دعوة للدخول في عالم المعماري العالمي آي إم باي مصمم هرم اللوفر ومتحف الفن الإسلامي

معرضان في الدوحة يتناولان سيرته وأهم أعماله

تصميم الهرم الزجاجي لمتحف اللوفر (متاحف قطر)
تصميم الهرم الزجاجي لمتحف اللوفر (متاحف قطر)
TT

دعوة للدخول في عالم المعماري العالمي آي إم باي مصمم هرم اللوفر ومتحف الفن الإسلامي

تصميم الهرم الزجاجي لمتحف اللوفر (متاحف قطر)
تصميم الهرم الزجاجي لمتحف اللوفر (متاحف قطر)

«العمارة تشكل الحياة، وهي لها كالمرآة» جملة متداولة للمصمم المعماري الشهير آي إم باي، وهي أيضاً عنوان معرض ضخم يقام في الدوحة حالياً يستعيد سيرة المعماري ونظرياته وأهم أعماله للجمهور، ومن أشهرها الهرم الزجاجي لمتحف اللوفر بباريس ومتحف الفن الإسلامي بقطر، وإضافة للمعرض الأول يقام معرض ثان مخصص لتصميمات باي في متحف الفن الإسلامي.

ملصق معرض «آي إم باي: العمارة تشكل الحياة» في الدوحة (متاحف قطر)

ولكن لنعد للمعرض الأول والأكبر، وهو أول معرض استعادي لأعمال المعماري الشهير، سبق أن عرض في هونغ كونغ وشانغهاي وافتتح في الدوحة الأسبوع الماضي في غاليري متاحف قطر – الرواق، بتنظيم مشترك مع متحف الثقافة البصرية«M+» في هونغ كونغ.

يضم العرض أكثر من 400 قطعة تتنوع ما بين الرسومات والنماذج المعمارية والصور الفوتوغرافية ووثائق أرشيفية نادرة. المعرض يأخذ بيد الزائر لدخول عالم المصمم الأميركي من أصل صيني يعرض له سيرته الشخصية وبداياته ونظرياته في العمارة وبالطبع نماذج لأهم أعماله. ولعل ما يمنح المعرض بعداً إنسانياً عميقاً تلك المقابلات المصورة لآي إم باي، التي أجريت خلال مراحل متفرقة من حياته، نسمع حديثه ونتعرف أكثر على نظرياته وحياته العملية التي تميزت بالابتكار في المواد والبنية وبإعادة تفسير التاريخ من خلال التصميم ووضع الفن في مزاوجة مع التصميم.

الأفلام الوثائقية منحت المعرض بعداً عميقاً (متاحف قطر)

عالم المصمم

يأخذنا المعرض لعالم المصمم باي وبداياته وأهم تصميماته في العالم. نمر عبر العرض بستة محاور نتعرف من خلالها على إرث المصمم الراحل، تبدأ من نشأته في الصين ثم دراسته في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وعمله بعد ذلك معمارياً له نظرة مختلفة لأهمية العمارة في حياة المجتمعات، بينما نمر على مجسمات لأهم مشروعاته حول العالم.

تتحدث قيِّمة المعرض، شيرلي سوريا، عن عملية الإعداد وصعوبة التوصل لأوراق المصمم العالمي والصور والرسومات المناسبة. تشير إلى أن فترة جائحة كوفيد 19 كانت أساسية في توفير صور فوتوغرافية لعدد من البنايات الأيقونية في مسيرة باي، حيث تم تكليف عدد من المصورين بالتقاط صور لأحد عشر مشروعاً منفذاً من تصميم باي، كما يقدم العرض أيضاً خمسة نماذج لمشروعات رائدة للمصمم قام بتنفيذها طلبة كليتي العمارة في جامعة هونغ كونغ والجامعة الصينية بهونغ كونغ.

جانب من المعرض (الشرق الأوسط)

لفهم تطور الفكر المعماري لباي تعود بنا القيمة للبدايات، حيث تدرب باي بعد تخرجه مع شركة تصميم أميركية كانت تركز على إعادة إحياء المدن الأميركية في الخمسينات، التي تضررت بسبب نزوح السكان للضواحي، وكان تركيز مشروعات الشركة على مشاريع الإسكان العام لمحدودي الدخل، ونرى صوراً لبعض المشروعات هنا.

نقطة مهمة يشير لها المعرض، وهي تأثر المصمم بالعمارة في مدينة سوتشو الصينية التي كان يقيم فيها جده، وكان كثيراً ما يزوره هناك، وكان للحدائق المسورة في المدينة، وهي عكس ما اعتاد عليه المصمم في حياته بمدن أكبر مثل شانغهاي وهونغ كونغ، تأثير على طريقة فهمه لتأثير السياقات التاريخية والثقافية على تشكيل المساحة والهوية.

تصميم المتاحف

في قاعة تالية نتعرف على نظريات باي في تصميم المتاحف، فقد اشتهر بتصميمه لعدد من المتاحف العالمية، ولعل الهرم الزجاجي لمتحف اللوفر من أشهرها، يحمل حائط القاعة التالية جملة للمصمم توضح ببلاغة رؤيته: «متاحف الفن ليست نصباً تذكارية، بل ينبغي تصميمها لجذب الجماهير بهدف المتعة الخاصة». عناصر التصميم المتحفي لدى باي تشمل التصميم الذي يلمس الناظر بجمالياته ويسهل حركته ويجعل من زيارة المتحف أمراً محبباً. هذه النظرية كانت من أسباب حرص باي على دمج أعمال فنية مصنوعة خصيصاً لتصبح جزءاً مهماً من التصميم، وهو أمر اتبعه باي في تصميماته أيضاً لمبان أخرى مثل المصارف ومشاريع الإسكان، وكأنه كان يقدم مثالاً حياً لإيمانه بأهمية الحوار المتبادل بين الفن والعمارة.

في المعرض الاستعادي نرى جانباً من عملية تصميم المتحف الإسلامي، ولكن هناك أيضاً جناح خاص لتصميم الهرم الزجاجي لمتحف اللوفر في باريس.

جناح الهرم الزجاجي لمتحف اللوفر بالمعرض (الشرق الأوسط)

هرم متحف اللوفر الزجاجي

في هذه القاعة نتطرق لنظرة باي للتكنولوجيا والمواد المتطورة، في عالم باي تنتظم عناصر التصميم من الشكل والمادة والتقنية ضمن منظومة واحدة، إذ عدّها عناصر لا يمكن فصل بعضها عن بعض. كان فريقه يجري أبحاثا موسعة لابتكار العديد من الحلول المادية لدفع التصميم المعماري لآفاق جديدة واستكشاف استخدامات متنوعة للخرسانة والزجاج والحجر والفولاذ دون المساس بالمتانة البنيوية، وهنا يتجسد بناء الهرم الزجاجي كمثال للاستخدام الذكي للمواد المختلفة. في مقطع وثائقي يقول المصمم إن أهم أمر بالنسبة له كان أن يكون البناء «شفافاً»: «لأنني أريده أن يكون عنصراً محايداً، أريد عندما يزور الناس المتحف أن يكون بمقدرتهم رؤية مبنى اللوفر عبر الزجاج».

متحف الفن الإسلامي بالدوحة

محملين بتصميمات عبقرية استوحيت من الحياة والثقافة لتصبح بدورها أيقونات ثقافية، نتجه للمعرض الثاني عن باي في متحف الفن الإسلامي. العرض هنا حميمي ويتناول تصميمات باي لمتحف الدوحة. العرض يحمل عنوان «آي. إم. باي وتصميم متحف الفن الإسلامي: من المربّع إلى المثمّن ومن المثمّن إلى الدائرة»، يشير العنوان لتأثر باي بنماذج العمارة الإسلامية وتحديداً مسجد ابن طولون في القاهرة.

عبقرية باي تتجسد في الموقع الذي اختاره للمتحف على جزيرة منفصلة، حيث يتربع المتحف بارتفاع واضح نصل له بعد المرور بممر مائي مدرج (يذكرنا بمسارات مائية مشابهة في قصر الحمراء بغرناطة). بالدخول للمتحف نحظى برؤية فريدة لكامل أجزاء البناء المفتوح من الداخل، حيث تتقاطع السلالم والردهات والممرات لتنتهي أعلى المبنى بمقرنصات قبة عصرية.

نعرف من خلال القطع المعروضة بعض التصاميم التي تنافست لتنفيذ متحف الفن الإسلامي، ومن بينها تصميم لمكتب زها حديد. تقول زهرة خان المشرفة على العرض، إن باي قرر زيارة عدد من البلدان لرؤية معالم إسلامية شهيرة، لينطلق في رحلة بحث وتعارف مع نماذج من العمارة الإسلامية. نرى صوراً لعدد من المباني التي زارها واهتم برؤيتها، ولكن زيارته للقاهرة كانت هي الشرارة التي أشعلت مصباح الإلهام، فقد وجد آي إم باي في مسجد ابن طولون العناصر المعمارية التي يمكن أن يستوحيها ويطور منها بناء يلائم الدوحة.

متحف الفن الإسلامي بالدوحة (متاحف قطر)

رأى باي وجوب أن يلائم التصميم المدينة عبر استخدام تصميم هندسي بسيط يلائم المدينة ومكان المتحف المطل على مياه الخليج العربي.

يضم المعرض رسومات، ونماذج معمارية، وصوراً فوتوغرافية مبكرة، ووثائق أرشيفية، كلها أصلية، يُعرض الكثير منها لأول مرة للجمهور.

يأتي المعرض بتقييم فني لأوريليان ليمونييه، قيِّم متحف مطاحن الفن للعمارة والتصميم والحدائق، وزميلته في المتحف نفسه زهرة خان، قيِّم الفن الحديث والمعاصر، بتعاون وثيق مع الدكتورة منية شخاب أبو دية، نائب مدير متحف الفن الإسلامي للشؤون المتحفية. يمتد المعرض عبر سبعة أقسام، بدءاً من مسابقة العمارة الدولية لعام 1997وصولاً إلى افتتاح متحف الفن الإسلامي عام 2008.


مقالات ذات صلة

«غوغل» تطلق «Google Pics» أداة تصميم بالذكاء الاصطناعي

تكنولوجيا «Google Pics» أداة من «غوغل» لإنشاء وتعديل التصاميم بالذكاء الاصطناعي (غوغل)

«غوغل» تطلق «Google Pics» أداة تصميم بالذكاء الاصطناعي

تتيح إنشاء الصور والتصاميم وتعديلها باستخدام الأوامر النصية، في خطوة تضع الشركة بصورة أكثر مباشرة في مواجهة أدوات شهيرة مثل «Canva».

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
يوميات الشرق يبرز تصميم المسرح الملكي كأنه موجة تتصاعد وتعلو قمتها فوق قاعات العروض (غيتي)

المسرح الملكي في الرباط وسحر تصاميم زها حديد

قبل أن يُرفع الستار، ينجح «المسرح الملكي» الجديد في الرباط - وهو من تصميم المهندسة المعمارية المرموقة زها حديد - في إبهار الناظرين لدرجة تفوق التصور.

تكنولوجيا إطلاق «إيمجز 2.0»: صور أدق ودعم أفضل للعربية (أ.ب)

«أوبن إيه آي» تطلق نموذجها الجديد لتوليد الصور «Images 2.0»

أعلنت شركة «أوبن إيه آي» (OpenAI) عن إطلاق نموذجها الجديد لتوليد الصور تحت اسم «Images 2.0».

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا «أدوبي» تطلق «القص السريع» لاختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو (رويترز)

«القص السريع» من «أدوبي»: اختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو

في سياق تسارع الابتكار داخل أدوات إنتاج المحتوى، تواصل «أدوبي» توسيع قدرات منصتها للذكاء الاصطناعي «فايرفلاي»، عبر تقديم ميزة جديدة تحمل اسم القص السريع (Quick…

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
يوميات الشرق تصور رقمي لأحد وديان الحديقة (مكتب جربر للعمارة)

جائزة عالمية للمكتب المعماري خلف تصميم حديقة الملك سلمان بالرياض

حصد مكتب جربر للعمارة جائزة المعهد الملكي للمهندسين المعماريين البريطانيين/ الشرق الأوسط لعام 2025، وذلك في فئة المشاريع المستقبلية عن تصميم حديقة الملك سلمان…

«الشرق الأوسط» (الرياض)

باحثة تكشف عن ظروف العمل الصعبة وخفايا الاستغلال في قطاع الموضة

عارضات أزياء يستعرضن تصاميم المصمم أنتوني فاكاريلو ضمن عرض مجموعة الملابس النسائية الجاهزة لموسم ربيع وصيف 2027 لدار الأزياء «سان لوران» (رويترز)
عارضات أزياء يستعرضن تصاميم المصمم أنتوني فاكاريلو ضمن عرض مجموعة الملابس النسائية الجاهزة لموسم ربيع وصيف 2027 لدار الأزياء «سان لوران» (رويترز)
TT

باحثة تكشف عن ظروف العمل الصعبة وخفايا الاستغلال في قطاع الموضة

عارضات أزياء يستعرضن تصاميم المصمم أنتوني فاكاريلو ضمن عرض مجموعة الملابس النسائية الجاهزة لموسم ربيع وصيف 2027 لدار الأزياء «سان لوران» (رويترز)
عارضات أزياء يستعرضن تصاميم المصمم أنتوني فاكاريلو ضمن عرض مجموعة الملابس النسائية الجاهزة لموسم ربيع وصيف 2027 لدار الأزياء «سان لوران» (رويترز)

بعد 15 عاماً من البحث، تكشف عالمة الأنثروبولوجيا الإيطالية جوليا مينسيتيري في كتاب جديد بعنوان «الموضة: أجمل مهنة في العالم»، عن خفايا الظروف الصعبة التي يعيشها العاملون في هذا القطاع، وما يواجهونه خصوصاً من استغلال في مجال يدر إيرادات طائلة.

يصدر عملها في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) على شكل رواية مصورة، عن دار النشر «لاديكوفرت/ديلكور»، وقد تولى رسمه الفنان «دانيكولاتيرال» بأسلوب يجمع بين الحس الإبداعي والطابع القاتم.

تصف الباحثة في كتابها مشهداً يبدو مزعجاً تظهر فيه نحو عشر نساء ينهمكن ليلاً في شقة باريسية صغيرة بالعمل على قطعة قماش يُفترض أن تتحول، في غضون ساعات قليلة، إلى فستان من الأزياء الراقية.

سيُباع عملهن بسعر يتراوح بين 70 ألفاً و100 ألف يورو، لكنّ كل واحدة منهن ستغادر المكان ومعها مظروف يحتوي على مبلغ نقدي لا تتخطى قيمته الحد الأدنى للأجور في فرنسا.

وتوضح الباحثة، وهي طالبة دكتوراه في الأنثروبولوجيا الاجتماعية وباحثة في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، أن هؤلاء العاملات في الخياطة قد يكنّ «طالبات أو عاملات أو مهاجرات من آسيا أو خياطات محترفات يُستدعين للمساعدة». وقد زارت الباحثة إحدى هذه الورش التي تعمل بكامل طاقتها قبيل انطلاق أسبوع الموضة في العاصمة الفرنسية.

دفع مقابل المكانة المرموقة

يُشكل قطاع الموضة والملابس أكثر من 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الفرنسي، وهي نسبة تفوق مساهمة قطاع السيارات. كما يوفر سبل العيش لنحو مليون شخص، وفق الاتحاد الفرنسي للأزياء الراقية والموضة. مع ذلك، يظل هذا القطاع من أقل القطاعات توثيقاً ودراسة.

وتشير الباحثة الإيطالية في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» إلى أن قطاع الموضة «عالم يحظى بظهور مكثف وحضور طاغٍ في المجلات والملصقات وعلى الإنترنت، لكننا لا نعرف عنه شيئاً في الواقع».

وقد تمكنت من الولوج إلى هذا العالم بفضل رغبة هذا الوسط الذي يُنظر إليه غالباً على أنه سطحي، في الحصول على «شرعية فكرية»، بعدما شعر القائمون عليه بالإطراء لاهتمام باحثة في الأنثروبولوجيا بأعمالهم.

ومن بين الوقائع الاقتصادية التي كشفت عنها هذه التجربة الميدانية: ظاهرة «العمل لسداد الديون» في مجال عرض الأزياء، إذ ليس من النادر أن تدفع وكالات كبرى جميع النفقات نيابة عن عارضي وعارضات الأزياء، بدءاً من تصفيف الشعر ووصولاً إلى سيارات الأجرة، ثم تطالبهم بسداد هذه المبالغ، وهو أمر يعجز معظمهم عن القيام به إطلاقاً.

كما يسود ما يُعرف بـ«التعويض المعنوي» أو «التعويض عبر المكانة المرموقة»؛ إذ تشير جوليا مينسيتيري إلى أنه «كلما زادت مكانة المجلة المرموقة، زاد اليقين بأن العاملين لا يتقاضون أجراً. إنها قاعدة ثابتة؛ فصفحات الافتتاحيات (وهي جلسات تصوير أزياء تُنشر بعيداً عن الإعلانات التجارية) غالباً ما تُنجز مجاناً».

حتى إن بعض المصورين يدفعون المال مقابل العمل، إذ يتحملون تكاليف الفندق والنقل ووجبات طاقم العمل، ظناً منهم أنهم «يستثمرون في مسيرتهم المهنية». وهناك آخرون يتلقون أجورهم بصورة عينية، على شكل قسائم شراء من العلامة التجارية نفسها، وهي طريقة تحقق للعلامة التجارية «مكاسب مضاعفة».

معاناة واستغلال

ومن بين المشاهدات التي ينقلها الكتاب، تسلّم رئيسة تحرير حاملة حقيبة يد تبلغ قيمتها 20 ألف يورو، مظروفاً يحتوي على 100 يورو فقط لمصورة مقابل 48 ساعة من العمل، قائلة لها: «أنت محظوظة بوجودك هنا». وقد استلهمت الباحثة التي تعمل حالياً في المركز الوطني للبحث العلمي في مدينة ليل بشمال فرنسا، عنوان أطروحتها للدكتوراه من هذه العبارة.

وتؤكد الباحثة أن «لعالم الموضة طابعه الخاص وعنفه المميز؛ إذ يجمع بين عوالم وسلع فائقة الفخامة، وبين خلق صور ذهنية لهذه الرفاهية، وبين أشكال من التعويض والعمل والاستغلال قد تصل إلى مستويات متطرفة».

يفتقر هذا القطاع إلى أي تمثيل نقابي، باستثناء هيئات أصحاب العمل. وتضيف الباحثة: «إنه وسط لا يمكنك فيه البوح بمعاناتك، فلا يمكنك القول: أنا في مأزق، أو أعاني من الاحتراق الوظيفي، أو أتعرض للاستغلال، أو لا أملك المال لدفع الإيجار، أو لم أتقاضَ أجري منذ ستة أشهر».

تنصح جوليا مينسيتيري الشباب الذين يراودهم حلم دخول هذا العالم بـ«اغتنام الجوانب الجميلة، مع الحرص في الوقت ذاته على معرفة حقوقهم».

ورغم أن المؤلفة لا تذكر أسماء أي علامات تجارية، فإنها تشير إلى تزايد محاولات الرقابة في الآونة الأخيرة، ولا سيما من خلال إلغاء بعض مشاركاتها.

وتؤكد الباحثة: «لستُ صحافية، ولا أنطلق من منظور أخلاقي؛ فهدفي ليس كشف المخالفات، بل توضيح آلية عمل هذا الجانب من الرأسمالية».


حرف مفقود وفأر مشاغب... بانكسي يعيد «بريكست» إلى المزاد

يقف مساعدون في المعرض بجوار عمل فني بعنوان «Keep Out» (ممنوع الدخول) لفنان الشارع البريطاني بانكسي أثناء الكشف عنه خلال معاينة صحافية لمزادات الفن الحديث والمعاصر ضمن فعاليات «أسبوع فريز» (Frieze Week) المرتقبة في دار «فيليبس» بوسط لندن (أ.ب)
يقف مساعدون في المعرض بجوار عمل فني بعنوان «Keep Out» (ممنوع الدخول) لفنان الشارع البريطاني بانكسي أثناء الكشف عنه خلال معاينة صحافية لمزادات الفن الحديث والمعاصر ضمن فعاليات «أسبوع فريز» (Frieze Week) المرتقبة في دار «فيليبس» بوسط لندن (أ.ب)
TT

حرف مفقود وفأر مشاغب... بانكسي يعيد «بريكست» إلى المزاد

يقف مساعدون في المعرض بجوار عمل فني بعنوان «Keep Out» (ممنوع الدخول) لفنان الشارع البريطاني بانكسي أثناء الكشف عنه خلال معاينة صحافية لمزادات الفن الحديث والمعاصر ضمن فعاليات «أسبوع فريز» (Frieze Week) المرتقبة في دار «فيليبس» بوسط لندن (أ.ب)
يقف مساعدون في المعرض بجوار عمل فني بعنوان «Keep Out» (ممنوع الدخول) لفنان الشارع البريطاني بانكسي أثناء الكشف عنه خلال معاينة صحافية لمزادات الفن الحديث والمعاصر ضمن فعاليات «أسبوع فريز» (Frieze Week) المرتقبة في دار «فيليبس» بوسط لندن (أ.ب)

بوابة مغلقة، عبارة ناقصة، وفأر صغير يحاول فتح قفل بحرف من كلمة مفقودة... بهذه التفاصيل البسيطة، التي تحمل أكثر مما تبدو عليه، يعود الفنان البريطاني بانكسي إلى واحدة من أكثر القضايا التي قسمت البريطانيين: «بريكست».

ويستعد عمله «Keep Ou T»، الذي أنجزه عام 2019، لدخول المزاد في لندن الشهر المقبل، ضمن مزاد «فيليبس» للفن الحديث والمعاصر، وسط تقديرات بأن يتراوح سعره بين 1.2 و1.8 مليون جنيه إسترليني.

يُعرض عمل الفنان بانكسي الفني بعنوان«Keep Out» -والذي يُقدَّر أن يُباع بسعر يتراوح بين 1.2 و1.8 مليون جنيه إسترليني (ما يعادل 1.6 إلى 2.4 مليون دولار أميركي) (أ.ب)

ويبدو أن بانكسي لم يحتج إلى كثير من الكلمات ليقول ما يريد. فقد كتب على بوابة معدنية قديمة عبارة «KEEP OUT»، أي «ابقوا خارجاً»، لكنه تعمّد ترك حرف T منفصلاً عن بقية الكلمة. أما الحرف نفسه، فإنه يظهر في يد أحد فئران بانكسي الشهيرة، الذي يحاول استخدامه لكسر القفل أسفل البوابة.

وليس اختيار البوابة اعتباطياً. فقد كانت في الأصل جزءاً من بوابة وصول المسافرين القادمين من دول الاتحاد الأوروبي في مطار هيثرو. وبعد أن أصبحت جزءاً من الماضي، أعاد بانكسي تقديمها في عمل فني يحوّلها من مجرد بوابة عبور إلى رمز لحدود أُغلقت بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وفقاً لموقع «يورونيوز».

وربما تكمن الطرافة في أن الفأر، وهو من أكثر الشخصيات حضوراً في عالم بانكسي، لا يقف هذه المرة متفرجاً أمام الحاجز. إنه يحاول فتحه. أما الأداة التي يستخدمها فهي الحرف الذي ينقص كلمة «خارجاً»، في لعبة بصرية بسيطة تختصر كثيراً من الجدل الذي رافق «بريكست».

ولم تكن هذه المرة الأولى التي يضع فيها بانكسي موقفه من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي داخل عمل فني. ففي مايو (أيار) 2017، رسم في مدينة دوفر الساحلية جدارية ضخمة تظهر عاملاً يقف على سلم، مستخدماً مطرقة وإزميلاً لإزالة إحدى النجوم الذهبية من علم الاتحاد الأوروبي.

وفي عمل آخر بعنوان «Vote To Love» عام 2018، استخدم الفنان بالوناً على شكل قلب فوق لافتة لحملة «Vote Leave»، في معالجة ساخرة أخرى لقضية الانفصال عن أوروبا.

حتى سعر ذلك العمل حمل رسالة ساخرة. فقد وضع بانكسي رقماً افتراضياً بلغ 350 مليون جنيه إسترليني، في إشارة إلى الرقم الذي اشتهرت به حافلة حملة «مغادرة الاتحاد الأوروبي» خلال الاستفتاء البريطاني، والتي روجت لفكرة استخدام 350 مليون جنيه إسترليني أسبوعياً لتمويل هيئة الخدمات الصحية الوطنية بعد الخروج من الاتحاد.

وكان الرقم موضع انتقادات وتشكيك واسع، بما في ذلك من هيئة الإحصاءات البريطانية، ومعهد الدراسات المالية.

أما «Keep Ou T»، فيبدو أكثر هدوءاً في رسالته، لكنه لا يقل وضوحاً. فبدلاً من خطاب سياسي طويل، هناك بوابة كانت مخصصة لاستقبال القادمين من أوروبا، وعبارة تقول لهم: «ابقوا خارجاً»، وفأر صغير لا يبدو مستعداً للاستسلام بسهولة أمام القفل.


«أصوات عميقة» مسرحية فلسطينية تُذكّر بمعاناة النازحات في غزة

مسرحية «أصوات عميقة» تم عرضها ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» (الشركة المنتجة)
مسرحية «أصوات عميقة» تم عرضها ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» (الشركة المنتجة)
TT

«أصوات عميقة» مسرحية فلسطينية تُذكّر بمعاناة النازحات في غزة

مسرحية «أصوات عميقة» تم عرضها ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» (الشركة المنتجة)
مسرحية «أصوات عميقة» تم عرضها ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» (الشركة المنتجة)

يضع العرض المسرحي «أصوات عميقة» ممثلته الفلسطينية - الأردنية تهاني سليم في مواجهة مهمة وشاقة؛ إذ تصنع من تجربة فردية مساحة تتسع لأصوات كثيرة، من دون أن تفقد الحكاية خصوصيتها.

وعلى مدار ساعة تقريباً، تبدو تهاني سليم وكأنها تجمع شظايا تجربة أكبر منها، فتتنقل بين السرد والأداء والحركة والتفاعل مع الصورة، بينما تتشكل أمامها حكاية امرأة فلسطينية تعيش الحرب؛ ليست باعتبارها حدثاً بعيداً، ولكن بوصفها واقعاً يعيد ترتيب كل التفاصيل اليومية.

العمل ينطلق من تجربة فرح الغول، وهي فتاة فلسطينية من غزة، عثرت تهاني سليم عن طريق الصدفة على جزء من مذكراتها عن النزوح، ومن هذه الصفحات القليلة بدأت رحلة بحث وتوثيق توسعت إلى شهادات نساء وأطفال، وتتبع مسارات النزوح داخل غزة ومناطقها المختلفة، ليصبح النص النهائي أوسع من التجربة الأصلية، وما بين الخوف والفقد والانتقال المستمر، يرصد العرض كيف أعادت الحرب تشكيل الحياة اليومية للنساء الفلسطينيات، محولاً تجربة امرأة واحدة إلى حكاية عن غزة وذاكرة أهلها.

وتكمن قوة عرض المونودراما الذي قُدم بالقاهرة ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس الدولي لمسرح المرأة» في طريقة تعامله مع الزمن؛ فالحكاية لا تسير كخط مستقيم يشرح ما حدث ثم ينتقل إلى ما بعده، وإنما تتقدم عبر استدعاءات وتقاطعات بين لحظة وأخرى، الماضي يعود في أثناء الحاضر، والصورة المسجلة تقاطع الأداء الحي، والصوت القادم من خارج الخشبة يغير معنى ما نراه عليها.

واعتمدت تهاني سليم على أدوات قليلة لكنها تحتاج إلى سيطرة كبيرة: الصوت، والجسد، والإيقاع، والنظرة، فلا يوجد أمامها مجموعة ممثلين تتبادل معهم الفعل، لذلك يصبح الانتقال بين الحالات مسؤوليتها وحدها، بعض التحولات تتم بالكلمة، وبعضها بالحركة أو الصمت، وأحياناً يكفي تغير بسيط في النبرة حتى يتغير موقع الشخصية داخل المشهد.

شهد العرض حضوراً جماهيرياً لافت بالقاهرة (إدارة المهرجان)

في المقابل، لا تترك المخرجة سوسن دروزة الممثلة وحدها في مواجهة هذا العبء، بل تبني حولها فضاء يتغير باستمرار، العناصر البصرية والإضاءة والفيديو تدخل في صلب الفعل المسرحي، وتخلق أحياناً شخصيات غائبة أو أماكن لا يمكن وجودها فعلياً على الخشبة، فالصورة جاءت طرفاً في المشهد من جانب توثيقي يضفي خصوصية على العمل.

ويشارك في صناعة «أصوات عميقة» فريق فلسطيني وأردني وسويسري، تتصدره تهاني سليم مؤلفة العرض وبطلته ومنتجته، فيما تتولى سوسن دروزة الإخراج، وهالة شهاب تصميم السينوغرافيا، وتولى تصميم الإضاءة والإشراف التقني فراس أبو صباح، بينما شاركت الفنانة السويسرية نيكول بيرمان في تنفيذ الفيديو والمؤثرات الرقمية، ويجمع العرض بين التمثيل الحي والصورة والإضاءة والصوت والحركة.

وقالت تهاني سليم لـ«الشرق الأوسط» إن النزوح طال أعداداً هائلة من الفلسطينيين، لكنها اختارت أن تجعل التجارب النسائية محور العمل، انطلاقاً من اهتمامها المستمر بقضايا المرأة في مشاريعها الفنية، لذلك أجرت مقابلات مع فرح ونساء أخريات، وجمعت شهادات متعددة، بالتوازي مع متابعة مسار النزوح زمنياً ومكانياً، من مناطق داخل غزة إلى الشاطئ وخان يونس ورفح.

وأوضحت أن النص المسرحي في صورته النهائية لا يمثل نقلاً حرفياً لمذكرات فرح، لكنه كان توثيقاً مسرحياً، لافتة إلى أن «هذا المسار جعل العمل أقرب إلى الدراما الوثائقية التي تتداخل فيها الشهادة الشخصية مع المادة الإعلامية، بحيث تصبح الوثيقة أساساً للبناء المسرحي، وليست مجرد خلفية للأحداث».

قدم العرض المسرحي جانباً من معاناة النزوح الفلسطيني بسبب الحرب (الشركة المنتجة)

وتابعت أن العرض يقوم على مستويات متوازية؛ أولها تجربة الفتاة التي تعيش النزوح والألم، وثانيها المستوى البصري الذي عملت عليه مع الفنانة السويسرية نيكول بيرمان من خلال الفيديو والوسائط الرقمية، وثالثها المستوى السياسي والتوثيقي الذي استعانت فيه بتصريحات صحافيين ونشطاء وسياسيين. ومن خلال هذه الطبقات، حاولت أن تمنح الحكاية الفردية سياقها الأوسع، من دون أن تفقد خصوصيتها الإنسانية.

وأشارت تهاني إلى أن «وجودها في أوروبا جعل تقديم هذا العمل بالنسبة إليها مسؤولية فنية وإنسانية في الوقت نفسه»، مؤكدة أن «الفنان لا يستطيع أن ينفصل عن التحولات الاجتماعية والسياسية الكبرى التي تجري حوله، وأن انتماءها الفلسطيني دفعها إلى التمسك بهذه الحكايات، بينما جعلها موقعها بوصفها فنانة تفكر في الطريقة التي يمكن بها للمسرح أن يتفاعل مع مأساة إنسانية بهذا الحجم دون أن يتحول إلى خطاب مباشر».

وفي الختام، أرجعت اختيارها تقديم العمل في صورة مونودراما لرغبتها في تحمل المسؤولية الكاملة عن الفكرة التي تريد إيصالها، موضحة أنها شاركت في كتابة النص والتمثيل والدراماتورج والإنتاج، ورغم أن العمل بهذه الصورة كان مرهقاً، فإنه منحها في المقابل قدرة أكبر على التحكم في جميع عناصر التجربة، وعلى الحفاظ على وحدة الرؤية منذ البحث الأول وحتى لحظة وقوفها منفردة أمام الجمهور.