«المصلى» وجامع بخارى الكبير... لقاء التصميم المعماري والروحانية

عُرض ضمن فعاليات الدورة الافتتاحية لبينالي بخارى للفنون

المسجد الكبير في بخارى وحوار مع تصميم المصلى القادم من السعودية  (سارة سعد-مؤسسة بينالي الدرعية)
المسجد الكبير في بخارى وحوار مع تصميم المصلى القادم من السعودية (سارة سعد-مؤسسة بينالي الدرعية)
TT

«المصلى» وجامع بخارى الكبير... لقاء التصميم المعماري والروحانية

المسجد الكبير في بخارى وحوار مع تصميم المصلى القادم من السعودية  (سارة سعد-مؤسسة بينالي الدرعية)
المسجد الكبير في بخارى وحوار مع تصميم المصلى القادم من السعودية (سارة سعد-مؤسسة بينالي الدرعية)

في الدورة الافتتاحية لبينالي بخارى للفن، تحضر المملكة العربية السعودية عبر فنانيها وثقافتها، وأيضاً عبر التصميم الفائز بجائزة «المصلى»، الذي عرض للمرة الأولي في بينالي الفنون الإسلامية بجدة، بداية هذا العام، بعد فوز تحالف مكون من «استوديو إيست للهندسة المعمارية»، وشركة الهندسة الدولية (AKT II)، والفنان ريان تابت.

عُرض تصميم «المصلى» خارج المسجد الكبير في بخارى، حيث مثّلت القباب الزرقاء للمسجد الكبير خلفية بصرية رائعة للتصميم القادم من قلب المملكة العربية السعودية.

ويجب القول إن الجوار المدهش بين تصميم المسجد الأثري وباحاته القادمة من القرن السادس عشر، وتصميم حديث مصنوع من بقايا النخيل، بفكرة مستوحاة من تقاليد حياكة النسيج، خلق حواراً بصريّاً فائقاً، وفتح أبواباً للحديث والتأمل والمقارنة، وأيضاً للسباحة في ذلك الفضاء المشترك بينها.

فن استخدام المساحات المفتوحة

في داخل المصلى التقينا نقولا فياض، المؤسس الشريك في «استوديو إيست للهندسة المعمارية»، وكريستوفر بلاست، مدير التصميم في «AKT II»، ودار الحديث حول تصميم «المصلى»، وفن التعامل مع الفضاءات المفتوحة واستغلالها لتكوين مساحات للعبادة واللقاء والتأمل.

في بداية الحديث، يقول فياض إن بناء «المصلى» يتأمل في مسألة استغلال الفضاءات المفتوحة، «ننظر إلى مساحة المسجد الكبير في بخارى، ونجد أنفسنا أمام تساؤل عن كيفية تفعيل المساحات المفتوحة في المدينة، ويأتي وضع (المصلى) بالقرب من المسجد الكبير، مثل نوع من تأطير الفكرة والتأمل في استخدام المساحات المتمثلة في الفناء الضخم داخل حدود المسجد العتيق والمساحات الأصغر حوله، نراها هنا أكثر من مجرد مساحة للصلاة، فالساحات تسمح بالتجمع واللقاء والتأمل».

المصلى في بخارى (سارة سعد-مؤسسة بينالي الدرعية)

فكرة المساحات المفتوحة المستخدمة للتجمع واللقاءات الاجتماعية تتجسد أيضاً في التصميم المعاصر لـ«المصلى»، وهو ما يشير إليه فياض بالقول: «كان الأمر دائماً يتعلق بفكرة الاجتماع، وتقريب الناس بعضهم من بعض، وخلق مساحات للعبادة والتأمل».

ومن موقع (المصلى)، خارج المسجد الكبير، لا يمكن لنا إغفال الحضور المهيب لذلك الصرح التاريخي وعمارته المتميزة وقبابه الزرقاء، كيف يرى المصممون ذلك التجاور بين مبنيين، تفصل بينهم قرون من التاريخ وأساليب التصميم والعمارة؟

يعلق بلاست قائلاً: «بما أن المبنيين يتوجهان إلى مكة، فذلك الجوار لم يأتِ مصادفة، فقد خلق اتجاه القبلة ذلك المنظر. أرى أن ذلك التقارب خلق منظراً مدهشاً».

حوار البناء والتصميم

يلتقط فياض الخيط قائلاً: «هناك أيضاً ذلك الحوار الذي يظهر بين الاثنين، لعل أول ما يخطر ببالي هو التكامل بين مبنيين يأتيان من خلفيتين مختلفتين، رغم ذلك عندما نمعن في النظر نشعر بأن المبنيين ليسا غريبين أحدهما عن الآخر. بشكل ما يتجانسان».

أسأله: «من وجهة نظر مصمم معماري؛ ما هي النقاط التي تجمع بين بناء من القرن الواحد والعشرين وبناء من القرن السادس عشر؟» يجيب فياض: «أعتقد أن هذه نقطة مهمة، فهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بعملية البحث التي قمنا بها، والتي كان أساسها استغلال مساحة الفناء الداخلي في أماكن العبادة، التي أراها بمكانة العنصر الذي يجمع بين التصميمين، هناك تشابه نمطي وحوار قائم بينهما. فالفناء في المجتمعات الإسلامية كان يُستخدم للتجمعات، وأحياناً كقاعات دراسية، وتدور حوله مساحات أخرى، سواء أكانت ردهات أم قاعات للصلاة».

يضيف بلاست أنه استوحى تصميم «المصلى» أيضاً من طريقة البناء في جدة القديمة، «يجب أن نتذكر أن المواد المستخدمة في بناء (المصلى) هنا مستوحاة من تقنيات البناء الأصلية من جدة قبل 200 أو 300 عام، والمواد التي كانت تستخدم وقتها مثل الطين والحجر والخشب هي موجودة في هذا المبنى أيضاً».

استخدام المساحات المفتوحة والفناء من أهم مميزات المصلى (سارة سعد-مؤسسة بينالي الدرعية)

ويقول إن «أكثر الجوانب إثارة خلال العمل لتنفيذ (المصلى) كانت الرغبة في استخدام مادة لم تُستخدم من قبل في أي بناء. لذا، إن استخدام هذه المادة كمادة هيكلية هي سابقة عالمية تتجاوز حدودها. كان علينا القيام بشيء جريء، وأردنا ترك انطباع إيجابي، ونريد توعية الناس بهذا الأمر».

من جدة إلى بخارى

«المصلى» يحمل بصمة المكان القادم منه، ومع ذلك يخلق صلات مع المكان الذي يسافر إليه، كيف يرى المصممان ذلك؟

يرى فياض الصلات بين «المصلى» والجامع الكبير في بخارى، من الناحية الجغرافية أولاً، ثم من التاريخ الذي يجمع بينهما. ففي بخارى، تحتضن «المصلى» بيئةٌ جديدة وثيقة الصلة ببيئته الأصلية في جدة، حيث يجمعهما تاريخ عريق من الانفتاح على الأفكار والثقافات القريبة والبعيدة.

فقد جعل موقع جدة على البحر الأحمر من هذه المدينة الساحلية نقطة عبور للحجاج في طريقهم للمدينتين المقدستين؛ مكة المكرمة والمدينة المنورة، لأداء مناسك الحج والعمرة، ووجهةً للمسلمين من مختلف أنحاء العالم، ما أسهم في تشكيل وجهها الثقافي الفريد.

من جهة أخرى، شكّلت بخارى مركزاً للتعلّم واكتساب الخبرات على طول طريق الحرير، حيث كانت حاضنة للمعارف الدينية، والعلوم، والفنون، والعمارة، والتجارة لآلاف السنين.

المصلى في بخارى (واس)

يشير إلى عرض جزء من تصميم «المصلى» في فينيسيا، داخل مبنى أثري لدير سان غريغوريو في معرض بعنوان «عابر متجذّر»، أقيم بالتزامن مع الدورة التاسعة عشرة من المعرض الدولي للعمارة «بينالي البندقية»، وهو ما أبرز مرونة التصميم، وقابليته للتفكيك وإعادة التركيب والاستخدام المتكرر.

يرى فياض أن العرض في فينيسيا كان مثل «محادثة جميلة بين مبنى يعود لعصر النهضة أو بعد ذلك، استضاف في فنائه قطعة من المملكة العربية السعودية. كان الحوار شيقاً للغاية بين هذين العنصرين».

ما يلفت النظر ويأسر الزائر لـ«المصلى» هو رؤية تفاعل خيوط الضوء المتسللة من الخارج عبر الفراغات في البناء، ما يأخذنا لتوظيف الضوء ضمن عناصر تصميم «المصلى».

يقول فياض إن طريقة ترشيح الجناح للضوء كانت بالغة الأهمية، ويضيف: «يمكننا ملاحظة وجود مستوى من التعتيم والشفافية، يتجلى من الأسفل إلى الأعلى، لذا هناك هذا التدرج اللوني المتعمد، ففي أسفل التصميم يعمل التعتيم على خلق حالة من الخصوصية، وهو أمر مهم في المسجد، حيث يتمتع الزائر والمتعبد بقدر من الخصوصية، بسبب الضوء الخافت، ولكن بالصعود لأعلى المبنى يعم الضوء على نحو أكبر، ويمنح الزائر شعوراً بالانفتاح.

كان الأمر في الواقع تفاعلاً بين درجات الضوء، ولكن الشعور عندما تسطع الشمس على الفناء الداخلي يشعر الزائر بأنه يقف في ظل نخلة باسقة».

المحطة المقبلة لـ«المصلى»

بعد فينيسيا وبخارى، ما هي المحطة المقبلة لـ«المصلى»؟ يجيب فياض: «لا نعرف حتى الآن، ولكن هناك خطة لنقل الجناح، ولتوسيع إرثه وقصته، ولإتاحة الفرصة لمجتمعات مختلفة لتجربته؛ كيف سيكون ردّ فعل الجناح؟ كيف يتفاعل الجناح، ليس مع السياقات المختلفة فقط، بل مع الممارسات المختلفة أيضاً؟ هو أمر مثير للاهتمام برأيي».


مقالات ذات صلة

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

يوميات الشرق من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

يعزف محمد الفرج على النغمات الأثيرة لديه، وينجح في جذب الزوار لتلك الواحة الغنية التي توّجتها الطبيعة بأشجار النخيل الباسقة.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق شربل جرجس يضع المواجهة على مسافة ريشة (الشرق الأوسط)

شربل جرجس يُدير ظهره للمواجهة في «غير مرحَّب»

الشخصيات التي يرسمها موجودة في مساحات مُغلَقة، من دون أُفق أو حدث ينتظرها...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق «الأبد هو الآن» معرض يقام أمام الأهرامات (من الملصق الترويجي للمعرض)

«الأبد هو الآن» يراهن على الأيدي الناعمة في استدعاء روح الماضي

في نسخته السادسة، يبدو معرض «الأبد هو الآن» محملاً بسمتين مختلفتين عن الدورات السابقة، إحداهما تتمثل في الهيمنة النسائية اللافتة بمعدل 5 فنانات من أصل 8 فنانين.

رشا أحمد (القاهرة)
يوميات الشرق إقبال لافت على منطقة المغامرات في المعرض (معرض الصيد والصقور السعودي الدولي)

مسارات صخرية وخيل ومركبات... «المغامرة» توسّع تجربة زوار «الصقور والصيد السعودي الدولي»

بين الصخور والمسارات المرتفعة تبدأ واحدة من أكثر التجارب حركة في معرض الصقور والصيد السعودي الدولي 2026.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق ترسانة إسطنبول تتحول إلى متحف مفتوح للفن المعاصر

ترسانة إسطنبول تتحول إلى متحف مفتوح للفن المعاصر

في منطقة ترسانة بإسطنبول، وعلى امتداد ساحل القرن الذهبي حيث كانت تُبنى السفن العثمانية، يشعر الزائر بأنه يقف عند تقاطع بين التاريخ والحاضر.

عبير مشخص (اسطنبول)

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)
TT

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)

تُوّجت الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب، أمس (الخميس)، لتجربتها التي وُصفت بأنها «متفردة» وتمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية باحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»، حيث تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية ثيمات الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما عدّه كثيرون «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في كثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، و«إيروس» و«الحلو المر».


محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
TT

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)

محمد الفرج فنان سعودي يحمل موطنه معه في كل أعماله، يعبر عن بيئة الأحساء التي نشأ فيها بالصور والأفلام القصيرة وبالرسم وبالأعمال التركيبية، يرسم نخلات رشيقات بالفحم على الجدران ويستخدم تراب الواحة الغنية ويحوّله لعناصر حية تتشكل أمامنا وتختزل تلك العلاقة الأبدية ما بين الفنان وموطنه.

في معرضه الفردي الأول في لندن، الذي يحمل عنوان «القلب عش طير والعقل شبكة عنكبوت» يعزف محمد الفرج على النغمات الأثيرة لديه وينجح في جذب الزوار لتلك الواحة الغنية التي توجتها الطبيعة بأشجار النخيل الباسقة.

من العنوان يبدأ الفرج في حكاية قصص أعماله التي ينسجها من خيوط الذاكرة والمشاعر والقصص، الجزء الأول من العنوان، «القلب عش الطير»، يعبر عن الدفء والانتماء، بينما العقل، «شبكة العنكبوت»، ينشغل بالأفكار وتشابكاتها وتفريعاتها. بعنوان مثل هذا خارج من قلب الطبيعة يبدأ الفرج الرحلة معنا لاستكشاف معرضه.

من الأعمال في المعرض (الشرق الأوسط)

صور الذاكرة

يتحدث الفنان عن عمل يشغل مساحة ضخمة في العرض وهو عبارة عن مجموعة من الصور الفوتوغرافية الضخمة الموضوعة على الأرض بشكل متسق وفي الخلفية صورٌ أخرى تحتل جدار بأكمله.

تحتل صورة بالأسود والأبيض أغلب مساحة الجدار الخلفي، تصور أحد شوارع مدينته، نرى المباني والأشجار على جانب الطريق، هناك سيارات، ولكنها محجوبة بفعل صور أخرى موضوعة أمامها، تتقاطع صور الشارع مع صورٍ أخرى صغيرة مثبّتة فوقها؛ إحداها لمنظر غروب، وأخرى لطائر، وثالثة لشخص يتسلّق نخلةً لجني ثمارها.

صور من الذاكرة (الشرق الأوسط)

نعبر ببصرنا من الخلفية للمقدمة حيث تتناول بقية الصور مشاهد حياتية منها صور لنساء وأطفال على الشاطئ، رجل يجلس في غرفة تقليدية الطراز ولقطات أخرى.

يحمل العمل عنوان «كل ما أملكه هو هذه الإطارات، وأخشى أن أرمش فأفقدها»، يعبر عن الذاكرة ومحاولة الاحتفاظ بها. يصف الفنان الذكريات بأنها مثل «حفنة الرمل التي تتسرب من بين أصابعنا»، ويلجأ للكاميرا لمحاولة تجميد تلك اللحظات في صور، يقول: «أسرتني فكرة وجود أداة أو جهاز في حياتنا يتيح لنا الإمساك بذلك الشيء الذي نحاول التشبث به، رغم أن محاولاتنا غالباً ما تكون دون فائدة». ثم يضيف: «رغم ذلك أرى أن الكاميرا تمثل أعظم محاولة لالتقاط تلك الجوهرة».

تبدو طريقة عرض الصور أمامنا كمحاولة من الفنان لعيش التجربة مرة أخرى: «يراودني دائماً شعور بالإحباط بسبب الطبيعة ثنائية الأبعاد للصورة الفوتوغرافية، أي طريقة تمثيلها للذاكرة؛ إذ أتمنى لو كان بوسعي الدخول إلى داخل الصورة ورؤية عناصرها واحداً تلو آخر. وفي هذا العمل التركيبي نحاول تجسيد تلك الفكرة؛ حيث توجد صورة قد تظنها للوهلة الأولى، عند دخولك الغرفة، صورةً واحدةً متصلة، لكنك تكتشف عند الاقتراب منها أنها في الواقع مجزأة».

النخلات الباسقات وصورة العائلة (الشرق الأوسط)

الذاكرة تحمل أيضا تأثير المزارع والآبار وأشجار النخيل، تنطبع كلها بشكل أو بآخر في المعرض، تحضر أشجار النخيل في أكثر من عمل مرسومةً بالفحم على الجدران، تبدو نخلاته رشيقة، وتتدلّى ثمارها مثل أقراط الأذن كأنه يصور نساء عائلته، يشير إلى عملٍ أمامنا ويقول: «النخلة هي مثل برج ذاكرة بالنسبة لي؛ تمثل الصمود والقوة، وفيها كثير من العطاء... هي تمثل، بالنسبة إليّ، أشخاصاً من عائلتي».

العمل يصور 4 نخلات ويحمل عنوان «صورة العائلة»، يعلق أنه يجد في النخيل صور الأجداد والجدات ثم يضيف: «... والخالات بالذات، حتى من توفي منهن، أتذكرهن بصورة رومانسية جداً لأنهن من عالم ومن ثقافة مختلفة، ولهن اتصال عجيب جداً بالأرض».

حكاية البلبل

ننتقل لعمل منفصل يعتمد على مستطيل مكون من الرمل على الأرض وتنعكس عليه مشاهد فيلمية، يحمل اسم «تمرة المعرفة». ومرة أخرى نجد أنفسنا في الواحة بنخيلها ورمالها وطيورها، هذه المرة عبر الصورة والصوت والحركة.

يروي الفنان بصوته حكاية العمل ونستمع له خلال العرض عبر السماعات الشخصية، فتغدو التجربة ملموسة جداً، فالفنان - الراوي يحكي لنا شخصياً قصة العمل.

جانب من عمل «تمرة المعرفة» للفنان محمد الفرج (الشرق الأوسط)

لمحمد الفرج شغف بالحكايات والقصص والأمثال الشعبية، شغف يظهر في أعماله المختلفة وفي هذا العمل نعرف أن الحكاية من تأليفه هو شخصياً.

بطل قصته هو البلبل الذي نرى انعكاس صورته وهو يقفز على الرمل أمامنا، يقول الراوي: «يسمع البلبل حكاية متداولة تقول إن في كل نخلة تمرةً واحدة تحمل المعرفة الكونية كلها. مدفوعاً بالرغبة في الحصول على المعرفة يبدأ البلبل في أكل جميع الثمار في النخيل، وبالفعل يجد التمرة المنشودة ويأكلها ويحصل على المعرفة كما أراد، ولكنه يكتشف أن المعرفة حمل ثقيل جداً. عندما نعرف كل شيء تتحول المعرفة إلى نقمة. نفقد الدهشة والاكتشاف والفضول. عندما تعرف كل شيء، لا تعود قادراً على تغيير أي شيء».

يشير الفنان إلى فكرة القصة، خطرت له بعد نقاش مع أبناء شقيقته الذين تفاخروا بأنهم بمقدورهم معرفة كل شيء بفضل «تشات جي بي تي»، ويعلق: «الفيلم رسالة لي قبل أن يكون رسالة للناس، بأن لا تحاول أن تتحكم في كل شيء، واترك الحياة تسير بإيقاعها الطبيعي».

بالنسبة للبلبل كانت المعرفة الكاملة حملاً لم يستطع حمله فقرر التخلص منه ولجأ لصديق من الطيور ليساعده: «قال له صديقه تعال معي لنخرج للبرّ وسوف أعلمك ما يجب أن تفعله، هناك في الصحراء الخالية أشعل الصديق ناراً، وقال للبلبل: غرد بكل ما تعرفه في النار فهي سيدة النسيان»، ويغرد البلبل وينسى كل ما تعلمه.

ما تعبر عنه الرمال

في جانب من العرض 3 صور تلعب الرمال فيها دور البطولة، تُظهر تشكيلات مختلفة من الرمل، يطلق عليها الفنان عنوان «الرمال الزاحفة».

الفكرة خلف العمل أيضاً تأخذنا لعالم يعرفه الفرج جيداً، ويرتبط بذكريات الطفولة بشكل كبير: «الأمر بسيط للغاية؛ تأخذ حفنة من الرمل، وترميها في الهواء، وتلتقط صورة لها وهي تشكّل منحوتةً تدوم لجزءٍ من الثانية. هي مستوحاة من لعبة يمارسها الأصدقاء في لحظات اللهو. تتحول اللعبة البسيطة لدى محمد الفرج إلى سؤال عميق يحتاج لإجابة: تمثل (الرمية) السؤال، بينما تمثل الصورة التي تلتقطها للرمال المتساقطة الإجابة. الأمر أشبه بزيارة قارئة الطالع التي ترمي الحجارة لتخبرك بشيء ما؛ وما يتشكل من أشكال هو ما تبحث عنه... إنها سلسلة مثيرة للاهتمام للغاية بالنسبة لي؛ لأن الأشكال الناتجة عنها مذهلة وغير عادية».

«الرمال الزاحفة» ولهو الطفولة (الشرق الأوسط)

نخرج من المعرض محمّلين بصورٍ ومعانٍ وإحساسٍ بأننا زرنا واحة الأحساء عبر مشاعر محمد الفرج ولقطاته وتصاحبنا كلماته: «أنظر إلى مفهومي (الوطن) و(العائلة) بمعناهما الأوسع؛ فالحشرات هي أقاربي المفقودون منذ زمن بعيد والذين يرغبون في العيش على حسابي، والأبقار جيراني الصاخبون الذين بيني وبينهم (خلافات)، أما الطيور فتسأل عن أحوالي دائماً».


آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)
TT

آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)

الإعلان عن فوز الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب»، الخميس، أعاد تسليط الضوء على تجربتها التي تمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية كباحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»؛ إذ تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

الأديب البارز محمد سلماوي عدّ آن كارسون بمنزلة «الشاعرة التي حوّلت الكلاسيكيات إلى مختبر للفكر المعاصر كما خلقت منه أشكالاً إبداعية حديثة، ومن ثم جاء فوزها بجائزة (نوبل) تتويجاً لمسيرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، ترسخ خلالها اسمها كواحد من أكثر الأصوات الأدبية إثارة للتفكير في عصرنا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «علاقتها بالعالم القديم بدأت في المدرسة الثانوية، عندما وافق مدرس اللاتينية على تعليمها اليونانية خلال استراحة الغداء بناء على طلبها، وقد حصلت على الدكتوراه في الدراسات الكلاسيكية عام 1981، كما درّست الأدب اليوناني واللاتيني في جامعات كبرى مثل ماكغيل وبرينستون».

فوز آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب 2026» (لجنة نوبل)

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية «ثيمات» الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر، مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما اعتبره كثيرون بمنزلة «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في الكثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، وهي مفردة تعني «الليل» باليونانية القديمة، وتستعيد فيه صدمة فقدها شقيقها المقرب منها.

وأعربت كارسون مراراً، عبر تصريحات إعلامية، عن أنها «لا تسعى إلى مجابهة الموت أو تحديه كقدر محتوم يختطف أحباءنا، وإنما تسعى بكل بساطة لأن تصنع من العجز عن مواجهته حالة أدبية خاصة تتميز بالصدق في التعبير عما يكتنف الروح من جراح لا تبرأ بسهولة».

وُلدت الأديبة المتوجة بـ«نوبل» عام 1950 بمدينة تورنتو، ومن أشهر مؤلفاتها «سيرة ذاتية للأحمر» الذي تتناول فيه وحشاً يظهر في أسطورة «هيركليز» الشهيرة بجناحين حمراوين ويبعث على الخوف، لكنه يتحول عبر سطورها إلى كائن يمتلك مشاعر إنسانية، على نحو يدعو للتعاطف معه.

وأشار الشاعر والمترجم المصري عبد الرحيم يوسف الذي ترجم لآن كارسون كتاب «إيروس- الحلو المر»، الصادر 1986، والمأخوذ عن أطروحتها للدكتوراه بعنوان «أحب وأكره إذن أنا موجود»، إلى أنها «تتناول مفهوم الرغبة والعاطفة عند اليونانيين القدماء»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عالمها الإبداعي في نفس الوقت لا ينفصل عن إنسان العصر الذي تناقش أزماته الوجودية بعقل الباحثة وروح الشاعرة».

«إيروس» من الأعمال المترجمة لآن كارسون (غلاف الكتاب المترجم)

وعدّ الناشر المصري محمد البعلي، مدير دار «صفصافة» التي صدر عنها كتاب «إيروس»، فوز كارسون بمنزلة «انتصار للأدب الرفيع والجاد والذي يلامس هموماً حقيقية يعاني منها إنسان العصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنها «لم تراهن يوماً على البعد التجاري، ولم تلهث أمام (الموضات) الأدبية مثل (الأكثر مبيعاً)، وركزت فقط على التعبير عن مشاعرها بصدق».

وأوضح سلماوي أنه «ربما كان أهم ما يميز الأديبة الكندية هو رفضها القاطع للتصنيفات الأدبية، والتي قد يضع عليها البعض لافتة (رواية) أو (شعر)، حيث نجد أنها تدمج القصيدة بالنثر بالمقال بالترجمة بالتصوير الدرامي... فضلاً عن تعاونها مع فنانين بصريين ومصممي رقص ومخرجي أوبرا».

ولفت إلى أنها «دائماً ما كانت تردد أن الأدب ليس وظيفته (تخدير القارئ) وإنما (تحريك عقله)، وربما لهذا السبب بالضبط، بعد أربعين عاماً من الكتابة، لا تزال نصوصها تشعرنا بأننا نقرأ أدباً مختلفاً لم يُكتب من قبل».