزان الأميركي: تكلفة باهظة ورسائل متضاربة

من أسعار الوقود المرتفعة إلى تكلفة العمليات العسكرية، وصولاً إلى أعداد القتلى والجرحى، تتنامى معارضة الرأي العام الأميركي لمواصلة الحرب.

رنا أبتر (واشنطن)
تحليل إخباري الرئيس الأميركي بعد وصوله إلى مطار بالم بيتش مساء 13 مارس (أ.ب) p-circle

تحليل إخباري «ضربة خرج» بين فرض اتفاق والانزلاق إلى حرب أطول

مع دخول حرب إيران أسبوعها الثالث، تحوّلت العمليات العسكرية الأميركية إلى اختبار حقيقي لقدرة إدارة دونالد ترمب على تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية.

إيلي يوسف (واشنطن)

سويسرا ترفض طلبين أميركيين لتحليق طائرات مرتبطة بالحرب على إيران

مقاتلات أميركية تحلّق فوق حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» المشتركة في الضربات على إيران (أ.ف.ب)
مقاتلات أميركية تحلّق فوق حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» المشتركة في الضربات على إيران (أ.ف.ب)
TT

سويسرا ترفض طلبين أميركيين لتحليق طائرات مرتبطة بالحرب على إيران

مقاتلات أميركية تحلّق فوق حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» المشتركة في الضربات على إيران (أ.ف.ب)
مقاتلات أميركية تحلّق فوق حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» المشتركة في الضربات على إيران (أ.ف.ب)

أعلنت الحكومة السويسرية، اليوم السبت، أنها ناقشت طلبات قدمتها طائرات عسكرية ورسمية أميركية للتحليق فوق أراضيها، وأنها رفضت طلبين ووافقت على ثلاثة بناء على قانون الحياد السويسري.

وذكرت الحكومة، في بيان نقلته وكالة «رويترز» للأنباء، أنه «يحظر قانون الحياد تحليق الطائرات التابعة لأطراف الصراع التي تخدم أغراضاً عسكرية متعلقة بالصراع. ويسمح بالعبور لأغراض إنسانية وطبية، بما في ذلك نقل الجرحى، وكذلك التحليق غير المرتبط بالصراع».

وهددت إيران، السبت، بتصعيد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط باستهداف أي منشأة في المنطقة لها صلات بالولايات المتحدة، وذلك بعد أن قصفت واشنطن مركز الطاقة الرئيسي لها. وتوقع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن ترسل «دول كثيرة» سفناً حربية للمنطقة.

ومع دخول الصراع أسبوعه الثالث، رفعت إيران راية التحدي بعدما قصفت قوات أميركية مواقع عسكرية في جزيرة خرج الإيرانية التي تُصدر 90 في المائة من النفط الإيراني.

ومنذ أن بدأت إسرائيل والولايات المتحدة الهجوم على إيران في 28 فبراير (شباط)، أسفرت الحرب عن مقتل أكثر من ألفي شخص، معظمهم في إيران، وتسببت في أكبر اضطراب في إمدادات النفط على الإطلاق، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار العالمية.

وقال ترمب إن دولاً كثيرة سترسل سفناً حربية للسماح بمرور السفن عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره 20 في المائة من إمدادات الطاقة في العالم.


«اليونيسكو» قلقة من تداعيات الحرب على مئات المواقع التراثية في الشرق الأوسط

مقر «اليونيسكو» في باريس (أ.ف.ب)
مقر «اليونيسكو» في باريس (أ.ف.ب)
TT

«اليونيسكو» قلقة من تداعيات الحرب على مئات المواقع التراثية في الشرق الأوسط

مقر «اليونيسكو» في باريس (أ.ف.ب)
مقر «اليونيسكو» في باريس (أ.ف.ب)

تُثير الحرب في الشرق الأوسط التي اندلعت بسبب الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران قلق منظمة «اليونيسكو» التي تخشى من اتساع نطاق الأضرار التي لحقت بمواقع تراثية في عدد من بلدان المنطقة.

ويقول لازار إلوندو أسومو، مدير مركز التراث العالمي في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية»: «يطاول النزاع ما يقرب من 18 دولة، يوجد فيها نحو 125 موقعاً من مواقع التراث العالمي، و325 موقعاً آخر يمكن أن تصبح مواقع تراث في المستقبل».

ويضيف: «نحن نتحدث عما يقرب من 10 في المائة من مواقع التراث العالمي التي قد تكون معنيّة أو ضحية لتبعات الأعمال العدائية»، متابعاً أن ما يُثير قلق المنظمة هو تلقيها معلومات عن «تعرّض مواقع للقصف»، لا سيّما في إيران، لكن أيضاً في إسرائيل ولبنان.

ومن بين 29 موقعاً إيرانياً مدرجة على لائحة التراث العالمي، أحصت «اليونيسكو» حتى الآن تضرّر 4 مواقع على الأقل، أبرزها قصر غُلِستان الواقع وسط طهران.

ويقول إلوندو أسومو: «إنه قصر مذهل، بزخارفه من المرايا، وثريّاته الاستثنائية، ومكان شهد شطراً كبيراً من تاريخ إيران بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر».

وحسب لقطات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، تحطّمت النوافذ وتناثر على أراضي غرف عدة حطام المرايا والثريّات والزجاجيات الملوّنة التي تشتهر بها أروقة القصر.

وتضرر أيضاً مسجد الجمعة في أصفهان (وسط) «بخزفياته المدهشة وقبته الرائعة التي ألهمت بناء المساجد في المنطقة»، وفق المسؤول في المنظمة.

وبعد مرور أكثر من أسبوعين على اندلاع الحرب، أعلنت وزارة التراث الثقافي والسياحة الإيرانية، السبت، عن تضرر 56 متحفاً وموقعاً تاريخياً على الأقل، أبرزها قصر غلستان في طهران وساحة نقش جهان الرئيسية في أصفهان.

وفي لبنان، تعرضت أنحاء قريبة من المدفن الأثري في منطقة البص في مدينة صور (جنوب)، والمدرج على لائحة التراث العالمي، لضربات إسرائيلية.

وأكد مسؤولون أن الموقع نفسه لم يتعرض لأضرار. وندد وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة بهذه الضربات، وقال إن «المواقع الأثرية ليس فيها أيّ وجود عسكري أو أمني، وبالتالي لا يمكن استعمال هذه الحجّة لقصفها أو المساس بها»، حسبما نقلت عنه «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية.

ويلفت المسؤول في «اليونيسكو»، إلوندو أسومو، إلى أنه «لا يمكن معرفة طبيعة الأضرار اليوم»، مضيفاً: «سيكون من الضروري التوجّه إلى الموقع مع الخبراء لإجراء تقييمات أدق بكثير».

ويُشير إلى أنه في ظل «العنف والأعمال العدائية»، يجرى هذا التقييم راهناً عن طريق «صور الأقمار الاصطناعية التي تتيح المقارنة بين ما قبل وما بعد».

ويؤكد أن «اليونيسكو» سخّرت موظفين محليين وحرفيين على الأرض «للتحقّق من المعلومات، وتوثيقها، وتأمين القطع الأثرية والمجموعات المتحفية».

وبحكم مواجهتها المتكرّرة لمثل هذه الحالات في أنحاء عدة من العالم، أعدت «اليونيسكو» إجراءات خاصة للتعامل معها.

ويوضح إلوندو أسومو: «بمجرد بدء الأعمال العدائية، قمنا بإبلاغ الدول المتحاربة بالإحداثيات الجغرافية للمواقع المحمية».

كما تُرفع أو تُرسم على المواقع التراثية إشارات ضمن مبادرة «الدرع الأزرق»، وهي لجنة مرتبطة بـ«اليونيسكو» تُلقَّب بـ«الصليب الأحمر للتراث».

وانسحبت إسرائيل من «اليونيسكو» عام 2017. وحذت الولايات المتحدة حذوها، وستصبح خطوتها سارية في نهاية 2026. ويؤكد إلوندو أسومو أن ثمة «حواراً، وتواصلت» مع البلدين الموقّعين على اتفاقية عام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح، وعلى اتفاقية التراث العالمي.

ويشدد على أن «(اليونيسكو) تضطلع بدورها في حمل جميع الدول (...) على احترام التزاماتها وحماية التراث».


البحث عن شخص فجّر عبوة ناسفة خارج مدرسة يهودية في أمستردام ولا إصابات

سيارات الشرطة في موقع الانفجار الذي وقع أمام المدرسة اليهودية (إ.ب.أ)
سيارات الشرطة في موقع الانفجار الذي وقع أمام المدرسة اليهودية (إ.ب.أ)
TT

البحث عن شخص فجّر عبوة ناسفة خارج مدرسة يهودية في أمستردام ولا إصابات

سيارات الشرطة في موقع الانفجار الذي وقع أمام المدرسة اليهودية (إ.ب.أ)
سيارات الشرطة في موقع الانفجار الذي وقع أمام المدرسة اليهودية (إ.ب.أ)

تواصل السلطات الهولندية، السبت، البحث عن شخص تم تصويره وهو يزرع عبوة ناسفة انفجرت خارج مدرسة يهودية في أمستردام خلال الليل. وندّدت رئيسة البلدية بالهجوم ووصفته بأنه عمل عدواني ضد الجالية اليهودية في المدينة.

سيارات الشرطة في موقع الانفجار الذي وقع أمام المدرسة اليهودية (رويترز)

وذكر بيان صادر عن مجلس المدينة أن الانفجار الذي وقع ليلاً على السور الخارجي للمدرسة في حي بويتنفيلدرت لم يتسبب إلا بأضرار محدودة. وأضاف البيان أن الكاميرا رصدت الشخص الذي أحدث الانفجار. وقالت رئيسة بلدية أمستردام فيمكي هالسيما، في بيان لها، إن سكان أمستردام اليهود يشعرون «بالخوف والغضب» ويتعرضون بشكل متزايد لمعاداة السامية. ووصفت هالسيما الحادث بأنه «عمل عدواني جبان ضد المجتمع اليهودي».

وأوضحت هالسيما أن الشرطة لديها تسجيلات كاميرات مراقبة تُظهر رجلاً يزرع العبوة الناسفة، وقد فُتح تحقيق في الحادث. وأضافت أنّ «الشرطة وعناصر الإطفاء وصلوا بسرعة إلى مكان الحادث» في منطقة بويتنفيلدرت جنوب أمستردام، مشيرة إلى «أضرار مادية محدودة». وتُشبه الطريقة المتبعة تلك التي اعتُمدت في حوادث مماثلة وقعت هذا الأسبوع، خلال الليل أيضاً، أمام معبدين يهوديين في مدينتي لييج البلجيكية وروتردام الهولندية. وقال رئيس الحكومة الهولندية روب يتن، في منشور على منصة «إكس»: «هذا فظيع. لا مكان لمعاداة السامية في هولندا». وأضاف: «أتفهّم الغضب والخوف الذي أثاره (الهجوم)، سأتحدث إلى المجتمع اليهودي قريباً. يجب أن يشعروا دائماً بأمان في بلدنا». وأضاف: «لا مكان لمعاداة السامية في هولندا. أتفهم الغضب والخوف وسأتواصل مع الجالية اليهودية فوراً. يجب أن يشعروا بالأمان في بلدنا دائماً». والجمعة، أعلنت السلطات الهولندية توقيف 4 أشخاص للاشتباه بتورّطهم في انفجار خارج كنيس يهودي في روتردام. وتأتي سلسلة الأحداث هذه في ظل استمرار الحرب التي اندلعت في الشرق الأوسط إثر هجوم أميركي إسرائيلي على إيران.

أمستردام (رويترز)

وكان حريق قد شب في مدخل كنيس يهودي في مدينة روتردام الهولندية صباح الجمعة، وقالت الشرطة إنها تتعامل معه باعتباره «حريق عمد». وذكرت الشرطة أن الحريق سرعان ما تم إخماده دون أن يتعرض أي شخص للإصابة. وأدان نواب البرلمان والمنظمات اليهودية الحريق الذي وصفوه بأنه هجوم معادٍ للسامية. وذكر تشانان هيرتزبيرجر، رئيس المجلس اليهودي المركزي، أن «هذا هو تجسد معاداة السامية، حيث تعقب الأفعال الآن الكلمات والتهديدات». وأعرب وزير العدل والأمن ديفيد فان فيل عن دعمه للمجتمع اليهودي في هولندا. من جانب آخر قضت محكمة نرويجية بتوقيف 4 مشتبه بهم احتياطياً في أوسلو، الجمعة، عقب انفجار وقع في السفارة الأميركية بالعاصمة النرويجية الأسبوع الماضي. وتم احتجاز ثلاثة إخوة ووالدتهم بعد حادث الانفجار يوم الأحد الماضي، ولم يصب أحد بأذى في الحادث. وأقر أحد الإخوة بوضع شحنة متفجرة في السفارة، في حين نفى الثلاثة الآخرون أي تورط لهم في الحادث.

مواجهات بين الشرطة والمتظاهرين خارج قاعة الحفلات الموسيقية الملكية «كونسيرت خيباو» خلال مظاهرة احتجاجاً على ظهور المنشد الإسرائيلي شاي أبرامسون في أمستردام بهولندا (إ.ب.أ)

وقالت المحكمة إنها رأت خطراً من أن أفراد العائلة قد ينسقون أقوالهم إذا أُفرج عنهم. وقالت محطة الإذاعة والتلفزيون الوطنية النرويجية (إن آر كي) إن الرجال مواطنون نرويجيون من أصل عراقي. وتم احتجاز الرجال الثلاثة، الأربعاء، بشبهة الإرهاب، في حين تم احتجاز والدتهم الجمعة.

وتعرضت السفارة الأميركية لانفجار يوم الأحد الماضي، وأعلنت الشرطة لاحقاً أنها ألقت القبض على المشتبه بهم، متهمة إياهم بارتكاب «تفجير إرهابي» بهدف القتل أو إحداث أضرار جسيمة.

وأفادت السلطات النرويجية بأن الانفجار القوي الذي وقع في الصباح الباكر جراء انفجار عبوة ناسفة يدوية الصنع ألحق أضراراً بمدخل القسم القنصلي بالسفارة، لكنه لم يؤدِّ إلى وقوع إصابات. وقال محامي المتهمين إن أحد الرجال اعترف بزرع العبوة الناسفة، بينما نفى المتهمون الثلاثة الآخرون تورطهم في الحادث.