المملكة في قلب التصميم العالمي: فن معماري سعودي يطرح الأسئلة ويعيد تشكيل الحلم

د. سمية السليمان لـ«الشرق الأوسط»: لا ينقصنا الإبداع وفخورون جداً بالمواهب والعقول الشابة

جناح السعودية في «إكسبو أوساكا» باليابان يحاكي المدن والقرى في المملكة (واس)
جناح السعودية في «إكسبو أوساكا» باليابان يحاكي المدن والقرى في المملكة (واس)
TT

المملكة في قلب التصميم العالمي: فن معماري سعودي يطرح الأسئلة ويعيد تشكيل الحلم

جناح السعودية في «إكسبو أوساكا» باليابان يحاكي المدن والقرى في المملكة (واس)
جناح السعودية في «إكسبو أوساكا» باليابان يحاكي المدن والقرى في المملكة (واس)

بالنسبة إلى هيئة فنون العمارة والتصميم السعودية جاء عام 2025 حافلاً بالنشاط والفعاليات والمشاركات الدولية وأيضاً بالجوائز. كانت المشاركات متعددة والإبداع واضحاً من خلال جناح المملكة في بينالي فينيسيا والجناح الوطني في ترينالي ميلانو وجناح المملكة في «إكسبو أوساكا» الفائز بالجائزة الذهبية ضمن «جوائز نيويورك للتصميم المعماري»، ومؤخراً جناح المملكة في بينالي لندن للتصميم.

ما ميَّز كل المشاركات كان التنوع والعمق والمعالجة المبتكرة لقضايا مهمة تتعلق بعالم العمارة والتصميم؛ فعلى سبيل المثال تناول جناح بينالي فينيسيا التوسع العمراني مع تحدي الحفاظ على المباني التقليدية.

في ترينالي ميلانو، قررت هيئة فنون العمارة والتصميم أن تكون واحة الأحساء نقطة انطلاق لخطاب بيئي يتجاوز الحدود. عالج الجناح تحولات المكان من خلال تركيبة بصرية ونسيجية متقنة.

«مياه صالحة»... الجناح السعودي في بينالي لندن للتصميم (هيئة العمارة والتصميم)

أما بينالي لندن فكان الموضوع يتمحور حول قضية المياه وإعادة تخيل نظم الحصول عليها وتوزيعها في المملكة. في كل مشاركة كانت المهمة تقع على عاتق مصممين ومهندسين واعدين ترجموا موضوعاتهم وأفكارهم في تصميمات مبدعة واثقة أثارت النقاشات مع الزوار، وطرحت حلولاً وتصورات جديدة لشكل مجتمعات عربية تحلم بالمستقبل.

كونها الجهة المكلفة للأجنحة المختلفة كان من المهم استكشاف دور هيئة العمارة والتصميم في تسليط الضوء على المملكة ومبدعيها، وعلى إبراز القضايا الحيوية للبلاد لجمهور عالمي. ومن هنا كان من المهم الحديث مع الدكتورة سمية السليمان، الرئيسة التنفيذية لهيئة التصميم والعمارة، وجرى الحوار داخل الجناح السعودي في بينالي فينيسيا الذي حمل عنوان «مدرسة أم سليم: نحو مفهوم معماري مترابط».

من المحلية إلى العالمية

حديثي مع الدكتورة سمية السليمان كان عن تأثير المشاركات العالمية المختلفة في الداخل والخارج أيضاً، إذ ترى في كل مشاركة زيادة في النضج وتراكم للخبرة. تتحدث عن المشاركة في بينالي فينيسيا، وتؤكد أن الجناح الذي يستكشف أساليب العمارة المحلية والتحولات التي تشهدها العمارة النجدية سبقه خمس سنوات من البحث والإعداد من المعماريتين سارة العيسى ونجود السديري. تصف فكرة الجناح بالمميزة، وهو ما دفع الهيئة إلى مساندة وتشجيع العيسى والسديري ومنحهما فرصة تمثيل المملكة في أهم محفل عالمي للعمارة.

صورة من الجناح السعودي في بينالي فينيسيا للعمارة (الشرق الأوسط)

عرض الجناح مبادرة «مختبر أم سليم» البحثية التي أنشأها «مكتب سين»، بإدارة سارة العيسى ونجود السديري، متخذاً من حي أم سليم في وسط الرياض مقراً له، ويقوم بالعمل مع متعاونين لإجراء البحوث الميدانية التي تُعْنَى بدراسة أساليب العمارة المحلية والتحولات التي تشهدها العمارة النجدية. تشير إلى جانب من العرض، حيث نرى توثيقاً لمحاولة قامت بها المعماريتان لترميم منزل من الطين في الرياض، وترى في عرض مراحل البحث وأرشفة العقبات التي واجهتهم، أمراً «لافتاً»: «عندما وصلوا لخط النهاية، ولم يستطيعوا الاستمرار جعلوا من تلك القائمة عرضاً فنياً، وعلقوها على مبنى قديم، لرفع مستوى الوعي، وهذا في حد ذاته كان من الأمور الملهمة للفريق».

عرض الجناح أيضاً المشروع الثاني الذي قام به «مكتب سين»، وهو عن مركز «شمالات» في الدرعية الذي رشح في القائمة القصيرة لجائزة «الآغا خان للعمارة»: «هذا المبنى (الدرعية) مبنيّ بالطين، قاموا بترميم الجزء التقليدي كلّياً، واستكملوا ببناء جانب حديث، اليوم هناك مقهى ومكتبة وغاليري، وفيه توسعة معاصرة».

معمار الرياض

مركز «شمالات» كان النقطة التي تحوَّل فيها حديثي مع الدكتورة السليمان إلى معمار مدينة الرياض. تشير مرة أخرى إلى عرض «مدرسة أم سليم»، وتقول إنَّهم مكتب «سين» قاموا بعملية مسح لأحياء الرياض، ومن خلالها تبين أن هناك عدداً من المباني الطينية وسط التوسع العمراني الحديث، وهو ما حاول الجناح تناوله، وأثار قضية الاستفادة من المباني القديمة المشيدة بالطراز التقليدي وتوظيفها، وهل من المفروض أن تكون متحفية أو أن يتم الاستفادة منها لتصبح جزءاً من حياة الناس؟

تقول: «هناك كثير من هذه المباني التي لم يتم ترميمها أصلاً، وهي غير قابلة للسكن، لكن هناك كثير من الجهود من جهات مختلفة منها هيئة التراث تشمل الترميم وأيضاً البرمجة. النتيجة أن بعضها تحول إلى متاحف أو مراكز، وبذلك أصبحت أصولاً ثقافية يمكن أن يستفاد منها». تشير أيضاً إلى أهمية وجود عملية توعية عامة ليتمكن أصحاب المباني القديمة من الاستفادة منها جيداً.

جناح السعودية في «إكسبو أوساكا» باليابان يحاكي المدن والقرى في المملكة (واس)

على مستوى الدولة تشير إلى الخطط التي تنفّذها هيئة التراث التابعة لوزارة الثقافة والهيئة الملكية لتطوير مدينة الرياض المسؤولة عن استراتيجية العاصمة على نطاق واسع، وتستطرد أن «التعامل مع العمران التقليدي يختلف حسب الجهة المسؤولة، ولكن كلنا متفقون على أهمية المحافظة عليه قدر الإمكان، وليس فقط كأثر قديم متحفيّ. الاهتمام يمتد إلى التقنيات المرتبطة، وبأداء المباني من الناحية البيئية؛ مثل التبريد، لضمان عدم فقدان هذه المباني، ولا أيضاً أن يتم المحافظة عليها كإرث شكليّ فقط».

على أرض الواقع تشير إلى أن الدولة «تهتم كثيراً بالأماكن التي ما زال فيها الإحساس العمراني»، وتضرب المثل بمركز الملك عبد العزيز التاريخي: «المركز يضم مجموعة من قصور الملك عبد العزيز وزوجاته التي رُمِّمت، وبجوار منطقة القصر الأحمر حوّلت المباني لتحتضن المعهد الملكي للفنون التقليدية. هناك تفعيل لهذه الأماكن بحيث تصبح جزءاً من ذاكرة الإنسان، وأيضاً من الحياة اليومية. ولا ننسى المشاريع التي تقام في الدرعية، وهي مدرجة على لائحة اليونسكو للتراث العالمي».

ميثاق الملك سلمان المعماري

عند الحديث عن معادلة القديم والجديد تشير إلى ميثاق الملك سلمان المعماري الذي يعتمد على خلق منهجية وطنية لتحقيق التميز العمراني وتحسين جودة الحياة من خلال خلق بيئات عمرانية تستند إلى الموروث الثقافي والبيئي، وتحاكي التطورات المستقبلية، تصف الميثاق بأنه «المعادلة التي تضمن الوصول إلى تميز عمراني مع الحفاظ على الهوية: «يعتمد الميثاق على 6 قيم مرتبط بعضها ببعض؛ منها الأصالة والاستمرارية. من ناحية العمران لا بد أن نفهم أي نتاج عمراني هو جزء من سياق تاريخي مستمر. هناك أيضاً جوانب متعلقة بالإنسان والمجتمعات تعتمد على رفع جودة الحياة، أما القيمة الأخيرة فهي الاستدامة والابتكار. تتوقف فكرة كثير من الناس عن العمارة التقليدية عند الترميم والمحافظة عليها مثل التحنيط، لكن ما يهمنا هو إمكانية الابتكار، لأنه حتى أجدادنا في السابق كانت لديهم رغبة في التحسين كلما سنحت الفرصة. وترى أن الميثاق خلق لغة مشتركة بين المعماريين ومتخذي القرار.

د. سمية السليمان خلال الكشف عن تفاصيل مبادرة «ميثاق الملك سلمان العمراني» (واس)

تُحول السليمان الدفة لأفق أوسع، وتتحدث عن الجهد على مستوى المملكة ومبادرة «العمارة السعودية» التي تهدف إلى توثيقٍ مكانيٍّ للعِمَارَة الأصيلة والمتنوعة في مختلف مناطق المملكة، وإبراز التنوع الذي يميز كل منطقة بناءً على خصائصها الجغرافية. وعن الدراسات التي صدرت حتى الآن؛ نتاجاً للمبادرة وإمكانية تطبيقها تقول: «هناك جهود قائمة للوصول إلى طرق لتطبيق هذه الدراسات سواء كانت على المشاريع الحكومية التجارية أو حتى السكنية مستقبلاً».

العمارة التقليدية والتقنيات الحديثة

الحديث عن العمارة التقليدية وأساليبها يأخذنا إلى السؤال عن إمكانية استخدام المواد والطرق التي اعتمدت عليها عملية البناء في السابق، ما مدى إمكانية تطويرها بطريقة تناسب الوقت الحالي؟

«هناك أبحاث كثيرة في هذا الصدد، ولكن لنأخذ مثالاً من منطقة الدرعية التي تخوض عملية تطوير ضخمة. جانب كبير من العمل هناك يتضمن إنتاج الطين بطريقة تقليدية مدعمة بالتقنية، وأيضاً بتوجيه الاهتمام إلى الاستدامة والتعامل مع الوضع البيئي الراهن». تشرح أكثر: «اليوم البيئة المبنية مسؤولة عن 40 في المائة من انبعاثات الكربون، فنحن هنا نتكلم عن مسؤولية ضخمة تقع على عاتق الهيئة، وكذلك على عاتق كل الممارسين في القطاع لأن كل قرار يُتخذ في مرحلة التصميم مهم، وله تبعات طويلة المدى. فاليوم نتكلم عن هذه الأبحاث التي تتناول استخدام الطين المدكوك، مثلاً كيف يمكن استخدام هذه المواد الطبيعية بالشكل المناسب؟ لأن التبعات هي التي تهمنا».

نظرة إلى المستقبل

حديثها عن المعماريين السعوديين يدفعني إلى السؤال عن رؤيتها لوعيهم بالتحديات الحديثة أمامهم، تقول: «أكبر حافز لنا اليوم هو العمل لتحقيق (رؤية المملكة 2030)، والعمل بطريقة ممنهجة وباتجاه واحد. نرى اليوم كمَّ المشاريع الضخمة في المملكة، وأيضاً الاهتمام بالاستدامة والبيئة، كل ذلك أسهم في تكوين جيل كامل يدرك أهمية هذه الأمور. بالنسبة إلينا في الهيئة دورنا أن نوفر الأدوات المختلفة قدر الإمكان سواء من خلال الجوانب التعليمية مثلاً في الجامعات المختلفة أو حتى من ناحية إثراء المعرفة من خلال البرامج المختلفة».

وتختتم حوارها معي بنبرة متفائلة بالمستقبل: «أعتقد أنه اليوم في السعودية لا ينقصنا الإبداع، ولكن ما زالت أمامنا فرصة لتحسين بعض الجوانب من ناحية الربط بين الدراسة الأكاديمية والممارسة، وحتى على مستوى الممارسة دورنا يتضمن كيفية دعم المكاتب الصغيرة والمتوسطة لتصل إلى مراحل نضج تمكِّنها من المنافسة على أعلى المستويات».

«مغرس» جناح السعودية في ترينالي ميلانو للتصميم (واس)

وتضرب المثل بما رأيناه في بينالي فينيسيا: «نحن فخورون جداً بالمواهب والعقول الشابة، ومثال ذلك ما نراه في البينالي من إنجاز لمكتب معماري أنشأته شابتان وصلتا إلى العالمية بهذا المستوى، وحصدتا جوائز. هذا مثال واحد فقط على كثير من المواهب الموجودة داخل المملكة».


مقالات ذات صلة

جائزة عالمية للمكتب المعماري خلف تصميم حديقة الملك سلمان بالرياض

يوميات الشرق تصور رقمي لأحد وديان الحديقة (مكتب جربر للعمارة)

جائزة عالمية للمكتب المعماري خلف تصميم حديقة الملك سلمان بالرياض

حصد مكتب جربر للعمارة جائزة المعهد الملكي للمهندسين المعماريين البريطانيين/ الشرق الأوسط لعام 2025، وذلك في فئة المشاريع المستقبلية عن تصميم حديقة الملك سلمان…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق تصميم الهرم الزجاجي لمتحف اللوفر (متاحف قطر)

دعوة للدخول في عالم المعماري العالمي آي إم باي مصمم هرم اللوفر ومتحف الفن الإسلامي

«العمارة تشكل الحياة، وهي لها كالمرآة» جملة متداولة للمصمم المعماري الشهير آي إم باي.

عبير مشخص (الدوحة)
يوميات الشرق المسجد الكبير في بخارى وحوار مع تصميم المصلى القادم من السعودية  (سارة سعد-مؤسسة بينالي الدرعية)

«المصلى» وجامع بخارى الكبير... لقاء التصميم المعماري والروحانية

في الدورة الافتتاحية لبينالي بخارى للفن، تحضر المملكة العربية السعودية عبر فنانيها وثقافتها، وأيضاً عبر التصميم الفائز بجائزة «المصلى»

عبير مشخص (بخارى-أوزبكستان)
تكنولوجيا تطبيق «أدوبي فايرفلاي» يتيح تحويل الأوامر النصية صوراً وتصاميم مذهلة باستخدام الذكاء الاصطناعي الآن على iOS و«أندرويد» مجاناً

«أدوبي» تطلق تطبيق «فايرفلاي» على جميع الهواتف الذكية

يتيح النظام إنشاء صور وتأثيرات وتصميمات متكاملة بالاعتماد فقط على الأوامر النصية.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
يوميات الشرق «مغرس» جناح السعودية في ترينالي ميلانو (فالنتينا سوماريفا)

«مغرس»... من الأحساء إلى إيطاليا

تشارك السعودية للمرة الأولى في ترينالي ميلانو الدولي للعمارة والتصميم بجناح عنوانه «مغرس» يناقش التغيرات البيئية وتأثيرها على منطقة الأحساء المصنفة على قائمة

عبير مشخص ( ميلانو)

التنقيب في موقع العصداء بالباحة يكشف معالم معمارية ونشاط حضاري منذ الفترة الإسلامية المبكرة

يُمثّل موقع العصداء في محافظة المخواة نموذجاً معمارياً وحضارياً لمراكز التعدين ومحطات طريق الحج اليمني القديم (هيئة التراث)
يُمثّل موقع العصداء في محافظة المخواة نموذجاً معمارياً وحضارياً لمراكز التعدين ومحطات طريق الحج اليمني القديم (هيئة التراث)
TT

التنقيب في موقع العصداء بالباحة يكشف معالم معمارية ونشاط حضاري منذ الفترة الإسلامية المبكرة

يُمثّل موقع العصداء في محافظة المخواة نموذجاً معمارياً وحضارياً لمراكز التعدين ومحطات طريق الحج اليمني القديم (هيئة التراث)
يُمثّل موقع العصداء في محافظة المخواة نموذجاً معمارياً وحضارياً لمراكز التعدين ومحطات طريق الحج اليمني القديم (هيئة التراث)

كشفت أعمال الموسم الثاني للتنقيب الأثري الذي أنجزته هيئة التراث السعودية في موقع أثري مهم بمنطقة الباحة، عن عدد من المعالم المعمارية واللقى الأثرية التي تنتمي إلى فترات تاريخية عريقة شهدها الموقع الذي كان محطة رئيسية في طريق الحج من اليمن إلى مكة المكرمة.

وضمن برامجها العلمية الهادفة إلى دراسة المواقع الأثرية في مختلف المناطق السعودية، وتوثيق معالمها المعمارية ومكوناتها الحضارية، بما يعزز فهم تاريخ الاستيطان البشري والأنشطة الاقتصادية والدينية التي شهدتها تلك المواقع عبر العصور، أنهت الهيئة أعمال الموسم الثاني للتنقيب الأثري في موقع العصداء بمحافظة المخواة في منطقة الباحة الذي يُعد من أبرز مواقع التعدين التاريخية في جنوب غربي السعودية، ويكتسب أهمية جغرافية وتاريخية، لكونه نقطة التقاء رئيسية في حركة العبور والتبادل عبر فترات تاريخية مختلفة.

التنقيب في موقع العصداء الأثري بمنطقة الباحة يأتي ضمن جهود كشف التسلسل الحضاري للسعودية (هيئة التراث)

مسجد أثري ومعالم معمارية ونشاط حضاري

ومن أبرز المكتشفات مسجد أثري تبلغ مساحته نحو (11×12م)، ويضم محراباً وثلاثة مداخل رئيسية، بالإضافة إلى قواعد مربعة لأعمدة كانت تحمل سقف المسجد، مما يشير إلى تخطيط معماري واضح يعكس أهمية المسجد ودوره المحوري في تخطيط المدن الإسلامية المبكرة.

وكشفت أعمال التنقيب عن 4 غرف ملاصقة للمسجد من الجهة الشمالية الشرقية، بمساحات متفاوتة؛ تبلغ مساحة بعضها (4×5م) وأخرى (3×4م)، وتحتوي على عناصر معمارية تشمل أحواضاً مائية ومستودعات للتخزين ومواقد داخلية للطبخ، مما يرجّح استخدامها لأغراض سكنية أو لأنشطة خدمية مرتبطة بالمسجد.

‏جانب من أعمال الموسم الثاني للتنقيب الأثري في موقع العصداء بمحافظة المخواة في منطقة الباحة (هيئة التراث)

شملت المكتشفات مجموعة متنوعة من اللقى الأثرية التي تُسهم في فهم الأنشطة المعيشية التي كانت تمارس في الموقع، حيث عُثر على أجزاء من أوانٍ فخارية متنوعة، منها الفخار العادي والمزجج، بالإضافة إلى أوانٍ حجرية مصنوعة من الحجر الصابوني، إلى جانب رحى ومساحن حجرية كانت تستخدم في إعداد الطعام، وهي مكتشفات تعكس جوانب من الحياة اليومية والأنشطة المنزلية في الموقع.

كشفت ⁧‫نتائج التنقيب في الموقع عن مسجدٍ أثري ووحدات سكنية ولقىً متنوعة تعود إلى الفترة الإسلامية المبكرة (هيئة التراث‬)

وتأتي نتائج أعمال التنقيب الجديدة في موقع العصداء، في الوقت الذي يشهد فيه قطاع التراث في السعودية مرحلة نشطة ومهمة، من جهة صونه والاهتمام به، وإعادة الاعتبار إلى الكثير من الإرث الثقافي السعودي المادي وغير المادي المتنوع والمتوزع بين مناطق السعودية الشاسعة، مع زيادة التوجه إلى إشراك القطاع الخاص والمبادرات النوعية والمجتمعات المحلية التي تُعدّ الحاضنة الطبيعية للتراث الثقافي السعودي، في جهود إدارة التراث والاهتمام به وصونه، مما يشكّل شواهد تاريخية باقية على ثراء المجتمع السعودي عبر التاريخ وعلى إرثه العريق.

وتسعى الهيئة، من خلال أعمال التنقيب، إلى توسيع نطاق الدراسات الأثرية الميدانية وتوثيق المواقع التراثية في السعودية، بما يُسهم في بناء قاعدة معرفية علمية حول تاريخ الجزيرة العربية، ويعزّز إبراز ما تزخر به من إرث ثقافي وحضاري متنوع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


«إلى العمق»... معرض يحتفي بالطقوس والأشكال الطوطمية في مصر القديمة

علاقة الإنسان بالطبيعة ضمن أعمال المعرض (الشرق الأوسط)
علاقة الإنسان بالطبيعة ضمن أعمال المعرض (الشرق الأوسط)
TT

«إلى العمق»... معرض يحتفي بالطقوس والأشكال الطوطمية في مصر القديمة

علاقة الإنسان بالطبيعة ضمن أعمال المعرض (الشرق الأوسط)
علاقة الإنسان بالطبيعة ضمن أعمال المعرض (الشرق الأوسط)

يحتفي معرض «إلى العمق» للفنان المصري ناثان دوس بالحضارة المصرية القديمة من خلال مجموعة من الأشكال الطقوسية، والطوطمية التي تعود إلى فترة الأم الكبرى، تلك الفترة العتيقة التي كانت تتمركز حول الأرض بوصفها موئل الكائنات، ويتجلى ذلك في كثير من التماثيل التي تشير لميلاد البشر، والبذور، وحتى الأساطير.

ويتضمن المعرض أيضاً تماثيل من خامات متنوعة تعبر عن أفكار شتى حول الخير، والشر، والكفاح، والبحث عن الحقيقة، وضغط اللوائح، والقوانين، والشرائع على النفس البشرية منذ القدم، وكأننا أمام مشاهد يومية تحتوي على فلسفة كاملة تعيد صياغة الفكر الإنساني، وترسم مستقبل البشر من جديد.

تمثال أخناتون تحية للمتحف المصري الكبير (الشرق الأوسط)

ويضم المعرض الذي تستضيفه قاعة الزمالك للفن، ويستمر حتى 12 أبريل (نيسان)، أكثر من 20 عملاً كبيراً بخامات متنوعة من الأحجار، مثل الكوارتز والديوريت، وهي من أكثر الأحجار صلابة، وخاض بها الفنان تجربة جديدة مليئة بالأفكار والرموز التي تعود للعصور القديمة حين كانت الأرض –الأم– الأنثى هي مركز الوجود.

تمثال لقسطنطين كفافيس ضمن المعرض (الشرق الأوسط)

وعن هذه التجربة يقول ناثان: «استخدمت عدداً من الخامات في هذا المعرض، فبالإضافة إلى البرونز، هناك الكوارتز الذي صنعت منه تمثال أخناتون، ولأول مرة أقدم أعمالاً من الديوريت الذي يعد من أصعب الخامات، وقدمت من خلاله مجموعة كبيرة من الأشكال التي تمثل طقوساً قديمة، ورموزاً طوطمية، تتحدث عن فلسفة الخلق، والميلاد، والأرض الأم».

جانب من مجموعة الأشكال الطوطمية في المعرض (الشرق الأوسط)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «من بين الأعمال التي قدمتها بالديوريت تمثال صغير لضفدعة ترمز إلى أسطورة قديمة من أساطير الخلق، كما أنها بالنسبة لي تمثل قفزات في التعامل مع الخامات من البوليستر إلى الغرانيت، والبازلت، وغيرها، وأكثر خامة عملت عليها هي الديوريت».

وعن علاقة هذا الضفدعة بنظريات الخلق الأولى يوضح دوس أن الأساطير المصرية القديمة تتحدث عن الإله خنوم، وهو يبدأ عملية الخلق على دولاب من الفخار، ومن كان يشهد عملية الخلق ضفدعة سماها «حجت».

وأكد أنه خاض تجربة العمل على الديوريت بمجموعة تتكون من 50 قطعة، أطلق عليها مجموعة من الأدوات، والأشكال الطقسية، والطوطمية. وفترة البداية، أو ما يسمونها في الأنثروبولوجيا والتاريخ القديم «فترة الأم القديمة»، تتضمن أشكالاً متنوعة للمرأة بوصفها رمزاً للخصوبة، والولادة، وكذلك الأرض، والبذور التي تنبت فيها.

لوحة مستوحاة من الفن المصري القديم تمثل الفنان وزوجته خلال نحت تمثال أخناتون (الشرق الأوسط)

ويتضمن المعرض تماثيل متنوعة لشخصيات تاريخية، ومألوفة، من بينها تمثال «بورتريه» لأخناتون، الملك المصري من الأسرة الثامنة عشرة، وصاحب دعوة التوحيد الشهيرة، وعدّه الفنان تحية لافتتاح المتحف المصري الكبير، وإلى كل من ينتصر للهوية المصرية. كما يوجد أيضاً تمثال لأسطورة سيزيف، وهي أسطورة يونانية عن شخص يواجه لعنة أبدية تجعله يصعد بالصخرة فوق جبل فتسقط الصخرة من الطرف الآخر، ويعاد الصعود بها إلى ما لا نهاية، لكن ناثان دوس يضع سيزيف في قالب عصري، فهو يصعد بالصخرة، ويثبتها بطريقة بدائية فوق الجبل، ويحمل هاتفاً جوالاً، ويلتقط صورة «سيلفي» مع الصخرة، وكأنه أراد مشاركة معاناته مع الجميع.

أعمال الفنان ناثان دوس تطرح أسئلة حول واقع البشرية (الشرق الأوسط)

يقول ناثان: «أعشق الفن المصري القديم، وأعتبر نفسي امتداداً له»، وربما لهذا ظهرت لوحة جدارية ضخمة تصور الفنان يرتدي ملابس المصري القديم، وخلفه زوجته نيفين ناثان تؤازره وهو ينحت تمثال أخناتون، هناك أيضاً تمثال صنعه الفنان لزوجته الفنانة نيفين ناثان من خامة الغرانيت، كما أهدى إليها المعرض في مقدمة الكتاب التعريفي بعبارة «إلى نيفين زوجتي التي أقتسم معها الحلم».

جانب من افتتاح المعرض (فيسبوك)

ويضم المعرض تمثالاً نصفياً لشاعر الإسكندرية الأشهر المصري اليوناني قسطنطين كفافيس، وحضر السفير اليوناني في القاهرة إلى المعرض مثنياً على التمثال، كما يضم المعرض أفكاراً متنوعة عن فكرة الأرض، وعلاقتها بالميلاد، فهناك جنين قابع في باطن الأرض، وفوقه أو من خلاله تخرج نباتات خضراء، وهناك أيضاً العديد من التماثيل البرونزية التي تجسد أفكاراً فلسفية عن علاقة الإنسان بالطبيعة، وكفاحه للوصول إلى الجوهرة -الحقيقة الكامنة في باطن الأرض.

رمزية الأرض والميلاد ضمن المعرض (الشرق الأوسط)

وعن فلسفة المعرض يقول ناثان إنه يسعى دائماً لتقديم أعمال تحمل أفكاراً تمس الإنسان وعلاقته بالواقع المعاش، ولكنه يبحث دائماً عما وراء هذا الواقع من تجليات، ورؤى، وأبعاد نفسية قد تسيطر على بعض البشر، وتحدد سلوكهم، وتؤطره، من هنا جاءت فكرة «إلى العمق» بحثاً عن معنى أعمق للوجود البشري. ومن الأعمال المهمة في المعرض وسادة من الغرانيت ملقاة على الأرض وفوقها كل الأدوات تقريباً التي يحتاجها النحات، وكأنه يقول إنه وقت الراحة، ويعلق على هذا العمل: «ينام المتعب على وسادة من الحجر ليستريح، أما الكسول فلن يجد الراحة ولو على وسادة من الريش».


كتاب جديد عن معارك عبد الحليم حافظ الفنية

عبد الحليم حافظ لا يزال على القمة بحسب الكتاب (كتاب نصف حليم الآخر)
عبد الحليم حافظ لا يزال على القمة بحسب الكتاب (كتاب نصف حليم الآخر)
TT

كتاب جديد عن معارك عبد الحليم حافظ الفنية

عبد الحليم حافظ لا يزال على القمة بحسب الكتاب (كتاب نصف حليم الآخر)
عبد الحليم حافظ لا يزال على القمة بحسب الكتاب (كتاب نصف حليم الآخر)

بينما يوحي عنوان كتاب «نصف حليم الآخر» بأنه يستعيد قصة حب «العندليب الأسمر» عبد الحليم حافظ التي لم تكتمل ومثَّلت جانباً مؤلماً في مسيرته، غير أنه في الحقيقة يتناول معارك عبد الحليم عبر مسيرته الفنية ويركز أكثر على مواقفه الإنسانية.

ويذكر أن، الكتاب الذي صدر في القاهرة عن دار نشر «بتانة» للكاتب عادل السنهوري، يتزامن مع الذكرى 49 لرحيل «العندليب الأسمر»، ويقول المؤلف في مقدمته: «حليم لم يكن فقط وجهاً واحداً لعملة ذهبية فنية، كان هناك وجه آخر غاية في الروعة وفي التضحية والحب لكل من حوله، هذا الوجه هو نصف حليم الآخر الذي قد لا يعرفه الكثيرون»، مؤكداً أن «حليم ما زال أسطورة الغناء العربي وحامل لواء الرومانسية في حياة أجيال عديدة منذ الخمسينات وحتى الآن وربما في أجيال قادمة»، لافتاً إلى أن «العندليب خاض معارك فنية كثيرة لها ما يبررها على الرغم من أنها أغضبت الكثير من الفنانين حتى أقرب أصدقائه لكنها انتهت جميعها بالصلح لأنها دارت حول الفن والغناء».

البقاء في القمة أصعب من الوصول إليها، هذه حقيقة أدركها عبد الحليم مبكراً ويشير المؤلف إلى أن العندليب قد خاض معارك كي يبقى متصدراً قمة الغناء في مصر والعالم العربي، فقد دخل في معارك مع أم كلثوم وفريد الأطرش ومحمد رشدي ووردة ومع أقرب أصدقائه إلى قلبه الملحنين كمال الطويل ومحمد الموجي، مشيراً إلى أنه لا يزال هناك بُعدٌ غائبٌ في تفسير هذه المعارك ولو من الجانب النفسي.

ويستشهد المؤلف بما ذكره الكاتب الراحل محمود عوض صديق عبد الحليم في كتابه «بالعربي الجريح» الذي قال فيه إن «حليم قد خاض مشوار نجاحه مرتين، أولاً لكي يصل إلى القمة وثانياً لكي يستمر فيها، وقد وجد في الأول من شاركوه وكانوا جزءاً من نجاحه، ووجد من حاربوه أيضاً، فلا يمكن أن نفهم ظاهرة عبد الحليم دون أن نفهم أساساً مشاركة كمال الطويل ومحمد الموجي وبليغ حمدي في الوصول إلى قلوب الجماهير بلون جديد وسط أسماء كبيرة لها قاعدتها الجماهيرية العريضة».

الكتاب تناول مواقف كثيرة في حياة عبد الحليم (الشرق الأوسط)

ويلفت عوض إلى الاختراق الأول الذي حقَّقه حليم في قلوب الجماهير حين وجد من يتبنون صوتاً بديلاً لمطرب جديد هو كمال حسني وأنَّ أقلاماً بارزة وصحفاً كاملة حشدت نفسها لتقديم كمال حسني بديلاً لعبد الحليم، وتعاقد على أفلام سينمائية وقدم له كبار الملحنين ألحاناً عذبة لكنه في النهاية توارى واستمر عبد الحليم.

وتبدو قصة منع عبد الحليم لصديقه كمال الطويل من السفر، أقرب لـ«مقلب» أو خلاف بين صديقين وليست معركة، ويسوقها المؤلف في الكتاب، حيث أراد الطويل السفر قبل أن ينتهي من آخر أغنيات فيلم «حكاية حب» وهي «في يوم في شهر في سنة»، فقد أراد كمال الطويل السفر على أن يُنهي لحن الأغنية بعد عودته، لكن حليم طلب منه إنهاء الأغنية أولاً قبل سفره، فوقع خلاف وشجار بين حليم والطويل الذي أصر على السفر وخلال إنهاء سفره بمطار القاهرة استوقفه ضابط الجوازات لصدور قرار بمنعه من السفر، انفعل الطويل فأخبره ضابط كبير أن سيارة تنتظره لتوصيله إلى أحد الأماكن السيادية، وإذا به أمام مسؤول أمني كبير طمأنه وتبادل معه الضحك واتصل بعبد الحليم ليخبره أن كمال الطويل موجود في مكتبه، ثم أعطاه السماعة ليسمع ضحكات عبد الحليم وهو يقول له «مش قلت لك يا كمال لحن الأغنية أولاً وبعدين سافر».

وفسر الطويل لمؤلف الكتاب الذي التقاه قبل سنوات من رحيله موقف عبد الحليم ومعاركه الفنية، بقوله: «لقد كان عبد الحليم طوال الوقت يتملكه إحساس يصل لحد اليقين بأنه سيموت صغيراً وأنه لن يتزوج ولن يكون له أولاد يخلدون اسمه من بعده، لذا اعتبر فنه هو أسرته وزوجته وأطفاله، وأنه ما يستحق أن يقاتل من أجله، فقد عاش يبحث عن الأفضل دائماً لنجاح مشروعه الغنائي ولم يغمض عينيه عن تجارب الآخرين».

ويتضمن الكتاب حكايات وتفاصيل عن خلافات وقعت بين عبد الحليم ونجوم الغناء في عصره، ومن بينها خلافه مع المطربة نجاة، الذي بدأ من خلال إعجابه بالأغاني التي غنتها، وكان قد غنى أغنيتها «غريبة منسية» خلال استضافته ببرنامج إذاعي، وقال إنه تمنى أن يغني اللحن بكلمات تناسب مطرباً لا مطربة، وتكرر الموقف بعد أغنية «لا تكذبي» التي غنتها نجاة في فيلم «الشموع السوداء» وكتب كلماتها كامل الشناوي ولحنها الموسيقار محمد عبد الوهاب وأعجب بها عبد الحليم كثيراً وقام بغنائها في إحدى حفلاته دون أن يستأذن نجاة، وكان عبد الوهاب قد قام بتغيير بعض الجمل اللحنية لتناسب صوت حليم، وغضبت نجاة وحاول أن يعتذر لها لكنها رفضت قبول اعتذاره وظلت الأجواء متوترة بينهما ليستمر خلافهما خمس سنوات.

ويتطرق الكتاب إلى كثير من المواقف الإنسانية ومنها إنقاذه للطفل شريف عامر «الإعلامي البارز حالياً» من الموت حيث ربطت عبد الحليم صداقة بوالده الصحافي منير عامر وعلم من مقال كتبه والده أن طفله شريف تعرض لإصابة بالتهاب رئوي وعمره 12 يوماً فقط، وتطلب علاجاً لم يكن متوفراً بمصر، فطلب عبد الحليم الدواء من لبنان، ليُفاجأ منير عامر بطرد يصله من بيروت بالدواء المطلوب، كما تجلَّت مواقف العندليب الإنسانية في علاقته مع أعضاء الفرقة الموسيقية والكورس الذي يصاحبه في الغناء وأفراد الكومبارس في أفلامه ورعايته لكثير من أبناء قريته (الحلوات) بالشرقية، وفي تدخله لإعادة الكاتب الراحل مفيد فوزي لعمله الصحافي بعد فصله من مجلة «صباح الخير»، وغيرها من المواقف الإنسانية التي لم يعلنها العندليب الأسمر في حياته ورواها آخرون عنه.