كيف أعادت زيارة ولي العهد صياغة التحالف السعودي - الأميركي؟

محللون: فاعلية الرياض انتقلت نحو تشكيل المشهد في المنطقة

من مراسم استقبال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الحديقة الجنوبية بالبيت الأبيض الثلاثاء (أ.ف.ب)
من مراسم استقبال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الحديقة الجنوبية بالبيت الأبيض الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

كيف أعادت زيارة ولي العهد صياغة التحالف السعودي - الأميركي؟

من مراسم استقبال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الحديقة الجنوبية بالبيت الأبيض الثلاثاء (أ.ف.ب)
من مراسم استقبال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الحديقة الجنوبية بالبيت الأبيض الثلاثاء (أ.ف.ب)

بعد زيارة اتّسمت بزخم سياسي لافت ونتائج وُصفت داخل واشنطن والرياض بالاستثنائية، يعود المسؤولون في البلدين لمكاتبهم لإنجاز وترجمة عشرات الاتفاقات الاستراتيجية في مجالات متعددة.

النتائج التي حملتها الزيارة لم تُقرأ بصفتها تطوراً في مستوى التعاون. ويقرأ محللون تحدثت معهم «الشرق الأوسط» بأن المخرجات أعطت مؤشراً لتحوّل أعمق في موقع السعودية داخل المشهدين الإقليمي والدولي، بوصفها لاعباً مستقلاً يملك القدرة على صياغة إيقاعه وفرضه ضمن بيئة تتغيّر بسرعة.

من مراسم استقبال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الحديقة الجنوبية بالبيت الأبيض الثلاثاء (أ.ف.ب)

يؤكد الدكتور هشام الغنّام، الخبير في مركز «مالكوم كير كارنيجي»، أن «ما يجري في واشنطن ليس مجرّد بروتوكول ولا استئناف لمسار قديم، بل لحظة تعيد ترتيب وزن الفاعلين في منظومة الأمن الإقليمي».

وأضاف الغنام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «استقبال ولي العهد بهذا المستوى، مقروناً بإعلان المضي في بيع مقاتلات (إف - 35) للمملكة، وفتح مسار لاتفاق نووي سلمي محتمل، إلى جانب حزمة واسعة من الصفقات الدفاعية والاقتصادية والتكنولوجية، يُظهر أن موقع الرياض بات يُدار بوصفه عنصراً فاعلاً في تشكيل معادلة القوة والاعتماد المتبادل، لا مجرد طرف مُلحق بإيقاع الآخرين».

وشهدت الزيارة إعلان ترمب رسمياً تصنيف السعودية «حليفاً رئيسياً خارج حلف شمال الأطلسي»، وموافقته على بيعها مقاتلات «إف - 35» الأكثر تقدّماً في العالم، في سابقة لجيش عربي.

كما شهدت توقيع اتفاقية الدفاع الاستراتيجي، والشراكة الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي، والإعلان المشترك لاكتمال المفاوضات بشأن التعاون في مجال الطاقة النووية المدنية، والإطار الاستراتيجي للتعاون في تأمين سلاسل إمدادات اليورانيوم والمعادن والمغانط الدائمة والمعادن الحرجة.

ويعتقد الغنّام، وهو المشرف العام على برنامج الأمن الوطني في جامعة نايف، ومن زاوية أمنية سعودية، أن «هذه التطورات تعكس انتقالاً تدريجياً من دور (العمق) إلى دور (تشكيل المشهد)». وتابع: «المملكة تدخل هذه المرحلة وهي تجمع بين ثلاثة عناصر نادرة في منطقة مضطربة: قدرة مالية واستثمارية مؤثرة، موقع مركزي في أسواق الطاقة والمعادن الحرجة، وقاعدة متنامية في مجالات التقنية والذكاء الاصطناعي».

وأسفر «منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي» عن توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين الجانبين بقيمة تقارب 270 مليار دولار.

الأمير محمد بن سلمان والرئيس دونالد ترمب خلال لقائهما في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (رويترز)

من جانبه، يرى الدكتور خالد باطرفي، الأكاديمي والمحلل السياسي، أن الزيارة شهدت مستوًى من الرمزية السياسية يتجاوز إطار الصفقات، ويمكن قراءتها بصفتها إعلاناً عن إعادة توزيع للأدوار داخل منظومة التحالف التقليدي».

ويعلل ذلك بقوله: «بيع مقاتلة (إف - 35) إذا اكتمل بشروطه التقنية والعملياتية، يعني أن واشنطن باتت تنظر إلى السعودية بوصفها فاعلاً قادراً على حمل مسؤوليات أمنية إقليمية أوسع، وليس مجرد متلقٍ للمظلة الأميركية، وهذا يضع الرياض في موقع اللاعب المستقل القادر على فرض إيقاعه، سواء في بناء توازنات ردع إقليمية أو في هندسة منظومات أمنية جديدة بالتعاون مع الشركاء الدوليين».

ويؤكد أستاذ دراسات الشرق الأدنى مدير «معهد دراسات الشرق الأوسط المعاصر وشمال أفريقيا وآسيا الوسطى» بجامعة برينستون، البروفسور برنارد هيكل، في حديث سابق لـ«الشرق الأوسط» بأن الاتفاقيات تشير إلى أن السعودية والولايات المتحدة «حليفان استراتيجيان»، وهي «تُضفي طابعاً رسمياً على هذا النوع من التحالف».

وترتبط السعودية بعلاقات وثيقة بالولايات المتحدة لنحو تسعة عقود، ترسخت خلالها مجالات التعاون بشكل أعمق.

الدكتور صالح الخثلان، وهو «مستشار أول» بمركز الخليج للأبحاث، لديه مقاربة مختلفة؛ إذ يرى أن أهم ما نتج من زيارة ولي العهد هو فكُّ الارتباط بين مسار العلاقات مع الولايات المتحدة وملف التطبيع، حسب وصفه.

ويعتقد الخثلان أن «الدور السعودي حاضر دائم والزيارة لم تنقل السعودية إلى موقع جديد؛ فالمملكة كانت دائماً لاعباً مؤثراً، يتخذ قراراته وفق مصالحه ويدير علاقاته الدولية باستقلالية تامة». لكنه يلفت إلى إسهام الرياض «بصورة أوضح وأكبر في تشكيل المشهد الإقليمي، ويعود ذلك إلى امتلاكها رؤية واضحة لما ينبغي أن يكون عليه هذا المشهد».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مُرحِّباً بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في البيت الأبيض الثلاثاء (رويترز)

من ناحيته، يقول فيصل الشمري، وهو محلل سياسي سعودي، إن «المملكة رسخّت موقعها لاعباً محورياً في التوازنات بين الشرق والغرب، مستثمرةً علاقاتها المتوازنة لتحقيق مكاسب استراتيجية دون الارتهان لأي محور، حيث أصبحت لاعباً فعالاً في التوازنات السياسية والاقتصادية».

وتعد منطقة الشرق الأوسط واحدة من البيئات المضطربة، حيث تشهد صراعاً عربياً – إسرائيلياً مفتوحاً، وتوترات مع إيران، واضطرابات في البحر الأحمر، إلى جانب ملفات ساخنة في سوريا، ولبنان، والسودان واليمن.

بالعودة للغنّام، فإن «الوزن الحقيقي لهذه التفاهمات سيُقاس بقدرتها على التحول إلى التزامات نافذة، وبمدى نجاح الرياض في استثمار هذا الزخم لبناء نموذج أمني – تنموي قادر على إدارة وحل الأزمات بدل التعايش معها».

كما يشدد باطرفي على أن «الزيارة ليست حدثاً بروتوكولياً، بل إشارة إلى بداية فصل جديد تُعيد فيه السعودية رسم قواعد اللعبة الإقليمية من موقع الفاعل لا المتلقي».


مقالات ذات صلة

عبد العزيز بن سلمان: الرياض عاصمة أمن الطاقة

الاقتصاد 
افتتاح أعمال الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض أمس (وزارة الطاقة السعودية)

عبد العزيز بن سلمان: الرياض عاصمة أمن الطاقة

أكد وزير الطاقة السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان، أن المملكة ماضية في تنفيذ خططها والوفاء بالتزاماتها تجاه العالم مهما كانت الظروف، واصفاً الرياض بأنها.

عبير حمدي (الرياض)
رياضة سعودية من المباراة التي جمعت الشباب والتعاون ضمن الدوري السعودي (واس)

مدرب الشباب يبدي تضامنه مع السعودية... ويشيد بأداء لاعبيه

أبدى الألماني توماس ليتش، مدرب الشباب، تضامنه مع السعودية في ظل الظروف الراهنة، وما تخللها من اعتداءات إرهابية من الميليشيات الحوثية.

عبد العزيز الصميلة (الرياض )
الخليج وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره الإيراني عباس عراقجي (الشرق الأوسط)

فيصل بن فرحان وعراقجي يبحثان التصعيد بالمنطقة

بحث وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان خلال اتصال هاتفي تلقاه من نظيره الإيراني عباس عراقجي، التصعيد الأخير في المنطقة، والجهود المبذولة بشأنها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج حملت الشاحنات الإغاثية السعودية على متنها 3 آلاف و240 سلة غذائية (واس)

9 شاحنات إغاثية سعودية تصل إلى عدن

وصلت 9 شاحنات إغاثية إلى مديرية خور مكسر بمحافظة عدن، السبت، تحمل على متنها 3 آلاف و240 سلة غذائية مقدمة من «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي ونظيره الأردني أيمن الصفدي وكايا كالاس الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي (الشرق الأوسط)

فيصل بن فرحان يبحث مع الصفدي وكالاس التطورات الإقليمية

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع نظيره الأردني أيمن الصفدي، وكايا كالاس الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي، الأحد، التطورات الإقليمية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

اعتراض وتدمير «كروز» و«باليستي» في الرياض والخرج

المتحدث باسم «التحالف» اللواء الركن تركي المالكي (الشرق الأوسط)
المتحدث باسم «التحالف» اللواء الركن تركي المالكي (الشرق الأوسط)
TT

اعتراض وتدمير «كروز» و«باليستي» في الرياض والخرج

المتحدث باسم «التحالف» اللواء الركن تركي المالكي (الشرق الأوسط)
المتحدث باسم «التحالف» اللواء الركن تركي المالكي (الشرق الأوسط)

أعلن «تحالف دعم الشرعية في اليمن»، أمس (الأحد)، اعتراض وتدمير صاروخ طواف «كروز» في محيط مطار الملك خالد الدولي بالرياض، وسقوط مقذوف مجهول في صالة المسافرين «رقم 4» بالمطار نتج عنه حريق، وذلك بعد ساعات من اعتراض وتدمير صاروخ آخر «باليستي» في محافظة الخرج، وطائرة مسيّرة في المنطقة الشرقية. كما أعلنت «الهيئة العامة للطيران المدني» عن تعرض مطار الملك فهد الدولي بالدمام لإعتداء مساء أمس. جاء ذلك غداة هجمات إرهابية شنتها الميليشيات الحوثية على منشآت مدنية وحيوية في السعودية، أسفرت عن وفاة 12 شخصاً وإصابة 309 آخرين إثر سقوط مقذوف في صالة المسافرين بمطار الرياض.

وأعربت دول عربية وإسلامية وغربية عن تنديدها واستنكارها للهجمات، وأدانت دول «المجموعة الرباعية» (السعودية ومصر وباكستان وتركيا) بأشد العبارات الهجمات العدائية الحوثية المستمرة، بما في ذلك «الهجمات الآثمة التي استهدفت مطار الملك خالد الدولي في الرياض».

وشددت على التضامن الكامل مع السعودية، والدعم لجميع التدابير والخطوات المشروعة التي تتخذها لمواجهة الهجمات، ومنع تكرارها، دفاعاً عن أمن المملكة وسيادتها ووحدة أراضيها بما يتماشى مع ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.

ودخلت عملية «فجر اليمن» يومها السابع، أمس، مع اتساع نطاق الضربات التي تستهدف مواقع الجماعة الحوثية بالتزامن مع العمليات البرية، وسط تقديرات بارتفاع خسائر الجماعة إلى نحو 12 ألف قتيل وجريح خلال الأيام الستة الأولى من العملية.


فيصل بن فرحان وعراقجي يبحثان التصعيد بالمنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره الإيراني عباس عراقجي (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره الإيراني عباس عراقجي (الشرق الأوسط)
TT

فيصل بن فرحان وعراقجي يبحثان التصعيد بالمنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره الإيراني عباس عراقجي (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره الإيراني عباس عراقجي (الشرق الأوسط)

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال اتصال هاتفي تلقاه من نظيره الإيراني عباس عراقجي، الأحد، التصعيد الأخير في المنطقة، والجهود المبذولة بشأنها.

من جانب آخر، جدَّدت بريطانيا إدانتها لأعمال العنف التي تشنها الميليشيا الحوثية، وتستهدف الداخل اليمني والمنشآت المدنية في السعودية، مُعرِبة عن تضامنها مع المملكة والحكومة اليمنية في مواجهة هذه الاعتداءات.

جاء ذلك في اتصالٍ هاتفي أجراه وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، تناولا خلاله اعتداءات الحوثيين الأخيرة التي استهدفت مطار الملك خالد الدولي في الرياض.

واستعرض الوزيران العلاقات الثنائية الوثيقة بين البلدين، وبحثا مستجدات الأوضاع الإقليمية، والجهود المشتركة الرامية لمواجهة التوترات الحالية، والحد من تداعياتها الأمنية والاقتصادية على المنطقة.

بدوره، أعرب وزير الخارجية البحريني الدكتور عبد اللطيف الزياني عن خالص تعازي بلاده وصادق مواساتها إلى السعودية جراء وفاة مواطنين ومقيمين في الاعتداء الإرهابي الذي شنّته الميليشيا الحوثية على مطار الرياض.

وأكد الزياني خلال اتصالٍ هاتفي بالأمير فيصل بن فرحان تضامن البحرين الكامل مع السعودية، ودعمها التام لكل ما تتخذه من إجراءات لصون سيادتها وأمنها واستقرارها، وحماية مواطنيها والمقيمين على أراضيها، كما بحث الوزيران التطورات الإقليمية، وجهود البلدين في الحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها.


وزيرا خارجية السعودية وسوريا يناقشان جهود دعم أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره السوري أسعد الشيباني (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره السوري أسعد الشيباني (الشرق الأوسط)
TT

وزيرا خارجية السعودية وسوريا يناقشان جهود دعم أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره السوري أسعد الشيباني (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره السوري أسعد الشيباني (الشرق الأوسط)

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي مع نظيره السوري أسعد الشيباني، تطورات الأوضاع الإقليمية، وجهود البلدين المشتركة لدعم أمن المنطقة واستقرارها.

وعبَّر الشيباني، خلال اتصالٍ هاتفي أجراه الأمير فيصل بن فرحان، الأحد، عن إدانة سوريا اعتداءات الميليشيا الحوثية التي استهدفت مطار الملك خالد الدولي في الرياض.

وشدَّد الوزير السوري على أن أمن السعودية جزء لا يتجزأ من أمن بلاده والمنطقة بأسرها.