المملكة في قلب التصميم العالمي: فن معماري سعودي يطرح الأسئلة ويعيد تشكيل الحلم

د. سمية السليمان لـ«الشرق الأوسط»: لا ينقصنا الإبداع وفخورون جداً بالمواهب والعقول الشابة

جناح السعودية في «إكسبو أوساكا» باليابان يحاكي المدن والقرى في المملكة (واس)
جناح السعودية في «إكسبو أوساكا» باليابان يحاكي المدن والقرى في المملكة (واس)
TT

المملكة في قلب التصميم العالمي: فن معماري سعودي يطرح الأسئلة ويعيد تشكيل الحلم

جناح السعودية في «إكسبو أوساكا» باليابان يحاكي المدن والقرى في المملكة (واس)
جناح السعودية في «إكسبو أوساكا» باليابان يحاكي المدن والقرى في المملكة (واس)

بالنسبة إلى هيئة فنون العمارة والتصميم السعودية جاء عام 2025 حافلاً بالنشاط والفعاليات والمشاركات الدولية وأيضاً بالجوائز. كانت المشاركات متعددة والإبداع واضحاً من خلال جناح المملكة في بينالي فينيسيا والجناح الوطني في ترينالي ميلانو وجناح المملكة في «إكسبو أوساكا» الفائز بالجائزة الذهبية ضمن «جوائز نيويورك للتصميم المعماري»، ومؤخراً جناح المملكة في بينالي لندن للتصميم.

ما ميَّز كل المشاركات كان التنوع والعمق والمعالجة المبتكرة لقضايا مهمة تتعلق بعالم العمارة والتصميم؛ فعلى سبيل المثال تناول جناح بينالي فينيسيا التوسع العمراني مع تحدي الحفاظ على المباني التقليدية.

في ترينالي ميلانو، قررت هيئة فنون العمارة والتصميم أن تكون واحة الأحساء نقطة انطلاق لخطاب بيئي يتجاوز الحدود. عالج الجناح تحولات المكان من خلال تركيبة بصرية ونسيجية متقنة.

«مياه صالحة»... الجناح السعودي في بينالي لندن للتصميم (هيئة العمارة والتصميم)

أما بينالي لندن فكان الموضوع يتمحور حول قضية المياه وإعادة تخيل نظم الحصول عليها وتوزيعها في المملكة. في كل مشاركة كانت المهمة تقع على عاتق مصممين ومهندسين واعدين ترجموا موضوعاتهم وأفكارهم في تصميمات مبدعة واثقة أثارت النقاشات مع الزوار، وطرحت حلولاً وتصورات جديدة لشكل مجتمعات عربية تحلم بالمستقبل.

كونها الجهة المكلفة للأجنحة المختلفة كان من المهم استكشاف دور هيئة العمارة والتصميم في تسليط الضوء على المملكة ومبدعيها، وعلى إبراز القضايا الحيوية للبلاد لجمهور عالمي. ومن هنا كان من المهم الحديث مع الدكتورة سمية السليمان، الرئيسة التنفيذية لهيئة التصميم والعمارة، وجرى الحوار داخل الجناح السعودي في بينالي فينيسيا الذي حمل عنوان «مدرسة أم سليم: نحو مفهوم معماري مترابط».

من المحلية إلى العالمية

حديثي مع الدكتورة سمية السليمان كان عن تأثير المشاركات العالمية المختلفة في الداخل والخارج أيضاً، إذ ترى في كل مشاركة زيادة في النضج وتراكم للخبرة. تتحدث عن المشاركة في بينالي فينيسيا، وتؤكد أن الجناح الذي يستكشف أساليب العمارة المحلية والتحولات التي تشهدها العمارة النجدية سبقه خمس سنوات من البحث والإعداد من المعماريتين سارة العيسى ونجود السديري. تصف فكرة الجناح بالمميزة، وهو ما دفع الهيئة إلى مساندة وتشجيع العيسى والسديري ومنحهما فرصة تمثيل المملكة في أهم محفل عالمي للعمارة.

صورة من الجناح السعودي في بينالي فينيسيا للعمارة (الشرق الأوسط)

عرض الجناح مبادرة «مختبر أم سليم» البحثية التي أنشأها «مكتب سين»، بإدارة سارة العيسى ونجود السديري، متخذاً من حي أم سليم في وسط الرياض مقراً له، ويقوم بالعمل مع متعاونين لإجراء البحوث الميدانية التي تُعْنَى بدراسة أساليب العمارة المحلية والتحولات التي تشهدها العمارة النجدية. تشير إلى جانب من العرض، حيث نرى توثيقاً لمحاولة قامت بها المعماريتان لترميم منزل من الطين في الرياض، وترى في عرض مراحل البحث وأرشفة العقبات التي واجهتهم، أمراً «لافتاً»: «عندما وصلوا لخط النهاية، ولم يستطيعوا الاستمرار جعلوا من تلك القائمة عرضاً فنياً، وعلقوها على مبنى قديم، لرفع مستوى الوعي، وهذا في حد ذاته كان من الأمور الملهمة للفريق».

عرض الجناح أيضاً المشروع الثاني الذي قام به «مكتب سين»، وهو عن مركز «شمالات» في الدرعية الذي رشح في القائمة القصيرة لجائزة «الآغا خان للعمارة»: «هذا المبنى (الدرعية) مبنيّ بالطين، قاموا بترميم الجزء التقليدي كلّياً، واستكملوا ببناء جانب حديث، اليوم هناك مقهى ومكتبة وغاليري، وفيه توسعة معاصرة».

معمار الرياض

مركز «شمالات» كان النقطة التي تحوَّل فيها حديثي مع الدكتورة السليمان إلى معمار مدينة الرياض. تشير مرة أخرى إلى عرض «مدرسة أم سليم»، وتقول إنَّهم مكتب «سين» قاموا بعملية مسح لأحياء الرياض، ومن خلالها تبين أن هناك عدداً من المباني الطينية وسط التوسع العمراني الحديث، وهو ما حاول الجناح تناوله، وأثار قضية الاستفادة من المباني القديمة المشيدة بالطراز التقليدي وتوظيفها، وهل من المفروض أن تكون متحفية أو أن يتم الاستفادة منها لتصبح جزءاً من حياة الناس؟

تقول: «هناك كثير من هذه المباني التي لم يتم ترميمها أصلاً، وهي غير قابلة للسكن، لكن هناك كثير من الجهود من جهات مختلفة منها هيئة التراث تشمل الترميم وأيضاً البرمجة. النتيجة أن بعضها تحول إلى متاحف أو مراكز، وبذلك أصبحت أصولاً ثقافية يمكن أن يستفاد منها». تشير أيضاً إلى أهمية وجود عملية توعية عامة ليتمكن أصحاب المباني القديمة من الاستفادة منها جيداً.

جناح السعودية في «إكسبو أوساكا» باليابان يحاكي المدن والقرى في المملكة (واس)

على مستوى الدولة تشير إلى الخطط التي تنفّذها هيئة التراث التابعة لوزارة الثقافة والهيئة الملكية لتطوير مدينة الرياض المسؤولة عن استراتيجية العاصمة على نطاق واسع، وتستطرد أن «التعامل مع العمران التقليدي يختلف حسب الجهة المسؤولة، ولكن كلنا متفقون على أهمية المحافظة عليه قدر الإمكان، وليس فقط كأثر قديم متحفيّ. الاهتمام يمتد إلى التقنيات المرتبطة، وبأداء المباني من الناحية البيئية؛ مثل التبريد، لضمان عدم فقدان هذه المباني، ولا أيضاً أن يتم المحافظة عليها كإرث شكليّ فقط».

على أرض الواقع تشير إلى أن الدولة «تهتم كثيراً بالأماكن التي ما زال فيها الإحساس العمراني»، وتضرب المثل بمركز الملك عبد العزيز التاريخي: «المركز يضم مجموعة من قصور الملك عبد العزيز وزوجاته التي رُمِّمت، وبجوار منطقة القصر الأحمر حوّلت المباني لتحتضن المعهد الملكي للفنون التقليدية. هناك تفعيل لهذه الأماكن بحيث تصبح جزءاً من ذاكرة الإنسان، وأيضاً من الحياة اليومية. ولا ننسى المشاريع التي تقام في الدرعية، وهي مدرجة على لائحة اليونسكو للتراث العالمي».

ميثاق الملك سلمان المعماري

عند الحديث عن معادلة القديم والجديد تشير إلى ميثاق الملك سلمان المعماري الذي يعتمد على خلق منهجية وطنية لتحقيق التميز العمراني وتحسين جودة الحياة من خلال خلق بيئات عمرانية تستند إلى الموروث الثقافي والبيئي، وتحاكي التطورات المستقبلية، تصف الميثاق بأنه «المعادلة التي تضمن الوصول إلى تميز عمراني مع الحفاظ على الهوية: «يعتمد الميثاق على 6 قيم مرتبط بعضها ببعض؛ منها الأصالة والاستمرارية. من ناحية العمران لا بد أن نفهم أي نتاج عمراني هو جزء من سياق تاريخي مستمر. هناك أيضاً جوانب متعلقة بالإنسان والمجتمعات تعتمد على رفع جودة الحياة، أما القيمة الأخيرة فهي الاستدامة والابتكار. تتوقف فكرة كثير من الناس عن العمارة التقليدية عند الترميم والمحافظة عليها مثل التحنيط، لكن ما يهمنا هو إمكانية الابتكار، لأنه حتى أجدادنا في السابق كانت لديهم رغبة في التحسين كلما سنحت الفرصة. وترى أن الميثاق خلق لغة مشتركة بين المعماريين ومتخذي القرار.

د. سمية السليمان خلال الكشف عن تفاصيل مبادرة «ميثاق الملك سلمان العمراني» (واس)

تُحول السليمان الدفة لأفق أوسع، وتتحدث عن الجهد على مستوى المملكة ومبادرة «العمارة السعودية» التي تهدف إلى توثيقٍ مكانيٍّ للعِمَارَة الأصيلة والمتنوعة في مختلف مناطق المملكة، وإبراز التنوع الذي يميز كل منطقة بناءً على خصائصها الجغرافية. وعن الدراسات التي صدرت حتى الآن؛ نتاجاً للمبادرة وإمكانية تطبيقها تقول: «هناك جهود قائمة للوصول إلى طرق لتطبيق هذه الدراسات سواء كانت على المشاريع الحكومية التجارية أو حتى السكنية مستقبلاً».

العمارة التقليدية والتقنيات الحديثة

الحديث عن العمارة التقليدية وأساليبها يأخذنا إلى السؤال عن إمكانية استخدام المواد والطرق التي اعتمدت عليها عملية البناء في السابق، ما مدى إمكانية تطويرها بطريقة تناسب الوقت الحالي؟

«هناك أبحاث كثيرة في هذا الصدد، ولكن لنأخذ مثالاً من منطقة الدرعية التي تخوض عملية تطوير ضخمة. جانب كبير من العمل هناك يتضمن إنتاج الطين بطريقة تقليدية مدعمة بالتقنية، وأيضاً بتوجيه الاهتمام إلى الاستدامة والتعامل مع الوضع البيئي الراهن». تشرح أكثر: «اليوم البيئة المبنية مسؤولة عن 40 في المائة من انبعاثات الكربون، فنحن هنا نتكلم عن مسؤولية ضخمة تقع على عاتق الهيئة، وكذلك على عاتق كل الممارسين في القطاع لأن كل قرار يُتخذ في مرحلة التصميم مهم، وله تبعات طويلة المدى. فاليوم نتكلم عن هذه الأبحاث التي تتناول استخدام الطين المدكوك، مثلاً كيف يمكن استخدام هذه المواد الطبيعية بالشكل المناسب؟ لأن التبعات هي التي تهمنا».

نظرة إلى المستقبل

حديثها عن المعماريين السعوديين يدفعني إلى السؤال عن رؤيتها لوعيهم بالتحديات الحديثة أمامهم، تقول: «أكبر حافز لنا اليوم هو العمل لتحقيق (رؤية المملكة 2030)، والعمل بطريقة ممنهجة وباتجاه واحد. نرى اليوم كمَّ المشاريع الضخمة في المملكة، وأيضاً الاهتمام بالاستدامة والبيئة، كل ذلك أسهم في تكوين جيل كامل يدرك أهمية هذه الأمور. بالنسبة إلينا في الهيئة دورنا أن نوفر الأدوات المختلفة قدر الإمكان سواء من خلال الجوانب التعليمية مثلاً في الجامعات المختلفة أو حتى من ناحية إثراء المعرفة من خلال البرامج المختلفة».

وتختتم حوارها معي بنبرة متفائلة بالمستقبل: «أعتقد أنه اليوم في السعودية لا ينقصنا الإبداع، ولكن ما زالت أمامنا فرصة لتحسين بعض الجوانب من ناحية الربط بين الدراسة الأكاديمية والممارسة، وحتى على مستوى الممارسة دورنا يتضمن كيفية دعم المكاتب الصغيرة والمتوسطة لتصل إلى مراحل نضج تمكِّنها من المنافسة على أعلى المستويات».

«مغرس» جناح السعودية في ترينالي ميلانو للتصميم (واس)

وتضرب المثل بما رأيناه في بينالي فينيسيا: «نحن فخورون جداً بالمواهب والعقول الشابة، ومثال ذلك ما نراه في البينالي من إنجاز لمكتب معماري أنشأته شابتان وصلتا إلى العالمية بهذا المستوى، وحصدتا جوائز. هذا مثال واحد فقط على كثير من المواهب الموجودة داخل المملكة».


مقالات ذات صلة

جائزة عالمية للمكتب المعماري خلف تصميم حديقة الملك سلمان بالرياض

يوميات الشرق تصور رقمي لأحد وديان الحديقة (مكتب جربر للعمارة)

جائزة عالمية للمكتب المعماري خلف تصميم حديقة الملك سلمان بالرياض

حصد مكتب جربر للعمارة جائزة المعهد الملكي للمهندسين المعماريين البريطانيين/ الشرق الأوسط لعام 2025، وذلك في فئة المشاريع المستقبلية عن تصميم حديقة الملك سلمان…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق تصميم الهرم الزجاجي لمتحف اللوفر (متاحف قطر)

دعوة للدخول في عالم المعماري العالمي آي إم باي مصمم هرم اللوفر ومتحف الفن الإسلامي

«العمارة تشكل الحياة، وهي لها كالمرآة» جملة متداولة للمصمم المعماري الشهير آي إم باي.

عبير مشخص (الدوحة)
يوميات الشرق المسجد الكبير في بخارى وحوار مع تصميم المصلى القادم من السعودية  (سارة سعد-مؤسسة بينالي الدرعية)

«المصلى» وجامع بخارى الكبير... لقاء التصميم المعماري والروحانية

في الدورة الافتتاحية لبينالي بخارى للفن، تحضر المملكة العربية السعودية عبر فنانيها وثقافتها، وأيضاً عبر التصميم الفائز بجائزة «المصلى»

عبير مشخص (بخارى-أوزبكستان)
تكنولوجيا تطبيق «أدوبي فايرفلاي» يتيح تحويل الأوامر النصية صوراً وتصاميم مذهلة باستخدام الذكاء الاصطناعي الآن على iOS و«أندرويد» مجاناً

«أدوبي» تطلق تطبيق «فايرفلاي» على جميع الهواتف الذكية

يتيح النظام إنشاء صور وتأثيرات وتصميمات متكاملة بالاعتماد فقط على الأوامر النصية.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
يوميات الشرق «مغرس» جناح السعودية في ترينالي ميلانو (فالنتينا سوماريفا)

«مغرس»... من الأحساء إلى إيطاليا

تشارك السعودية للمرة الأولى في ترينالي ميلانو الدولي للعمارة والتصميم بجناح عنوانه «مغرس» يناقش التغيرات البيئية وتأثيرها على منطقة الأحساء المصنفة على قائمة

عبير مشخص ( ميلانو)

«مالمو» يحتفي برائد السينما السعودية عبد الله المحيسن

عبد الله المحيسن  خلال التكريم في مالمو (إدارة المهرجان)
عبد الله المحيسن خلال التكريم في مالمو (إدارة المهرجان)
TT

«مالمو» يحتفي برائد السينما السعودية عبد الله المحيسن

عبد الله المحيسن  خلال التكريم في مالمو (إدارة المهرجان)
عبد الله المحيسن خلال التكريم في مالمو (إدارة المهرجان)

كرم مهرجان رمالمو للسينما العربية» بالسويد، رائد السينما السعودية عبد الله المحيسن في حفل افتتاح دورته السادسة عشر ليكون أول مكرم سعودي في تاريخ المهرجان السينمائي العربي الأبرز بالدول الإسكندنافية، وسط حضور عربي بارز واحتفاء بمسيرة المخرج الرائد.

واحتضنت قاعة «رويال» في مدينة مالمو حفل افتتاح المهرجان بحضور رئيسة بلدية مالمو كاترين شيرنفيلدت يامه التي أكدت أن المهرجان أصبح نقطة التقاء للسينما العربية في أوروبا ليس فقط بسبب الاستمرارية ولكن بجودة الأعمال التي يقدمها المهرجان.

وأضافت أن السينما قادرة علي العبور من دون جوازات سفر أو قيود لنقل العديد من التجارب والحقائق، لافتة إلي أننا بحاجة مهمة للحوار والاستماع وهو ما يقوم به المهرجان.

ووصف رئيس المهرجان، محمد قبلاوي، خلال الحفل رائد السينما السعودية بـ«الضيف المميز» الذي تعكس أفلامه واقع الإنسان وتمنح صوتاً لمن لا صوت لهم، مؤكداً أن السينما ليست مجرد ترفيه بل وسيلة لبناء الفهم وجسور التواصل بين الناس والثقافات.

وأضاف في كلمته أن المهرجان سيقدم أفلاماً مختلفة وأصواتاً جديدة وقصصاً فريدة من العالم العربي معرباً عن أمله بعدم الاكتفاء بالمشاهدة فقط ولكن أيضاً بالتعرف على بعضنا البعض من خلال السينما.

وعرض المهرجان فيلماً قصيراً عن مسيرة المحيسن الفنية واهتمامه بصناعة السينما منذ صغره مع عرض لقطات مختلفة من مسيرته في مواقع التصوير ومن لقاءاته الإعلامية المختلفة.

وخلال كلمته عقب استلام التكريم تحدث المحيسن عن بداياته السينمائية في المملكة بعد دراسته للفن في لندن، مستعيدا ذكريات تأسيس أول ستوديو في المملكة وتقديم فيلمه راغتيال مدينة».

ومن المقرر أن تشهد فعاليات المهرجان «ماستر كلاس» للمخرج السعودي يتحدث فيه عن مسيرته السينمائية الطويلة بالإضافة إلى عرض فيلمه اغتيال مدينة ضمن برنامج الاحتفاء بمشواره الفني الطويل.

رائد السينما السعودية عبد لله المحيسن مع محمد قبلاوي (إدارة المهرجان)

وأكد الناقد المصري محمد عاطف أن تكريم المحيسن في المهرجان «مهم ومستحق باعتباره واحداً من الرواد الذين أسسوا لحضور حقيقي للسينما الخليجية، ولم يكن مجرد صانع أفلام بل مؤسسة سينمائية قائمة بذاتها وعلى مدار سنوات».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المحيسن لعب دوراً بارزاً من خلال شركته التي كانت من بين الجهات الأهم في تقديم كلاسيكيات سينمائية، كما أسهمت في إعادة اكتشاف مواهب منها مواهب مصرية عبر تقديم تجارب مغايرة ومختلفة عما كان سائداً»، مشيرًا إلى أن أولى التجارب في الموسيقى التصويرية للموسيقار عمار الشريعي كانت من خلال التعاون بينه وبين المحيسن الأمر الذي يعكس قدرة المخرج السعودي على اكتشاف الطاقات الجديدة.

وأشار إلى أن وصفه بالرائد لا يأتي فقط لكونه من الأوائل، بل لأنه قدم بالفعل تجارب سينمائية مهمة، على غرار فيلم «اغتيال مدينة» الذي يعد من التجارب السينمائية الوثائقية المبكرة التي مزجت بين السينما وفنون التحريك، في خطوة جريئة تعكس ميله الدائم إلى التجريب وتوسيع حدود الشكل السينمائي، على حد تعبيره.

وقبيل حفل الاستقبال الرسمي في مقر بلدية مالمو، شهد المهرجان عرض الفيلم العراقي «مملكة القصب» للمخرج حسن هادي وهو الفيلم الذي وصل للقائمة المختصرة لجوائز «الأوسكار» في نسخته الماضية.

تدور أحداث الفيلم حول فتاة قدَّمت شخصيتها بطلة الفيلم الممثلة العراقية بنين أحمد نايف، البالغة 11 عاماً، والتي حاولت بكلِّ الطرق الممكنة صنع كعكة لعيد ميلاد الرئيس الراحل صدام حسين، بعدما وقع الاختيار عليها لإتمام هذه المهمة، وسط تحدِّيات وظروف قاسية شهدتها تلك المرحلة، من عقوبات أثَّرت في الناس تحت ضغط واقع صعب في العراق.

ويشهد المهرجان هذا العام عرض 39 فيلماً سينمائياً من 14 دولة عربية منها 22 فيلماً طويلاً و17 فيلماً قصيراً، فيما تنطلق، السبت، فعاليات «أيام مالمو لصناعة السينما» التي تشكل منصة لدعم الإنتاجات الجديدة وتعزيز فرص التعاون بين صناع السينما العرب ونظرائهم في أوروبا.


كيف يؤثر «الإغلاق المبكر» على صناعة السينما في مصر؟

لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)
لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)
TT

كيف يؤثر «الإغلاق المبكر» على صناعة السينما في مصر؟

لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)
لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)

أثار تطبيق مواعيد «الإغلاق المبكر» على التصوير الليلي موجة انتقادات من صُنّاع الأفلام، في حين رحّب سينمائيون بقرار رئيس مجلس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، مدّ مواعيد إغلاق المحال التجارية ودور السينما حتى الساعة 11 مساءً بدلاً من التاسعة. وفق قرار سابق بدأ تطبيقه في 28 مارس (آذار) الماضي.

وكان قرار «الإغلاق المبكر» قد تسبب في تعطّل تصوير كثير من الأعمال، في وقت تتسابق فيه شركات الإنتاج لحجز أماكن عرض ضمن موسمي عيد الأضحى والصيف، إضافة إلى مسلسلات «الأوف سيزون» للدراما التلفزيونية.

وأصدرت الحكومة المصرية، الخميس، قراراً جديداً بمدّ مواعيد عمل المحال التجارية والمطاعم ودور السينما حتى الساعة 11 مساءً، وذلك حتى يوم 27 أبريل (نيسان) الحالي، تزامناً مع الاحتفال بعيد القيامة المجيد، وفي إطار التيسير على المواطنين خلال فترة الأعياد. وأوضح رئيس الوزراء أن القرار يتماشى مع التطورات الأخيرة في «حرب إيران» والمفاوضات التي أسهمت في انخفاض نسبي في أسعار الوقود عالمياً.

ورأى سينمائيون أن قرار مدّ مواعيد فتح دور السينما حتى 11 مساءً يتيح إقامة عرض الساعة 9 مساءً، الذي يشهد إقبالاً جماهيرياً لافتاً، مؤكدين أن المنتجين تكبدوا خسائر بسبب قرارات الإغلاق خلال الأسبوعين الماضيين. وسارعت دور العرض إلى الإعلان عن تعديل مواعيد عروضها وإضافة عرض التاسعة مساءً.

دور العرض السينمائي ألغت حفلات بسبب قرارات الإغلاق المبكر (رويترز)

وأثار تطبيق مواعيد الإغلاق على التصوير الليلي جدلاً واسعاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إذ كتب المخرج أمير رمسيس عبر حسابه على «فيسبوك»، مندداً بمنع التصوير السينمائي بعد الساعة 9 مساءً، ومطالباً المؤلفين بعدم كتابة مشاهد ليلية. ولفت إلى أنه حتى مع تدخل الدولة لتنظيم عدد ساعات العمل، فإن استهلاك الكهرباء يظل واحداً، لاعتماده على مولدات كهربائية خاصة بالتصوير، متسائلاً: «بأي منطق يُلغى التصوير الليلي من الدراما والسينما؟».

وقال رمسيس، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «قرار تأجيل موعد الإغلاق حتى 11 مساءً، ومنح ساعتين إضافيتين، لا يمثل حلاً فعلياً لمشكلة التصوير، لأن المشاهد الليلية تمتد لساعات حتى الفجر. فهل يُعقل أن أُصوّر مشهداً واحداً يومياً داخل الاستوديو؟ هذا يضاعف التكاليف والخسائر».

وطالب رمسيس باستثناء تصوير المسلسلات والأفلام من مواعيد الإغلاق، مؤكداً أن منع التصوير ليلاً ستكون له تداعيات سلبية على صناعة السينما، وقد يؤدي إلى توقف مشروعات عدة، وعدم خروج بعض الأفلام إلى النور خلال هذه الفترة.

وكان مسعد فودة، نقيب المهن السينمائية، قد أصدر بيانين، الخميس؛ أعلن في الأول أن منع التصوير بعد التاسعة مساءً، وغلق دور العرض، لهما آثار كارثية على اقتصاديات السينما والفن في مصر، مناشداً رئيس الوزراء استثناء القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها الدراما والاستوديوهات ودور العرض. وفي البيان الثاني، وجّه رسالة شكر لرئيس مجلس الوزراء على قرارات مدّ العمل والتصوير وعروض الأفلام حتى 11 مساءً.

ويرى المخرج سعد هنداوي أن «تحديد موعد لإنهاء التصوير يمثل صعوبة كبيرة للسينما عموماً، نظراً لوجود برنامج عمل يومي يجب تنفيذه»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «هناك ظروف عالمية مرتبطة بالحرب وتأثيراتها، لكن يجب التعامل معها بتوازن»، مطالباً بفتح نقاش مع رئاسة الوزراء لاستثناء التصوير السينمائي والأعمال التلفزيونية، إضافة إلى دور العرض والمسارح، من مواعيد الإغلاق، نظراً لارتباطها بصناعة كبيرة ومصدر دخل لآلاف العاملين.

تسبب الإغلاق المبكر في خفوت الحركة وإظلام شوارع القاهرة (رويترز)

من جانبها، أكدت الناقدة الفنية ماجدة خير الله أن «صناعة السينما تضررت كثيراً خلال الأسبوعين الماضيين مع تطبيق قرار الإغلاق المبكر في دور العرض»، مشيرة إلى أن «إتاحة عرض التاسعة مساءً خطوة إيجابية، لكنها تحتاج إلى استكمال بعودة كافة العروض». وشددت على أن تطبيق مواعيد الإغلاق على التصوير السينمائي «أمر معطّل ومؤذٍ، يسبب خسائر يصعب تعويضها في صناعة تعاني بالفعل»، كما يؤثر على حجم الضرائب التي تتحصل عليها الدولة من صناعة الأفلام، ويخلّف آثاراً سلبية تفوق وفورات الطاقة المتوقعة.

ورحّب هشام عبد الخالق، رئيس غرفة صناعة السينما، بقرار مدّ العروض السينمائية حتى 11 مساءً، عاداً إياه انفراجة نسبية مع عودة عرض التاسعة مساءً، الذي يُعوَّل عليه كثيراً في إيرادات الأفلام. وقال لـ«الشرق الأوسط»: إن «الأفلام التي كانت تحقق نحو 8 ملايين جنيه يومياً قبل الإغلاق (الدولار يعادل نحو 53 جنيهاً مصرياً)، مثل فيلم (برشامة)، تراجعت إيراداتها إلى نحو مليونين يومياً، لكن مع عودة عرض التاسعة يمكن أن تصل إلى 5 ملايين يومياً، ما يزيد من حصيلة الضرائب». وأكد أن «الحكومة تبدي تفهماً عند توضيح أبعاد الأزمة وتقديم مطالب منطقية في ظل الظروف العالمية الراهنة».

دور العرض السينمائي ألغت حفلات بسبب قرارات الإغلاق المبكر (رويترز)

وكانت غرفة صناعة السينما قد وضعت تصوراً لحل مشكلة العروض السينمائية، يقوم على إلغاء الحفلات الصباحية ضعيفة الإقبال، التي تتحمل دور العرض تكلفتها دون عائد كافٍ، واقترحت أن يبدأ التشغيل من الساعة 4 عصراً حتى 12 ليلاً. وقال عبد الخالق: «أرسلنا خطاباً بذلك إلى رئيس الوزراء ووزيرة الثقافة مدعماً بالأرقام، وقد وعد الدكتور مصطفى مدبولي بدرس المقترح، وهو أمر مُرضٍ بالنسبة لنا. كما نعتزم لقاء وزيرة الثقافة لعرض رؤيتنا ومطالبنا، أملاً في استثناء التصوير الليلي من مواعيد الإغلاق، حتى لا تتعطل الأعمال وتتراجع الصناعة».


حمادة هلال يجدد الجدل حول حذف أغنيات المطربين بعد رحيلهم

الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)
الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)
TT

حمادة هلال يجدد الجدل حول حذف أغنيات المطربين بعد رحيلهم

الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)
الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)

جدّدت تصريحات المطرب المصري حمادة هلال الجدل حول توجّه بعض مؤدي المهرجانات والمطربين الشعبيين إلى التوصية بحذف أغنياتهم من المنصات الغنائية بعد رحيلهم، انطلاقاً من اعتقادهم بأن «الغناء حرام»، وأن حذفها يُعد نوعاً من التوبة وتصحيح المسار.

وقال هلال، في حديث لبرنامج «ميرور» على «يوتيوب»، إنه فكّر في الاعتزال سابقاً بعد مروره بضغوط نفسية وظروف صعبة، إثر تكبّده خسائر مادية في مشروعات خارج الوسط الفني، ما دفعه إلى إعادة التفكير في استمراره، غير أنه انتهى إلى أن العمل في هذا المجال هو الأنسب له والأقرب إلى طبيعته.

وفي الوقت نفسه، تطرَّق هلال إلى ظاهرة توصية بعض المطربين بحذف أغنياتهم بعد وفاتهم، مؤكداً أنه لن يفكر في حذف أعماله، مشيراً إلى أن هذه الأغنيات أصبحت ملكاً للجمهور ومرتبطة بذكرياته، ولا يرغب في حذف أي منها، فضلاً عن أنه لا يملك حقوقها بالكامل ليصدر قراراً بمنعها من الأساس.

وكان عدد من المطربين قد أعلنوا توصيتهم بحذف أغنياتهم بعد وفاتهم، استناداً إلى وصف بعضهم «الغناء بالحرام». وتصاعد الجدل حول هذه القضية عقب وفاة المطرب الشعبي ومؤدي المهرجانات أحمد عامر عام 2025، وإعلان حمو بيكا وآخرين حذف أغنياته، مع مناشدة شركات الإنتاج بذلك. وردّ بعض الجمهور على تصريحات بيكا آنذاك متسائلين: إذا كان يرى أن «الغناء حرام»، فلماذا لا يعتزل؟

الفنان حمادة هلال (فيسبوك)

ويرى الناقد الموسيقي المصري أحمد السماحي أن «المطربين الذين يُحرِّمون الغناء بعد أن حققوا منه ثروات هائلة يفتقرون إلى الوعي والثقافة، ولا يدركون أهمية الفن»، مضيفاً في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الجدل المتكرر يعكس حالة من التذبذب وغياب الإيمان برسالة الفن، مقابل السعي إلى تحقيق المكاسب المادية».

وأشار السماحي إلى أن هذه الظاهرة أكثر انتشاراً بين مطربي «الراب» ومؤدي المهرجانات، ورأى أن هذا التفكير يعيدنا إلى عصور التراجع الحضاري، والثقافي، والفكري، داعياً من يرون الفن حراماً إلى التبرع بما كسبوه منه لأعمال الخير.

كما لفت إلى أن الفتاوى الدينية لم تُحرِّم الفن بشكل مطلق، مشيراً إلى كتاب صدر عام 1980 عن مفتي مصر آنذاك، تضمّن فتاوى تؤكد أن الموسيقى التي تُهذِّب النفس وترتقى بالوجدان ليست محرّمة، في حين يرى بعض العلماء أن المحرَّم هو الفن الذي يلهي عن العبادة. وأوضح أن «من لا يفهم رسالة الفن ودوره في تهذيب النفس وإمتاعها ويسعى إلى الربح فقط، عليه أن يبتعد عنه».

وكان المطرب المصري تامر حسني من بين من أثاروا هذا الجدل، ليس من خلال توصية بحذف أغنياته، وإنما عبر تصريحات سابقة أعرب فيها عن أمله في ألا يموت وهو مطرب. وقد لاقت هذه التصريحات تعاطفاً من بعض الجمهور، في حين رأى آخرون أنها تعكس «ازدواجية»، معتبرين أن من يرى الفن حراماً لا ينبغي أن يمارسه.

من جانبه، أيَّد الناقد الموسيقي محمود فوزي السيد موقف حمادة هلال الرافض لحذف أغنياته، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن العمل الفني، بمجرد طرحه، يصبح ملكاً للجمهور، وهو أمر طبيعي.

وأضاف: «إن مسألة حذف الأغنيات بعد الوفاة ظهرت بشكل خاص بين المطربين الشعبيين ومؤدي المهرجانات، وفي رأيي أن الأولى بمن يرى هذا الفن مسيئاً له أن يمتنع عن تقديمه من الأساس».

وقد قدّم حمادة هلال كثيراً من الألبومات والأغنيات التي تتميَّز بخفة الظل والطابع الشبابي القريب من الشعبي، من بينها «دموع»، و«دار الزمان»، و«بخاف»، و«بحبك آخر حاجة»، و«ما تقولهاش»، كما شارك في أعمال سينمائية ودرامية، منها فيلم «عيال حبِّيبة» ومسلسل «المداح».