المملكة في قلب التصميم العالمي: فن معماري سعودي يطرح الأسئلة ويعيد تشكيل الحلم

د. سمية السليمان لـ«الشرق الأوسط»: لا ينقصنا الإبداع وفخورون جداً بالمواهب والعقول الشابة

جناح السعودية في «إكسبو أوساكا» باليابان يحاكي المدن والقرى في المملكة (واس)
جناح السعودية في «إكسبو أوساكا» باليابان يحاكي المدن والقرى في المملكة (واس)
TT

المملكة في قلب التصميم العالمي: فن معماري سعودي يطرح الأسئلة ويعيد تشكيل الحلم

جناح السعودية في «إكسبو أوساكا» باليابان يحاكي المدن والقرى في المملكة (واس)
جناح السعودية في «إكسبو أوساكا» باليابان يحاكي المدن والقرى في المملكة (واس)

بالنسبة إلى هيئة فنون العمارة والتصميم السعودية جاء عام 2025 حافلاً بالنشاط والفعاليات والمشاركات الدولية وأيضاً بالجوائز. كانت المشاركات متعددة والإبداع واضحاً من خلال جناح المملكة في بينالي فينيسيا والجناح الوطني في ترينالي ميلانو وجناح المملكة في «إكسبو أوساكا» الفائز بالجائزة الذهبية ضمن «جوائز نيويورك للتصميم المعماري»، ومؤخراً جناح المملكة في بينالي لندن للتصميم.

ما ميَّز كل المشاركات كان التنوع والعمق والمعالجة المبتكرة لقضايا مهمة تتعلق بعالم العمارة والتصميم؛ فعلى سبيل المثال تناول جناح بينالي فينيسيا التوسع العمراني مع تحدي الحفاظ على المباني التقليدية.

في ترينالي ميلانو، قررت هيئة فنون العمارة والتصميم أن تكون واحة الأحساء نقطة انطلاق لخطاب بيئي يتجاوز الحدود. عالج الجناح تحولات المكان من خلال تركيبة بصرية ونسيجية متقنة.

«مياه صالحة»... الجناح السعودي في بينالي لندن للتصميم (هيئة العمارة والتصميم)

أما بينالي لندن فكان الموضوع يتمحور حول قضية المياه وإعادة تخيل نظم الحصول عليها وتوزيعها في المملكة. في كل مشاركة كانت المهمة تقع على عاتق مصممين ومهندسين واعدين ترجموا موضوعاتهم وأفكارهم في تصميمات مبدعة واثقة أثارت النقاشات مع الزوار، وطرحت حلولاً وتصورات جديدة لشكل مجتمعات عربية تحلم بالمستقبل.

كونها الجهة المكلفة للأجنحة المختلفة كان من المهم استكشاف دور هيئة العمارة والتصميم في تسليط الضوء على المملكة ومبدعيها، وعلى إبراز القضايا الحيوية للبلاد لجمهور عالمي. ومن هنا كان من المهم الحديث مع الدكتورة سمية السليمان، الرئيسة التنفيذية لهيئة التصميم والعمارة، وجرى الحوار داخل الجناح السعودي في بينالي فينيسيا الذي حمل عنوان «مدرسة أم سليم: نحو مفهوم معماري مترابط».

من المحلية إلى العالمية

حديثي مع الدكتورة سمية السليمان كان عن تأثير المشاركات العالمية المختلفة في الداخل والخارج أيضاً، إذ ترى في كل مشاركة زيادة في النضج وتراكم للخبرة. تتحدث عن المشاركة في بينالي فينيسيا، وتؤكد أن الجناح الذي يستكشف أساليب العمارة المحلية والتحولات التي تشهدها العمارة النجدية سبقه خمس سنوات من البحث والإعداد من المعماريتين سارة العيسى ونجود السديري. تصف فكرة الجناح بالمميزة، وهو ما دفع الهيئة إلى مساندة وتشجيع العيسى والسديري ومنحهما فرصة تمثيل المملكة في أهم محفل عالمي للعمارة.

صورة من الجناح السعودي في بينالي فينيسيا للعمارة (الشرق الأوسط)

عرض الجناح مبادرة «مختبر أم سليم» البحثية التي أنشأها «مكتب سين»، بإدارة سارة العيسى ونجود السديري، متخذاً من حي أم سليم في وسط الرياض مقراً له، ويقوم بالعمل مع متعاونين لإجراء البحوث الميدانية التي تُعْنَى بدراسة أساليب العمارة المحلية والتحولات التي تشهدها العمارة النجدية. تشير إلى جانب من العرض، حيث نرى توثيقاً لمحاولة قامت بها المعماريتان لترميم منزل من الطين في الرياض، وترى في عرض مراحل البحث وأرشفة العقبات التي واجهتهم، أمراً «لافتاً»: «عندما وصلوا لخط النهاية، ولم يستطيعوا الاستمرار جعلوا من تلك القائمة عرضاً فنياً، وعلقوها على مبنى قديم، لرفع مستوى الوعي، وهذا في حد ذاته كان من الأمور الملهمة للفريق».

عرض الجناح أيضاً المشروع الثاني الذي قام به «مكتب سين»، وهو عن مركز «شمالات» في الدرعية الذي رشح في القائمة القصيرة لجائزة «الآغا خان للعمارة»: «هذا المبنى (الدرعية) مبنيّ بالطين، قاموا بترميم الجزء التقليدي كلّياً، واستكملوا ببناء جانب حديث، اليوم هناك مقهى ومكتبة وغاليري، وفيه توسعة معاصرة».

معمار الرياض

مركز «شمالات» كان النقطة التي تحوَّل فيها حديثي مع الدكتورة السليمان إلى معمار مدينة الرياض. تشير مرة أخرى إلى عرض «مدرسة أم سليم»، وتقول إنَّهم مكتب «سين» قاموا بعملية مسح لأحياء الرياض، ومن خلالها تبين أن هناك عدداً من المباني الطينية وسط التوسع العمراني الحديث، وهو ما حاول الجناح تناوله، وأثار قضية الاستفادة من المباني القديمة المشيدة بالطراز التقليدي وتوظيفها، وهل من المفروض أن تكون متحفية أو أن يتم الاستفادة منها لتصبح جزءاً من حياة الناس؟

تقول: «هناك كثير من هذه المباني التي لم يتم ترميمها أصلاً، وهي غير قابلة للسكن، لكن هناك كثير من الجهود من جهات مختلفة منها هيئة التراث تشمل الترميم وأيضاً البرمجة. النتيجة أن بعضها تحول إلى متاحف أو مراكز، وبذلك أصبحت أصولاً ثقافية يمكن أن يستفاد منها». تشير أيضاً إلى أهمية وجود عملية توعية عامة ليتمكن أصحاب المباني القديمة من الاستفادة منها جيداً.

جناح السعودية في «إكسبو أوساكا» باليابان يحاكي المدن والقرى في المملكة (واس)

على مستوى الدولة تشير إلى الخطط التي تنفّذها هيئة التراث التابعة لوزارة الثقافة والهيئة الملكية لتطوير مدينة الرياض المسؤولة عن استراتيجية العاصمة على نطاق واسع، وتستطرد أن «التعامل مع العمران التقليدي يختلف حسب الجهة المسؤولة، ولكن كلنا متفقون على أهمية المحافظة عليه قدر الإمكان، وليس فقط كأثر قديم متحفيّ. الاهتمام يمتد إلى التقنيات المرتبطة، وبأداء المباني من الناحية البيئية؛ مثل التبريد، لضمان عدم فقدان هذه المباني، ولا أيضاً أن يتم المحافظة عليها كإرث شكليّ فقط».

على أرض الواقع تشير إلى أن الدولة «تهتم كثيراً بالأماكن التي ما زال فيها الإحساس العمراني»، وتضرب المثل بمركز الملك عبد العزيز التاريخي: «المركز يضم مجموعة من قصور الملك عبد العزيز وزوجاته التي رُمِّمت، وبجوار منطقة القصر الأحمر حوّلت المباني لتحتضن المعهد الملكي للفنون التقليدية. هناك تفعيل لهذه الأماكن بحيث تصبح جزءاً من ذاكرة الإنسان، وأيضاً من الحياة اليومية. ولا ننسى المشاريع التي تقام في الدرعية، وهي مدرجة على لائحة اليونسكو للتراث العالمي».

ميثاق الملك سلمان المعماري

عند الحديث عن معادلة القديم والجديد تشير إلى ميثاق الملك سلمان المعماري الذي يعتمد على خلق منهجية وطنية لتحقيق التميز العمراني وتحسين جودة الحياة من خلال خلق بيئات عمرانية تستند إلى الموروث الثقافي والبيئي، وتحاكي التطورات المستقبلية، تصف الميثاق بأنه «المعادلة التي تضمن الوصول إلى تميز عمراني مع الحفاظ على الهوية: «يعتمد الميثاق على 6 قيم مرتبط بعضها ببعض؛ منها الأصالة والاستمرارية. من ناحية العمران لا بد أن نفهم أي نتاج عمراني هو جزء من سياق تاريخي مستمر. هناك أيضاً جوانب متعلقة بالإنسان والمجتمعات تعتمد على رفع جودة الحياة، أما القيمة الأخيرة فهي الاستدامة والابتكار. تتوقف فكرة كثير من الناس عن العمارة التقليدية عند الترميم والمحافظة عليها مثل التحنيط، لكن ما يهمنا هو إمكانية الابتكار، لأنه حتى أجدادنا في السابق كانت لديهم رغبة في التحسين كلما سنحت الفرصة. وترى أن الميثاق خلق لغة مشتركة بين المعماريين ومتخذي القرار.

د. سمية السليمان خلال الكشف عن تفاصيل مبادرة «ميثاق الملك سلمان العمراني» (واس)

تُحول السليمان الدفة لأفق أوسع، وتتحدث عن الجهد على مستوى المملكة ومبادرة «العمارة السعودية» التي تهدف إلى توثيقٍ مكانيٍّ للعِمَارَة الأصيلة والمتنوعة في مختلف مناطق المملكة، وإبراز التنوع الذي يميز كل منطقة بناءً على خصائصها الجغرافية. وعن الدراسات التي صدرت حتى الآن؛ نتاجاً للمبادرة وإمكانية تطبيقها تقول: «هناك جهود قائمة للوصول إلى طرق لتطبيق هذه الدراسات سواء كانت على المشاريع الحكومية التجارية أو حتى السكنية مستقبلاً».

العمارة التقليدية والتقنيات الحديثة

الحديث عن العمارة التقليدية وأساليبها يأخذنا إلى السؤال عن إمكانية استخدام المواد والطرق التي اعتمدت عليها عملية البناء في السابق، ما مدى إمكانية تطويرها بطريقة تناسب الوقت الحالي؟

«هناك أبحاث كثيرة في هذا الصدد، ولكن لنأخذ مثالاً من منطقة الدرعية التي تخوض عملية تطوير ضخمة. جانب كبير من العمل هناك يتضمن إنتاج الطين بطريقة تقليدية مدعمة بالتقنية، وأيضاً بتوجيه الاهتمام إلى الاستدامة والتعامل مع الوضع البيئي الراهن». تشرح أكثر: «اليوم البيئة المبنية مسؤولة عن 40 في المائة من انبعاثات الكربون، فنحن هنا نتكلم عن مسؤولية ضخمة تقع على عاتق الهيئة، وكذلك على عاتق كل الممارسين في القطاع لأن كل قرار يُتخذ في مرحلة التصميم مهم، وله تبعات طويلة المدى. فاليوم نتكلم عن هذه الأبحاث التي تتناول استخدام الطين المدكوك، مثلاً كيف يمكن استخدام هذه المواد الطبيعية بالشكل المناسب؟ لأن التبعات هي التي تهمنا».

نظرة إلى المستقبل

حديثها عن المعماريين السعوديين يدفعني إلى السؤال عن رؤيتها لوعيهم بالتحديات الحديثة أمامهم، تقول: «أكبر حافز لنا اليوم هو العمل لتحقيق (رؤية المملكة 2030)، والعمل بطريقة ممنهجة وباتجاه واحد. نرى اليوم كمَّ المشاريع الضخمة في المملكة، وأيضاً الاهتمام بالاستدامة والبيئة، كل ذلك أسهم في تكوين جيل كامل يدرك أهمية هذه الأمور. بالنسبة إلينا في الهيئة دورنا أن نوفر الأدوات المختلفة قدر الإمكان سواء من خلال الجوانب التعليمية مثلاً في الجامعات المختلفة أو حتى من ناحية إثراء المعرفة من خلال البرامج المختلفة».

وتختتم حوارها معي بنبرة متفائلة بالمستقبل: «أعتقد أنه اليوم في السعودية لا ينقصنا الإبداع، ولكن ما زالت أمامنا فرصة لتحسين بعض الجوانب من ناحية الربط بين الدراسة الأكاديمية والممارسة، وحتى على مستوى الممارسة دورنا يتضمن كيفية دعم المكاتب الصغيرة والمتوسطة لتصل إلى مراحل نضج تمكِّنها من المنافسة على أعلى المستويات».

«مغرس» جناح السعودية في ترينالي ميلانو للتصميم (واس)

وتضرب المثل بما رأيناه في بينالي فينيسيا: «نحن فخورون جداً بالمواهب والعقول الشابة، ومثال ذلك ما نراه في البينالي من إنجاز لمكتب معماري أنشأته شابتان وصلتا إلى العالمية بهذا المستوى، وحصدتا جوائز. هذا مثال واحد فقط على كثير من المواهب الموجودة داخل المملكة».


مقالات ذات صلة

جائزة عالمية للمكتب المعماري خلف تصميم حديقة الملك سلمان بالرياض

يوميات الشرق تصور رقمي لأحد وديان الحديقة (مكتب جربر للعمارة)

جائزة عالمية للمكتب المعماري خلف تصميم حديقة الملك سلمان بالرياض

حصد مكتب جربر للعمارة جائزة المعهد الملكي للمهندسين المعماريين البريطانيين/ الشرق الأوسط لعام 2025، وذلك في فئة المشاريع المستقبلية عن تصميم حديقة الملك سلمان…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق تصميم الهرم الزجاجي لمتحف اللوفر (متاحف قطر)

دعوة للدخول في عالم المعماري العالمي آي إم باي مصمم هرم اللوفر ومتحف الفن الإسلامي

«العمارة تشكل الحياة، وهي لها كالمرآة» جملة متداولة للمصمم المعماري الشهير آي إم باي.

عبير مشخص (الدوحة)
يوميات الشرق المسجد الكبير في بخارى وحوار مع تصميم المصلى القادم من السعودية  (سارة سعد-مؤسسة بينالي الدرعية)

«المصلى» وجامع بخارى الكبير... لقاء التصميم المعماري والروحانية

في الدورة الافتتاحية لبينالي بخارى للفن، تحضر المملكة العربية السعودية عبر فنانيها وثقافتها، وأيضاً عبر التصميم الفائز بجائزة «المصلى»

عبير مشخص (بخارى-أوزبكستان)
تكنولوجيا تطبيق «أدوبي فايرفلاي» يتيح تحويل الأوامر النصية صوراً وتصاميم مذهلة باستخدام الذكاء الاصطناعي الآن على iOS و«أندرويد» مجاناً

«أدوبي» تطلق تطبيق «فايرفلاي» على جميع الهواتف الذكية

يتيح النظام إنشاء صور وتأثيرات وتصميمات متكاملة بالاعتماد فقط على الأوامر النصية.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
يوميات الشرق «مغرس» جناح السعودية في ترينالي ميلانو (فالنتينا سوماريفا)

«مغرس»... من الأحساء إلى إيطاليا

تشارك السعودية للمرة الأولى في ترينالي ميلانو الدولي للعمارة والتصميم بجناح عنوانه «مغرس» يناقش التغيرات البيئية وتأثيرها على منطقة الأحساء المصنفة على قائمة

عبير مشخص ( ميلانو)

لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
TT

لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)

لا يحبّذ أحد أن يفعل الأشياء أو المَهمّات التي لا تروق له. فكثيرون منا يحاولون تأجيل أداء المَهمّات الثقيلة على النفس، مثل تنفيذ تكليف صعب في إطار الوظيفة، أو بذل مجهود بدني شاق، أو خوض مناقشة مضنية. ولعلّ السبب الذي يدفعنا إلى التسويف عندما نجابه هذه النوعية من المَهمّات لا يتعلّق –فحسب- بافتقار العزيمة أو الإرادة الحقيقية للتحرُّك، وإنما ثمة أسباب علمية يمكن تفسيرها في إطار علوم الطبيعة المعنيّة بدراسة الجهاز العصبي للجسم.

ويرى العلماء أنّ الحافز هو القوّة التي تحرّك الكائنات الحيّة للإتيان بسلوكيات معيّنة لتحقيق أهداف تصبّ في مصلحتها. وفي الحياة اليومية، تتأثّر هذه السلوكيات بمؤثّرات أخرى قويّة، مثل الشعور بالنفور من عمل ما.

ورغم أنّ النظريات الكلاسيكية في مجال علم النفس تؤكّد أهمية «الهدف» في تعزيز الحافز لدى الإنسان، فإنّ بحوثاً حديثة تعتمد على نماذج حسابية ترى أنّ التحرك للإتيان بسلوك بعينه يتأثّر بآليات أخرى بعيدة عن قيمة الهدف في ذاته، ولا سيما في المواقف السلبية التي قد يترتّب عليها أن يتكبّد الشخص تكلفة إضافية نظير هذا السلوك، مثل المجهود الزائد، سواءً أكان عضلياً أم ذهنياً أم نفسياً، وهو ما قد يدفعه إلى التأجيل أو التسويف أو التأخّر في تنفيذ المهمة المطلوبة منه.

وفي إطار دراسة نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» عن الدورية العلمية «البيولوجيا المعاصرة»، المعنيّة بالبحوث العلمية في مجال الأحياء، توصّل فريق بحثي ياباني إلى وجود دائرة عصبية في أمخاخ قرود المكاك تؤدّي دور «مكابح التحفيز»، وأنّ هذا الاكتشاف قد يضيء على الأسباب التي تدفع البعض إلى التردّد قبل اتخاذ قرارات معيّنة.

ويقول الباحث كين إيشي أميموري -وهو أستاذ مساعد في معهد البحوث المتقدّمة في مجال بيولوجيا الإنسان، التابع لجامعة كيوتو اليابانية، وأحد المشاركين في الدراسة- في تصريحات نقلها موقع علمي: «استطعنا الربط بين مسار عصبي معيّن داخل المخ وبين تقييد التحفيز لدى البشر، عندما يواجهون مَهمّات لا يفضّلون القيام بها في الحياة اليومية».

وخلال الدراسة، كان الباحثون يكلّفون القرود بأداء مَهمّات معيّنة، مع إعطائها مكافآت في حال إنجاز العمل، إلى جانب توجيه نفثة مزعجة من الهواء إلى وجوهها. ولاحظ الفريق البحثي أنّ القرود تستغرق وقتاً أطول في أداء المَهمّات التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة الهواء. وأُجريت سلسلة التجارب في أماكن معزولة صوتياً ومظلمة، لتقليل تأثير الضوضاء الخارجية والمؤثّرات البصرية في النتائج. ودرَّب الباحثون القرود على إمعان النظر في مكعّبات تظهر في منتصف شاشة، وكلّما زادت مدّة نظر القرود إلى الأشكال التي تظهر على الشاشة، والتي تختلف من تجربة إلى أخرى، ازداد حجم المكافأة التي تحصل عليها. وبعد حصول القرد على المكافأة التي تتباين ما بين الماء ومشروبات رياضية محلَّاة، كانت تُوجَّه نفثة من الهواء إلى وجه القرد وفق قراراته خلال التجربة. وفي المرّات التي كان يمتنع فيها عن خوض التجربة، كان الباحثون يحرصون على إعطائه مكافأة أقلّ قيمة، حتى لا يفقد اهتمامه بالمشاركة من الأساس.

وعن طريق علوم الكيمياء الوراثية، استخدم الباحثون مواد دوائية معيّنة للتحكّم في خلايا محدّدة في أمخاخ القرود، من أجل كبح المسارات العصبية التي تربط بين جزأين من المخ، وهما «المخطّط البطني» و«الجسم البطني الشاحب»، وكلاهما يقع في منطقة العقد القاعدية بالدماغ، ويلعب دوراً رئيسياً في آليات التحفيز والمكافآت لدى الحيوانات التي تنتمي إلى عائلة الرئيسيات.

وتوصَّل الباحثون -بعد دراسات تشريحية على المخ- إلى أنّ المخطّط البطني يبعث بإشارات عصبية ترتبط بآليات الحافز والمكافأة إلى الجسم البطني الشاحب، وأنّ التدخّل في المسارات العصبية بين الجزأين يترتّب عليه تغيّرات سلوكية تتعلّق بفتور أو تعزيز الإرادة نحو القيام بمَهمّات معيّنة.

واختبر الباحثون في إطار التجربة ما إذا كان من الممكن وقف الشعور بالنفور أو الرغبة في التسويف تجاه عمل ما، عن طريق تعطيل هذا المسار العصبي. ونجحوا -باستخدام أدوية بعينها- في تعطيل تلك الإشارات العصبية خلال تكليف القرود بأداء مَهمّات معيّنة لا ترغب في تنفيذها. ووجدوا أنه في حال تعطيل عمل الدائرة العصبية، تُبدي القرود تردّداً أقلّ في أداء المَهمّات المطلوبة منها، بما في ذلك التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة هواء مزعجة. وبمعنى آخر، نجح الفريق البحثي في تعطيل تلك المكابح التي تؤثّر في التحفيز لدى الحيوانات.

ويقول الباحث أميموري: «نأمل أن تسهم هذه الدراسة في تعزيز فهمنا لمفهوم الحافز، في المجتمعات العصرية التي تنطوي على صعوبات». ويأمل الفريق البحثي أن تساعد هذه النتائج يوماً ما في ابتكار أدوية لبعض المشكلات النفسية والعقلية المرتبطة بالتحفيز، مثل الاكتئاب والفصام. ويرى أميموري ضرورة التعامل بحذر مع آليات التدخّل التي تستهدف إضعاف «مكابح التحفيز»؛ لأن هذا التدخّل قد يأتي بنتائج عكسية، مثل دفع الشخص إلى الاتجاه المعاكس، وتحفيزه على القيام بأفعال غير آمنة تنطوي على خطورة.


«فاجعة بنها» تجدد مطالبات مصرية بالتصدي لحوادث تسرب الغاز

جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
TT

«فاجعة بنها» تجدد مطالبات مصرية بالتصدي لحوادث تسرب الغاز

جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)

جددت فاجعة وفاة 5 أشقاء نتيجة انفجار سخان الغاز وحدوث تسريب بمنزل في إحدى قرى مدينة بنها (شمال القاهرة)، الحديث عن ضرورة التصدي لحوادث تسرب الغاز، في وقت شُيّع فيه الأشقاء الخمسة في جنازة حاشدة، الأحد، بعد تصريح النيابة بدفن الجثامين عقب الانتهاء من التحقيقات في الواقعة.

وحظيت عائلة الأشقاء الخمسة بتعاطف كبير بعد وقت قصير من الإعلان عن الحادث الذي عرف إعلامياً بـ«فاجعة بنها»، بعدما انفجر سخان الغاز خلال استحمام إحدى الفتيات بالمنزل وانفجار السخان بها، بينما توفي باقي الأشقاء نتيجة الاختناق بالغاز.

الأشقاء الذين يقيمون في الشقة بمفردهم لسفر والدَيهم للعمل بالخارج، تتراوح أعمارهم بين 8 و15 عاماً فيما كانت ترعاهم خالتهم المقيمة بالعقار نفسه، والتي أبلغت عن الحادث وتعرضت للاختناق ونقلت للمستشفى لتلقي العلاج.

وهذه ليست الواقعة الأولى التي يؤدي فيها انفجار الغاز بالمنازل لوفيات وإصابات، فسبق أن انهار عقار في منطقة إمبابة بالجيزة الشهر الماضي، بعد انفجار غاز، مما أدى لوفاة شخص وسقوط 3 مصابين آخرين، بينما توفي شقيقان الأسبوع الماضي، بعد تسرب الغاز داخل المنزل خلال نومهما بمنطقة أبو النمرس، فيما توفي شخصان آخران بعدها بساعات قليلة نتيجة تسرب غاز في المنزل بمنطقة العمرانية بالجيزة أيضاً.

سخانات مياه تعمل بالغاز تسببت في حدوث فواجع بمصر (الشرق الأوسط)

وأطلقت «الشركة القابضة للغازات الطبيعية» المسؤولة بشكل أساسي عن توصيل الغاز الطبيعي في الجزء الأكبر من المنازل الشهر الماضي، حملة إرشادية متضمنة إرشادات لتجنب عمليات التسريب، مع التأكيد على أن مواسير شبكات الغاز الطبيعي المنفذة من جانب الشركات المختلفة، تطابق اشتراطات الأمان والمواصفات القياسية، بما يجعلها تتحمل ضغوط تشغيلية كبيرة.

وحذرت الحملة التي تضمنت فيديوهات ومنشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من العبث أو التعديل في المواسير بالاستعانة بأشخاص غير مؤهلين، بالإضافة إلى ترك الموقد وشعلة الغاز سهواً مفتوحين دون اشتعال، مؤكدة أن التسريب ينتج عنه تجمع خليط من الهواء مع الغاز في المكان، وإذ وجدت شرارة أو مصدر اشتعال تحدث موجة انفجارية لحظية تختلف شدتها حسب كمية الغاز المسرب.

آثار انفجار الغاز على المنازل المحيطة بالمنزل المنهار في إمبابة - محافظة الجيزة

وطالب عضو مجلس النواب (البرلمان) عمرو درويش عبر حسابه على «إكس»، شركات الغاز، بتركيب «جهاز ذاتي الغلق نتيجة استشعار خطورة تسرب الغاز»، مؤكداً اعتزامه التقدم بطلب إحاطة لإلزام الوزارات المعنية بتركيب هذه المنظمات عند تركيب العدادات المنزلية والخدمية، للحد من تسرب الغاز سواء في المنازل أو الأماكن العامة، مع تحويل الأمر ليكون بشكل إلزامي.

وأكد خبير الحماية المدنية أيمن سيد الأهل، لـ«الشرق الأوسط»، ضرورة العمل من أجل نشر ثقافة الوعي بالمخاطر، للتعامل مع أخطار حوادث الغاز التي تحدث عادة بسبب غياب منافذ التهوية السليمة، واستخدام وصلات أو قطع غيار غير مطابقة للمواصفات، مشيراً إلى أن هذا الأمر يتطلب إنشاء هيئة وطنية للسلامة تتواصل مع مختلف الجهات وتضع المعايير اللازمة، لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث.

وأضاف أن احتمالات الوفاة تزيد عند حدوث التسريب أثناء النوم لعدم شعور النائمين بتسريب الغاز، مما يؤدي إلى حدوث عملية استنشاق تزيد من ترجيح حالات الوفاة على خلفية تشديد إغلاق النوافذ، خصوصاً في فصل الشتاء وعدم وجود مجال لخروج الغاز المسرب خارج المنزل.

وأوضح أن لجوء بعض الفنيين لاستخدام وصلات وقطع غير مطابقة للمواصفات لانخفاض سعرها، أحد أسباب المشكلة بشكل أساسي، معتبراً أن التساهل لتوفير مبالغ مالية محدودة قد يؤدي إلى كارثة تودي بحياة عائلات بأكملها.


جود شاهين وأشرقت ومهند الباشا إلى نهائي «ذا فويس»

المشتركون الثلاثة بعد وصولهم لمرحلة النهائيات مع مدربيهم (إم بي سي)
المشتركون الثلاثة بعد وصولهم لمرحلة النهائيات مع مدربيهم (إم بي سي)
TT

جود شاهين وأشرقت ومهند الباشا إلى نهائي «ذا فويس»

المشتركون الثلاثة بعد وصولهم لمرحلة النهائيات مع مدربيهم (إم بي سي)
المشتركون الثلاثة بعد وصولهم لمرحلة النهائيات مع مدربيهم (إم بي سي)

بعد رحلة تنافسية طويلة في برنامج اكتشاف المواهب «ذا فويس»، تأهل ثلاثة مشتركين فقط إلى المرحلة النهائية من الموسم السادس: السعودي مهند الباشا من فريق أحمد سعد، والسورية جود شاهين من فريق رحمة رياض، والمصرية أشرقت من فريق ناصيف زيتون، ليتنافسوا في الحلقة الختامية على لقب «ذا فويس».

شهدت الحلقة نصف النهائية أجواءً حماسية، حيث قدم كل فريق ثلاثة مشتركين أثبتوا جدارتهم. إلا أن قوانين البرنامج تنص على تأهل مشترك واحد فقط من كل فريق، ويُختار عبر تصويت المدربين الآخرين، دون أن يكون لمدرب الفريق حق التصويت.

يحصل كل مشترك يبلغ الحلقة النهائية تلقائياً على 20 ألف دولار أميركي، في حين ينال الفائز باللقب سيارة حديثة.

فريق أحمد سعد: مهند الباشا يتأهل

السعودي مهنّد مع مدرّبه أحمد سعد (إم بي سي)

كان القرار بيد ناصيف زيتون ورحمة رياض، حيث حصل أحمد عطية على 9.6 نقطة وجلس على كرسي الفريق، ولم يتمكن محمد العمرو من تجاوزه. بينما حسم مهند الباشا التأهل بحصوله على 9.7 نقطة، ليكون ممثل الفريق في النهائي.

منذ ظهوره الأول، لفت مهند الأنظار بصوته، وأدائه، وبعد تأهله قال لـ«الشرق الأوسط»: «كان حلمي أن أقف أمام المدربين، وأن يلتفتوا إلي، وقد تحقق ذلك». وأضاف عن طموحه باللقب: «سأكمل المشوار على أمل الفوز، لكن أيّاً منا يستحق اللقب، وسأكون سعيداً بفوز غيري».

كما كشف أنه سيؤدي إحدى أغنيات الفنان اللبناني آدم في الحلقة النهائية، موجّهاً الشكر لجمهور السعودية: «دعمهم كان الدافع الأكبر لي، وإذا فزت فسأهدي اللقب لبلدي»، وأشار إلى رغبته في التعاون مستقبلاً مع الملحنين سهم، وركان.

فريق رحمة رياض: جود شاهين تخطف الكرسي

رحمة رياض مع المشتركة جود شاهين (إم بي سي)

حصل عناني على 9.4 نقطة وجلس على الكرسي، قبل أن تتفوق عليه السورية جود شاهين بتحقيقها 9.7 نقطة، لتتأهل رسمياً إلى الحلقة النهائية. وأكدت جود لـ«الشرق الأوسط» أن الوصول إلى النهائي تطلّب جهداً كبيراً، ومثابرة مستمرة: «كنت أتدرّب باستمرار وأنام قليلاً، لكن الهدف كان يستحق كل هذه الطاقة».

وأضافت أن حلم الغناء رافقها منذ الطفولة، إذ بدأت تدريب صوتها في سن السابعة، متأثرة بالطرب الأصيل الذي نشأت على سماعه في بيتها، وعند الحديث عن الخوف من الخسارة، قالت: «ما وصلت إليه هو إنجاز بحد ذاته، سواء فزت أم لا، سأواصل مسيرتي الفنية بثقة».

فريق ناصيف زيتون: أشرقت تتفوّق

ناصيف زيتون مع المشتركة المصرية أشرقت (إم بي سي)

في فريق زيتون، حصل حسن خلف على 9.4 نقطة، وأحمد العوادي على 9.6 نقطة، قبل أن تحسم أشرقت المنافسة بعد حصولها على أعلى تقييم بواقع 9.8 نقطة، لتتأهل رسمياً إلى الحلقة النهائية.

أثبتت أشرقت من مصر حضورها القوي، ما دفع ناصيف زيتون إلى ضمّها لفريقه، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «أنا جاهزة للمرحلة النهائية، وأتمنى الفوز، لكن سأفرح بفوز أيٍّ منا».

وأضافت أن تجربتها كانت متعبة، لكنها مليئة بالدعم، وأنها ستواصل مشوارها الفني دون التقيد بلون غنائي واحد، فهي قادرة على أداء الطرب، والكلاسيك، وأنماط أخرى. وذكرت أن اسمها اختاره والدها مستوحى من شخصية إحدى الأميرات في مسلسل مصري تاريخي باسم «بوابة الحلواني».