شراكة استراتيجية بملامح المستقبل... دلالات نتائج زيارة ولي العهد إلى واشنطن

الرياض وواشنطن تدشنان مرحلة النمو الكبرى بصفقات استثمارية قيمتها 575 مليار دولار

صورة جماعية لرؤساء كبرى الشركات الأميركية مع ولي العهد والرئيس الأميركي ترمب خلال منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي (أ.ف.ب)
صورة جماعية لرؤساء كبرى الشركات الأميركية مع ولي العهد والرئيس الأميركي ترمب خلال منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي (أ.ف.ب)
TT

شراكة استراتيجية بملامح المستقبل... دلالات نتائج زيارة ولي العهد إلى واشنطن

صورة جماعية لرؤساء كبرى الشركات الأميركية مع ولي العهد والرئيس الأميركي ترمب خلال منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي (أ.ف.ب)
صورة جماعية لرؤساء كبرى الشركات الأميركية مع ولي العهد والرئيس الأميركي ترمب خلال منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي (أ.ف.ب)

على مدى 48 ساعة مكثفة، كانت العاصمة الأميركية واشنطن مسرحاً لإطلاق مرحلة جديدة من التحالف الاستراتيجي بين السعودية والولايات المتحدة الذي سوف يربط مصالح البلدين لعقود مقبلة، وذلك تزامناً مع زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، واستكمالاً للأسس التي تم وضعها خلال زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للرياض في شهر مايو (أيار) الماضي.

 

اللقاءات هناك لم تكن مجرد استعراض للعلاقات القائمة، بل كانت منصة لإطلاق وثيقة للشراكة الاقتصادية الاستراتيجية التي تم إرساء دعائمها خلال زيارة ترمب للرياض، دافعةً إياها إلى مستويات غير مسبوقة من التكامل التقني والمالي. وقد أبدى ولي العهد ثقته بأن تشهد هذه الشراكة مع الولايات المتحدة نمواً غير مسبوق خلال السنوات المقبلة، داعياً إلى اغتنام الفرص الجذابة التي توفرها هذه الشراكة القائمة على النمو والتنويع الاقتصادي والابتكار.

 

 

وقال ولي العهد إن توقيع اتفاقيات ومشاريع استثمارية تشمل قطاعات مثل الدفاع والطاقة والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة والتمويل، ستسهم في توفير فرص عمل هائلة في البلدين.

أطول الشراكات الاقتصادية

لقد بلغ إجمالي الاستثمارات والاتفاقيات بين الشركات الأميركية والسعودية 575 مليار دولار، وفق ما أعلن وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح؛ ما يعزز الشراكة التي «تعدّ من أطول الشراكات الاقتصادية وأكثرها ديناميكية في العالم». وشمل ذلك 307 مليارات دولار تم الإعلان عنها خلال زيارة ترمب للرياض في مايو، إضافة إلى التزامات ثنائية لاحقة، وصفقات جديدة بقيمة 267 مليار دولار، تم الكشف عنها في منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي 2025.

ولم يقتصر الأمر على توقيع حزمة اتفاقيات ضخمة تجاوزت قيمتها الإجمالية 575 مليار دولار، بل ارتكزت الدلالة الأقوى على تعهد ولي العهد رفع خطط الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة إلى تريليون دولار.

هذا التعهد المالي، الذي وصفه الرئيس دونالد ترمب بأنه يعكس قوة التحالف الاستراتيجي، يرسخ العلاقة كشراكة متكافئة بين أكبر اقتصاد عالمي، وأكبر اقتصاد عربي، ويعكس تحولها الاستراتيجي إلى صفقات واستثمارات في قطاعات المستقبل.

ولي العهد يتحدث مع ترمب خلال منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي في واشنطن (أ.ب)

محاور الزيارة

ثلاثة محاور رئيسية كانت حصيلة الزيارة التاريخية:

الأول: الذكاء الاصطناعي

يمثل توقيع وثيقة الشراكة الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي بين السعودية والولايات المتحدة إعلاناً عن تحول محوري في طبيعة العلاقات الثنائية. لم تعد هذه الشراكة مجرد تعاون تجاري، بل هي تأسيس لمرحلة جديدة من الأمن الاقتصادي الشامل وطويل الأمد.

كما أكد البيان المشترك الصادر عن وزيرَي خارجية البلدين، على أن هذا التفاهم يعكس التزاماً راسخاً بتعزيز الابتكار والتقدم التقني، موظفاً التقنيات المتقدمة والمستقبلية لتعميق الالتزامات الأمنية المشتركة.

هذا يضع الذكاء الاصطناعي في صميم المظلة الأمنية، حيث يصبح استقرار سلاسل إمداد البيانات والرقائق في المملكة جزءاً لا يتجزأ من المصلحة الأميركية الاستراتيجية. وأكد البيت الأبيض في بيان أن ما تم التوصل إليه في هذا المجال يهدف إلى منح المملكة وصولاً إلى «الأنظمة الأميركية الرائدة عالمياً» مع «حماية التكنولوجيا الأميركية من النفوذ الأجنبي».

إيلون ماسك يتحدث مع الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» جنسن هوانغ في منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي بواشنطن (أ.ب)

كما أن هذه الوثيقة تهدف إلى ترسيخ مكانة المملكة كقوة حوسبة عالمية بالاستفادة من التكنولوجيا الأميركية الرائدة:

- التمكين التقني: تدعم الشراكة في الذكاء الاصطناعي وصول المملكة إلى الأنظمة الأميركية المتقدمة، وهو ما ترجمته موافقة وزارة التجارة الأميركية على تصدير رقائق «إنفيديا بلاكويل» المتقدمة؛ ما يحل أكبر قيد على نمو هذا القطاع.

- بناء البنية التحتية: تعزز الشراكة خطط إنشاء مراكز الحوسبة الفائقة العملاقة في المملكة، حيث أعلن عمالقة مثل إيلون ماسك و«إنفيديا» عن مشاريع ضخمة وإنشاء مراكز حوسبة عملاقة (500 ميغاواط وأكثر)، مؤكدين أن السعودية تمتلك المزايا التنافسية (الطاقة والموقع) لتصبح مركزاً عالمياً للحوسبة السحابية وخدمات الذكاء الاصطناعي بفضل وفرة الأراضي ومصادر الطاقة والموقع الجغرافي الاستراتيجي.

- السيادة الرقمية: تضمنت الترتيبات المتعلقة بالشراكة في الأسواق المالية، مذكرة تفاهم في مجال التعليم والتدريب؛ ما يعكس حرص المملكة على توطين المعرفة والقدرات البشرية اللازمة لضمان «السيادة الحسابية» وقيادة تطبيقات الذكاء الاصطناعي مستقبلاً.

- «هيوماين» في قلب الحدث: تجسد التحول بشكل ملموس في الدور المحوري لشركة «هيوماين» السعودية للذكاء الاصطناعي والتابعة لصندوق الاستثمارات العامة، والتي كانت في قلب الكثير من الإعلانات المشتركة. فإلى جانب إعلان غيلوم ماسك عن المشروع المشترك بين شركته «إكس إيه آي» و«إنفيديا» و«هيوماين» لتطوير مركز بيانات بقدرة 500 ميغاواط في المملكة، أشاد الرئيس التنفيذي لـ «إنفيديا»، جنسن هوانغ، بتوسع «هيوماين» الـ«هائل» في الأشهر الستة التي تلت تأسيسها، مؤكداً عمله مع السعودية لتدريب الروبوتات المتقدمة وبناء أجهزة الكمبيوتر العملاقة.

ولم يقتصر الأمر على «إنفيديا»، بل تتعاون «هيوماين» أيضاً مع شركتي الرقائق الأميركيتين «إيه أم دي» و«سيسكو» لتطوير مراكز بيانات في الشرق الأوسط، تبدأ بمنشأة بقدرة 100 ميغاواط في المملكة لتلبية احتياجات شركة «أوما إيه آي» (مُصنّع الفيديو التوليدي ومقرها كاليفورنيا). وقادت «هيوماين» جولة تمويلية بقيمة 900 مليون دولار لشركة «لوما إيه آي»؛ ما يعزز جهود المملكة لبناء ما يوصف بـ«هوليوود الذكاء الاصطناعي».

وكشفت «هيوماين» عن تعاونها مع «أدوبي» و«كوالكوم» لإنتاج ذكاء اصطناعي باللغة العربية، كما أعلنت عن شراكة مع شركة «غلوبا إيه آي» الأميركية لبناء حرم جامعي لمركز بيانات في الولايات المتحدة نفسها، مؤكدة بذلك طموحها في التوسع الدولي المتبادل.

من جهتها، أعلنت شركة «أمازون ويب سيرفيسز» و«هيوماين» توسيع شراكتهما الاستراتيجية لنشر ما يصل إلى 150 ألف مسرّع للذكاء الاصطناعي داخل منشأة متقدمة في الرياض تُعرف باسم «منطقة الذكاء الاصطناعي».

وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح خلال افتتاح منتدى الاستثمار السعودي - الأميركي في واشنطن (واس)

الثاني: الطاقة والمعادن

لم تقتصر الأهمية الاستراتيجية لزيارة واشنطن على قطاع الذكاء الاصطناعي فحسب، بل حققت اختراقات نوعية في قطاعي الطاقة والمعادن، حيث هدفت الاتفاقيات الموقعة إلى تحصين سلاسل الإمداد الحيوية وتأمين مصادر الطاقة للمستقبل:

- التعاون النووي المدني: شكَّل إعلان اكتمال المفاوضات بشأن التعاون في مجال الطاقة النووية المدنية (اتفاقية 123) أهم إنجاز في هذا المحور. هذا الاتفاق يضع الأساس القانوني لـ«شراكة نووية بمليارات الدولارات تمتد لعقود»، وفق البيت الأبيض، ويحقق للمملكة هدفاً استراتيجياً في تنويع مصادر الطاقة النظيفة. وأكد بيان البيت الأبيض أن الاتفاق يضمن أن الشركات الأميركية ستكون «الشريك المفضل» للمملكة في هذا المجال.

- المعادن الحرجة: تم التوقيع على «الإطار الاستراتيجي للتعاون في تأمين سلاسل إمدادات اليورانيوم والمعادن والمغانط الدائمة والمعادن الحرجة. هذا الاتفاق يرسخ الشراكة في مجال الأمن الاقتصادي، حيث يربط المصالح الأميركية مباشرة بالموارد السعودية الجيولوجية، ويهدف إلى تحصين سلاسل الإمداد العالمية لهذه المواد الأساسية عبر مشاريع مثل إنشاء مصفاة للمعادن النادرة بالتعاون مع MP Materials الأميركية ووزارة الدفاع الأميركية و«معادن» السعودية.

وذكر البيت الأبيض صراحة أن توقيع إطار عمل المعادن الحرجة يهدف إلى «تعميق التعاون ومواءمة استراتيجياتنا لتنويع سلاسل إمداد المعادن الحرجة». كما أشار إلى أن الاتفاق «يبني على صفقات مماثلة أمّنها الرئيس ترمب مع شركاء تجاريين آخرين لضمان مرونة سلسلة الإمداد الأميركية للمعادن الأساسية».

- استثمارات «أرامكو»: أعلنت «أرامكو» عن 17 اتفاقية جديدة بقيمة 30 مليار دولار، لتصل قيمة التعاون الإجمالية مع الشركات الأميركية إلى 120 مليار دولار، مع التوسع نحو الغاز الطبيعي المسال والخدمات المتقدمة.

 

الثالث: الاستثمار والأسواق المالية

كان الشق الاقتصادي والمالي حاسماً في تأكيد عمق الشراكة، مدعوماً بتعهد ولي العهد برفع الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة إلى ما يقارب تريليون دولار:

- تسهيل الاستثمارات: تم التوقيع على «إطار العمل الاستراتيجي بشأن تسهيل الإجراءات لتسريع الاستثمارات السعودية» و«ترتيبات الشراكة المالية والاقتصادية». هذه الترتيبات تضمن أن التزامات الاستثمار تتدفق بسلاسة إلى قطاعات النمو الأميركية، بما في ذلك البنية التحتية والتقنية؛ ما يخلق وظائف ذات أجر مرتفع ويدعم الازدهار الأميركي المتبادل.

وقد وقَّعت وزارة الخزانة الأميركية ووزارة المالية السعودية اتفاقيات لتعزيز التعاون بشأن الأسواق المالية ومعاييرها ولوائحها التنظيمية، وهي الخطوة تهدف إلى دمج وتسهيل تدفق رأس المال؛ ما يعزز قوة النظام المالي العالمي. كما اتفق الجانبان على تكثيف الجهود بشأن القضايا التجارية، بما في ذلك خفض الحواجز التجارية والاعتراف بالمعايير الفيدرالية الأميركية لسلامة المركبات؛ ما يمثل فوزاً مباشراً للمصنعين والمصدرين الأميركيين ويدعم جهود المملكة في تحديث قطاعاتها في آن.

- تكامل الأسواق المالية والتجارة: شملت النتائج توقيع «الترتيبات المتعلقة بالتعاون في قطاع الأسواق المالية» لتعزيز الحوكمة والمعايير التنظيمية.

يقول الدكتور عبد الله الجسار، عضو جمعية الاقتصاد السعودية عضو جمعية اقتصاديات الطاقة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن الاتفاقيات التي رافقت زيارة ولي العهد لواشنطن تمثل انتقالاً جديداً في شكل العلاقة الاقتصادية بين البلدين، خصوصاً في مجالات الطاقة والاستثمار والتقنيات المتقدمة. وأوضح أن هذه الاتفاقيات تفتح الباب أمام استثمارات نوعية ورفع مهارات الكوادر الوطنية في تخصصات متقدمة؛ ما يعزز التنويع الاقتصادي ويرسخ موقع المملكة في أسواق الطاقة العالمية. وقال: «نحن أمام شراكات طويلة الأثر تُسهم في بناء اقتصاد أكثر توازناً واستدامة».

في المحصلة، فإن الأجندة المكثفة للزيارة في واشنطن لم تكن مجرد جولة دبلوماسية ناجحة، بل كانت تدشيناً رسمياً لشراكة الرهانات الكبرى في العصر الجديد. لقد وضعت هذه الاتفاقيات، المملكة والولايات المتحدة على مسار التكامل الاستراتيجي العميق.


مقالات ذات صلة

القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

خاص رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية

القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

أصبح القطاع الخاص لاعباً أساسياً في دفع عجلة السياحة السعودية، مسهماً بنحو 219 مليار ريال من إجمالي الاستثمارات الملتزم بها في القطاع.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد شركة طاقة صينية تعتزم استثمار نحو 10 مليارات دولار في إثيوبيا (رويترز)

إثيوبيا تبرم صفقات استثمارية بقيمة 13 مليار دولار في مؤتمر استثماري

أعلنت هيئة الاستثمار الحكومية في إثيوبيا، عن إبرام صفقات استثمارية بقيمة 13 مليار دولار، وذلك عقب مؤتمر استثماري استهدف جذب رؤوس الأموال إلى قطاعات اقتصادية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص العاصمة السعودية الرياض (واس)

خاص بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في قيمة الصفقات

بعد عام من قرارات ولي العهد لتنظيم السوق العقارية بالرياض، انخفضت قيمة الصفقات 64 في المائة مقارنة بالفترة نفسها قبل صدور القرارات.

محمد المطيري (الرياض)
الاقتصاد افتتاح قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

الجدعان في قمة ميامي: الاقتصاد السعودي مرن وقادر على إدارة الأزمات

تصدرت الرؤية السعودية مشهد التحولات الاقتصادية في انطلاق قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» بميامي، وسط تأكيدات على قدرة اقتصاد المملكة على إدارة الأزمات.

مساعد الزياني (ميامي)
الاقتصاد وزير المالية السعودي يتحدث في إحدى جلسات قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

وزير المالية السعودي: اضطراب النفط قد يتجاوز أزمة «كوفيد» إذا استمرت الحرب

حذر وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، من تداعيات اقتصادية عالمية قد تفوق في شدتها أزمة جائحة «كوفيد-19»، وذلك في حال استمرار النزاع مع إيران.

«الشرق الأوسط» (ميامي)

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.