السعودية وأميركا... عناوين الشراكة الأعمق

الأمير محمد بن سلمان وترمب خلال جولة في البيت الأبيض يوم 18 نوفمبر 2025 (أ.ب)
الأمير محمد بن سلمان وترمب خلال جولة في البيت الأبيض يوم 18 نوفمبر 2025 (أ.ب)
TT

السعودية وأميركا... عناوين الشراكة الأعمق

الأمير محمد بن سلمان وترمب خلال جولة في البيت الأبيض يوم 18 نوفمبر 2025 (أ.ب)
الأمير محمد بن سلمان وترمب خلال جولة في البيت الأبيض يوم 18 نوفمبر 2025 (أ.ب)

منذ تأسيسها، صنع الملك عبد العزيز لبلاده مكانتها على المسرح العالمي. تزامن ذلك مع صعود أميركا قوة عظمى؛ وجاء التقاء المصالح المشتركة ليؤسس لعلاقة متفردة بين البلدين منذ ثلاثينات القرن الماضي.

ومع ذلك، ما زال يخطئ جمهور من العرب الأميركيين على حد سواء في فهم جذور العلاقات السعودية - الأميركية باختزالها سابقاً في مفهوم «الأمن مقابل النفط»، أو بمعنى أدق الجوانب العسكرية والدفاعية؛ وغير ذلك من الأطروحات التي لا سند لها.

وتزخر إصدارات ومؤلفات وتقارير بتحليلات وقراءات أراها بعيدة عن حقيقة العلاقة بين البلدين، التي مر اثنان وتسعون عاماً على نشأتها، ومضى ثمانون عاماً على اللقاء الذي وضع أسسها ومبادئها بين الملك عبد العزيز والرئيس روزفلت؛ لذا هي علاقة أوثق وأعمق في جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية.

منذ البدايات لم تكن علاقات دفاع ونفط وشراء أسلحة فقط؛ بل كانت علاقات متعددة الأطراف كثيرة المحاور شملت قطاعات كثيرة، مثل: الزراعة، والتعليم، والتدريب، والصحة، والبنوك والاستثمار، والصناعة والنقل، والتجارة، والبحوث والاستشارات، والري والمياه، والطيران، والإعلام والاتصالات، والإنشاءات والتشغيل، والصيانة والبيئة وعلوم الأرض، وغيرها من المجالات التي لكل منها قصتها وتفصيلاتها.

ولعله من المهم الإشارة إلى أنه عدا البعثات الأميركية المتخصصة في المجالات التعدينية والمالية والزراعية والفرق الطبية، بلغ عدد الشركات الأميركية العاملة خلال عقد الخمسينات الميلادية من القرن الماضي - أي بعد إعلان توحيد البلاد وتسميتها المملكة العربية السعودية - أكثر من مائتي شركة.

في الوقت ذاته بدأ وصول الطلاب السعوديين للدراسة في الولايات المتحدة، وقبل ذلك وصل الأميركيون للعمل في السعودية، مئات الآلاف من الجنسيتين على مدى العقود الثمانية الماضية درسوا وعملوا في البلدين فنشأت روابط ثقافية وصلات اجتماعية وتعمقت عبر السنين كعمق العلاقات السعودية - الأميركية.

جاءت زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، لواشنطن 18و19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 لتضع نقاطاً على الحروف، ولتُجلي واقع هذه العلاقات وعمقها التاريخي وآفاق مستقبلها.

وجاء الترحيب الأميركي لافتاً، فرغم الحميمية الحاضرة، كان الاستقبال مختلفاً ومهيباً، وعلى الرغم من الرسائل والدلالات التي يمكن التقاطها من تفاصيل الاستقبال، فإنه يمكن اختصار كل ذلك بأن ما حصل ليس مألوفاً في واشنطن، ووصفته وسائل الإعلام الأميركية بالفخم والباذخ، وفي ذهني سابقتان لمثل هذا الاستقبال، الأولى قرأتها: وكانت عند احتفاء الرئيس روزفلت بالأميرين (الملكين) فيصل وخالد أثناء زيارتهما الأولى للولايات المتحدة في سبتمبر (أيلول) 1943، والأخرى حضرتها: عند احتفاء الرئيس ريغان بالملك فهد في فبراير (شباط) 1985.

تذكرت وكاميرات التلفزيون تنقل توقف الزعيمين محمد وترمب أمام صورة الرئيس روزفلت أثناء جولتهما في البيت الأبيض، ما سطره وليام إيدي عن لقاء الملك عبد العزيز بالرئيس روزفلت (فبراير 1945): «منذ أن وطئت قدما الملك البارجة (كوينسي) والتقى روزفلت وجهاً لوجه حدثت الألفة بين الرجلين وبدأ كلاهما بالبحث عن أوجه التشابه لا الاختلاف. كان التركيز على ما يجمع لا ما يفرق. رغم الفارق الثقافي كان للقلوب أهدافها الخاصة، كانت كاريزما ودبلوماسية الرجلين حاضرة».

وهذا ما أظنه حدث في اللقاء الأول للأمير محمد بن سلمان مع الرئيس ترمب (مارس 2017).

في هذه الزيارة بدا واضحاً احتفاء الرئيس ترمب غير المسبوق بولي العهد، بدءاً بمراسم الاستقبال وأثناء المؤتمر الصحافي في المكتب البيضاوي، وقبل ذلك تصريحه عشية الزيارة عن موافقته بيع طائرات «إف - 35» للسعودية، وعبارات الاحترام والثناء والتقدير تجاه الأمير طوال الزيارة.

وبالمناسبة، هذه أول زيارة رسمية لولي العهد لأميركا بعد توليه منصب رئيس مجلس الوزراء في سبتمبر (أيلول) 2022، وأتت بتوجيه من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وبعد نحو عامين من المناقشات والمباحثات والزيارات المتبادلة بين المسؤولين في البلدين للتوصل إلى اتفاق حول عدد من الملفات الثنائية والاتفاقيات المختلفة، كما تزامنت مع موافقة مجلس الأمن على خطة الرئيس ترمب لإنهاء الحرب في غزة. لم تكن زيارة بروتوكولية أو جولة دبلوماسية؛ بل حمل الأمير خلالها هموم المنطقة وملفاتها من فلسطين إلى سوريا، ولبنان، والعراق، والسودان واليمن وحتى إيران والتجاوزات الإسرائيلية وغيرها إلى واشنطن.

الرئيس الأميركي وولي العهد السعودي خلال مراسم الاستقبال في البيت الأبيض يوم 18 نوفمبر 2025 (أ.ب)

بحث الزعيمان العلاقات الثنائية والملفات الأخرى ضمن رؤية ولي العهد المتكاملة لترتيب أوضاع المنطقة نحو مستقبل أفضل يحقق الاستقرار الاستراتيجي والازدهار الاقتصادي، وبدأت ملامحه حين أعلن الرئيس ترمب خلال منتدى الاستثمار السعودي - الأميركي الذي أقيم على هامش الزيارة (19 نوفمبر 2025)، أنه وبناءً على طلب الأمير محمد بن سلمان، سيبدأ العمل على إيقاف «الفظائع المروعة» في السودان، وقبل ذلك أعلن الرئيس ترمب في الرياض (13 مايو 2025) عن قراره رفع العقوبات عن سوريا بطلب من ولي العهد.

كما يجب ألا ننسى أن الحديث قبل أشهر كان عن تهجير سكان غزة والبحث عن وطن بديل، واليوم تضمنت خطة الرئيس ترمب مساراً محتملاً لقيام الدولة الفلسطينية، وهنا يظهر حجم تأثير الدبلوماسية السعودية التي تعمل بصمت ودون ضجيج. لكن ماذا يعني كل ذلك؟

لا يمكن فهم رغبة واشنطن في توثيق شراكتها مع الرياض دون النظر إلى دوافعها خلال العقد الأخير؛ فالولايات المتحدة ترى في السعودية شريكاً لا بديل عنه في موازنة الصعود الصيني، وضمان استقرار أسواق الطاقة، خاصة بعد حرب أوكرانيا، وإدارة أمن الشرق الأوسط دون العودة إلى التدخل العسكري الأميركي المباشر.

كما تنظر واشنطن إلى الدور السعودي بوصفه محورياً في حماية الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد، علاوة على أهميته في دعم التفوق التقني الأميركي عبر شراكات الذكاء الاصطناعي والاستثمارات العابرة للقارات. وإدراكاً منها أن استقرار المنطقة، وملف إيران، وأمن الإقليم الشامل لا يمكن التعامل معها إلا عبر دولة تمتلك شرعية وموثوقية وتأثيراً بحجم المملكة العربية السعودية؛ فالدبلوماسية السعودية تمتلك إرثاً عريقاً في إدارة التوازنات وسعيها ليس فقط لمصالحها الخاصة؛ بل أيضاً للمصالح العامة للمنطقة ودولها. لذا؛ باتت واشنطن تعدّ تطوير الشراكة مع الرياض مصلحة استراتيجية ثابتة، لا مجاملة سياسية ولا قضية وقتية.

وقَّع الأمير والرئيس اتفاقية الدفاع الاستراتيجية بين البلدين تعزيزاً للشراكة الدفاعية الممتدة، وحراسة لاستقرار المملكة، وازدهار المنطقة. وتُعدّ اتفاقية إنشاء وتشغيل قاعدة الظهران من قِبل الجيش الأميركي الموقّعة في 5 أغسطس (آب) 1945، أول اتفاقية عسكرية بين البلدين. وفي 18 يونيو (حزيران) 1951 وُقّعت اتفاقية تنظيم استخدام القاعدة أو ما عرف باتفاقية الدفاع المتبادل التي شملت تطوير وتسليح وتدريب الجيش السعودي. هذه العلاقة التاريخية جعلت المنتجات العسكرية الأميركية تمثل نحو 80 في المائة من منظومة الدفاع السعودية.

لم تقف الشراكة العسكرية السعودية - الأميركية عند حدود التسليح، بل امتدت إلى تطوير الصناعات ونقل المعرفة، وتطوير القدرات البشرية والتنمية المستدامة التي أوجدتها القواعد والمدن العسكرية في عدد من المناطق السعودية.

أقام الرئيس ترمب لولي العهد حفلة عشاء رسمية في البيت الأبيض، أعلن خلالها تصنيف المملكة العربية السعودية رسمياً حليفاً رئيسياً للولايات المتحدة من خارج «ناتو».

كما زار ولي العهد الكونغرس الأميركي والتقى رئيس مجلس النواب مايكل جونسون وعقد اجتماعات موسعة مع قيادات وأعضاء المجلس من مختلف اللجان.

خلال الزيارة تم التوقيع على عدد من الاتفاقيات والشراكات، من أهمها في تقديري: الشراكة الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي، والتعاون في مجال الطاقة النووية، وتأمين سلاسل إمدادات اليورانيوم والمعادن الحرجة. وفي كل من هذه المجالات ميزة تنافسية سعودية وتقنيات أميركية ومنافع متبادلة. كما وُقّعت عشرات الاتفاقيات الأخرى على هامش منتدى الاستثمار السعودي - الأميركي، إنها اتفاقيات تحمل إرث الماضي بتوقيع المستقبل.

 أعلن الأمير محمد أن الاستثمارات السعودية في أميركا سترتفع إلى تريليون دولار، ورد الرئيس ترمب بأن ذلك مهم للأمن القومي الأميركي؛ ما يؤسس لمرحلة جديدة في العلاقة الاستراتيجية، ويُمأسس هذه العلاقة ويضبط إعداداتها من خلال هذه الاتفاقيات، فعلى سبيل المثال تمتعت المملكة العربية السعودية عطفاً على علاقتها الاستراتيجية بالولايات المتحدة ووفقاً لتقديرات الإدارات الأميركية المتعاقبة، بمعظم امتيازات الدول الحليفة من خارج «ناتو»، لكن تصنيفها رسمياً يجعل هذه الامتيازات محصنة قانونياً.

تحدث الأمير، خلال المؤتمر الصحافي، بلغة واثقة وتعامل مع الإعلام الأميركي بإجابات حاسمة بيَّن فيها الحقائق بلياقة سياسية وشفافية عالية، وقال الأمير والرئيس الكثير خلال خطبهما وتعليقاتهما عن العلاقات بين البلدين، وفي كل كلمة إشارة وفي كل عبارة دلالة، كما كانت لغة الجسد أبلغ من الكلام. الخلاصة، أن العلاقة تزداد رسوخاً وعمقاً، متكئة على إرث تاريخي وإنجازات كبرى استفاد منها أجيال من السعوديين والأميركيين؛ بل وحتى العرب والمسلمين، وستستفيد الأجيال القادمة من العناوين الجديدة لهذه العلاقة عبر العقود المقبلة.

إن العناوين الجديدة للشراكة بين الرياض وواشنطن لم تعد تدور حول «الأمن مقابل النفط»، بل حول صياغة مستقبل مشترك يقوم على أربع ركائز أساسية، تتمثل في: أمن إقليمي تتحمل فيه المملكة دور القطب المستقر، واقتصاد عالمي تدعمه الاستثمارات السعودية الضخمة في الداخل الأميركي، وشراكات في مجالات الطاقة والتقنيات المتقدمة ترسم ملامح التحول الكبير في الذكاء الاصطناعي والطاقة والمعادن الممغنطة والحرجة، ونظام دولي يعاد تشكيله في مواجهة صعود قوى كبرى. وفي العقدين المقبلين ستحتاج أميركا إلى السعودية لضمان استقرار الطاقة، وموازنة الصين، وحماية الشرق الأوسط دون تدخل أميركي مباشر؛ بينما ستحتاج المملكة إلى التقنيات المتقدمة، والأسواق العميقة، والشراكات الاستراتيجية التي تُساعد على تحقيق رؤيتها. ويبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذه المصالح المتبادلة إطاراً دائماً لا يتأثر بتبدّل الإدارات، بل يستند إلى فهم مشترك لمستقبل المنطقة والعالم. وهكذا تتأسس الشراكة الأعمق: شراكة تقود التحول، ولا تكتفي بالتكيف معه.


مقالات ذات صلة

ولي العهد السعودي وملك البحرين يستعرضان المستجدات الإقليمية

الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والعاهل البحريني الملك حمد بن عيسى (واس)

ولي العهد السعودي وملك البحرين يستعرضان المستجدات الإقليمية

استعرض ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى، هاتفياً، آخر المستجدات الإقليمية، وجهود تعزيز أمن واستقرار المنطقة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)

ولي العهد السعودي يعتذر عن عدم حضور «قمة السبع» لارتباطات مسبقة

اعتذر ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عن عدم تمكنه من المشاركة في «قمة السبع» التي تستضيفها فرنسا، الأسبوع المقبل؛ لوجود ارتباطات مسبقة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)

ولي العهد السعودي يُوجّه باستئناف صادرات لبنان إلى البلاد

وجَّه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان باستئناف الصادرات اللبنانية إلى البلاد، وذلك بناءً على طلب الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)

السعودية: أمر ملكي بترقية وتعيين 212 قاضياً بوزارة العدل

أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أمراً يقضي بترقية وتعيين 212 قاضياً بوزارة العدل في مختلف درجات السلك القضائي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الأمير محمد بن سلمان والرئيس جوزيف عون (الخارجية السعودية)

ولي العهد السعودي والرئيس اللبناني يبحثان التطورات

بحث الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، مع الرئيس اللبناني جوزيف عون، آخر التطورات في لبنان والمنطقة.

«الشرق الأوسط» (جدة) «الشرق الأوسط» (بيروت)

السعودية تعزي قطر في وفاة مواطن بشظايا العمليات العسكرية بالمنطقة

العاصمة القطرية الدوحة (بنا)
العاصمة القطرية الدوحة (بنا)
TT

السعودية تعزي قطر في وفاة مواطن بشظايا العمليات العسكرية بالمنطقة

العاصمة القطرية الدوحة (بنا)
العاصمة القطرية الدوحة (بنا)

أعربت السعودية عن خالص التعازي وصادق المواساة لدولة قطر وشعبها، جراء وفاة مواطن قطري تعرض لشظايا ناجمة عن العمليات العسكرية التي شهدتها المنطقة مؤخراً، وأدت كذلك إلى إصابة مقيم.

وعبَّر بيان لوزارة الخارجية، الاثنين، عن تضامن السعودية مع قطر حكومة وشعباً، وتعازيها ومواساتها لذوي المتوفى، وتمنياتها للمصاب بالشفاء العاجل.

كانت وزارة الداخلية القطرية، أعلنت الأحد، وفاة مواطن متأثراً بإصابته بالشظايا، وإصابة مقيم من جنسية عربية، وذلك إثر «إدارة أمن السواحل» حادثة مرتبطة بتأخر وسيطة بحرية عن موعد عودتها في عرض البحر، قبل أن تعثر عليها فرق البحث والإنقاذ لاحقاً.

وأكدت «الداخلية» مواصلة استكمال الإجراءات والتحقيقات القانونية في الحادثة وفق الأطر القانونية المعتمدة، مُقدِّمة خالص التعازي لذوي المتوفى، والتمنيات بالشفاء العاجل للمصاب.


مصير مضيق هرمز ملف رئيسي في مباحثات سلطان عمان مع الرئيس الفرنسي

سلطان عمان والرئيس الفرنسي يتابعان توقيع الوزراء والمسؤلين من الجانبين على الاتفاقيات (أ.ب)
سلطان عمان والرئيس الفرنسي يتابعان توقيع الوزراء والمسؤلين من الجانبين على الاتفاقيات (أ.ب)
TT

مصير مضيق هرمز ملف رئيسي في مباحثات سلطان عمان مع الرئيس الفرنسي

سلطان عمان والرئيس الفرنسي يتابعان توقيع الوزراء والمسؤلين من الجانبين على الاتفاقيات (أ.ب)
سلطان عمان والرئيس الفرنسي يتابعان توقيع الوزراء والمسؤلين من الجانبين على الاتفاقيات (أ.ب)

تعود آخر زيارة رسمية لسلطان عمان إلى فرنسا لعام 1989، عندما قام بها السلطان قابوس بن سعيد، في زمن الولاية الثانية للرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران الذي شغل القصر الرئاسي طيلة 14 عاماً (1981 ـ 1995). وبدوره، زار ميتران مسقط نهاية شهر يناير (كانون الثاني) عام 1992.

من هنا، فإن الزيارة الرسمية التي يقوم بها السلطان هيثم بن طارق 2020، تعد حدثاً دبلوماسياً وسياسياً من الدرجة الأولى بالنظر للأوضاع المتوترة في المنطقة الخليجية، وللدور الذي يمكن أن تلعبه عمان المطلة على مضيق هرمز وسط عملية ليّ ذراع بين طهران وواشنطن، وتجدد العمليات العسكرية بين الجانبين بسبب رغبة كل من الطرفين التحكم في إدارته.

احتفاء واتفاقيات بالجملة

وصل سلطان عمان إلى باريس، عصر الأحد، مصحوباً بمجموعة مهمة من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين وسط رغبة فرنسية بتعزيز العلاقة بين باريس ومسقط. وحرصت باريس على تكريم السلطان هيثم بن طارق من خلال استقبالين الأول لدى نزوله إلى الأراضي الفرنسية، والثاني (الرسمي) في قصر الإنفاليد، فضلاً عن استقباله (الرسمي أيضاً) في باحة قصر الإليزيه. وهي المرة الأولى التي يلتقي فيها الرئيس ماكرون والسلطان هيثم بن طارق.

وأقام ماكرون غداء قصر الأليزيه على شرف سلطان عمان ووفده المرافق؛ ما وفر الفرصىة لجولة مباحثات تبعها توقيع ما لا يقل عن 12 اتفاقية ومذكرة تفاهم وإعلان نوايا بحضور رئيسي الدولتين.

كذلك شاركا معاً في مؤتمر اقتصادي رفيع المستوى حضره عشرات رجال الأعمال من البلدين.

وتتناول الاتفاقيات قطاعات النقل واللوجستيات والموانئ، وترويج الاستثمار والمجال الجوي والفضاء والثقافة والتعليم، والمياه.

ومن أبرز ما وقع، كان عقداً أبرمته «شركة كهرباء فرنسا» بقيمة 4 مليارات دولار لإنشاء محطة لتخزين الطاقة بالضخ في سلطنة عمان، ويتعلق العقد بتطوير وتشغيل أول محطة لتخزين الطاقة بالضخ عند سد «وادي ضيقة»، على مسافة 90 كيلومتراً جنوب مسقط. وفي المؤتمر المذكور، قال ماكرون متوجهاً إلى السلطان: «إن وجودكم هنا يحمل أهمية كبيرة. وكما ناقشنا، فإننا نرغب في إقامة مزيد من العلاقات، وتطوير فرص الأعمال. وأود أن أؤكد أننا نرغب بوضوح في بناء شراكة استراتيجية معكم، تقوم على الترابط والتكامل بين مختلف قطاعات الأعمال. ونحن نؤمن حقاً بأن لدينا شراكة أساسية ومتينة».

ومن جانبه، عبّر السلطان هيثم بن طارق عن «سعادته» لوجوده في باريس مثمناً «المناقشات المثمرة للغاية حول العديد من القضايا التي تهم فرنسا وبلدنا، وكانت نتائجها إيجابية للغاية»، ومعتبراً أنها «تفوق كل ما أنجز في السنوات السابقة». وأضاف أن ثمة أموراً لم يكشف عنها، وستظهر في الوقت المناسب.

جائزة «اليونيسكو»

كذلك، زار سلطان عمان مقر منظمة «اليونيسكو» في باريس، حيث ألقى خطاباً بحضور جمهور واسع. وبالمناسبة، أطلقت عمان باسم السلطان جائزة «اليونيسكو ـ السلطان هيثم للتراث الثقافي غير المادي» التي ستُمنح للمؤسسات والمنظمات الفاعلة في المحافظة على التراث الثقافي غير المادي. وثمة العديد من المواقع التاريخية العمانية المادية الموجودة على لائحة «اليونيسكو» للآثار.

مضيق هرمز

وبدا واضحاً أن الطرفين الفرنسي والعماني يسعيان لتعزيز علاقاتهما في جميع المجالات، وهذا يعد تطوراً مهماً للدبلوماسية الفرنسية ولرجال الأعمال أيضاً. ويعكس الوفد المرافق للسلطان رغبة مسقط في فتح صفحة جديدة مع فرنسا من السياسة إلى الدفاع والمال والاستثمارات والثقافة، بيد أن همّ باريس الأول اليوم عنوانه مصير مضيق هرمز، ورغبتها في أن يكون لها دور تلعبه، ويمكّنها من العودة إلى الملف الإيراني. وتبدو باريس راغبة في نسج علاقات أقوى مع شريك (عمان) أثبت أنه «وسيط» على تواصل مع أطراف النزاع الخليجي الثلاثة الحالي.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن باريس أطلقت مع لندن «مهمة بحرية دولية» انضمت إليها 12 دولة، غرضها ضمان أمن الملاحة في المضيق، ومواكبة السفن المبحرة فيه، وأيضاً نزع الألغام. وتحتاج المبادرة التي تريدها باريس ولندن والأطراف الأخرى الراغبة في المساهمة بها لموافقة عمان بصفتها دولة مطلة على مياه المضيق، كما تحتاج لموافقة إيران والولايات المتحدة، طرفي الحرب الأخيرة؛ ولهذا الغرض، دفعت باريس بحاملة الطائرات الوحيدة التي تمتلكها والعاملة بالدفع النووي والقطع البحرية التي تواكبها إلى مياه بحر العرب. كذلك فعلت المثل بريطانيا وإيطاليا وهولندا وألمانيا التي أرسلت مدمرات وكاسحات ألغام، بينما أكد ماكرون أن الأوروبيين قادرون على إطلاق عمليتهم «خلال يومين أو 3 أيام». والحال أنه حتى اليوم، تراوح القطع الأوروبية مكانها بانتظار جلاء الوضع في المضيق المذكور؛ لذا، فإن محادثات الرئيس ماكرون والسلطان هيثم بن طارق تعد بالغة الأهمية؛ لأنها، من جهة، ستوضح موقف عمان، ولأنها، من جهة ثانية، بالغة التأثير على ما تريد طهران القيام به بخصوص هرمز لجهة فرض رسوم أو بدل خدمات على الناقلات والسفن التي تستخدم هذا الممر البحري الاستراتيجي بالنسبة لتوفير النفط والغاز والأسمدة على مستوى العالم. وباريس متمسكة كما واشنطن والغالبية الساحقة من العواصم الغربية والعالمية بالمرور الآمن والحر والمجاني في المضيق، وهو ما شدد عليه ماكرون. ولخص مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس وضع عمان الحرج بقوله إنها «واقعة بين المطرقة الإيرانية والسندان الأميركي»، وإن أي قرار تتخذه من شأنه أن يثير حفيظة هذا الطرف أو ذاك.

الموقف العماني

خلال الأيام القليلة الماضية، صدرت مواقف متفاوتة عن مسقط التي تسعى طهران لضمها إلى صفها وإقناعها بضرورة التشارك في إدارة الإبحار في المضيق مقابل فرض «بدل خدمات» كما هو الحال في مضيقيْ البوسفور والدردنيل. فمن جهة، جاء في بيان مشترك عماني ــ إيراني عقب الزيارة التي قام بها إلى مسقط، الثلاثاء الماضي، رئيس مجلس الشورى ووزير الخارجية الإيرانيان، أن الطرفين سوف يعملان على إبرام اتفاق بشأن الإدارة المستقبلية للملاحة في مضيق هرمز والخدمات والتكاليف المرتبطة بذلك، ما فُهم منه أن مسقط لا تعارض فرض «بدل خدمات»، بيد أن موقفها تحول، الخميس، بعد الاجتماع الوزاري الخليجي ـ الأميركي في المنامة؛ إذ شددت عمان على أن «الترتيبات المستقبلية المتعلقة بهرمز لا تشمل فرض أية رسوم للعبور»، كما أن مسقط بادرت، بالتنسيق مع الأمم المتحدة، على فتح ممر بحري «جنوبي» يمر في مياهها الإقليمية، الأمر الذي دفع «الحرس الثوري» الإيراني إلى استهداف باخرة كانت تسلكه؛ ما أشعل الوضع مجدداً بين واشنطن وطهران. وكتب نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي على منصة «إكس»: «خلال زيارة لمسقط، عُقد الاجتماع الأول للجنة هرمز المشتركة». وأضاف: «عرضنا القضايا الراهنة المتعلقة بالمضيق، وتبادلنا وجهات النظر في شأن إدارته مستقبَلاً»، من دون أن يحدد تاريخ انعقاده الاجتماع.

من جانبه، قال وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي الذي يرافق السلطان إلى فرنسا في مقابلة إذاعية بثت، الاثنين، إن الخدمات المتعلقة بهرمز ستُبحَث مع الدول والشركات المستفيدة من المضيق وإنها «جهود مكلفة بلا شك»؛ ما يعكس ميلاً للسير بمبدأ «بدل خدمات»، وليس بـ«رسوم للعبور». وأشار الوزير العماني إلى تجارب مماثلة (كمضيقي ملقا وسنغافورة)، حيث يدفع بدل لغرض «تجويد الخدمات التي يمكن أن تقدم لأمن الملاحة، لسلامة المياه ولخلوها من التلوث». لكن الرئيس ترمب كان حذر، وهدد من السير بالمشروع الإيراني، رغم أن عمان لعبت دوماً دور الوسيط بين واشنطن وطهران، واستضافت في مسقط أو جنيف وفدي البلدين لجلسات مفاوضات غير مباشرة. ودأبت إيران على التأكيد دوماً أنه تعمل بموجب البند الرابع من مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب، وجاء فيه أن «الجمهورية الإسلامية الإيرانية ستُجري حواراً مع سلطنة عُمان لتحديد إدارة الخدمات البحرية المستقبلية في مضيق هرمز، بالتشاور مع الدول الساحلية الأخرى في الخليج العربي، بما يتماشى مع القانون الدولي المعمول به والحقوق السيادية للدول المشاطئة لمضيق هرمز»، بينما ترفض واشنطن هذه القراءة.


تشييع ضحايا مروحية «أرامكو السعودية»

جانب من صلاة الجنازة بمسجد الفرقان في الدمام بعد صلاة عصر الاثنين (الشرق الأوسط)
جانب من صلاة الجنازة بمسجد الفرقان في الدمام بعد صلاة عصر الاثنين (الشرق الأوسط)
TT

تشييع ضحايا مروحية «أرامكو السعودية»

جانب من صلاة الجنازة بمسجد الفرقان في الدمام بعد صلاة عصر الاثنين (الشرق الأوسط)
جانب من صلاة الجنازة بمسجد الفرقان في الدمام بعد صلاة عصر الاثنين (الشرق الأوسط)

شيّعت المنطقة الشرقية عدداً من ضحايا طائرة «أرامكو السعودية»، التي أعلن عن سقوطها صباح الأحد، وقتل جميع ركابها وعددهم 14 شخصاً.

وتقدّم الأمير سعود بن نايف بن عبد العزيز أمير المنطقة الشرقية، والأمير عبد العزيز بن سلمان بن عبد العزيز، وزير الطاقة، جموع المصلين على أرواح 7 من الضحايا بجامع الفرقان في الدمام.

وأقيمت صلاة الجنازة بعد صلاة العصر، الاثنين، في مسجد الفرقان بالدمام، على 7 من الضحايا هم: رامز راشد المطيري، و⁠مشاري وهيب البرعي، ومعاذ ماجد الزهراني، وخالد عيسى العنزي، وإبراهيم عبد الرحمن السبيعي، وغيث حمد الشبل، ومحمد يوسف الكوهجي.

أمراء ومسؤولون يؤدون الصلاة على 7 من ضحايا الطائرة بجامع الفرقان في الدمام (إمارة الشرقية)

في حين أقيمت الصلاة على أرواح 3 من الضحايا في محافظة القطيف، وهم: موسى جعفر لاشط، وعلي محمد الأبيض، وحسين علي الصفواني.

وقدّمت وزارة الطاقة السعودية، التعازي لذوي الضحايا، كما قدم أمين الناصر رئيس شركة «أرامكو» التعازي في الضحايا الذين توفوا في الحادث الذي تعرضت له طائرة مروحية تابعة للشركة، صباح الأحد بالقرب من الجعيمة.

وكانت وزارة الطاقة السعودية أعلنت، الأحد، سقوط طائرة مروحية تابعة لشركة «أرامكو السعودية» في محافظة رأس تنورة، ما أسفر عن وفاة جميع من كانوا على متنها وعددهم 14 مواطناً سعودياً.‏

وصرح مصدر مسؤول في الوزارة أن الحادث وقع عند الساعة (6:00) صباح الأحد، مضيفاً أنه نتج عن الحادث وفاة جميع ركاب الطائرة، وعددهم 14، وجميعهم من المواطنين السعوديين.

جانب من صلاة الجنازة بمسجد الفرقان في الدمام بعد صلاة عصر الاثنين (الشرق الأوسط)

وأوضح المصدر أن التحقيقات جارية بمشاركة الجهات ذات العلاقة لمعرفة أسباب سقوط وتحطم المروحية.

وقالت مصادر إن الطائرة، وهي هليكوبتر من طراز «Leonardo AW139»، كانت في طلعة من رأس تنورة وسقطت في منطقة برية بين رأس تنورة وجعيمة.

وكانت تقل الطائرة عاملين في قطاع النفط في الحقول النفطية المغمورة في الخليج.