المملكة في قلب التصميم العالمي: فن معماري سعودي يطرح الأسئلة ويعيد تشكيل الحلم

د. سمية السليمان لـ«الشرق الأوسط»: لا ينقصنا الإبداع وفخورون جداً بالمواهب والعقول الشابة

جناح السعودية في «إكسبو أوساكا» باليابان يحاكي المدن والقرى في المملكة (واس)
جناح السعودية في «إكسبو أوساكا» باليابان يحاكي المدن والقرى في المملكة (واس)
TT

المملكة في قلب التصميم العالمي: فن معماري سعودي يطرح الأسئلة ويعيد تشكيل الحلم

جناح السعودية في «إكسبو أوساكا» باليابان يحاكي المدن والقرى في المملكة (واس)
جناح السعودية في «إكسبو أوساكا» باليابان يحاكي المدن والقرى في المملكة (واس)

بالنسبة إلى هيئة فنون العمارة والتصميم السعودية جاء عام 2025 حافلاً بالنشاط والفعاليات والمشاركات الدولية وأيضاً بالجوائز. كانت المشاركات متعددة والإبداع واضحاً من خلال جناح المملكة في بينالي فينيسيا والجناح الوطني في ترينالي ميلانو وجناح المملكة في «إكسبو أوساكا» الفائز بالجائزة الذهبية ضمن «جوائز نيويورك للتصميم المعماري»، ومؤخراً جناح المملكة في بينالي لندن للتصميم.

ما ميَّز كل المشاركات كان التنوع والعمق والمعالجة المبتكرة لقضايا مهمة تتعلق بعالم العمارة والتصميم؛ فعلى سبيل المثال تناول جناح بينالي فينيسيا التوسع العمراني مع تحدي الحفاظ على المباني التقليدية.

في ترينالي ميلانو، قررت هيئة فنون العمارة والتصميم أن تكون واحة الأحساء نقطة انطلاق لخطاب بيئي يتجاوز الحدود. عالج الجناح تحولات المكان من خلال تركيبة بصرية ونسيجية متقنة.

«مياه صالحة»... الجناح السعودي في بينالي لندن للتصميم (هيئة العمارة والتصميم)

أما بينالي لندن فكان الموضوع يتمحور حول قضية المياه وإعادة تخيل نظم الحصول عليها وتوزيعها في المملكة. في كل مشاركة كانت المهمة تقع على عاتق مصممين ومهندسين واعدين ترجموا موضوعاتهم وأفكارهم في تصميمات مبدعة واثقة أثارت النقاشات مع الزوار، وطرحت حلولاً وتصورات جديدة لشكل مجتمعات عربية تحلم بالمستقبل.

كونها الجهة المكلفة للأجنحة المختلفة كان من المهم استكشاف دور هيئة العمارة والتصميم في تسليط الضوء على المملكة ومبدعيها، وعلى إبراز القضايا الحيوية للبلاد لجمهور عالمي. ومن هنا كان من المهم الحديث مع الدكتورة سمية السليمان، الرئيسة التنفيذية لهيئة التصميم والعمارة، وجرى الحوار داخل الجناح السعودي في بينالي فينيسيا الذي حمل عنوان «مدرسة أم سليم: نحو مفهوم معماري مترابط».

من المحلية إلى العالمية

حديثي مع الدكتورة سمية السليمان كان عن تأثير المشاركات العالمية المختلفة في الداخل والخارج أيضاً، إذ ترى في كل مشاركة زيادة في النضج وتراكم للخبرة. تتحدث عن المشاركة في بينالي فينيسيا، وتؤكد أن الجناح الذي يستكشف أساليب العمارة المحلية والتحولات التي تشهدها العمارة النجدية سبقه خمس سنوات من البحث والإعداد من المعماريتين سارة العيسى ونجود السديري. تصف فكرة الجناح بالمميزة، وهو ما دفع الهيئة إلى مساندة وتشجيع العيسى والسديري ومنحهما فرصة تمثيل المملكة في أهم محفل عالمي للعمارة.

صورة من الجناح السعودي في بينالي فينيسيا للعمارة (الشرق الأوسط)

عرض الجناح مبادرة «مختبر أم سليم» البحثية التي أنشأها «مكتب سين»، بإدارة سارة العيسى ونجود السديري، متخذاً من حي أم سليم في وسط الرياض مقراً له، ويقوم بالعمل مع متعاونين لإجراء البحوث الميدانية التي تُعْنَى بدراسة أساليب العمارة المحلية والتحولات التي تشهدها العمارة النجدية. تشير إلى جانب من العرض، حيث نرى توثيقاً لمحاولة قامت بها المعماريتان لترميم منزل من الطين في الرياض، وترى في عرض مراحل البحث وأرشفة العقبات التي واجهتهم، أمراً «لافتاً»: «عندما وصلوا لخط النهاية، ولم يستطيعوا الاستمرار جعلوا من تلك القائمة عرضاً فنياً، وعلقوها على مبنى قديم، لرفع مستوى الوعي، وهذا في حد ذاته كان من الأمور الملهمة للفريق».

عرض الجناح أيضاً المشروع الثاني الذي قام به «مكتب سين»، وهو عن مركز «شمالات» في الدرعية الذي رشح في القائمة القصيرة لجائزة «الآغا خان للعمارة»: «هذا المبنى (الدرعية) مبنيّ بالطين، قاموا بترميم الجزء التقليدي كلّياً، واستكملوا ببناء جانب حديث، اليوم هناك مقهى ومكتبة وغاليري، وفيه توسعة معاصرة».

معمار الرياض

مركز «شمالات» كان النقطة التي تحوَّل فيها حديثي مع الدكتورة السليمان إلى معمار مدينة الرياض. تشير مرة أخرى إلى عرض «مدرسة أم سليم»، وتقول إنَّهم مكتب «سين» قاموا بعملية مسح لأحياء الرياض، ومن خلالها تبين أن هناك عدداً من المباني الطينية وسط التوسع العمراني الحديث، وهو ما حاول الجناح تناوله، وأثار قضية الاستفادة من المباني القديمة المشيدة بالطراز التقليدي وتوظيفها، وهل من المفروض أن تكون متحفية أو أن يتم الاستفادة منها لتصبح جزءاً من حياة الناس؟

تقول: «هناك كثير من هذه المباني التي لم يتم ترميمها أصلاً، وهي غير قابلة للسكن، لكن هناك كثير من الجهود من جهات مختلفة منها هيئة التراث تشمل الترميم وأيضاً البرمجة. النتيجة أن بعضها تحول إلى متاحف أو مراكز، وبذلك أصبحت أصولاً ثقافية يمكن أن يستفاد منها». تشير أيضاً إلى أهمية وجود عملية توعية عامة ليتمكن أصحاب المباني القديمة من الاستفادة منها جيداً.

جناح السعودية في «إكسبو أوساكا» باليابان يحاكي المدن والقرى في المملكة (واس)

على مستوى الدولة تشير إلى الخطط التي تنفّذها هيئة التراث التابعة لوزارة الثقافة والهيئة الملكية لتطوير مدينة الرياض المسؤولة عن استراتيجية العاصمة على نطاق واسع، وتستطرد أن «التعامل مع العمران التقليدي يختلف حسب الجهة المسؤولة، ولكن كلنا متفقون على أهمية المحافظة عليه قدر الإمكان، وليس فقط كأثر قديم متحفيّ. الاهتمام يمتد إلى التقنيات المرتبطة، وبأداء المباني من الناحية البيئية؛ مثل التبريد، لضمان عدم فقدان هذه المباني، ولا أيضاً أن يتم المحافظة عليها كإرث شكليّ فقط».

على أرض الواقع تشير إلى أن الدولة «تهتم كثيراً بالأماكن التي ما زال فيها الإحساس العمراني»، وتضرب المثل بمركز الملك عبد العزيز التاريخي: «المركز يضم مجموعة من قصور الملك عبد العزيز وزوجاته التي رُمِّمت، وبجوار منطقة القصر الأحمر حوّلت المباني لتحتضن المعهد الملكي للفنون التقليدية. هناك تفعيل لهذه الأماكن بحيث تصبح جزءاً من ذاكرة الإنسان، وأيضاً من الحياة اليومية. ولا ننسى المشاريع التي تقام في الدرعية، وهي مدرجة على لائحة اليونسكو للتراث العالمي».

ميثاق الملك سلمان المعماري

عند الحديث عن معادلة القديم والجديد تشير إلى ميثاق الملك سلمان المعماري الذي يعتمد على خلق منهجية وطنية لتحقيق التميز العمراني وتحسين جودة الحياة من خلال خلق بيئات عمرانية تستند إلى الموروث الثقافي والبيئي، وتحاكي التطورات المستقبلية، تصف الميثاق بأنه «المعادلة التي تضمن الوصول إلى تميز عمراني مع الحفاظ على الهوية: «يعتمد الميثاق على 6 قيم مرتبط بعضها ببعض؛ منها الأصالة والاستمرارية. من ناحية العمران لا بد أن نفهم أي نتاج عمراني هو جزء من سياق تاريخي مستمر. هناك أيضاً جوانب متعلقة بالإنسان والمجتمعات تعتمد على رفع جودة الحياة، أما القيمة الأخيرة فهي الاستدامة والابتكار. تتوقف فكرة كثير من الناس عن العمارة التقليدية عند الترميم والمحافظة عليها مثل التحنيط، لكن ما يهمنا هو إمكانية الابتكار، لأنه حتى أجدادنا في السابق كانت لديهم رغبة في التحسين كلما سنحت الفرصة. وترى أن الميثاق خلق لغة مشتركة بين المعماريين ومتخذي القرار.

د. سمية السليمان خلال الكشف عن تفاصيل مبادرة «ميثاق الملك سلمان العمراني» (واس)

تُحول السليمان الدفة لأفق أوسع، وتتحدث عن الجهد على مستوى المملكة ومبادرة «العمارة السعودية» التي تهدف إلى توثيقٍ مكانيٍّ للعِمَارَة الأصيلة والمتنوعة في مختلف مناطق المملكة، وإبراز التنوع الذي يميز كل منطقة بناءً على خصائصها الجغرافية. وعن الدراسات التي صدرت حتى الآن؛ نتاجاً للمبادرة وإمكانية تطبيقها تقول: «هناك جهود قائمة للوصول إلى طرق لتطبيق هذه الدراسات سواء كانت على المشاريع الحكومية التجارية أو حتى السكنية مستقبلاً».

العمارة التقليدية والتقنيات الحديثة

الحديث عن العمارة التقليدية وأساليبها يأخذنا إلى السؤال عن إمكانية استخدام المواد والطرق التي اعتمدت عليها عملية البناء في السابق، ما مدى إمكانية تطويرها بطريقة تناسب الوقت الحالي؟

«هناك أبحاث كثيرة في هذا الصدد، ولكن لنأخذ مثالاً من منطقة الدرعية التي تخوض عملية تطوير ضخمة. جانب كبير من العمل هناك يتضمن إنتاج الطين بطريقة تقليدية مدعمة بالتقنية، وأيضاً بتوجيه الاهتمام إلى الاستدامة والتعامل مع الوضع البيئي الراهن». تشرح أكثر: «اليوم البيئة المبنية مسؤولة عن 40 في المائة من انبعاثات الكربون، فنحن هنا نتكلم عن مسؤولية ضخمة تقع على عاتق الهيئة، وكذلك على عاتق كل الممارسين في القطاع لأن كل قرار يُتخذ في مرحلة التصميم مهم، وله تبعات طويلة المدى. فاليوم نتكلم عن هذه الأبحاث التي تتناول استخدام الطين المدكوك، مثلاً كيف يمكن استخدام هذه المواد الطبيعية بالشكل المناسب؟ لأن التبعات هي التي تهمنا».

نظرة إلى المستقبل

حديثها عن المعماريين السعوديين يدفعني إلى السؤال عن رؤيتها لوعيهم بالتحديات الحديثة أمامهم، تقول: «أكبر حافز لنا اليوم هو العمل لتحقيق (رؤية المملكة 2030)، والعمل بطريقة ممنهجة وباتجاه واحد. نرى اليوم كمَّ المشاريع الضخمة في المملكة، وأيضاً الاهتمام بالاستدامة والبيئة، كل ذلك أسهم في تكوين جيل كامل يدرك أهمية هذه الأمور. بالنسبة إلينا في الهيئة دورنا أن نوفر الأدوات المختلفة قدر الإمكان سواء من خلال الجوانب التعليمية مثلاً في الجامعات المختلفة أو حتى من ناحية إثراء المعرفة من خلال البرامج المختلفة».

وتختتم حوارها معي بنبرة متفائلة بالمستقبل: «أعتقد أنه اليوم في السعودية لا ينقصنا الإبداع، ولكن ما زالت أمامنا فرصة لتحسين بعض الجوانب من ناحية الربط بين الدراسة الأكاديمية والممارسة، وحتى على مستوى الممارسة دورنا يتضمن كيفية دعم المكاتب الصغيرة والمتوسطة لتصل إلى مراحل نضج تمكِّنها من المنافسة على أعلى المستويات».

«مغرس» جناح السعودية في ترينالي ميلانو للتصميم (واس)

وتضرب المثل بما رأيناه في بينالي فينيسيا: «نحن فخورون جداً بالمواهب والعقول الشابة، ومثال ذلك ما نراه في البينالي من إنجاز لمكتب معماري أنشأته شابتان وصلتا إلى العالمية بهذا المستوى، وحصدتا جوائز. هذا مثال واحد فقط على كثير من المواهب الموجودة داخل المملكة».


مقالات ذات صلة

«القص السريع» من «أدوبي»: اختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو

تكنولوجيا «أدوبي» تطلق «القص السريع» لاختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو (رويترز)

«القص السريع» من «أدوبي»: اختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو

في سياق تسارع الابتكار داخل أدوات إنتاج المحتوى، تواصل «أدوبي» توسيع قدرات منصتها للذكاء الاصطناعي «فايرفلاي»، عبر تقديم ميزة جديدة تحمل اسم القص السريع (Quick…

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
يوميات الشرق تصور رقمي لأحد وديان الحديقة (مكتب جربر للعمارة)

جائزة عالمية للمكتب المعماري خلف تصميم حديقة الملك سلمان بالرياض

حصد مكتب جربر للعمارة جائزة المعهد الملكي للمهندسين المعماريين البريطانيين/ الشرق الأوسط لعام 2025، وذلك في فئة المشاريع المستقبلية عن تصميم حديقة الملك سلمان…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق تصميم الهرم الزجاجي لمتحف اللوفر (متاحف قطر)

دعوة للدخول في عالم المعماري العالمي آي إم باي مصمم هرم اللوفر ومتحف الفن الإسلامي

«العمارة تشكل الحياة، وهي لها كالمرآة» جملة متداولة للمصمم المعماري الشهير آي إم باي.

عبير مشخص (الدوحة)
يوميات الشرق المسجد الكبير في بخارى وحوار مع تصميم المصلى القادم من السعودية  (سارة سعد-مؤسسة بينالي الدرعية)

«المصلى» وجامع بخارى الكبير... لقاء التصميم المعماري والروحانية

في الدورة الافتتاحية لبينالي بخارى للفن، تحضر المملكة العربية السعودية عبر فنانيها وثقافتها، وأيضاً عبر التصميم الفائز بجائزة «المصلى»

عبير مشخص (بخارى-أوزبكستان)
تكنولوجيا تطبيق «أدوبي فايرفلاي» يتيح تحويل الأوامر النصية صوراً وتصاميم مذهلة باستخدام الذكاء الاصطناعي الآن على iOS و«أندرويد» مجاناً

«أدوبي» تطلق تطبيق «فايرفلاي» على جميع الهواتف الذكية

يتيح النظام إنشاء صور وتأثيرات وتصميمات متكاملة بالاعتماد فقط على الأوامر النصية.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.