المملكة في قلب التصميم العالمي: فن معماري سعودي يطرح الأسئلة ويعيد تشكيل الحلم

د. سمية السليمان لـ«الشرق الأوسط»: لا ينقصنا الإبداع وفخورون جداً بالمواهب والعقول الشابة

جناح السعودية في «إكسبو أوساكا» باليابان يحاكي المدن والقرى في المملكة (واس)
جناح السعودية في «إكسبو أوساكا» باليابان يحاكي المدن والقرى في المملكة (واس)
TT

المملكة في قلب التصميم العالمي: فن معماري سعودي يطرح الأسئلة ويعيد تشكيل الحلم

جناح السعودية في «إكسبو أوساكا» باليابان يحاكي المدن والقرى في المملكة (واس)
جناح السعودية في «إكسبو أوساكا» باليابان يحاكي المدن والقرى في المملكة (واس)

بالنسبة إلى هيئة فنون العمارة والتصميم السعودية جاء عام 2025 حافلاً بالنشاط والفعاليات والمشاركات الدولية وأيضاً بالجوائز. كانت المشاركات متعددة والإبداع واضحاً من خلال جناح المملكة في بينالي فينيسيا والجناح الوطني في ترينالي ميلانو وجناح المملكة في «إكسبو أوساكا» الفائز بالجائزة الذهبية ضمن «جوائز نيويورك للتصميم المعماري»، ومؤخراً جناح المملكة في بينالي لندن للتصميم.

ما ميَّز كل المشاركات كان التنوع والعمق والمعالجة المبتكرة لقضايا مهمة تتعلق بعالم العمارة والتصميم؛ فعلى سبيل المثال تناول جناح بينالي فينيسيا التوسع العمراني مع تحدي الحفاظ على المباني التقليدية.

في ترينالي ميلانو، قررت هيئة فنون العمارة والتصميم أن تكون واحة الأحساء نقطة انطلاق لخطاب بيئي يتجاوز الحدود. عالج الجناح تحولات المكان من خلال تركيبة بصرية ونسيجية متقنة.

«مياه صالحة»... الجناح السعودي في بينالي لندن للتصميم (هيئة العمارة والتصميم)

أما بينالي لندن فكان الموضوع يتمحور حول قضية المياه وإعادة تخيل نظم الحصول عليها وتوزيعها في المملكة. في كل مشاركة كانت المهمة تقع على عاتق مصممين ومهندسين واعدين ترجموا موضوعاتهم وأفكارهم في تصميمات مبدعة واثقة أثارت النقاشات مع الزوار، وطرحت حلولاً وتصورات جديدة لشكل مجتمعات عربية تحلم بالمستقبل.

كونها الجهة المكلفة للأجنحة المختلفة كان من المهم استكشاف دور هيئة العمارة والتصميم في تسليط الضوء على المملكة ومبدعيها، وعلى إبراز القضايا الحيوية للبلاد لجمهور عالمي. ومن هنا كان من المهم الحديث مع الدكتورة سمية السليمان، الرئيسة التنفيذية لهيئة التصميم والعمارة، وجرى الحوار داخل الجناح السعودي في بينالي فينيسيا الذي حمل عنوان «مدرسة أم سليم: نحو مفهوم معماري مترابط».

من المحلية إلى العالمية

حديثي مع الدكتورة سمية السليمان كان عن تأثير المشاركات العالمية المختلفة في الداخل والخارج أيضاً، إذ ترى في كل مشاركة زيادة في النضج وتراكم للخبرة. تتحدث عن المشاركة في بينالي فينيسيا، وتؤكد أن الجناح الذي يستكشف أساليب العمارة المحلية والتحولات التي تشهدها العمارة النجدية سبقه خمس سنوات من البحث والإعداد من المعماريتين سارة العيسى ونجود السديري. تصف فكرة الجناح بالمميزة، وهو ما دفع الهيئة إلى مساندة وتشجيع العيسى والسديري ومنحهما فرصة تمثيل المملكة في أهم محفل عالمي للعمارة.

صورة من الجناح السعودي في بينالي فينيسيا للعمارة (الشرق الأوسط)

عرض الجناح مبادرة «مختبر أم سليم» البحثية التي أنشأها «مكتب سين»، بإدارة سارة العيسى ونجود السديري، متخذاً من حي أم سليم في وسط الرياض مقراً له، ويقوم بالعمل مع متعاونين لإجراء البحوث الميدانية التي تُعْنَى بدراسة أساليب العمارة المحلية والتحولات التي تشهدها العمارة النجدية. تشير إلى جانب من العرض، حيث نرى توثيقاً لمحاولة قامت بها المعماريتان لترميم منزل من الطين في الرياض، وترى في عرض مراحل البحث وأرشفة العقبات التي واجهتهم، أمراً «لافتاً»: «عندما وصلوا لخط النهاية، ولم يستطيعوا الاستمرار جعلوا من تلك القائمة عرضاً فنياً، وعلقوها على مبنى قديم، لرفع مستوى الوعي، وهذا في حد ذاته كان من الأمور الملهمة للفريق».

عرض الجناح أيضاً المشروع الثاني الذي قام به «مكتب سين»، وهو عن مركز «شمالات» في الدرعية الذي رشح في القائمة القصيرة لجائزة «الآغا خان للعمارة»: «هذا المبنى (الدرعية) مبنيّ بالطين، قاموا بترميم الجزء التقليدي كلّياً، واستكملوا ببناء جانب حديث، اليوم هناك مقهى ومكتبة وغاليري، وفيه توسعة معاصرة».

معمار الرياض

مركز «شمالات» كان النقطة التي تحوَّل فيها حديثي مع الدكتورة السليمان إلى معمار مدينة الرياض. تشير مرة أخرى إلى عرض «مدرسة أم سليم»، وتقول إنَّهم مكتب «سين» قاموا بعملية مسح لأحياء الرياض، ومن خلالها تبين أن هناك عدداً من المباني الطينية وسط التوسع العمراني الحديث، وهو ما حاول الجناح تناوله، وأثار قضية الاستفادة من المباني القديمة المشيدة بالطراز التقليدي وتوظيفها، وهل من المفروض أن تكون متحفية أو أن يتم الاستفادة منها لتصبح جزءاً من حياة الناس؟

تقول: «هناك كثير من هذه المباني التي لم يتم ترميمها أصلاً، وهي غير قابلة للسكن، لكن هناك كثير من الجهود من جهات مختلفة منها هيئة التراث تشمل الترميم وأيضاً البرمجة. النتيجة أن بعضها تحول إلى متاحف أو مراكز، وبذلك أصبحت أصولاً ثقافية يمكن أن يستفاد منها». تشير أيضاً إلى أهمية وجود عملية توعية عامة ليتمكن أصحاب المباني القديمة من الاستفادة منها جيداً.

جناح السعودية في «إكسبو أوساكا» باليابان يحاكي المدن والقرى في المملكة (واس)

على مستوى الدولة تشير إلى الخطط التي تنفّذها هيئة التراث التابعة لوزارة الثقافة والهيئة الملكية لتطوير مدينة الرياض المسؤولة عن استراتيجية العاصمة على نطاق واسع، وتستطرد أن «التعامل مع العمران التقليدي يختلف حسب الجهة المسؤولة، ولكن كلنا متفقون على أهمية المحافظة عليه قدر الإمكان، وليس فقط كأثر قديم متحفيّ. الاهتمام يمتد إلى التقنيات المرتبطة، وبأداء المباني من الناحية البيئية؛ مثل التبريد، لضمان عدم فقدان هذه المباني، ولا أيضاً أن يتم المحافظة عليها كإرث شكليّ فقط».

على أرض الواقع تشير إلى أن الدولة «تهتم كثيراً بالأماكن التي ما زال فيها الإحساس العمراني»، وتضرب المثل بمركز الملك عبد العزيز التاريخي: «المركز يضم مجموعة من قصور الملك عبد العزيز وزوجاته التي رُمِّمت، وبجوار منطقة القصر الأحمر حوّلت المباني لتحتضن المعهد الملكي للفنون التقليدية. هناك تفعيل لهذه الأماكن بحيث تصبح جزءاً من ذاكرة الإنسان، وأيضاً من الحياة اليومية. ولا ننسى المشاريع التي تقام في الدرعية، وهي مدرجة على لائحة اليونسكو للتراث العالمي».

ميثاق الملك سلمان المعماري

عند الحديث عن معادلة القديم والجديد تشير إلى ميثاق الملك سلمان المعماري الذي يعتمد على خلق منهجية وطنية لتحقيق التميز العمراني وتحسين جودة الحياة من خلال خلق بيئات عمرانية تستند إلى الموروث الثقافي والبيئي، وتحاكي التطورات المستقبلية، تصف الميثاق بأنه «المعادلة التي تضمن الوصول إلى تميز عمراني مع الحفاظ على الهوية: «يعتمد الميثاق على 6 قيم مرتبط بعضها ببعض؛ منها الأصالة والاستمرارية. من ناحية العمران لا بد أن نفهم أي نتاج عمراني هو جزء من سياق تاريخي مستمر. هناك أيضاً جوانب متعلقة بالإنسان والمجتمعات تعتمد على رفع جودة الحياة، أما القيمة الأخيرة فهي الاستدامة والابتكار. تتوقف فكرة كثير من الناس عن العمارة التقليدية عند الترميم والمحافظة عليها مثل التحنيط، لكن ما يهمنا هو إمكانية الابتكار، لأنه حتى أجدادنا في السابق كانت لديهم رغبة في التحسين كلما سنحت الفرصة. وترى أن الميثاق خلق لغة مشتركة بين المعماريين ومتخذي القرار.

د. سمية السليمان خلال الكشف عن تفاصيل مبادرة «ميثاق الملك سلمان العمراني» (واس)

تُحول السليمان الدفة لأفق أوسع، وتتحدث عن الجهد على مستوى المملكة ومبادرة «العمارة السعودية» التي تهدف إلى توثيقٍ مكانيٍّ للعِمَارَة الأصيلة والمتنوعة في مختلف مناطق المملكة، وإبراز التنوع الذي يميز كل منطقة بناءً على خصائصها الجغرافية. وعن الدراسات التي صدرت حتى الآن؛ نتاجاً للمبادرة وإمكانية تطبيقها تقول: «هناك جهود قائمة للوصول إلى طرق لتطبيق هذه الدراسات سواء كانت على المشاريع الحكومية التجارية أو حتى السكنية مستقبلاً».

العمارة التقليدية والتقنيات الحديثة

الحديث عن العمارة التقليدية وأساليبها يأخذنا إلى السؤال عن إمكانية استخدام المواد والطرق التي اعتمدت عليها عملية البناء في السابق، ما مدى إمكانية تطويرها بطريقة تناسب الوقت الحالي؟

«هناك أبحاث كثيرة في هذا الصدد، ولكن لنأخذ مثالاً من منطقة الدرعية التي تخوض عملية تطوير ضخمة. جانب كبير من العمل هناك يتضمن إنتاج الطين بطريقة تقليدية مدعمة بالتقنية، وأيضاً بتوجيه الاهتمام إلى الاستدامة والتعامل مع الوضع البيئي الراهن». تشرح أكثر: «اليوم البيئة المبنية مسؤولة عن 40 في المائة من انبعاثات الكربون، فنحن هنا نتكلم عن مسؤولية ضخمة تقع على عاتق الهيئة، وكذلك على عاتق كل الممارسين في القطاع لأن كل قرار يُتخذ في مرحلة التصميم مهم، وله تبعات طويلة المدى. فاليوم نتكلم عن هذه الأبحاث التي تتناول استخدام الطين المدكوك، مثلاً كيف يمكن استخدام هذه المواد الطبيعية بالشكل المناسب؟ لأن التبعات هي التي تهمنا».

نظرة إلى المستقبل

حديثها عن المعماريين السعوديين يدفعني إلى السؤال عن رؤيتها لوعيهم بالتحديات الحديثة أمامهم، تقول: «أكبر حافز لنا اليوم هو العمل لتحقيق (رؤية المملكة 2030)، والعمل بطريقة ممنهجة وباتجاه واحد. نرى اليوم كمَّ المشاريع الضخمة في المملكة، وأيضاً الاهتمام بالاستدامة والبيئة، كل ذلك أسهم في تكوين جيل كامل يدرك أهمية هذه الأمور. بالنسبة إلينا في الهيئة دورنا أن نوفر الأدوات المختلفة قدر الإمكان سواء من خلال الجوانب التعليمية مثلاً في الجامعات المختلفة أو حتى من ناحية إثراء المعرفة من خلال البرامج المختلفة».

وتختتم حوارها معي بنبرة متفائلة بالمستقبل: «أعتقد أنه اليوم في السعودية لا ينقصنا الإبداع، ولكن ما زالت أمامنا فرصة لتحسين بعض الجوانب من ناحية الربط بين الدراسة الأكاديمية والممارسة، وحتى على مستوى الممارسة دورنا يتضمن كيفية دعم المكاتب الصغيرة والمتوسطة لتصل إلى مراحل نضج تمكِّنها من المنافسة على أعلى المستويات».

«مغرس» جناح السعودية في ترينالي ميلانو للتصميم (واس)

وتضرب المثل بما رأيناه في بينالي فينيسيا: «نحن فخورون جداً بالمواهب والعقول الشابة، ومثال ذلك ما نراه في البينالي من إنجاز لمكتب معماري أنشأته شابتان وصلتا إلى العالمية بهذا المستوى، وحصدتا جوائز. هذا مثال واحد فقط على كثير من المواهب الموجودة داخل المملكة».


مقالات ذات صلة

«غوغل» تطلق «Google Pics» أداة تصميم بالذكاء الاصطناعي

تكنولوجيا «Google Pics» أداة من «غوغل» لإنشاء وتعديل التصاميم بالذكاء الاصطناعي (غوغل)

«غوغل» تطلق «Google Pics» أداة تصميم بالذكاء الاصطناعي

تتيح إنشاء الصور والتصاميم وتعديلها باستخدام الأوامر النصية، في خطوة تضع الشركة بصورة أكثر مباشرة في مواجهة أدوات شهيرة مثل «Canva».

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
يوميات الشرق يبرز تصميم المسرح الملكي كأنه موجة تتصاعد وتعلو قمتها فوق قاعات العروض (غيتي)

المسرح الملكي في الرباط وسحر تصاميم زها حديد

قبل أن يُرفع الستار، ينجح «المسرح الملكي» الجديد في الرباط - وهو من تصميم المهندسة المعمارية المرموقة زها حديد - في إبهار الناظرين لدرجة تفوق التصور.

تكنولوجيا إطلاق «إيمجز 2.0»: صور أدق ودعم أفضل للعربية (أ.ب)

«أوبن إيه آي» تطلق نموذجها الجديد لتوليد الصور «Images 2.0»

أعلنت شركة «أوبن إيه آي» (OpenAI) عن إطلاق نموذجها الجديد لتوليد الصور تحت اسم «Images 2.0».

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا «أدوبي» تطلق «القص السريع» لاختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو (رويترز)

«القص السريع» من «أدوبي»: اختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو

في سياق تسارع الابتكار داخل أدوات إنتاج المحتوى، تواصل «أدوبي» توسيع قدرات منصتها للذكاء الاصطناعي «فايرفلاي»، عبر تقديم ميزة جديدة تحمل اسم القص السريع (Quick…

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
يوميات الشرق تصور رقمي لأحد وديان الحديقة (مكتب جربر للعمارة)

جائزة عالمية للمكتب المعماري خلف تصميم حديقة الملك سلمان بالرياض

حصد مكتب جربر للعمارة جائزة المعهد الملكي للمهندسين المعماريين البريطانيين/ الشرق الأوسط لعام 2025، وذلك في فئة المشاريع المستقبلية عن تصميم حديقة الملك سلمان…

«الشرق الأوسط» (الرياض)

من أدراج المتاحف إلى شاشة الجوال... 70 مليون عيّنة تدخل العصر الرقمي

عرض تفصيلي لحشرات محفوظة يُبرز أنواعاً مختلفة على جدار متحف (بيكسلز)
عرض تفصيلي لحشرات محفوظة يُبرز أنواعاً مختلفة على جدار متحف (بيكسلز)
TT

من أدراج المتاحف إلى شاشة الجوال... 70 مليون عيّنة تدخل العصر الرقمي

عرض تفصيلي لحشرات محفوظة يُبرز أنواعاً مختلفة على جدار متحف (بيكسلز)
عرض تفصيلي لحشرات محفوظة يُبرز أنواعاً مختلفة على جدار متحف (بيكسلز)

تخيّل أنك تفتح جوالك، فتجد أمامك 70 مليون قطعة من العالم الطبيعي: من فراشات وخنافس ونباتات وحفريات وصخور، بينها عينات جمعت قبل مئات السنين، وأخرى ارتبطت بأسماء علماء غيّروا الطريقة التي ننظر بها إلى الطبيعة.

هذا ليس متحفاً جديداً في لندن، ولا مبنى ضخماً يستعد لاستقبال الزوار، بل هو متحف رقمي يمكن أن يدخل إليه أي شخص من جواله أو جهاز الكمبيوتر.

ففي بريطانيا، بدأ الباحثون بالفعل العمل على تحويل واحدة من أكبر مجموعات التاريخ الطبيعي في البلاد إلى أرشيف رقمي هائل، بمساعدة الروبوتات والذكاء الاصطناعي.

المشروع، الذي يحمل اسم «النظام الموزع للمجموعات العلمية» (DiSSCo UK)، يجمع كنوزاً محفوظة في نحو 100 متحف وحديقة نباتية وجامعة ومؤسسة علمية في مختلف أنحاء المملكة المتحدة. والهدف ليس فقط وضع صور العينات على الإنترنت، وإنما جمع القصص والمعلومات التي ترافق كل واحدة منها، وتحويلها إلى قاعدة بيانات يمكن البحث فيها ودراستها.

وقد تبدو المهمة للوهلة الأولى بسيطة: صوّر العينة وانتهى الأمر. لكنها في الحقيقة أقرب إلى فتح ملايين الأدراج القديمة الواحد تلو الآخر.

فمع كل فراشة أو خنفساء أو زهرة مجففة، هناك بطاقة صغيرة قد تحمل اسم النوع ومكان العثور عليه وتاريخ جمعه، وربما ملاحظات أخرى كتبها أحد العلماء بخط يده قبل عشرات أو مئات السنين. وهذه الأوراق الصغيرة قد تكون أحياناً أهم من العينة نفسها، لأنها تخبر الباحثين أين ومتى عاش ذلك الكائن.

هنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي

ويقدّر القائمون على المشروع أن إنجاز عملية الرقمنة بالطرق التقليدية كان سيستغرق مئات السنين، بينما يمكن للروبوتات والتقنيات الحديثة اختصارها إلى نحو عقد واحد. وبعد ذلك، لن تكون القيمة في وجود 70 مليون صورة فحسب، بل في إمكانية ربطها ببعضها وتحليلها معاً.

ولن يقتصر المتحف الجديد على العلماء. فالدكتورة جوانا دنستر، من وكالة الأبحاث والابتكار البريطانية، تقول إنها تتطلع إلى استكشافه مع ابنها البالغ من العمر أربع سنوات، الذي لا يعرف الكثير عن العلوم، لكنه يملك فضولاً كبيراً.

عرضٌ مذهلٌ لمجموعةٍ متنوعةٍ من فصائل الفراشات ذات الأنماط المعقدة تم توثيقها في أجواء متحفية (بيكسلز)

وربما لن يحتاج الطفل إلى كثير من الشرح عندما يرى بعض محتويات هذا المتحف. فهناك سمكة عمياء غريبة تستخدم زعانفها للاستناد إلى قاع البحر، إلى جانب سن حصان عثر عليها عالم الطبيعة تشارلز داروين في الأرجنتين نحو عام 1833.

لكن البداية لن تكون مع الحيتان والديناصورات، بل مع مخلوقات أصغر بكثير. الخنافس والفراشات والعث والذباب ستكون من أوائل ضيوف المتحف الرقمي، إلى جانب الزهور المجففة والسراخس. وهي عينات قد لا تجذب الزائر مثل هيكل عظمي ضخم، لكنها تحمل في داخلها سجلاً دقيقاً للتغيرات التي شهدتها البيئة. وفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».

وفي كارديف، يجري العمل على رقمنة نحو نصف مليون عينة من الحشرات والنباتات. وفي اسكوتلندا، تضم الحدائق النباتية الملكية في إدنبرة والمتاحف الوطنية نحو 13 مليون عينة، إضافة إلى مجموعات أصغر موزعة في أنحاء البلاد.

والفكرة هنا تشبه جمع ملايين قطع الأحجية. كل عينة تمثل قطعة صغيرة من الماضي، وعندما توضع بجوار غيرها يمكن أن تبدأ الصورة بالظهور.

فالفراشة التي جمعها عالم قبل مائة عام، أو الزهرة التي جُففت وحُفظت داخل متحف، قد تكشف اليوم معلومات عن طبيعة البيئة في ذلك الزمن. وإذا جُمعت هذه المعلومات من آلاف المواقع وعلى مدى قرون، فيمكن للعلماء أن يروا كيف تغيرت المناظر الطبيعية والنباتات والحشرات، ومتى بدأت بعض الأنواع في التراجع أو الاختفاء.

ويقول الدكتور فينسنت سميث، الباحث في متحف التاريخ الطبيعي في لندن، إن هذه المجموعات تسجل فترات طويلة من التغير، بما فيها التحولات التي رافقت الثورة الصناعية. ومن خلال العودة إلى الماضي، يأمل العلماء في تحسين قدرتهم على فهم المستقبل.

وهذا ما يجعل المشروع أكبر من مجرد تحويل أدراج المتاحف إلى ملفات رقمية. فالبيانات التي تبدو اليوم مجرد أسماء وصور قد تساعد في دراسة تغير المناخ، وفقدان التنوع الحيوي، والأمن الغذائي، وحتى المعادن التي يحتاج إليها العالم لتطوير تقنيات الطاقة الخضراء.

وربما تكون المفارقة الجميلة في المشروع أن مفتاح فهم مستقبل العالم قد يكون موجوداً منذ سنوات طويلة في مكان هادئ، داخل درج متحف، على هيئة فراشة صغيرة أو ورقة نبات يابسة.

والآن، بدلاً من أن تبقى هذه الكنوز بعيدة عن الأنظار، تستعد للظهور أمام الجميع... بضغطة واحدة على شاشة الجوال.

http://​ https://artsandculture.google.com/experiment/the-talking-museum/XAHyUTtHIxB_tw ​


قاعدة صارمة تفرضها كلية إيتون على الأمير جورج وزملائه... ما تفاصيلها؟

الأمير البريطاني ويليام يسير برفقة زوجته كيت ميدلتون وابنهما الأمير جورج لدى وصوله في يومه الأول إلى كلية إيتون (رويترز)
الأمير البريطاني ويليام يسير برفقة زوجته كيت ميدلتون وابنهما الأمير جورج لدى وصوله في يومه الأول إلى كلية إيتون (رويترز)
TT

قاعدة صارمة تفرضها كلية إيتون على الأمير جورج وزملائه... ما تفاصيلها؟

الأمير البريطاني ويليام يسير برفقة زوجته كيت ميدلتون وابنهما الأمير جورج لدى وصوله في يومه الأول إلى كلية إيتون (رويترز)
الأمير البريطاني ويليام يسير برفقة زوجته كيت ميدلتون وابنهما الأمير جورج لدى وصوله في يومه الأول إلى كلية إيتون (رويترز)

بينما بدأ الأمير البريطاني جورج، الابن الأكبر للأمير ويليام، خوض تجربة الدراسة في واحدة من أعرق المدارس الداخلية في بريطانيا، ينتظره نظام صارم لا يقتصر على الدراسة والانضباط اليومي، بل يمتد أيضاً إلى الطريقة التي يتواصل بها مع عائلته. فالهاتف الذي سيُسمح له باستخدامه لن يكون من الهواتف الذكية الحديثة، بل سيكون جهازاً تقليدياً يقتصر على المكالمات والرسائل النصية، في إطار سياسة تتبعها مدرسة إيتون تجاه استخدام الهواتف والأجهزة الإلكترونية.

وحسب صحيفة «إندبندنت»، بدأ الأمير جورج، البالغ من العمر 13 عاماً حياته في كلية إيتون، لكنه لن يمتلك سوى هاتف محمول بسيط للتواصل مع منزله، من النوع التقليدي الذي لا يتيح الوصول إلى الإنترنت.

ويخوض وريث العرش تجربة الحياة في مدرسة داخلية، وما تفرضه هذه البيئة التعليمية من قواعد وانضباط صارمين. وتقضي سياسة المدرسة العريقة، الواقعة في مقاطعة بيركشاير، بالسماح للطلاب باستخدام الهواتف لإجراء المكالمات وإرسال الرسائل النصية فقط، بدلاً من الهواتف الذكية التي تتيح الاتصال بالإنترنت واستخدام التطبيقات المختلفة.

وأُعلنت هذه السياسة عام 2024، ومن المرجح أن تكون موضع ارتياح للأمير ويليام وزوجته كيت ميدلتون، اللذين تحدثا في مناسبات عدة عن استخدام الأطفال الهواتف الذكية، وأبديا مخاوف بشأن التأثير المحتمل لهذه الأجهزة في صحتهم النفسية.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، قال الأمير ويليام: «ليس لدى أطفالنا هواتف. وأعتقد أنه عندما ينتقل جورج إلى المرحلة الثانوية، ربما يحصل حينها على هاتف لا يتيح الوصول إلى الإنترنت».

وأضاف: «أعتقد أن امتلاك هاتف يقتصر على المكالمات والرسائل النصية، تلك الهواتف القديمة الضخمة أمر مقبول؛ فالمشكلة تكمن في إتاحة الوصول إلى الإنترنت».

من جانبها، تناولت كيت ميدلتون مخاطر قضاء الأطفال أوقاتاً طويلة أمام الشاشات، في مقال حمل عنوان: «قوة التواصل الإنساني في عالم تشتت الانتباه». وفي المقال، الذي نشرته بالتعاون مع البروفسور روبرت والدينجر من كلية الطب بجامعة هارفارد، قالت: «على الرغم من أن الأجهزة الرقمية تعدنا بإبقائنا على تواصل، فإنها غالباً ما تحقق العكس تماماً».

قيود على أجهزة «آيباد»

ولا تقتصر القيود التي تفرضها إيتون على الهواتف الذكية؛ فقد وضعت المدرسة أيضاً قواعد لاستخدام أجهزة «آيباد» التي يعتمد عليها الطلاب في بعض جوانب العملية التعليمية.

وبموجب هذه القواعد، يتعين على الطلاب استخدام «متصفح آمن مصمم بشكل خاص» على أجهزة «آيباد» الخاصة بهم، بحيث يتيح لهم الوصول فقط إلى قائمة محددة من المواقع الإلكترونية التي وافق عليها المعلمون.

وجاء هذا القرار بعد تلقي المدرسة شكاوى من أولياء الأمور عام 2024 بشأن استخدام التلاميذ أجهزة «آيباد» في ممارسة الألعاب، بدلاً من التركيز على الدروس أو إنجاز الواجبات المدرسية.

أما قرار حظر الهواتف الذكية، الذي دخل حيّز التنفيذ أيضاً عام 2024 في المدرسة المخصصة للبنين الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و18 عاماً، فقد جاء، وفقاً للمدرسة، عقب مراجعة دورية لسياساتها المتعلقة بالهواتف المحمولة والأجهزة الإلكترونية.

شروط صارمة

ولا تقتصر تجربة الدراسة في إيتون على التحصيل الأكاديمي والأنشطة الرياضية، إذ تشتهر المدرسة أيضاً بغرس قيم الاعتماد على الذات والقيادة لدى طلابها، مع مطالبتهم بإنجاز عدد من المهام غير الأكاديمية بأنفسهم.

وتتسم عملية القبول في المدرسة بصرامة بالغة، إذ يخضع الطلاب لاختبارات دقيقة قبل الالتحاق بها، فيما يدفع أولياء الأمور رسوماً سنوية تبلغ 63 ألفاً و298 جنيهاً إسترلينياً، أي نحو 84 ألفاً و119 دولاراً.

وللأسرة المالكة صلة قديمة بإيتون؛ فقد درس الأمير ويليام في المدرسة لمدة 5 سنوات، بدءاً من عام 1995، قبل أن يغادرها للالتحاق بجامعة سانت أندروز. أما الأمير هاري، فقد التحق بالمدرسة بعد شقيقه بثلاث سنوات.


من الخجل إلى العزلة... كيف يسيطر القلق الاجتماعي على حياتنا؟

بين العزلة والرفقة... يبحث الدماغ عن توازنه (شاترستوك)
بين العزلة والرفقة... يبحث الدماغ عن توازنه (شاترستوك)
TT

من الخجل إلى العزلة... كيف يسيطر القلق الاجتماعي على حياتنا؟

بين العزلة والرفقة... يبحث الدماغ عن توازنه (شاترستوك)
بين العزلة والرفقة... يبحث الدماغ عن توازنه (شاترستوك)

قد يبدأ القلق الاجتماعي بشعور عابر بالخجل أو التوتر عند التحدث إلى الآخرين، لكنه قد يتحول لدى بعض الأشخاص إلى حالة تؤثر في الدراسة والعمل والعلاقات، وتدفعهم إلى تجنب المواقف الاجتماعية التي يحتاجون أو يرغبون في المشاركة فيها.

ويُعتقد أن اضطراب القلق الاجتماعي يؤثر فيما يصل إلى 12 في المائة من الأشخاص في مرحلة ما من حياتهم، بينما يعاني عدد أكبر درجات متفاوتة من القلق في المواقف الاجتماعية. وأظهرت دراسة أجرتها جامعة تشيتشيستر أن أكثر من خُمس طلاب الجامعات يواجهون نوعاً من القلق الاجتماعي خلال سنوات الدراسة، وهو ما يرتبط بتراجع التحصيل الدراسي وجودة العلاقات والشعور بالعزلة.

وتصبح المشكلة أكثر وضوحاً لدى الطلاب الذين يغادرون منزل الأسرة للمرة الأولى، إذ يجدون أنفسهم أمام بيئة جديدة وتوقعات اجتماعية كبيرة، من بينها تكوين صداقات والاندماج في الحياة الجامعية.

متى يصبح القلق مشكلة؟

وفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، من الطبيعي الشعور بالتوتر عند التعرف إلى أشخاص جدد، أو دخول مكان غير مألوف، أو إجراء مقابلة عمل، أو التحدث أمام مجموعة. لكن القلق يصبح أكثر إشكالية عندما يبدأ في منع الشخص من القيام بالأشياء التي يريد أو يحتاج إلى القيام بها.

ويقول نيل غرينينغ، رئيس تحالف القلق الاجتماعي في المملكة المتحدة، إن بعض الأشخاص يتعاملون مع القلق بوصفه عيباً في شخصياتهم، بدلاً من إدراك أنه حالة معروفة يمكن الحصول على مساعدة بشأنها.

وقد تظهر الحالة في صورة علامات يصعب أحياناً ملاحظتها، مثل الصمت وتجنب المشاركة في الحديث، والاكتفاء بإجابات قصيرة، والانشغال بالجوال لتجنب التفاعل مع الآخرين، أو البقاء بالقرب من شخص معروف خلال التجمعات.

ويلجأ البعض أيضاً إلى ما يعرف بـ«سلوكيات الأمان»، مثل تجنب التواصل البصري، أو التفكير في كل جملة قبل قولها، أو الالتزام بمواضيع محادثة يعدونها آمنة، في محاولة لتقليل احتمال الإحراج.

القلق لا ينتهي بانتهاء الموقف

تتمثل إحدى المشكلات المرتبطة بالقلق الاجتماعي في أن تأثيره قد يستمر حتى بعد انتهاء الموقف.

وتوضح حالة ماري، وهو اسم مستعار لشابة عانت القلق الاجتماعي منذ المراهقة، كيف يمكن أن يتحول الأمر إلى دائرة مغلقة. فقد كانت تشعر بالتوتر الجسدي أثناء الحديث مع أشخاص جدد، ثم تعيد تفاصيل الموقف في ذهنها لاحقاً، وتبحث عن الأخطاء التي تعتقد أنها ارتكبتها.

وتقول إن القلق وصل إلى درجة جعلتها تتجنب التجمعات في الجامعة، فيما تصف الشعور المصاحب للمواقف الاجتماعية بأنه أشبه بالانفصال عن الذات.

كيف يمكن كسر دائرة القلق؟

يُعد العلاج السلوكي المعرفي من الأساليب المستخدمة في التعامل مع القلق الاجتماعي، إذ يساعد على فحص الأفكار السلبية وتغيير بعض أنماط التفكير والسلوك.

ويقول البروفسور ديفيد كلارك، عالم النفس في جامعة أكسفورد، إن إحدى الخطوات المهمة تتمثل في التوقف عن مراقبة الذات بشكل مفرط أثناء التفاعل مع الآخرين.

فبدلاً من الانشغال بأسئلة مثل «هل يبدو عليّ التوتر؟» أو «هل أبدو غبياً؟»، ينصح بتوجيه الانتباه إلى المحادثة والشخص الآخر والبيئة المحيطة.

كما يشجع على اختبار المخاوف من خلال خطوات صغيرة، مثل طرح سؤال في اجتماع أو التحدث أمام مجموعة، ثم ملاحظة ما يحدث فعلياً بدلاً من افتراض أسوأ النتائج.

ومن المهم أيضاً التخلي تدريجياً عن «سلوكيات الأمان»، مثل تجنب التواصل البصري أو البقاء دائماً بجوار شخص يشعر المرء معه بالأمان.