شراكة استراتيجية بملامح المستقبل... دلالات نتائج زيارة ولي العهد إلى واشنطن

الرياض وواشنطن تدشنان مرحلة النمو الكبرى بصفقات استثمارية قيمتها 575 مليار دولار

صورة جماعية لرؤساء كبرى الشركات الأميركية مع ولي العهد والرئيس الأميركي ترمب خلال منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي (أ.ف.ب)
صورة جماعية لرؤساء كبرى الشركات الأميركية مع ولي العهد والرئيس الأميركي ترمب خلال منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي (أ.ف.ب)
TT

شراكة استراتيجية بملامح المستقبل... دلالات نتائج زيارة ولي العهد إلى واشنطن

صورة جماعية لرؤساء كبرى الشركات الأميركية مع ولي العهد والرئيس الأميركي ترمب خلال منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي (أ.ف.ب)
صورة جماعية لرؤساء كبرى الشركات الأميركية مع ولي العهد والرئيس الأميركي ترمب خلال منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي (أ.ف.ب)

على مدى 48 ساعة مكثفة، كانت العاصمة الأميركية واشنطن مسرحاً لإطلاق مرحلة جديدة من التحالف الاستراتيجي بين السعودية والولايات المتحدة الذي سوف يربط مصالح البلدين لعقود مقبلة، وذلك تزامناً مع زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، واستكمالاً للأسس التي تم وضعها خلال زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للرياض في شهر مايو (أيار) الماضي.

 

اللقاءات هناك لم تكن مجرد استعراض للعلاقات القائمة، بل كانت منصة لإطلاق وثيقة للشراكة الاقتصادية الاستراتيجية التي تم إرساء دعائمها خلال زيارة ترمب للرياض، دافعةً إياها إلى مستويات غير مسبوقة من التكامل التقني والمالي. وقد أبدى ولي العهد ثقته بأن تشهد هذه الشراكة مع الولايات المتحدة نمواً غير مسبوق خلال السنوات المقبلة، داعياً إلى اغتنام الفرص الجذابة التي توفرها هذه الشراكة القائمة على النمو والتنويع الاقتصادي والابتكار.

 

 

وقال ولي العهد إن توقيع اتفاقيات ومشاريع استثمارية تشمل قطاعات مثل الدفاع والطاقة والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة والتمويل، ستسهم في توفير فرص عمل هائلة في البلدين.

أطول الشراكات الاقتصادية

لقد بلغ إجمالي الاستثمارات والاتفاقيات بين الشركات الأميركية والسعودية 575 مليار دولار، وفق ما أعلن وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح؛ ما يعزز الشراكة التي «تعدّ من أطول الشراكات الاقتصادية وأكثرها ديناميكية في العالم». وشمل ذلك 307 مليارات دولار تم الإعلان عنها خلال زيارة ترمب للرياض في مايو، إضافة إلى التزامات ثنائية لاحقة، وصفقات جديدة بقيمة 267 مليار دولار، تم الكشف عنها في منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي 2025.

ولم يقتصر الأمر على توقيع حزمة اتفاقيات ضخمة تجاوزت قيمتها الإجمالية 575 مليار دولار، بل ارتكزت الدلالة الأقوى على تعهد ولي العهد رفع خطط الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة إلى تريليون دولار.

هذا التعهد المالي، الذي وصفه الرئيس دونالد ترمب بأنه يعكس قوة التحالف الاستراتيجي، يرسخ العلاقة كشراكة متكافئة بين أكبر اقتصاد عالمي، وأكبر اقتصاد عربي، ويعكس تحولها الاستراتيجي إلى صفقات واستثمارات في قطاعات المستقبل.

ولي العهد يتحدث مع ترمب خلال منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي في واشنطن (أ.ب)

محاور الزيارة

ثلاثة محاور رئيسية كانت حصيلة الزيارة التاريخية:

الأول: الذكاء الاصطناعي

يمثل توقيع وثيقة الشراكة الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي بين السعودية والولايات المتحدة إعلاناً عن تحول محوري في طبيعة العلاقات الثنائية. لم تعد هذه الشراكة مجرد تعاون تجاري، بل هي تأسيس لمرحلة جديدة من الأمن الاقتصادي الشامل وطويل الأمد.

كما أكد البيان المشترك الصادر عن وزيرَي خارجية البلدين، على أن هذا التفاهم يعكس التزاماً راسخاً بتعزيز الابتكار والتقدم التقني، موظفاً التقنيات المتقدمة والمستقبلية لتعميق الالتزامات الأمنية المشتركة.

هذا يضع الذكاء الاصطناعي في صميم المظلة الأمنية، حيث يصبح استقرار سلاسل إمداد البيانات والرقائق في المملكة جزءاً لا يتجزأ من المصلحة الأميركية الاستراتيجية. وأكد البيت الأبيض في بيان أن ما تم التوصل إليه في هذا المجال يهدف إلى منح المملكة وصولاً إلى «الأنظمة الأميركية الرائدة عالمياً» مع «حماية التكنولوجيا الأميركية من النفوذ الأجنبي».

إيلون ماسك يتحدث مع الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» جنسن هوانغ في منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي بواشنطن (أ.ب)

كما أن هذه الوثيقة تهدف إلى ترسيخ مكانة المملكة كقوة حوسبة عالمية بالاستفادة من التكنولوجيا الأميركية الرائدة:

- التمكين التقني: تدعم الشراكة في الذكاء الاصطناعي وصول المملكة إلى الأنظمة الأميركية المتقدمة، وهو ما ترجمته موافقة وزارة التجارة الأميركية على تصدير رقائق «إنفيديا بلاكويل» المتقدمة؛ ما يحل أكبر قيد على نمو هذا القطاع.

- بناء البنية التحتية: تعزز الشراكة خطط إنشاء مراكز الحوسبة الفائقة العملاقة في المملكة، حيث أعلن عمالقة مثل إيلون ماسك و«إنفيديا» عن مشاريع ضخمة وإنشاء مراكز حوسبة عملاقة (500 ميغاواط وأكثر)، مؤكدين أن السعودية تمتلك المزايا التنافسية (الطاقة والموقع) لتصبح مركزاً عالمياً للحوسبة السحابية وخدمات الذكاء الاصطناعي بفضل وفرة الأراضي ومصادر الطاقة والموقع الجغرافي الاستراتيجي.

- السيادة الرقمية: تضمنت الترتيبات المتعلقة بالشراكة في الأسواق المالية، مذكرة تفاهم في مجال التعليم والتدريب؛ ما يعكس حرص المملكة على توطين المعرفة والقدرات البشرية اللازمة لضمان «السيادة الحسابية» وقيادة تطبيقات الذكاء الاصطناعي مستقبلاً.

- «هيوماين» في قلب الحدث: تجسد التحول بشكل ملموس في الدور المحوري لشركة «هيوماين» السعودية للذكاء الاصطناعي والتابعة لصندوق الاستثمارات العامة، والتي كانت في قلب الكثير من الإعلانات المشتركة. فإلى جانب إعلان غيلوم ماسك عن المشروع المشترك بين شركته «إكس إيه آي» و«إنفيديا» و«هيوماين» لتطوير مركز بيانات بقدرة 500 ميغاواط في المملكة، أشاد الرئيس التنفيذي لـ «إنفيديا»، جنسن هوانغ، بتوسع «هيوماين» الـ«هائل» في الأشهر الستة التي تلت تأسيسها، مؤكداً عمله مع السعودية لتدريب الروبوتات المتقدمة وبناء أجهزة الكمبيوتر العملاقة.

ولم يقتصر الأمر على «إنفيديا»، بل تتعاون «هيوماين» أيضاً مع شركتي الرقائق الأميركيتين «إيه أم دي» و«سيسكو» لتطوير مراكز بيانات في الشرق الأوسط، تبدأ بمنشأة بقدرة 100 ميغاواط في المملكة لتلبية احتياجات شركة «أوما إيه آي» (مُصنّع الفيديو التوليدي ومقرها كاليفورنيا). وقادت «هيوماين» جولة تمويلية بقيمة 900 مليون دولار لشركة «لوما إيه آي»؛ ما يعزز جهود المملكة لبناء ما يوصف بـ«هوليوود الذكاء الاصطناعي».

وكشفت «هيوماين» عن تعاونها مع «أدوبي» و«كوالكوم» لإنتاج ذكاء اصطناعي باللغة العربية، كما أعلنت عن شراكة مع شركة «غلوبا إيه آي» الأميركية لبناء حرم جامعي لمركز بيانات في الولايات المتحدة نفسها، مؤكدة بذلك طموحها في التوسع الدولي المتبادل.

من جهتها، أعلنت شركة «أمازون ويب سيرفيسز» و«هيوماين» توسيع شراكتهما الاستراتيجية لنشر ما يصل إلى 150 ألف مسرّع للذكاء الاصطناعي داخل منشأة متقدمة في الرياض تُعرف باسم «منطقة الذكاء الاصطناعي».

وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح خلال افتتاح منتدى الاستثمار السعودي - الأميركي في واشنطن (واس)

الثاني: الطاقة والمعادن

لم تقتصر الأهمية الاستراتيجية لزيارة واشنطن على قطاع الذكاء الاصطناعي فحسب، بل حققت اختراقات نوعية في قطاعي الطاقة والمعادن، حيث هدفت الاتفاقيات الموقعة إلى تحصين سلاسل الإمداد الحيوية وتأمين مصادر الطاقة للمستقبل:

- التعاون النووي المدني: شكَّل إعلان اكتمال المفاوضات بشأن التعاون في مجال الطاقة النووية المدنية (اتفاقية 123) أهم إنجاز في هذا المحور. هذا الاتفاق يضع الأساس القانوني لـ«شراكة نووية بمليارات الدولارات تمتد لعقود»، وفق البيت الأبيض، ويحقق للمملكة هدفاً استراتيجياً في تنويع مصادر الطاقة النظيفة. وأكد بيان البيت الأبيض أن الاتفاق يضمن أن الشركات الأميركية ستكون «الشريك المفضل» للمملكة في هذا المجال.

- المعادن الحرجة: تم التوقيع على «الإطار الاستراتيجي للتعاون في تأمين سلاسل إمدادات اليورانيوم والمعادن والمغانط الدائمة والمعادن الحرجة. هذا الاتفاق يرسخ الشراكة في مجال الأمن الاقتصادي، حيث يربط المصالح الأميركية مباشرة بالموارد السعودية الجيولوجية، ويهدف إلى تحصين سلاسل الإمداد العالمية لهذه المواد الأساسية عبر مشاريع مثل إنشاء مصفاة للمعادن النادرة بالتعاون مع MP Materials الأميركية ووزارة الدفاع الأميركية و«معادن» السعودية.

وذكر البيت الأبيض صراحة أن توقيع إطار عمل المعادن الحرجة يهدف إلى «تعميق التعاون ومواءمة استراتيجياتنا لتنويع سلاسل إمداد المعادن الحرجة». كما أشار إلى أن الاتفاق «يبني على صفقات مماثلة أمّنها الرئيس ترمب مع شركاء تجاريين آخرين لضمان مرونة سلسلة الإمداد الأميركية للمعادن الأساسية».

- استثمارات «أرامكو»: أعلنت «أرامكو» عن 17 اتفاقية جديدة بقيمة 30 مليار دولار، لتصل قيمة التعاون الإجمالية مع الشركات الأميركية إلى 120 مليار دولار، مع التوسع نحو الغاز الطبيعي المسال والخدمات المتقدمة.

 

الثالث: الاستثمار والأسواق المالية

كان الشق الاقتصادي والمالي حاسماً في تأكيد عمق الشراكة، مدعوماً بتعهد ولي العهد برفع الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة إلى ما يقارب تريليون دولار:

- تسهيل الاستثمارات: تم التوقيع على «إطار العمل الاستراتيجي بشأن تسهيل الإجراءات لتسريع الاستثمارات السعودية» و«ترتيبات الشراكة المالية والاقتصادية». هذه الترتيبات تضمن أن التزامات الاستثمار تتدفق بسلاسة إلى قطاعات النمو الأميركية، بما في ذلك البنية التحتية والتقنية؛ ما يخلق وظائف ذات أجر مرتفع ويدعم الازدهار الأميركي المتبادل.

وقد وقَّعت وزارة الخزانة الأميركية ووزارة المالية السعودية اتفاقيات لتعزيز التعاون بشأن الأسواق المالية ومعاييرها ولوائحها التنظيمية، وهي الخطوة تهدف إلى دمج وتسهيل تدفق رأس المال؛ ما يعزز قوة النظام المالي العالمي. كما اتفق الجانبان على تكثيف الجهود بشأن القضايا التجارية، بما في ذلك خفض الحواجز التجارية والاعتراف بالمعايير الفيدرالية الأميركية لسلامة المركبات؛ ما يمثل فوزاً مباشراً للمصنعين والمصدرين الأميركيين ويدعم جهود المملكة في تحديث قطاعاتها في آن.

- تكامل الأسواق المالية والتجارة: شملت النتائج توقيع «الترتيبات المتعلقة بالتعاون في قطاع الأسواق المالية» لتعزيز الحوكمة والمعايير التنظيمية.

يقول الدكتور عبد الله الجسار، عضو جمعية الاقتصاد السعودية عضو جمعية اقتصاديات الطاقة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن الاتفاقيات التي رافقت زيارة ولي العهد لواشنطن تمثل انتقالاً جديداً في شكل العلاقة الاقتصادية بين البلدين، خصوصاً في مجالات الطاقة والاستثمار والتقنيات المتقدمة. وأوضح أن هذه الاتفاقيات تفتح الباب أمام استثمارات نوعية ورفع مهارات الكوادر الوطنية في تخصصات متقدمة؛ ما يعزز التنويع الاقتصادي ويرسخ موقع المملكة في أسواق الطاقة العالمية. وقال: «نحن أمام شراكات طويلة الأثر تُسهم في بناء اقتصاد أكثر توازناً واستدامة».

في المحصلة، فإن الأجندة المكثفة للزيارة في واشنطن لم تكن مجرد جولة دبلوماسية ناجحة، بل كانت تدشيناً رسمياً لشراكة الرهانات الكبرى في العصر الجديد. لقد وضعت هذه الاتفاقيات، المملكة والولايات المتحدة على مسار التكامل الاستراتيجي العميق.


مقالات ذات صلة

الاتحاد الأوروبي يؤكد ابتعاد تركيا عن هدف الانضمام إليه

أوروبا مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتاكوس شاركت في قص شريط افتتاح جزء من خط سكك حديدية يربط بين تركيا وأوروبا مع الرئيس رجب طيب إردوغان في ولاية إدرنة شمال غربي البلاد (الرئاسة التركية)

الاتحاد الأوروبي يؤكد ابتعاد تركيا عن هدف الانضمام إليه

أكد الاتحاد الأوروبي أن تركيا تبتعد عن هدف الانضمام إلى عضويته بسبب ممارسات تستهدف حقوق الإنسان وحرية التعبير والديمقراطية

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية أعلن «حزب العمال الكردستاني» يوم 26 أكتوبر 2025 سحب 25 مسلحاً من تركيا في خطوة لتأكيد إنهاء النزاع المسلح (رويترز)

«الكردستاني» يسحب جميع مسلحيه من تركيا لتحفيز خطوات «السلام»

أعلن «حزب العمال الكردستاني» سحب جميع مسلحيه من تركيا ومناطق قريبة منها؛ «للقضاء على أي ذريعة» لحكومتها للتباطؤ في تنفيذ «القانون الإطاري» للسلام...

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد السياري خلال مشاركته في جلسة «الآفاق الاستراتيجية للاقتصاد العالمي» ضمن أعمال «منتدى إسطنبول الاقتصادي» (الشرق الأوسط)

محافظ «ساما»: الاقتصاد السعودي أظهر مرونة رغم تداعيات الصراع واضطرابات الإمدادات

أكد محافظ «البنك المركزي السعودي»، أيمن السياري، أن القطاع المصرفي في المملكة يتمتع بالقوة والمرونة، مشيراً إلى أن مخاطر تدفقات رؤوس الأموال «محدودة بشكل كبير».

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
شؤون إقليمية أعطى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مؤشراً قوياً على الترشح لرئاسة تركيا لولاية جديدة (الرئاسة التركية)

تركيا: إردوغان يعطي إشارة قوية على الترشح لولاية رئاسية جديدة

أعطى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مؤشراً قوياً على ترشحه لولاية جديدة عبر تقديم موعد الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2028

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

عوائد سندات منطقة اليورو تتراجع وسط تقييم المستثمرين مخاطر الديون الفرنسية

تراجعت عوائد سندات منطقة اليورو الثلاثاء، كما تقلص الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية لأجل 10 سنوات مجدداً من أعلى مستوى سجله الجمعة الماضي.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الأسهم الآسيوية تتذبذب مع ترقب موسم الأرباح وبيانات التضخم الأميركية

سمسار يتحدث عبر هاتفه أثناء تداوله على جهاز الكمبيوتر الخاص به داخل شركة وساطة مالية في مومباي (رويترز)
سمسار يتحدث عبر هاتفه أثناء تداوله على جهاز الكمبيوتر الخاص به داخل شركة وساطة مالية في مومباي (رويترز)
TT

الأسهم الآسيوية تتذبذب مع ترقب موسم الأرباح وبيانات التضخم الأميركية

سمسار يتحدث عبر هاتفه أثناء تداوله على جهاز الكمبيوتر الخاص به داخل شركة وساطة مالية في مومباي (رويترز)
سمسار يتحدث عبر هاتفه أثناء تداوله على جهاز الكمبيوتر الخاص به داخل شركة وساطة مالية في مومباي (رويترز)

بدأت أسواق الأسهم الآسيوية تداولات الأسبوع على تباين، الاثنين، مع ترقب انطلاق موسم إعلان نتائج الشركات، فيما تراجعت أسعار النفط وسط ضبابية بشأن قدرة روسيا على زيادة صادرات الطاقة، في وقت تتواصل فيه الهجمات في منطقة الخليج.

وألقى إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب التوصل إلى وقف لإطلاق النار في قطاع الطاقة بين روسيا وأوكرانيا بظلال من الغموض على توقعات الإمدادات النفطية، فيما أثارت مقترحاته بشأن زيادة صادرات الديزل الروسي إلى الأسواق الأميركية والعالمية اعتراضات من أعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، على أساس احتمال مخالفتها القانون.

وبعد أن بدأت العقود الآجلة لخام برنت التداول على ارتفاع، تراجعت بنسبة 1.6 في المائة إلى 103.01 دولار للبرميل، مبتعدة عن مستوى مرتفع سجلته مؤخراً عند 109.97 دولار. كما انخفضت العقود الآجلة للخام الأميركي بنسبة 1.9 في المائة إلى 90.11 دولار للبرميل.

وفي أسواق الأسهم الآسيوية، هبط المؤشر الكوري الجنوبي بنسبة 2.2 في المائة، وتراجعت الأسهم التايوانية بنسبة 0.5 في المائة، فيما انخفض مؤشر «إم إس سي آي» الأوسع نطاقاً لأسهم آسيا والمحيط الهادئ باستثناء اليابان بنسبة 0.3 في المائة. في المقابل، ارتفعت الأسهم الصينية القيادية بنسبة 0.1 في المائة.

وفي الولايات المتحدة، ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.3 في المائة، وصعدت عقود «ناسداك» بنسبة 0.4 في المائة. كما ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «يورو ستوكس 50» الأوروبي بنسبة 0.5 في المائة، وزادت عقود «داكس» الألماني بنسبة 0.6 في المائة، فيما صعدت عقود «فاينانشال تايمز» البريطاني بنسبة 0.4 في المائة.

وجاءت التداولات محدودة في ظل إغلاق الأسواق اليابانية بسبب عطلة، وتراجع النشاط في الولايات المتحدة قبل انطلاق موسم الأرباح، الذي تبدأه البنوك الأميركية الكبرى الثلاثاء.

نتائج الشركات والذكاء الاصطناعي تحت المجهر

تتجه الأنظار أيضاً إلى شركة «تي إس إم سي» التايوانية، أكبر مصنع في العالم للرقائق المتقدمة المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والتي يُتوقع أن تعلن الخميس تحقيق ربع سادس متتالٍ من الأرباح القياسية.

ووفقاً لتقديرات «إل إس إي جي آي بي إي إس»، يُتوقع أن ترتفع أرباح شركات مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بأكثر من 30 في المائة خلال الربع الثالث، مدفوعة إلى حد كبير بأداء شركات التكنولوجيا.

وقالت ماي بوي، الخبيرة الاقتصادية لدى «إيه إم بي»، إن المكاسب التي حققها المؤشر الأميركي منذ منتصف سبتمبر تركزت بالكامل تقريباً في قطاع التكنولوجيا، في وقت يطالب فيه المستثمرون بعوائد أعلى لتمويل الاقتراض الضخم المرتبط بالذكاء الاصطناعي.

وأضافت أن مؤشر مبادلات مخاطر الائتمان للشركات الأميركية ذات التصنيف الاستثماري، الذي يقيس تكلفة التأمين ضد التعثر في السداد، ارتفع بصورة حادة إلى أعلى مستوياته منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وأوضحت بوي أن اتساع فروق العائد يشير إلى تزايد تساؤلات المستثمرين بشأن قدرة الإيرادات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي على مواكبة ارتفاع تكاليف الاقتراض، محذرة من أن إصدار الشركات مزيداً من السندات لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، بالتزامن مع اتساع فروق العائد على السندات مرتفعة المخاطر، قد يزيد تكاليف إعادة التمويل خلال السنوات المقبلة.

التضخم وأسعار الفائدة يضغطان على الأسواق

وزادت موجة اقتراض الشركات الضغوط على أسواق السندات السيادية، ما دفع عوائد سندات الخزانة الأميركية إلى أعلى مستوياتها في 24 عاماً خلال الأسبوع الماضي، ورفع معدل الخصم المستخدم في تقييم أرباح الشركات.

وتترقب الأسواق هذا الأسبوع صدور بيانات أسعار المستهلكين والمنتجين ومبيعات التجزئة في الولايات المتحدة. ومن المتوقع أن تدفع زيادة تكاليف الطاقة مؤشر أسعار المستهلكين إلى الارتفاع بنسبة 0.6 في المائة على أساس شهري، وإلى 3.7 في المائة على أساس سنوي، في حين يُتوقع أن يبلغ ارتفاع المؤشر الأساسي، الذي يستثني الغذاء والطاقة، 0.2 في المائة شهرياً و2.5 في المائة سنوياً.

وقال بروس كاسمان، رئيس قسم الاقتصاد العالمي لدى «جيه بي مورغان»، إن أسعار النفط لا تزال أعلى من التقديرات السابقة، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الشحن وأسعار المنتجات النفطية.

وأضاف أن مؤشرات التضخم توحي بارتفاع حاد في التضخم العام، بما يضغط على القوة الشرائية، إلى جانب زيادة التضخم الأساسي، وهو ما قد يبقي البنوك المركزية في حالة ترقب لاحتمالات رفع أسعار الفائدة على المدى القريب.

وتشير تسعيرات الأسواق إلى احتمال يبلغ 18 في المائة لرفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة خلال أكتوبر، يرتفع إلى 85 في المائة بحلول ديسمبر. كما يراهن المستثمرون على رفع أسعار الفائدة في منطقة اليورو واليابان وبريطانيا قبل نهاية العام.

الدولار قرب أعلى مستوياته في 17 شهراً

وفي أسواق العملات، ظل اليورو تحت الضغط عند 1.1201 دولار، بعدما سجل تراجعاً للأسبوع الخامس على التوالي، وسط مخاوف بشأن عجز الموازنات الحكومية في أوروبا.

واستقر مؤشر الدولار قرب أعلى مستوياته في 17 شهراً عند 102.25 نقطة، فيما واجهت العملة الأميركية صعوبة في مواصلة مكاسبها أمام الين الياباني، الذي سجل 158.19 ين للدولار، مع استمرار المخاوف من تدخل السلطات اليابانية لدعم عملتها.

وفي أسواق المعادن النفيسة، ارتفع الذهب، الذي لا يدر عائداً، بنسبة 0.4 في المائة إلى 4212 دولاراً للأونصة، بعدما تمكن من تحقيق مكاسب تجاوزت 1 في المائة خلال الأسبوع الماضي.


الذهب يرتفع بدعم تراجع النفط والدولار... والأسواق تترقب بيانات التضخم الأميركية

صائغ مجوهرات يعرض سبائك الذهب والفضة في متجره وسط مدينة الكويت (أ.ف.ب)
صائغ مجوهرات يعرض سبائك الذهب والفضة في متجره وسط مدينة الكويت (أ.ف.ب)
TT

الذهب يرتفع بدعم تراجع النفط والدولار... والأسواق تترقب بيانات التضخم الأميركية

صائغ مجوهرات يعرض سبائك الذهب والفضة في متجره وسط مدينة الكويت (أ.ف.ب)
صائغ مجوهرات يعرض سبائك الذهب والفضة في متجره وسط مدينة الكويت (أ.ف.ب)

ارتفعت أسعار الذهب، الاثنين، مدعومة بتراجع الدولار وأسعار النفط، فيما يترقب المستثمرون بيانات التضخم الأميركية المرتقبة هذا الأسبوع، بحثاً عن مؤشرات توضح المسار المقبل للسياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.

وصعد الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.3 في المائة إلى 4206.01 دولار للأونصة بحلول الساعة 02:53 بتوقيت غرينتش، بعدما سجل أعلى مستوى له منذ الثاني من أكتوبر في وقت سابق من الجلسة. كما ارتفعت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم ديسمبر (كانون الأول) بنسبة 0.3 في المائة إلى 4230.40 دولار للأونصة.

وقال تيم ووترر، كبير محللي الأسواق لدى «كيه سي إم تريد»، إن تراجع أسعار النفط عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب التوصل إلى وقف لإطلاق النار في قطاع الطاقة بين روسيا وأوكرانيا، إلى جانب ضعف الدولار، منح الذهب فرصة للصعود مع بداية الأسبوع.

وأضاف أن انخفاض أسعار النفط يخفف الضغوط الفورية المرتبطة بالتضخم ومخاوف أسعار الفائدة، وهو ما يدعم جاذبية الذهب من منظور العائد.

وكان ترمب قد أعلن، الأحد، التوصل إلى اتفاق لوقف الهجمات على منشآت الطاقة بين روسيا وأوكرانيا، قال إنه دخل حيز التنفيذ فوراً. لكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أشار إلى أنه لا يزال ينتظر الاطلاع على تفاصيل الاتفاق. وتراجعت أسعار النفط على خلفية توقعات بزيادة الإمدادات الروسية.

وفي أسواق العملات، تحرك الدولار ضمن نطاق محدود، ما جعل الذهب، المسعّر بالعملة الأميركية، أقل تكلفة بالنسبة إلى حائزي العملات الأخرى.

وعلى الرغم من أن الذهب يُعد تقليدياً أداة للتحوط من التضخم، فإن ارتفاع أسعار الفائدة يقلل عادةً من جاذبيته، نظراً إلى أنه لا يدر عائداً لحائزيه.

بيانات التضخم تحدد اتجاه الأسواق

وتترقب الأسواق صدور مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة، الأربعاء، يليه مؤشر أسعار المنتجين وبيانات مبيعات التجزئة، الخميس، بحثاً عن مؤشرات بشأن توجهات السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.

وبحسب أداة «فيدووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي»، تسعّر الأسواق احتمالاً يبلغ 17 في المائة لرفع أسعار الفائدة الأميركية خلال أكتوبر (تشرين الأول)، وترتفع احتمالات الزيادة إلى 86 في المائة بحلول ديسمبر.

وفي مؤشر آخر على الضغوط الاقتصادية، تراجعت معنويات المستهلكين الأميركيين بصورة أكبر في أوائل أكتوبر، مع تأثير ارتفاع تكاليف المعيشة المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط على نظرتهم إلى الاقتصاد.

وامتدت المكاسب إلى بقية المعادن النفيسة، إذ ارتفعت الفضة في المعاملات الفورية بنسبة 0.5 في المائة إلى 61.12 دولار للأونصة، وصعد البلاتين بنسبة 1 في المائة إلى 1704.70 دولار، فيما زاد البلاديوم بنسبة 1.2 في المائة إلى 1161.81 دولار للأونصة.


النفط يتراجع مع آمال تهدئة حرب روسيا وأوكرانيا وزيادة إمدادات الديزل

انفجار طائرة مسيّرة خلال غارة جوية على كييف (أ.ف.ب)
انفجار طائرة مسيّرة خلال غارة جوية على كييف (أ.ف.ب)
TT

النفط يتراجع مع آمال تهدئة حرب روسيا وأوكرانيا وزيادة إمدادات الديزل

انفجار طائرة مسيّرة خلال غارة جوية على كييف (أ.ف.ب)
انفجار طائرة مسيّرة خلال غارة جوية على كييف (أ.ف.ب)

تراجعت أسعار النفط، يوم الاثنين، وسط توقعات بزيادة الإمدادات الروسية، بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن روسيا وأوكرانيا اتفقتا على وقف الهجمات المتبادلة على منشآت الطاقة، عقب اتفاق لتوريد الديزل الروسي إلى الأسواق الأميركية والعالمية.

وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت 1.54 دولار، بما يعادل 1.47 في المائة، إلى 103.18 دولار للبرميل بحلول الساعة 01:54 بتوقيت غرينتش، فيما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بالمقدار نفسه إلى 90.31 دولار للبرميل، منخفضاً 1.68 في المائة.

كما هبطت العقود الآجلة لزيت الغاز، المرتبطة بسوق الديزل، بنسبة 3 في المائة إلى 1436 دولاراً للطن، بعدما قال ترمب، الجمعة، إن روسيا ستورد فوراً أكثر من 300 ألف طن متري من الديزل، بما يعادل نحو 2.25 مليون برميل، إلى الأسواق الأميركية والعالمية.

وأضاف ترمب أن روسيا ستورد 500 ألف طن أخرى في نوفمبر (تشرين الثاني)، ومليون طن إضافي «بعد ذلك مباشرة». وتُقدّر الوكالة الدولية للطاقة الاستهلاك العالمي اليومي من الديزل بنحو 29 مليون برميل.

وكان ترمب قد أعلن، الأحد، بصورة مفاجئة، توصل روسيا وأوكرانيا إلى اتفاق لوقف استهداف منشآت الطاقة. غير أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قال إنه لا يزال ينتظر تفاصيل الاتفاق، فيما لم تصدر موسكو تعليقاً بشأن الإعلان.

وقال تيم ووترر، كبير محللي الأسواق لدى «كيه سي إم تريد»، إن هذه الإعلانات خففت بعض الضغوط الفورية على الإمدادات، لكنه أشار إلى استمرار التساؤلات بشأن مدى صحة وقف إطلاق النار واستمراره، مضيفاً أن غياب أدلة أوضح على صموده قد يحدّ من نطاق تراجع الأسعار.

من جانبه، قال فاتح بيرول، المدير التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة، الأحد، إن على جميع الدول الأعضاء تقييم الحاجة إلى طرح كميات إضافية من الديزل من مخزوناتها، داعياً الدول التي لم تستكمل بعد الكميات التي تعهدت بإتاحتها إلى تسريع عمليات الإفراج المتبقية، مع إعطاء الأولوية للديزل.

في المقابل، واصلت التوترات في الشرق الأوسط تقديم الدعم لأسعار خام برنت، التي بقيت فوق مستوى 100 دولار للبرميل.

وأعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن هجوم استهدف مطار الملك خالد الدولي، السبت، وأسفر عن مقتل 13 شخصاً وإصابة أكثر من 300، فيما أفادت السلطات السعودية بوقوع إصابات جراء هجوم جديد استهدف المطار، الأحد.

وقال ترمب، السبت، إن الولايات المتحدة تدرس الانضمام إلى الضربات السعودية ضد الحوثيين، في تصعيد مرتبط بامتداد الحرب الأوسع مع إيران، التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل في فبراير (شباط).

كما أُبلغ عن هجمات إضافية استهدفت ناقلات نفط أثناء مرورها في مضيق هرمز خلال الشهر الحالي، ما يهدد بتعطيل تعافي صادرات النفط من الشرق الأوسط، الذي شهده سبتمبر (أيلول).

وأفادت عمليات التجارة البحرية البريطانية (UKMTO) بتعرض ناقلة لهجوم بطائرة مسيّرة بالقرب من منطقة مخطاف صحار في سلطنة عُمان، فيما تضررت ناقلة أخرى بمقذوف مجهول أثناء عبورها مضيق هرمز، وذلك خلال عطلة نهاية الأسبوع.

«غولدمان ساكس» يرفع توقعاته

وفي توقعات الأسعار، رفع محللو «غولدمان ساكس»، بقيادة دان سترويفن، توقعاتهم لسعر خام برنت في ديسمبر (كانون الأول) إلى 90 دولاراً للبرميل، مقارنة بتقدير سابق عند 85 دولاراً.

وقال المحللون إنهم ما زالوا يتوقعون أن تؤدي قدرة الإمدادات من الشرق الأوسط على التكيف مع الظروف الراهنة إلى خفض أسعار النفط الخام في نهاية المطاف، لكنهم حذروا من أن تجدد التصعيد قد يفرض مخاطر صعودية كبيرة على الأسعار.

وقدّر البنك علاوة المخاطر الجيوسياسية بأكثر قليلاً من 20 دولاراً للبرميل.

وأضاف المحللون أنهم يتوقعون أن يبلغ متوسط سعر خام غرب تكساس الوسيط 81 دولاراً للبرميل في ديسمبر 2026، و73 دولاراً في عام 2027، مشيرين إلى أن الفارق الكبير على نحو غير معتاد بينه وبين خام برنت يعود إلى ارتفاع تكاليف الشحن بين الولايات المتحدة وأوروبا.

وفي الولايات المتحدة، تسعى شركات الطاقة الكبرى «شل» و«شيفرون» و«بي بي» إلى إعادة توزيع العاملين واستئناف الإنتاج في منصاتها بخليج المكسيك، بعدما ضرب الإعصار «إيسياس» المنطقة في وقت مبكر من يوم السبت.