نصر الله في المشهد الأخير: هكذا قُطع الحبل مع طهران

شهادات عن «حرب الإسناد» في لبنان... وأسرار دُفنت مع «ثلاثة رجال»

TT

نصر الله في المشهد الأخير: هكذا قُطع الحبل مع طهران

أنصار «حزب الله» يشاهدون حسن نصر الله وهو يُلقي خطاباً عبر شاشة عملاقة داخل مسجد في الضاحية الجنوبية بيروت في نوفمبر 2019 (أ.ف.ب)
أنصار «حزب الله» يشاهدون حسن نصر الله وهو يُلقي خطاباً عبر شاشة عملاقة داخل مسجد في الضاحية الجنوبية بيروت في نوفمبر 2019 (أ.ف.ب)

في الأشهر الأخيرة قبل اغتياله، اعتقد الأمين العام السابق لـ«حزب الله»، حسن نصر الله، أن «حرب الإسناد» ستظل حتى نهايتها تحت سقف «قواعد الاشتباك»، وأن إيران لن تترك 4 عقود من «المقاومة الإسلامية» في لبنان فريسة سهلة، غير أن حسابات خاطئة هي ما أعاقت الحزب عن قرارات حاسمة بشأن الحرب التي أضحت بحلول سبتمبر (أيلول) 2024 دموية وشاملة.

يكشف هذا التحقيق عن أن «أسراراً ميدانية طُمرت مع قادة في الحزب اغتالتهم إسرائيل، ومعها فقد نصر الله الفاعلية مع بدلائهم المجردين من المعرفة الميدانية»، رغم أن رواية مخالفة أفادت بأن مشكلة الحزب لم تكن في القادة، بل في خسارة مشغلي الصواريخ، «العملة النادرة» في الحزب والحرب.

يستند التحقيق إلى مقابلات مع شخصيات لبنانية وعراقية كانت على تماس مع قيادة الحزب عام 2024، أجريت بين أغسطس (آب) وأكتوبر (تشرين الأول) 2025، وتنوعت بين قياديين سابقين ورجال دين وعناصر أمن، حُجبت هويات بعضهم لأسباب أمنية.

ورغم أن حرب الإسناد في لبنان باتت مسرحاً لسرديات متصارعة، فإن الشهادات ملأت جزءاً معقولاً من ثغرات المشهد الأخير الذي سبق اغتيال نصر الله، ما بين يناير (كانون الثاني) وحتى سبتمبر 2024.

خلال تلك الفترة، قُتل نحو 3768 شخصاً، وجرح أكثر من 15 ألفاً وفق السلطات اللبنانية، بينما أفاد تقرير لجامعة تل أبيب بأن «حزب الله» خسر نحو 2500 من عناصره في غارات ضربت أكثر من 12 ألف هدف، كان أكثرهم أهمية حسن نصر الله، وقادة عسكريين من نخبة «الجهادية» للحزب.

شريحة واسعة من اللبنانيين كانوا يترقبون الكلمات المتلفزة للأمين السابق لـ«حزب الله» حسن نصر الله (أ.ف.ب)

حرب تحت السقف

في الأسابيع الأولى من الحرب، سادت قناعة «حزب الله» بأن «قواعد الاشتباك» ستبقى سارية، وأن الأمر «لن يبلغ حرباً مفتوحة»، وفق شخصية لبنانية كانت على صلة وثيقة مع قادة عسكريين.

نقل الرجل الذي وافق على التحدث لـ«الشرق الأوسط»، شريطة عدم الكشف عن هويته، عن أحد الاجتماعات الخاصة لأفراد متنفذين في الحزب في مرحلة مبكرة من الحرب إن «حسابات نصر الله لم تكن تتعدى مناوشات في نطاق مزارع شبعا».

واستخدام مزارع شبعا مجازاً، وفق الشخصية اللبنانية، إشارة إلى مناوشات كلاسيكية بين «حزب الله» والجيش الإسرائيلي باستخدام مسيَّرات مفخخة أو صواريخ مصنعة محلياً.

ظل الحال داخل ذهنية «حزب الله» في نطاق «معادلة الردع» منذ اتفاق وقف العمليات الواسعة بعد حرب 2006. ورغم أن نصر الله قال في خطاب شهير آنذاك إنه «ذاهب إلى حرب مفتوحة»، لكنه لم يذهب أبعد مما حدث بالفعل.

نقلت الشخصية اللبنانية عن قيادي في «حزب الله» أشيع لاحقاً أنه أصيب بجراح بليغة وتوارى عن الأنظار، إن «جزءاً من خطط الحزب بعد (طوفان الأقصى) اعتمد على أن إيران ستنجح يوماً في ضبط الردع ووقف النار من خلال تموضعها في المفاوضات».

وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحزب انتظر إيران تعيد التوازن إلى الصراع المختل، ما دام (حبل السرة) مضفوراً بين طهران والضاحية، ونصل إلى لحظة وقف النار من دون خسارة كبرى».

طالما صرح مسؤولون إيرانيون، على رأسهم المرشد الإيراني علي خامنئي، أن طهران لن تتخلى عن حلفائها، كما أن نصر الله نفسه كان يرجع الفضل إلى إيران كون حزبه متماسكاً ومدعوماً مالياً وتسليحياً.

ثلاث عيون

في منزله قرب الضاحية ببيروت، تحدث رجل دين شيعي إلى «الشرق الأوسط» عن نقطة تحول لعبت دوراً حاسماً في تأخر «حزب الله» عن إدراك المسار السريع للحرب الشاملة.

رجل الدين، وهو لبناني الجنسية ودرس العلوم الدينية في النجف، كان خسر 4 شباب من عائلته خلال الحرب، منهم اثنان قضوا بغارة إسرائيلية في «العديسة»، إحدى بلدات «مرجعيون»، جنوبي البلاد. يقول إن نصر الله خسر كذلك قياديين قلبوا عليه المعادلات في ساحة المعركة.

يضيف الرجل الذي بدا في منتصف الستينات: «تبين في النهاية، أنه كلما قتل قائد ميداني يخسر نصر الله عيناً تساعده على الرؤية الواضحة. الأمين العام السابق كان شديد التعلق والهوس بالمتابعة الميدانية، لكنه بدأ يفقد أدواته الفاعلة».

وفقاً لهذه الشهادة، فإن أكثر ما أثّر على نصر الله غياب 3 قياديين هم طالب عبد الله، ويلقب بـ«أبو طالب»، إبراهيم عقيل، المعروف أيضاً باسم إبراهيم تحسين، ووسام الطويل الذي يعتقد أن صلة تربطه بالأمين العام السابق، ومن الصعب تأكيدها.

من مراجعة التسلسل الزمني لسقوط الثلاثة، فإن نصر الله بدأ يخسر ما قيل إنهم «العيون الثلاث» على امتداد المراحل المتقلبة لـ«حرب الإسناد».

صورة مركبة لقادة عسكريين في «حزب الله» وهم من اليسار إبراهيم عقيل ووسام الطويل وطالب عبد الله

قُتل الطويل، وهو قائد بارز في قوة «الرضوان» التابعة للحزب، في 8 يناير 2024. وضربت غارة إسرائيلية في 11 يونيو (حزيران) منزلاً في قرية جويا جنوب لبنان، لتقتل طالب عبد الله المعروف بكنية «أبو طالب» المسؤول عن عمليات الحزب في المنطقة الوسطى من الشريط الحدودي الجنوبي مع إسرائيل وحتى نهر الليطاني. قيل يومها إنه اغتياله كان الأقسى على نصر الله.

وفي 20 سبتمبر 2024، خسر نصر الله أيضاً إبراهيم عقيل، قائد المجلس العسكري، الذي خَلَف فؤاد شكر الذي اغتيل في 30 يوليو (تموز) 2024.

في النهاية، «حوصر نصر الله بمعلومات ميدانية مشوشة، ولم يكن يعرف ضباط الحزب في الميدان تفسير ما يحدث كلما انتظرواً قراراً في لحظة حاسمة»، يقول رجل الدين.

شيء من الفوضى عم غرف العمليات خلال فترات معينة. اشتكى قياديون في الميدان «من الارتجال، لأن العناصر كانت تتصرف بدافع القلق والريبة أكثر مما كان يتوجب عليها، بانضباط»، وفق مصادر لبنانية.

إلى جانب القياديين الثلاثة، كان نصر الله خسر قائد وحدة «عزيز» محمد نعمة ناصر في 3 يوليو. لم يبق سوى علي كركي الذي اغتيل مع الأمين العام السابق في الغارة التي استهدفت حي ماضي بالضاحية يوم 27 سبتمبر 2024.

رغم فقدان القادة الثلاثة، وعلى مدار ثمانية أشهر، بقي نصر الله ومحيطه يفكرون داخل صندوق «قواعد الاشتباك»، ومواقفه كانت تستبعد «الحرب الشاملة».

بعد اغتيال الطويل، قال نصر الله إن «تصرفات المقاومة تُدار بروية، وليس من منطلق انفعال». وفي إثر اغتيال أبو طالب، نقلت وسائل إعلام لبنانية عن مصادر الحزب أن «الرد سيكون ضمن الحدود، وليس حرباً شاملة على الفور». وخلال تشييع إبراهيم عقيل، ألقى نعيم قاسم كلمة مطوّلة، ملخصها أن الحزب «دخل في مرحلة جديدة عنوانها معركة الحساب المفتوح». بعد أيام معدودة، اغتيل نصر الله.

يقول علي الأمين، وهو ناشر وكاتب لبناني، إن نصر الله «كان يعتقد أن الحزب قادر عسكرياً على ردع إسرائيل ومنع نشوب حرب شاملة، غير أن هذا التقدير تبين لاحقاً أنه خاطئ».

لبنانية تمشي أمام مكتب «حماس» المدمر بعد هجوم إسرائيلي أسفر عن مقتل صالح العاروري في الضاحية الجنوبية لبيروت في 2 يناير 2024 (د.ب.أ)

«الدرون» يعرف الحزب جيداً

تكمن مشكلة «حزب الله» في «حزب الله» نفسه؛ في طريقة تكوينه القادة وتعويضهم.

بحسب مصادر لبنانية، فإن القادة الميدانيين الذين اغتيلوا منذ يناير وحتى نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 كانوا أفراداً ضمن سلسلة منقطعة من القيادة. ليسوا جزءاً من جسم مؤسساتي أو تراتبية تنقل الخبرة والمعلومات بسلاسة.

تقول المصادر، إن «القائد البديل لم يتمكن من الإحاطة بكامل أسرار القائد الذي اغتيل؛ ثمة تفاصيل عملياتية بقيت طيّ الكتمان. كان ذلك أحدَ مشكلات نصر الله في التعاطي مع الحرب وإدامة الحزب».

فُهم من مقابلات أجرتها «الشرق الأوسط»، أن كل قائد في «حزب الله» يبني منظومته الخاصة من العلاقات والمعلومات والأساليب بناءً على خبرته الشخصية بشكل منفرد، وعندما يُقتل، تُدفن خبرته معه، بما في ذلك خرائطه الحزبية التي أضحت في النهاية مقتنيات شخصية، حتى لو كانت عن مخازن السلاح أو خطط الانتشار، توارى الثرى مع صاحبها.

«في مرحلةٍ ما من الحرب، بات «الدرون» الإسرائيلي حين يحلق فوق وحدة لـ«حزب الله» أكثر معرفةً بالحزب من القائد الميداني الذي تسلّم مهامه حديثاً»، يقول رجل الدين اللبناني.

إسرائيل من ثقب إبرة

تسرب الشك إلى دائرة حسن نصر الله، للمرة الأولى، بعد اغتيال صالح العاروري، النائب السابق لرئيس المكتب السياسي لـ«حماس» في 2 يناير 2024.

يقول رجل الدين اللبناني إن الأسبوع الأول من ذلك العام كان قاسياً، إذ انتهى باغتيال وسام الطويل أيضاً. سُمِع على نطاق محدود داخل الحزب إن «نصر الله لم يتوقع ما حدث (...) ظل صامتاً لفترة بعد الاغتيالين».

اختار نصر الله الدفاع بدل الهجوم. يقول علي الأمين، إنه في إثر اغتيال العاروري ترشح من مطبخ الحزب القيادي أن عسكريين وميدانيين، التقوا نصر الله بشكل عاجل، «طلبوا فتح الحرب إلى أقصاها، بسبب ما تقوم به إسرائيل من اصطياد للكوادر والعناصر»، لكن رد نصر الله عليهم كان: «إياكم أن نذهب إلى هناك».

رد فعل الحزب كان الانكماش والغرق في الشك العميق. يقول رجل الدين اللبناني إن هذه عادة «الحركات الإسلامية، الشيعية خصوصاً، هو الانعزال بداعي مراجعة النفس». مع ذلك، أفادت مصادر أمنية أن الحزب نفض شبكات اتصالاته عله يعثر على ثقب الإبرة الذي تتسرب منه المعلومات إلى «العدو».

في شهادة لقيادي شيعي عراقي كان نقطة اتصال مع «حزب الله» اللبناني منذ عام 2015، قال إن «قنوات التواصل مع الحزب تغيرت مراراً مع تصاعد الاغتيالات في بيروت». وتابع: «كنا نتعرف على أشخاص جدد في كل مرة نحتاج إلى شيء من الضاحية».

تفهّمت فصائل عراقية «المحاذير التي طغت سلوك أشخاص في الحزب، ممن كانوا معتادين على تغذية مجموعات عراقية بتقديرات سياسية وميدانية». قال القيادي العراقي، إن «حزب الله كان مرجعاً ليس فقط لتحركاتنا الميدانية، بل نعود إليه في تفاعلاتنا السياسية المحلية، لذلك تحمس كثيرون في بغداد لتقديم المساعدة».

في مرحلة ما من أغسطس 2024، طلب الإيرانيون من فصائل عراقية إسناد «حزب الله». قال القيادي العراقي: «سألناهم كيف ذلك. قالوا: في هذه المرحلة اضغطوا في الإعلام أنكم جاهزون للحرب».

بعد فترة، عاد إلى الإيرانيين برسالة من فصائل عراقية مسلحة أظهرت استعداداً للقتال دفاعاً عن «حزب الله»، مفادها: «قالوا لنا: لا، حتى نصر الله لا يريد ذلك».

وفي 20 سبتمبر 2024، تعهّد فصيل «كتائب سيد الشهداء» العراقي، بإرسال 100 ألف مقاتل إلى حدود لبنان، ولم يذهب أحد.

وجهت إسرائيل ضربات لـ«حزب الله» من خلال تصفية عدد من كبار قادتها مما أضعف بشكل كبير البنية العسكرية للحركة (أ.ف.ب)

البحث عن التسريب

فاحت رائحة «خيانة» من مكان ما. يلمح إلى ذلك القيادي العراقي، الذي قال إنه ظل يتردد على بيروت حتى سبتمبر 2024، يقول إن «وسطاء أُبلِغوا في مناسبات مختلفة بإيقافهم عن مهام نقل الرسائل. كان الحزب في الحقيقة يجرب طرقاً أخرى».

لدى رجل الدين اللبناني تفسير لهذا. لقد «اختبر الحزب طرقاً مختلفة في التواصل، في محاولة لاكتشاف أين يكمن الاختراق. من أي شق خفي تسربت إسرائيل إلى جدار الأمن المشيد حول قيادات الحزب».

لكن تفجير أجهزة الاتصال اللاسلكية المعروفة باسم «البيجر» عصف بالحزب وعزل القيادات عن بعضها وعن شبكاتها الميدانية ودخلت المنظومة في حالة تشبه الإطفاء التام. وفي مرحلة ما، توقفت محاولات من تبقى في القيادة رأب صدع استخباري رافق نشاط الحزب منذ أكتوبر 2023.

قال رجل الدين اللبناني إن وحدات ميدانية تابعة للحزب لم تسمع شيئاً في الأيام التي تلت تفجير «البيجر». واستغرقت القيادة وقتاً طويلاً قبل أن تعود إلى تغذية «ضباط الوحدات بالأوامر الروتينية، ولم تكن تجدي».

في تلك المرحلة، سأل قيادي عسكري في «حزب الله» نصر الله عما إذا كانت قواعد الاشتباك لا تزال سارية. «كان من غير المعتاد عدم سماع جواب محدد»، وفق شهادة حصلت عليها «الشرق الأوسط».

وأدرك نصر الله أنه بات في قلب حرب مفتوحة لم يكن يرغب فيها، لكن الوقت كان متأخراً، كما تنقل مصادر عن قياديين حضروا اجتماعات مفصلية.

يقدّم علي محمد أحمد، وهو أستاذ الإعلام السياسي، قراءة قريبة إلى حد ما من سردية يتبناها تيار المقاومة، على نطاق واسع. يقول إن بقاء قواعد الاشتباك التقليدية كان سيجعل الكفة تميل ضد إسرائيل، لكن ما غيّر المعادلة فعلياً هو التفوق التقني والمعلوماتي الذي لم يضعه الحزب في الحسبان. ذلك كان هو المعطى الناقص.

مقاتلو «حزب الله» يؤدون القسم خلال تدريب عسكري مُنظم في معسكر بقرية عرمتى جنوب لبنان (أرشيفية - د.ب.أ)

المشهد الأخير

على نطاق واسع، قيل إن نصر الله حضر يوم 27 سبتمبر تشييع محمد سرور، قائد وحدة مسيّرات الحزب، قبل أن يتوجه إلى حارة حريك في الضاحية، برفقة نائب قائد «فيلق القدس» في لبنان، عباس نيلفوروشان.

ما دار بينهما بقي طي الكتمان. لا أحد يعرف ما إذا كانا قد راجعا، للمرة الأخيرة، أين وصلت بهما «حرب الإسناد». وصلا في النهاية إلى مخبأ تحت الأرض، وهو مقر مركزي للحزب، وهناك انتهت رحلتهما. قضيا في هجوم تقول إسرائيل إنها استخدمت فيه أطناناً من متفجرات خارقة للتحصينات. في اليوم التالي، تفجّرت أطنان من الأسئلة في الضاحية، وفي كل مكان.

يقول رجل الدين اللبناني، الذي كان يتحدث وعيناه ترصدان صور القتلى من عائلته، إن «كثيرين من بيئة (المقاومة) استغرقوا وقتاً طويلاً تحت الصدمة، لكنهم في النهاية كانوا يسألون: من خذل الآخر؟ الحزب أم إيران؟ المقاومة أم ولاية الفقيه؟».

يرى علي محمد أحمد أن «العقل الكامن في الحزب كان يعمل بطريقة واحدة وأساسية، وهي أنه لم يكن يستطيع مغادرة حرب تُفرض عليه. لذلك، استمر فيها».

لا يتخيل علي الأمين أن نصر الله كان قد أعلن قيام «وحدة الساحات» لولا استناده إلى دور إيراني، وقناعته بأن إسرائيل «تحسب حساباً لقوة الأذرع في لبنان والعراق واليمن»، لكن تلقيه صدمات أمنية وعسكرية جعله وطهران في حالة من الارتباك، فقطع الحبل بينهما. وبسبب «جهلهما بخطط الحرب الإسرائيلية في حرب الإسناد» اكتشفا أنهما وقعا في الفخ.

لحظة ضرب مقر «حزب الله» في الضاحية الجنوبية ببيروت واغتيال نصر الله يوم 27 سبتمبر 2024 (د.ب.أ)

غير أن علي محمد أحمد، يقول إن «الحزب منظومة قيادة جماعية. لكن إسرائيل تفوقت في مرحلة مبكرة من الحرب عندما حيّدت مشغلي الصواريخ الاستراتيجية». يرى محمد أحمد أن المشغّلين «عملة نادرة» من الصعب تعويضهم. ومشكلة «حزب الله» ليست خسارة القيادات الميدانية، بل المشغلين.

«حين أطلق الحزب مئات الصواريخ في اليوم الأخير قبل وقف النار، عرفنا أنه تمكن من ضخ دم جديد، بمشغلي صواريخ جدد»، يقول محمد علي.

«لم يخذل أحد الآخر». المشكلة تكمن في أن الطرفين، إيران و«حزب الله»، كانا يعيشان في لحظة ما قبل السابع من أكتوبر 2023، ولم تتحرك الساعة في يد أيٍّ منهما.

يقول عقيل عباس، الباحث العراقي المتخصص في الشأن الأميركي، إن الحزب وإيران لم يفهما بشكل دقيق حجم التغير الكبير، رغم أن إسرائيل وبنيامين نتنياهو كانا يكرّران أن ما حدث يشبه أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة. «الجميع فهم أن القواعد القديمة لم تعد سارية، وأن هناك قواعد جديدة تُفرض بالقوة».

ما عمّق الأزمة على إيران والحزب أن الوسطاء الدوليين اختفوا من الساحة. «في حروب سابقة، كان الأوروبيون، مثلاً، مهتمين بوقف الحرب، إلا هذه الحرب»، وفق عباس.

مهما يكن، فإن سرعة إسرائيل لعبت دوراً حاسماً في صنع الفارق. «لم تكن إيران قادرة على فعل شيء حيال ذلك. الأحداث كانت أكبر من قدرتها على الاستجابة، إذ تحتاج وقتاً للإعداد لمواجهة بهذا الحجم».

مع ذلك، حاولت إيران في وقت متأخر أن تتواصل مع نصر الله وتحثه على التهدئة، وربما الانسحاب، بعد أن أدركت أن طريقة التفكير القديمة لم تعد صالحة، لكنها لم تكن قادرة على إجبار نصر الله على فعل شيء. يقول الباحث العراقي إن طهران كانت ترى نصر الله «صاحب الميدان».

بعد نحو عام من وقف النار في لبنان، فإن نهاية الحرب في لبنان تعتمد على الجمر الذي لا يزال يلمع تحت الأنقاض، كما يصفه رجل الدين اللبناني. يقول إن «لبنان الذي يُكتب له السلام، يُكتب عليه في نفس الصفحة، جبهات وخطوط تماس جديدة».


مقالات ذات صلة

قوات إسرائيلية عبرت نهر الليطاني سراً ودمّرت أنفاقاً لـ«حزب الله»

شؤون إقليمية تصاعد الدخان جرَّاء الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان (أ.ف.ب)

قوات إسرائيلية عبرت نهر الليطاني سراً ودمّرت أنفاقاً لـ«حزب الله»

تقدمت وحدة الاستطلاع التابعة لـلواء «غولاني» في الجيش الإسرائيلي نحو الخطين الثاني والثالث من القرى الحدودية، بعد سيطرتها على قرى «الخط الأصفر».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم (د.ب.أ)

«حزب الله»: سلاحنا ليس جزءاً من التفاوض مع إسرائيل

عدّ الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، الثلاثاء، أن سلاح حزبه مسألة داخلية لبنانية وليست جزءاً من التفاوض المرتقب مع إسرائيل...

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى (الرئاسة اللبنانية)

تأكيد لبناني على أهمية «وقف النار» قبل جولة المفاوضات المقبلة

تتسارع الضغوط العسكرية على لبنان عشية الاجتماع الثالث اللبناني – الأميركي – الإسرائيلي المرتقب في واشنطن الخميس

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مبنى مدمر في بلدة كفرجوز جنوب لبنان نتيجة استهدافه بغارة إسرائيلية (رويترز)

لبنان: مسيحيو الجنوب يخشون عزلهم بتكرار لسيناريو 1978

تستعيد بلدات الجنوب المسيحية اليوم مع تصاعد التوترات الأمنية وتداعيات الحرب الراهنة ذاكرة واحدة من أكثر المحطات قسوة في تاريخها الحديث.

بولا أسطيح (بيروت)
شؤون إقليمية تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان (د.ب.أ)

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل جندي في هجوم بمسيّرة لـ«حزب الله»

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم الاثنين، مقتل أحد جنود الاحتياط في هجوم بطائرة مسيّرة شنّه «حزب الله» بشمال إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

حرب إيران في ميدان العراق... مشاهد لاكتمال نفوذ الفصائل

عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)
عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)
TT

حرب إيران في ميدان العراق... مشاهد لاكتمال نفوذ الفصائل

عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)
عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)

«إذا تحتم عليك السقوط، كن نيزكاً». عبارة خطت على جدارية داخل المنطقة الخضراء في بغداد. إلى جانبها رسمٌ لمقاتلين بلا ملامح، يرتدون خوذاً، ويحملون بنادق. يبدو أنهم مستعدون للقتال في جبهات مختلفة.

على الأغلب، يمر بجوار هذه الجدارية كبار المسؤولين والضباط في بغداد وهم في طريقهم إلى مكاتبهم في مباني الحكومة، بمن فيهم قادة فصائل في «الحشد الشعبي». وبعد مرور نحو شهرين على الحرب الأميركية–الإيرانية، يتبين أن كثيرين منهم لا يرغبون في أن يكونوا نيازك تسقط.

قبل يوم من الحرب، كنت أحاول إجراء مقابلات في بغداد. المسؤولون العراقيون الذين التقيتهم كانوا منهمكين في اجتماعات «طارئة». أحدهم قال إن الموظفين في وزارة الهجرة العراقية شاركوا في نقاشات عن حالة «إنذار محتملة»، في «إشارة مقلقة جداً» من وجهة نظره.

اهتزت بغداد صباح 28 فبراير (شباط) 2026 على وقع غارات في طهران. في المساء قيل لنا إن صورة لجثمان المرشد الإيراني علي خامنئي وصلت إلى هواتف قادة في «الإطار التنسيقي» قبل ساعات من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب نبأ مقتله. ثم بدأت واحدة من أغرب الليالي في العاصمة العراقية.

في بغداد، يظهر صنفان من حلفاء طهران يقفان على طرفي نقيض. بدا أنهما يتجهزان لتصفية حسابات ظلت صامتة منذ سنوات، أو يستعدان لولادة جديدة؛ ولادة تعيد نفسها مرات ومرات، منذ 2003.

متظاهر يحمل علم إيران خلال محاولة اقتحام متظاهرين بوابة المنطقة الخضراء في مارس 2026 (الشرق الأوسط)

«هؤلاء يوالون خامنئي حقاً»؟

اليوم الثاني من الحرب. المنطقة الخضراء في حالة استنفار. شوارع مغلقة، وحواجز، ونقاط تفتيش، رجال أمن يتحققون من الذين لا يحملون رخصة دخول المنطقة الحكومية. لم يفرض حظر تجول، لكنك عملياً تتجول في حظر غير معلن.

عند المساء، أقامت حركة «عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلي مجلس عزاء للمرشد علي خامنئي. تجمع العشرات قرب جسر الجمهورية وسط بغداد. رافقهم موكب من سيارات «شيفروليه تاهو» الرائجة لدى شريحة واسعة من سياسيين، ومسؤولين، وقيادات في الجماعات المسلحة. حمل المتظاهرون لافتات رثاء خامنئي تحت نصب الحرية التاريخي، يحميهم طوق من عناصر الأمن، ودون احتكاك.

حركة المرور طبيعية على الجسر. السيارات تعبر بانسيابية نحو المدخل الشرقي للمنطقة الخضراء، سوى تجمع محدود لمراسلي محطات حزبية تمولها فصائل لها نفوذ في الحكومة يجرون مقابلات مع «المعزين بمقتل خامنئي». تضامن صامت، لم يتأخر الوقت قبل أن يتفرق.

عام 2019، المسرح نفسه كان دموياً حين قُتل وأصيب مئات الشبان الذين خرجوا في احتجاجات شبه يومية ضد الفساد، والنفوذ الإيراني في بغداد، بشعار «إيران برا برا». لا يسمع صوت هؤلاء بعد مرور 7 سنوات، و40 يوماً من الحرب، بعضهم انخرط تماماً في أحزاب التحالف الحاكم.

على بعد 4 كيلومترات من العزاء الصامت، كان الوضع عنيفاً وصاخباً عند الجسر المعلق المؤدي إلى المدخل الغربي من المنطقة الخضراء. العشرات يندفعون نحو حواجز الأمن غير مبالين. يريدون الوصول إلى السفارة الأميركية. شاهدت شباناً يبكون بحرقة، ويحدقون في المارة، ويتحققون من أولئك الذين لا يبدو عليهم الحزن. كأنهم يسألون: «أيعقل ألا تحزن؟».

للوهلة الأولى بدا الاحتجاج ارتجالياً. وجوه خائفة كما هي غاضبة. ثمة من يقذف الحجارة على عناصر الأمن الذين يغلقون مدخل الجسر بالحواجز الفولاذية، وعربات كبيرة تحمل مدافع المياه. آخرون يحملون أعلاماً إيرانية، ويهتفون ضد ترمب «قاتل المرشد».

اخترقت جرافة كبيرة الحشد نحو الحاجز، خلفها سحابة سوداء، وموجة غبار، وملثمون يحملون العصي. بدأ إطلاق الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع. استقرت الجرافة عند سياج خرساني، وتعطل محركها دون اختراق الحصن الأمني، فصار الهتاف مدوياً أكثر.

سألت متظاهراً عما سيفعله في حال كان الطريق مفتوحاً نحو سفارة واشنطن. قال: «لا أعرف. لا يهم. حتى لو ألقيت بنفسي على دبابة». كان يستغرب السؤال فحاول تنبيهي: «قتلوا قائدنا... إنه ولينا. هل تعرف ما يعنيه هذا؟». خلال الليل، أعلنت السلطات إصابة العشرات من الطرفين، المحتجين وقوات الأمن.

الحال أنهما كانا في صف واحد قبل أيام، حكومة وفصائل. المتظاهرون أيضاً، عند الجسرين، كانا في خندق واحد قبل مقتل خامنئي. «الفصائل» و«المقاومة» و«الحشد الشعبي» في الأيام اللاحقة فتحت الطرق والسماء للمسيرات، والغارات الأميركية.

باستثناء هذين الصنفين من حلفاء إيران، وقد بدا أنهما يحتكران المجال العام في بغداد، كانت شريحة من العراقيين الشيعة ترى في الحرب فرصة لإعلان انتقاد النفوذ الإيراني في البلاد، لكن «حملة تخويف كممت أفواههم»، كما يقول ناشطون تحدثنا معهم.

خلال الحرب، حرض مقربون من إيران على محاسبة معارضيها في العراق. في مواقع التواصل الاجتماعي انتشرت صور لشكاوى ضد هؤلاء، بعضهم اعتقلته الأجهزة الأمنية، لكن المحاكم لم تتعاطَ مع هذه الشكاوى بعد. عدا هذا كان هناك مدونون ينشرون صور مؤثرين تحت عنوان «سيأتي يوم حسابكم».

في الميدان، شنت مجموعات مسلحة تحت مظلة ما يعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق» عشرات الهجمات منذ الساعات الأولى بعد مقتل خامنئي. استخدام تسمية «المقاومة» كان واحداً من أساليب «الحرس الثوري» والفصائل العراقية للتمويه على المنفذين الأصليين، بينما كثير من قادة الفصائل وجدوا أنفسهم مضطرين للمشي على حبل رفيع خلال الحرب، إذ طالما تعهدوا بالاندماج في الدولة، و«حصر السلاح» بيدها.

يقول قيادي في فصيل مسلح إنه لم «يكن متأكداً طيلة أسابيع الحرب على إيران إن كان أتباعه من المسلحين قد شاركوا في الهجمات على الأميركيين، وعلى إقليم كردستان». ليس من المؤكد أنه لا يعرف حقاً.

خلال مقابلات مع شخصيات أمنية وسياسية عراقية وغربية، حاولنا فهم كيف يضبط قادة الفصائل المسلحة في العراق، ومن خلفهم «الحرس الثوري»، الانتقال السلس لهذه المجموعات بين المؤسسات الحكومية، والميليشيات، وكيف شكلت الحرب ضوءاً كاشفاً على مساحات مظلمة من النفوذ الإيراني في البلاد.

ثمة فرضيات مختلفة عن نجاح هذه العملية، لكن المرجح أن إيران تمسك بـ«عصب النخاع» بين الجميع في الحكومة، والمسلحين خارج سلطتها. وما بينهما صراع مرير، وقد يكون مميتاً، على الموارد، والنفوذ.

عناصر من «الحشد الشعبي» خلال انتشارهم في منطقة زراعية قرب بغداد (موقع الهيئة)

الميليشيات بوصفها «إقطاعية»

تشق السيارة طريقها ببطء على كتف نهر صغير في أحد الحقول الشاسعة جنوبي بغداد. على مد البصر تتناثر أكوام من الطابوق، ومواد البناء في قلب الريف.

منذ عقود، كان السكان هنا يزرعون الحبوب، والخضراوات، ويبيعون محاصيلهم للحكومة، أو الأسواق المحلية. بعضهم كان من الذين انتفعوا من برامج الإصلاح الزراعي منذ الستينات، قبل أن تتدهور خلال الحرب العراقية-الإيرانية في الثمانينات، وتنقرض تدريجياً منذ الغزو الأميركي للبلاد عام 2003.

يصف أحد الوجهاء في جنوب بغداد، ويبلغ من العمر 70 عاماً، وضع الحقول الآن: «كأننا نعود بالزمن بطريقة عنيفة إلى زمن الإقطاعيات. هناك زحف من إقطاعيين جدد (...)، الأمر لا يقتصر على نزاع ملكيات؛ بل سلطة غير مرئية تتحكم بالموارد».

رغم أن الرجل يتجنب ذكر أي تفاصيل تتعلق بالكيفية التي خسر فيها أرضه قبل نحو 7 سنوات، وتمتد على مساحة شاسعة على الطريق بين بغداد وبابل (جنوباً)، لكن مصادر تصف الأمر بأنه «متاهة من عمليات متعددة من الاحتيال تحميها بيروقراطية حكومية اخترقتها بإتقان الفصائل المسلحة».

يقول الرجل إن «هذه الأراضي غابة استثمارات، تختفي في ظلالها منشآت تابعة لجماعات مسلحة». يضيف: «أعرفهم. سيبدون لك ودودين للغاية، لكن مع الحرب الأخيرة أصبحوا شديدي التوتر، والارتياب».

تبدو استراتيجية الفصائل في الاستحواذ على هذه الأراضي أبعد من كونها «دجاجة تبيض ذهباً» كما يصفها مسؤولان -سابق وحالي- في وزارة الزراعة العراقية، لكنها على المدى البعيد «ابتلاع مستمر للجغرافيا لصالح نفوذ إيران السياسي».

يقول قيادي شيعي في أحد الفصائل: «كل شبرٍ يتراجع عنه (حزب الله) في جنوب لبنان، تعوّضه إيران بكيلومترات في العراق».

لكن الفصائل تتصادم وهي في طريق تقدمها نحو هذه الأراضي. غالباً ما يفلت زمام الأمور إلى احتكاك، أو اشتباكات. في يوليو (تموز) 2025 قُتل شرطي، ومدني، وعنصر من «كتائب حزب الله» بعد مواجهة عنيفة بين قوة حكومية والفصيل الذي اقتحم دائرة زراعة بغداد في منطقة «الدورة» جنوبي العاصمة لمنع تنصيب مدير جديد لها. كانت العملية في الحقيقة غطاء لـ«تدوير للنفوذ بين الجماعات المسلحة»، كما يقول القيادي الشيعي.

في أعقاب الاشتباكات قالت الحكومة إن مسؤول الدائرة المعنية بتنظيم عقود الأراضي الزراعية متورط، قبل إقالته من منصبه، في «تزوير عقود أدى إلى سلب أراضٍ زراعية من أصحابها الشرعيين».

تبدو رواية الحكومة متماسكة، لكنها لا تعكس كل الصورة. تقول مصادر مختلفة، حكومية وفصائلية، إن اشتباكات دائرة الزراعة لم تكن سوى الحلقة الأخيرة من عمليات سياسية سبقتها بأشهر لتبديل نفوذ الفصائل على هذه الأراضي. يقول أحد المصادر: «الأمر ببساطة إدارة الصراع على الموارد بين الميليشيات».

لم يكن هذا الاحتكاك هو الأول من نوعه خلال السنوات الماضية. فمنذ عام 2020 اعتقلت مديرية أمن «الحشد الشعبي»، وهي المظلة الرسمية لجميع الفصائل المسلحة في العراق، قادة ميليشيات سبق أن كان لهم دور في محاربة تنظيم «داعش»، وأغلقت مكاتب لهم في العاصمة بغداد. كما حدث مع «سرايا طليعة الخراساني» برئاسة علي الياسري، ونائبه حميد الجزائري، وفصيل «جيش المختار» الذي يقوده رجل يدعى واثق البطاط. سبقهما في ذلك اعتقال شخص يدعى حمزة الشمري كان عنصراً محورياً في أنشطة سياحية بين بغداد وبيروت، واتهم بتهريب الأموال، وتجارة المخدرات، ومصادر عديدة تحدثت عن صلاته الوثيقة بميليشيات عراقية.

وسجلت حوادث على أنها «حرق حقول دواجن في الكوت، ومستشفى في بابل، ومطاعم في بغداد، وشركات صغيرة في البصرة»، هي في الحقيقة أعراض جانبية لاحتكاك بين الجماعات المسلحة، وفق شهادات رجل أمن، ومسؤول محلي، وعنصر في فصيل مسلح.

يقول قيادي شيعي مقرب من الفصائل إن «بعض الجماعات المسلحة تعمل كحافظة مالية لصالح (الحرس الثوري) الإيراني، لكنها حين تحصل على أموال تفوق حصة الراعي الأصلي يجري معاقبتها، وإزالتها من اللعبة».

من وجهة نظر نيك غازيتي، وهو باحث أميركي متخصص في الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط، وعمل سابقاً في العراق، فإن «حوادث الاشتباك أو الاعتقال التي تطفو على سطح الميليشيات العراقية بين فترة وأخرى تعود إلى أحد أمرين: صراع محموم على الموارد، أو عقوبة ينفذها (الحرس الثوري) بحق قيادات، أو أفراد خرجوا عن طاعته».

عناصر من القناصة خلال تدريب في معسكر تابع لـ«الحشد الشعبي» (موقع الهيئة)

إدارة التوسع

ينظر إلى عدد من قادة هذه الجماعات على أنهم متمردون على «الحرس الثوري». أقرب الأمثلة التي تستخدم للإشارة إلى هؤلاء هو أوس الخفاجي الذي يقود فصيل «أبو الفضل العباس»، إذ شارك في معارك ضد تنظيم «داعش» في محافظتي صلاح الدين، والأنبار، لكن «لسانه صار خشناً مع طهران».

وكانت قوة من «أمن الحشد الشعبي» اعتقلت الخفاجي في يوليو 2019، وأغلقت مقراً له وسط بغداد بذريعة أنه «وهمي». بعد 4 أشهر أفرج عن الرجل، وصرح بأن سبب اعتقاله هو انتقاده للمشروع الإيراني في العراق، ومعارضته لقتل المحتجين الشباب في أكتوبر (تشرين الأول) 2019.

يميل هشام داود، وهو باحث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، إلى أن الاحتكاكات المتكررة بين الفصائل ليست مجرد صراعات عرضية على النفوذ، أو الموارد، بل هي، في جوهرها، تعبير عن تحولات داخلية عميقة في بنية هذه القوى، وعن انتقالها من طور «التشكّل» إلى طور «إعادة التموضع» داخل الدولة، والمجتمع، لكنه يشدد على أن «أول ما ينبغي تثبيته أن هذه الفصائل -وخاصة الولائية منها لإيران- لا تعمل في فراغ، ولا تمتلك حرية مطلقة في تشكيل الواقع وفق إرادتها».

ويقول سجاد سالم، وهو نائب سابق في مجلس النواب، إن الفرضية التي تساعدنا على فهم احتكاكات الفصائل تتمثل في إدراك عمق الصراع على الموارد الاقتصادية، لأن النفوذ لا يتعلق فقط بقادة هذه الجماعات، بل بشبكة واسعة تعمل تحت هؤلاء، وتضم وجهاء اجتماعيين، وقبليين، وتجاراً، وجيشاً من الموظفين من الكوادر الوسيطة في القطاع العام، وكل هؤلاء لديهم مصالح متحركة، «وكلما تقاطعت لمعت شرارة عنف، وعادة ما يحل (الحرس الثوري) الخلافات».

مثلما يضبط إيقاع التنافس، يقوم «الحرس الثوري» بقطف الثمار من تمدد الميليشيات على الأرض العراقية، إذ تتسع «المحافظ المالية» بوصفها موارد أساسية لإيران، وفي الوقت نفسه بناء المنشآت العسكرية الضرورية للتمدد الإقليمي.

إن هذه المناطق كانت ضرورية لإنشاء «معسكرات تدريب استضافت مقاتلين من جنسيات مختلفة من بلدان محور المقاومة خلال السنوات الماضية، إلى جانب مخازن صواريخ، ومسيرات، وسجون خاصة، ومراكز تحقيق مع معارضي إيران، ومراكز قيادة عملياتية»، وفق قياديين في مجموعتين مسلحتين.

يقول أحد هذين الرجلين: «كل منشأة عسكرية كانت محاطة بحقول ومشاريع استثمارية، ومنتجعات سياحية ينشط فيها مجتمع أفراد الفصائل، ودوائر متعددة من منتفعين منهم».

في الحرب الأخيرة، انكشفت الميزة الميدانية لهذا التوسع الجغرافي، إذ استخدمت منشآت انطلقت منها هجمات صاروخية، أو بالمسيرات من داخل حقول جنوب وغرب البلاد في مناطق قريبة من الشريط الحدودي مع دول الخليج العربي التي تعرضت لعشرات الهجمات بالمسيرات، والصواريخ، وفي محيط بغداد القريبة تم الهجوم على أهداف أميركية داخل العاصمة، وفي الشمال في نينوى وكركوك، القريبتين من أهداف في إقليم كردستان.

حياة الفصائل... تاريخ الدمج

الأسبوع الثاني من الحرب. مشرعون، ومسؤولون حكوميون، وضباط في أجهزة أمن مختلفة ينضمون إلى مجالس عزاء، وجنازات رمزية للمرشد الإيراني علي خامنئي الذي لم يشيع في بلاده حتى اليوم. على الأرجح، كانت المناسبة هي الزمان والمكان اللذين يجتمع فيهما المتنافسون دون احتكاك. هدنة بين صنفين لحليف واحد؛ بين مندمج في الدولة، وآخر ينتظر في «المقاومة». في النهاية يبدو أن الجميع في نفس القارب.

اختفت المنطقة الرمادية في الفضاء العام العراقي؛ لا يقوى كثيرون على إظهار الآراء الوسطية. أخبرني مدون معروف على منصة «إكس» أنه حضر جلسة نظمتها السفارة الإيرانية في بغداد، وسمع دبلوماسياً إيرانياً يوبخ ناشطاً عراقياً لم يكتب شيئاً «دفاعاً عن إيران».

ليس بعيداً عن هذا المناخ، ما تعرض له رئيس «منظمة بدر» هادي العامري حين هاجمه أعضاء قبيلة جنوب البلاد يشاع أنها على صلات عضوية بفصائل مسلحة، وجزء من شبكة الولاء للمرشد الإيراني.

لا تبدو الفصائل الشيعية التي بدأت تدمج في السياسة أنها مرضي عنها في إيران. لقد ازداد الحنق الإيراني عليها مع تصاعد الغارات المتبادلة خلال الحرب. في 17 مارس 2026، انتقد محمد أسد قصير، وهو مدير مكتب المرشد الإيراني في لبنان، «المواقف المترددة لقادة (الإطار التنسيقي) بشأن دعم الجمهورية الإسلامية في إيران».

في الانتخابات التي جرت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، فاز ممثلون عن الفصائل المسلحة بأكثر من 100 مقعد في مجلس النواب، كما تقول تقديرات متداولة في الصحافة المحلية. منذ ذلك الحين بدأت نيران الطبخ تشتعل في أفران تشكيل الحكومة، غالبية الفصائل تتصارع على حصصها في الوزارات، وكلمتها مدوية في هوية المرشح لرئاستها.

يقول قيادي شيعي إن «ممثلي الفصائل لا يحتكرون القرار السياسي داخل (الإطار التنسيقي)، لكن بإمكانهم كسر إرادة الطرف الذي لا يمثل مصالحهم».

تزامنت الحرب مع أوسع عملية اندماج للفصائل المسلحة في مؤسسات الدولة الرسمية، بشقيها التنفيذي والتشريعي، وهي الأكبر التي يشهدها العراق منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003. لطالما حدث الأمر نفسه مرة على الأقل كل خمس سنوات، ولكن على نحو أقل وطأة.

يقول مسؤول شيعي في «التحالف الوطني» -وهو المظلة السابقة التي شكلت حكومتي نوري المالكي- إن الدولة هي النهاية الطبيعية لجماعات المقاومة، «ليس بالضرورة أن يكون ذلك تنفيذاً لرغبة الأميركيين المنزعجين من السلاح المنفلت». يضيف: «لقد بدأ الأمر مع الأميركيين وانتهى إلينا (...) نحن شركاء في هذا دون قصد».

تعود أول عملية دمج للميليشيات في الدولة إلى يونيو (حزيران) 2004 حين أصدر بول بريمر، الحاكم الأميركي «المدني» على العراق حينها، القرار 91 الذي سمح للميليشيات بالاندماج في الدولة تحت عنوان حظرها. لقد أنشأ القرار ما يمكن اعتباره لحظة تأسيس لـ«المنطقة الرمادية» التي ازدهر فيها النفوذ الإيراني في السنوات اللاحقة.

تعامل القرار مع الميليشيات كما لو أنها شركات أمنية، على حد تعبير ضابط متقاعد في الداخلية يقيم اليوم خارج البلاد. يقول: «كان الفصيل ينتقل إلى الوزارات كما لو أنه أبرم عقداً استثمارياً، لكنه في الجوهر اختراق سياسي».

أسرار لعبة الدمج

مع كل موجة دمج، تظهر أذرع جديدة خارج الإطار الرسمي، لتستمر دورة إعادة توزيع النفوذ بين الداخل المؤسسي والخارج المسلح، مصحوبة باحتكاكات تعكس عملية نمو تنافسية.

يوضح الباحث هشام داود أن «بعض هذه الفصائل تشكّل مباشرة بعد 2003، في حين نشأ قسم آخر عبر انشطارات متتالية داخل فضاء التيار الصدري، بزعامة مقتدى الصدر، الذي مثّل في بداياته حاضنة واسعة لتيارات متباينة قبل أن تتفكك إلى تشكيلات مستقلة، ومتناحرة».

ما بين عامي 2005 و2010 حدث الاختراق المؤسسي الأول، حين دخلت جماعات -مثل «منظمة بدر» و«جيش المهدي»- كانت تابعة للتيار الصدري في وزارة الداخلية، ووكالات إنفاذ القانون، وبموازاة صعود نفوذها السياسي. في تلك المرحلة، لم يكن المشهد محصوراً بفصائل آيديولوجية فقط، بل ظهرت أيضاً جماعات محلية الطابع، يقول داود إنها «أقرب إلى تجّار حرب، نشأت من تحولات اجتماعية، حيث تداخلت العصبية العشائرية مع الاقتصاد غير الرسمي، لتنتج تشكيلات ذات طابع مافيوي».

بدأت ملامح «دولة داخل الدولة» في الفترة التي سبقت احتلال تنظيم «داعش» لثلث العراق، وكان نوري المالكي رئيس الوزراء حينها قد أبرم اتفاقاً مع واشنطن لسحب قواتها، لتبدأ الفصائل مرحلة جديدة من النشاط، مثل «عصائب أهل الحق»، بينما شكّلت بالتوازي أجنحة مسلحة جديدة.

يلفت داود إلى نمط ثالث من الفصائل «برز بعد الانسحاب الأميركي، لا قبله، ونشأ بدعم مباشر من الدولة، وتمويلها، خاصة في سياق تصاعد التوترات الطائفية بين 2011 و2014، وتزامناً مع الأزمة السورية»، موضحاً أن «خصوصية هذه الفصائل أنها لم تتكوّن خارج الدولة، بل إلى جانبها، وتغذت منذ البداية على مواردها، ما جعلها أكثر ارتباطاً بمنطق الريع، وأقل استقلالية من حيث القرار».

حدثت الشرعنة الكبرى في الفترة 2014–2017، حيث سمحت الحرب ضد «داعش» للمنتصرين الذين قدموا آلاف الضحايا في سبيل استعادة الأراضي بالحصول على إدماج قانوني، واعتراف منقطع النظير، سياسياً واجتماعياً، رغم خروقات رافقت عمليات هذه الفصائل.

ويعزز داود هذه الصورة بقوله إن هذه المرحلة «مثّلت انتقالاً إلى هيمنة رمزية، ومادية، مستندة إلى دور الفصائل في (إنقاذ الدولة)، خصوصاً عبر مؤسسة (الحشد الشعبي)، ما منحها شرعية مضاعفة».

في السنوات الأخيرة، تمددت الفصائل المسلحة إلى كل شيء تقريباً في الدولة. أصبح نفوذها حاكماً في الوزارات، والمنافذ الحدودية، ومن مظلتها تخرج عقود تجارية، واستثمارات، وولدت شبكات تمويل محلية. تضخم عدد المنتسبين إلى مستويات غير مسبوقة، كما يشير داود، «ما جعلها تتحول إلى قوة اجتماعية–اقتصادية، لا مجرد تشكيل عسكري».

يقول كثيرون من أنصار تحالف «الإطار التنسيقي» إن الحديث عن نفوذ الجماعات المسلحة داخل الدولة «مبالغات صنعتها سرديات إقليمية»، إلا أن الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران ألغت الحدود الفاصلة بين الميليشيات والدولة.

يقول النائب السابق سجاد سالم إن «الميليشيات هي التي تحكم العراق (...)، هذا مبدأ أساسي للنفوذ الإيراني، حتى وإن كان رئيس الحكومة شخصية مقبولة دولياً، وإقليمياً».

في النهاية سيبدو أن الفصائل تدحرجت مثل كرة ثلج صغيرة داخل الدولة قبل عشرين عاماً، وباتت تكبر كلما اندمجت في الدولة. من وجهة نظر سالم، فإن ما حدث يثبت خطأ التصور الأميركي «أن منح السلطة يمكنه تهذيب سلوك الفصائل، ويحد من النفوذ الإيراني».

لقد بلغ هذا التصور مرحلة متقدمة مع وصول محمد شياع السوداني إلى رئاسة الحكومة العراقية عام 2022، حين «تخيلت واشنطن أن بغداد ستقوم بعملية توطين ناعمة للسلاح المنفلت في الدولة»، على حد تعبير مسؤول حكومي سابق.

دمج الفصائل العراقية في الدولة شكل «قصة نجاح» «الحرس الثوري» الإيراني في بغداد. يقول نيك غازيتي إن «العراق هو البيئة المثالية لظهور الفصائل، وربما هي فرصة مثالية لـ(الحرس الثوري)، خصوصاً مع دمجها داخل مؤسسات الدولة العراقية».

بالنسبة لغازيتي، فإن «(الحرس الثوري) يقوم عملياً بتهيئة كادر من موظفي الدولة عقائدياً قبل دمجه في الحياة العامة داخل مؤسسات الدولة العراقية، ما يضمن الولاء شبه المطلق بناء على أسس عقائدية، ومادية أيضاً».

يقول هشام داود: «في هذا السياق، يمكن فهم صعود السوداني بوصفه تعبيراً عن التوازن الفصائلي–السياسي. شبكات نفوذ، وقدرة مالية على استيعاب مطالب الفصائل ذات المصالح المتداخلة».

هذه المصالح «ترسل أحياناً حقائب أموال للمعترضين على صفقة التوازن، حتى لو كانوا في طهران»، وفق تعبير قيادي شيعي.

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

تغيير الجلود... المزيد من المكاسب؟

طيلة أسابيع الحرب تعرضت المنطقة الخضراء إلى مئات الهجمات بالصواريخ، والمسيرات، واستهدفت غالبيتها السفارة الأميركية، ومنشآت حكومية. وبينما كانت واشنطن تتوقع من حكومة محمد شياع السوداني حفظ قواعد الاشتباك المعتادة خلال حرب الـ12 يوماً في يوليو 2025، تحطمت العلاقة بينهما على صخرة الفصائل الصلبة.

لقد ساعدت هذه الحرب على فك الالتباس العراقي بشأن الجماعات الخارجة عن الدولة، إذ تتمركز في داخلها. ومنذ أشهر كان السوداني يكافح للظفر بولاية ثانية في المنصب، مستنداً إلى كتلة نيابية فائزة في الانتخابات التشريعية الأخيرة بنحو 45 مقعداً، أكثر من نصفها فصائل مسلحة موالية لإيران.

يقود السوداني كتلة «الإعمار والتنمية» أكبر الفائزين الشيعة، وهو تحالف غير متجانس يضم أحزاباً، وجماعات مسلحة، بينهم فالح الفياض الذي يترأس هيئة «الحشد الشعبي»، وأحمد الأسدي قائد «كتائب جند الإمام»، وحيدر الغراوي قائد ميليشيا «أنصار الله الأوفياء». بات ينظر إليهم كجزء من القوة الإيرانية الضاربة التي نفذت هجمات في العراق خلال الحرب.

كيف تندمج هذه الفصائل في المؤسسات الحكومية، وتنفذ في الوقت نفسه هجمات ضد إراداتها؟ ثمة تفسيرات مختلفة، لكن النتيجة واحدة.

في شهادة لمسؤول سابق في الحكومة العراقية، يقول إن قوة حكومية اعتقلت خلية صغيرة تضم مسلحين متخصصين بنصب وإطلاق المسيرات بعد وقت قصير من تنفيذها لهجوم على السفارة الأميركية.

أثناء التحقيق مع هؤلاء، تقدم زعيم إحدى الفصائل بـ«طلب غريب» إلى الحكومة: «أحتاج إلى معلومات عن أحد أعضاء الخلية (...)، إنه عضو في فصيلي، لكنني لم أكلفه بهذه المهمة».

في العراق، كان هذا الأمر واحداً من ألغاز ابتكرتها الجماعات الشيعية في العراق. ثمة هيكل سياسي–اقتصادي للفصيل المسلح يندمج في الدولة، بينما تبقى النخبة القتالية خارج الدولة، «تقاوم الدولة نفسها».

كان التصور الأولي، بحسب مصادر متقاطعة، يفيد بأن «الحرس الثوري» يشكل «قوة ضاربة من نخبة مقاتلين ينتمون لفصائل متعددة يعملون تحت إمرته، وينفذون هجمات دون العودة إلى الزعماء المحليين»، لكن الصورة الأكثر قرباً من الواقع تفيد بأن الضباط الإيرانيين، لا سيما النشطاء في قوة «القدس» الإقليمية، يديرون مجموعات خاصة داخل كل فصيل.

يتفق سجاد سالم مع هذا التصور. يقول إن «إيران تتعامل مع كل ميليشيا عراقية على حدة. داخل كل منها مجاميع تتبع إيران، وليس لقائدها المحلي». ويضيف: «تتعامل إيران مع (حزب الله) في لبنان أو الحوثي في اليمن كمشهد واحد بصورة مركزية، إلا في العراق، يدار النفوذ بالتجزئة».

في أبريل 2025، قالت جماعات شيعية إن «الحرس الثوري» طلب منها «القيام بما يلزم» لتجنب الصراع مع الولايات المتحدة، بما في ذلك تسليم سلاحها الثقيل. وفي مارس 2026 (آذار)، قالت جماعات أخرى إنها وافقت على هدنة تشمل وقف الهجمات على السفارة الأميركية.

والحال أنه مع وجود المجموعات الخاصة داخل هذه الفصائل، والتي تتبع هرمياً «الحرس الثوري»، يمكن لزعماء الفصائل إبرام اتفاقات تشمل تسليم السلاح، ووقف الهجمات، وحصد مكاسبها السياسية، دون أن يعني ذلك شيئاً على الأرض.

لا يمكن إغفال عقوبة وزارة الخزانة الأميركية منتصف أبريل (نيسان)، حين اتهمت «عصائب أهل الحق» باستخدام مسيرات إيرانية في مهاجمة القوات الأميركية في شمال العراق عبر قيادي في الفصيل يدعى صفاء عدنان.

منذ مشاركته القوية في حكومة محمد شياع السوداني، يحاول قيس الخزعلي تغيير لغته السياسية، والإيحاء بأنه قادر أيضاً على تغيير جوهره، لكن «إلى أي حد يمكن اعتبار العملية أكثر من تغيير جلد»، على حد تعبير مسؤول سابق في الخارجية الأميركية كان مهتماً بمراقبة «التحولات المثيرة في سيرة الرجل الذي انشق من تيار مقتدى الصدر عام 2006».

جدارية وشعار مجهول في أحد شوارع المنطقة الخضراء ببغداد (الشرق الأوسط)

اليوم التالي للحرب في العراق

منذ إعلان وقف النار وانطلاق مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يمارس الأميركيون ضغوطاً خشنة لتغيير جوهر الحكم في بغداد، رغم أن سجاد سالم يرى أن الحرب أظهرت «من يحكم بغداد بالفعل»، في إشارة إلى الفصائل، ومهما كانت نتائج المفاوضات في إسلام آباد، فإن «طهران ربحت بغداد بالكامل».

مع ذلك، يتصور الباحث هشام داود «اليوم التالي» للحرب، في حال تعزز نفوذ القوى الفصائلية، بأن الدولة المركزية في العراق «لن تتجه نحو الانهيار الكامل، ولا نحو التماسك الصلب، بل نحو نموذج انتقالي من دولة مركزية تحتكر الريع، لكنها موزعة فعلياً بين شبكات نفوذ متعددة».

وفرضت الرسائل الأميركية الضاغطة على الأحزاب الشيعية مسارات محسوبة لتشكيل الحكومة الجديدة، وتدفع باتجاه ربح المعركة مع الإيرانيين عبر تحييد «الحشد الشعبي» من المؤسسة الحاكمة، لكن طهران تبدي ممانعة قوية حتى الآن.

هذا هو الاختبار الحقيقي لقادة «الإطار التنسيقي»، إذ يصلون إلى مفترق الطرق بين حماية نفوذهم المتنامي ضمن صفقة جديدة ليست بعيدة المتغيرات الإقليمية، أو حماية السلاح بوصفه السبيل لجني مكاسب جديدة.

ويقترح نيك غازيتي أنموذجاً كلاسيكياً، حين تحولت الميليشيات الأميركية التي نشأت في فترة حرب الاستقلال عام 1776 إلى «حرس وطني» للولايات المتحدة، لكنه يجد صعوبة في مقاربتها عراقياً بسبب «السردية العقائدية للجماعات الشيعية».

ولأن «العقيدة ليست كل شيء في العراق»، كما يقول مسؤول سياسي بارز في «الإطار التنسيقي»، فإن التحول المحتمل لجماعات «الحشد الشعبي» سيكون هجيناً بين المصلحة والولاء.

ويقول هشام داود إن «شكل الدولة القادمة، لن يكون دولة ما بعد ميليشيا، بل دولة تعيد تعريف نفسها بإدارة مساحة الفصائل –وليس بإلغائها- داخل النظام السياسي».

في بغداد ينظر إلى التحالف الحاكم على أنه خصم لا يتوقف عن القتال، ولا ينزع السلاح، ويريد عقد صفقات سياسية مع محيطه، كما هي الصورة الأوسع في المنطقة؛ لا حرب ولا سلام بين الولايات المتحدة وإيران. وسيبدو الجنود في جدارية «السقوط المحتم للنيازك» في المنطقة الخضراء لوحة تعبيرية عن قادة «الإطار التنسيقي»، يحملون بنادق لحماية مكاسبهم، لكنهم لا ينوون إطلاق النار.


تركيا تواجه «العنف المجتمعي» بعد صدمة هجمات المدارس

أحد آباء ضحايا هجوم مدرسة «آيسر تشاليك» في كهرمان ماراش جنوب تركيا يبكي على نعشه خلال تشييع جنازات الضحايا (رويترز)
أحد آباء ضحايا هجوم مدرسة «آيسر تشاليك» في كهرمان ماراش جنوب تركيا يبكي على نعشه خلال تشييع جنازات الضحايا (رويترز)
TT

تركيا تواجه «العنف المجتمعي» بعد صدمة هجمات المدارس

أحد آباء ضحايا هجوم مدرسة «آيسر تشاليك» في كهرمان ماراش جنوب تركيا يبكي على نعشه خلال تشييع جنازات الضحايا (رويترز)
أحد آباء ضحايا هجوم مدرسة «آيسر تشاليك» في كهرمان ماراش جنوب تركيا يبكي على نعشه خلال تشييع جنازات الضحايا (رويترز)

عاش المجتمع التركي تجربة قاسية وهو يشهد هجومين بالأسلحة على مدرستين في يومين متتاليين أحدثا صدمة هائلة ربما فاق تأثيرها بعض الكوارث الطبيعية كالزلازل؛ لغرابتهما، وهو ما لم يعرفه الأتراك من قبل إلا في أفلام هوليوود.

تعد حوادث إطلاق النار في المدارس التي تعد جرحاً غائراً في العالم، وبخاصة في أميركا، التي باتت فيها هذه الحوادث أمراً مألوفاً، من قبيل الغرائب المفزعة في تركيا التي لم تشهد مثل هذه الحوادث على مدى تاريخها.

اهتزت تركيا بهجومين متتاليين وقع أولهما في 14 أبريل (نيسان)، حيث دخل طالب سابق في مدرسة «أحمد كويونجو» الثانوية الفنية في منطقة «سيفريك» في ولاية شانلي أورفا (جنوب شرقي تركيا)، المدرسة بمسدس وأطلق النار عشوائياً، مما تسبب في إصابة 16 طالباً، قبل أن ينتحر.

الهجوم الثاني، الذي وقع في 15 أبريل الماضي، كان الأكثر غرابة وإيلاماً لأنه حصد أرواحاً بريئة من المعلمين والتلاميذ في مدرسة إعدادية، كما أن منفذه لم يتجاوز الـ14 من عمره، لكنه تأثر بما شاهد عبر منصات التواصل الاجتماعي من حوادث مشابهة في أميركا.

الحادثة، التي نفذها «عيسى أراس مرسينلي» الطالب في الصف الثامن بمدرسة «آيسر تشاليك» الإعدادية في كهرمان ماراش، مستخدماً 5 أسلحة تعود إلى والده مفتش الشرطة، وأفرغ خلالها 7 مخازن ذخيرة في صفين دراسيين، خلَّفت 9 قتلى من زملائه، تتراوح أعمارهم بين 11 و12 عاماً، ومعلمة رياضيات تبلغ من العمر 55 عاماً، حاولت حماية مجموعة من تلاميذها بجسدها، فاخترقه الرصاص.

تفاصيل صادمة

خلَّف الحادثة حزناً عميقاً وغضباً عارماً في الشارع تم التعبير عنه عبر منصات التواصل ووسائل الإعلام، كما أثارت خوفاً لدى المعلمين على حياتهم وهم يمارسون عملهم، وسط انتقادات حادة من المواطنين وأحزاب المعارضة لحكومة الرئيس رجب طيب إردوغان، لغياب التدابير الأمنية في المدارس، ومطالبات بإقالة وزير التعليم، يوسف تكين.

مسعفون ينقلون جثامين القتلى في حادثة إطلاق النار بمدرسة «آيسر تشاليك» الإعدادية في كهرمان ماراش (إعلام تركي)

منفِّذ الهجوم «عيسى أراس مرسينلي»، شارك على حسابه في «واتساب»، صورة للأميركي إليوت رودجر، الذي نفَّذ هجوماً في حرم جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا عام 2014، وكان يبلغ من العمر 22 عاماً، فقتل 6 أشخاص، قبل أن يُنهي حياته، ونشر قبيل هجومه مقطعاً مصوراً قال فيه إن ما سيقدم عليه هو بمنزلة «عقاب» للنساء اللواتي رفضنه.

وكتب مرسينلي اسمه على «واتساب» قبل الحادثة: «عيسى أراس مرسينلي قاتل المدرسة»، لكنه لم ينتحر كما فعل الأميركي رودجر ربما لأنه كان ينوي مواصلة إطلاق النار قبل أن يتصدى له والد تلميذين في المدرسة يعمل طاهياً وتصادف وجوده في منزله مقابل المدرسة عند وقوع إطلاق النار، فهرع لإنقاذ نجليه، وفي الطريق أمسك بالمهاجم واشتبك معه وأصابه بسكين في ساقه اليمني من الخلف ليلقى حتفه بسبب النزيف، كما بيَّن الطب الشرعي.

مفتش الشرطة، والد مرسينلي، اعتُقل في يوم الحادثة وأدلى باعترافات صادمة، أكد فيها أن ابنه كان يعاني مشكلات نفسية، وأنه رفض مؤخراً زيارة الطبيب النفسي، وأنه لاحظ قبل شهر من ارتكابه جريمته اهتمامه المتزايد بالأسلحة، ومن أجل تحويل انتباهه عنها قام بتدريبه على إطلاق النار على أهداف ثابتة قبل وقوع الهجوم بيومين فقط. لكن الأب لم يكن يتصور أن لدى ابنه القدرة على استخدام السلاح بهذا الشكل، الذي نفّذ به جريمته.

وقال الأب إن ابنه كان «منشغلاً باستمرار بأجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة، وكان يلعب ألعاباً تفاعلية، وكان يرفض أن يُري أحداً أي شيء، وكان يتحدث الإنجليزية، وإنه هو نفسه لم يكن يفهم ما يُقال لعدم معرفته بالإنجليزية، ولهذا السبب لم تتمكن الأسرة من رصد أي سلوك معادٍ لديه».

عائلات طلاب مدرسة «آيسر تشاليك» الإعدادية في كهرمان ماراش جنوب تركيا عقب تعرضها لهجوم مسلح على يد أحد الطلاب (رويترز)

وأعلنت ولاية كهرمان ماراش، وقف ضابط شرطة عن العمل، كان مسؤولاً عن ميدان الرماية، حيث درَّب فيه والد منفذ هجوم المدرسة ابنه على إطلاق النار، بعد انتشار مقاطع فيديو له وهو يطلق النار ويصوّب على أهداف بمساعدة والده.

وأكدت التحقيقات أن الحادثتين فرديتين ومنفصلتين، وأنه لا يوجد أي رابط بين منفذيهما.

غضب واسع وانتقادات

وقررت وزارة التعليم إغلاق مدرسة «آيسر تشاليك» حتى نهاية العام الدراسي الحالي، وتوزيع طلابها على مدارس أخرى قريبة بناءً على طلب أولياء الأمور بسبب الحالة النفسية لأطفالهم، على أن يُتخّذ القرار النهائي بشأنها لاحقاً.

تظاهر آلاف المعلمين بإسطنبول مطالبين بوقف العنف في المدارس واستقالة وزير التعليم التركي يوسف تكين (حساب اتحاد نقابات المعلمين في «إكس»)

وأثار الهجومان المتتاليان غضباً واسعاً في أوساط المعلمين، وخرج الآلاف منهم في احتجاجات في مختلف أنحاء البلاد بدعم من نقابات العاملين بالتعليم واتحاد النقابات، وتجمع نحو 4 آلاف معلم في ميدان «تان دوغان» في العاصمة أنقرة في اليوم التالي لهجوم مدرسة كهرمان ماراش، محاولين السير إلى مبنى وزارة التعليم لكن الشرطة قامت بتطويق التجمع ومنعت المسيرة.

ودعا اتحاد نقابات العاملين بالتعليم إلى إضراب لمدّة يومين في عموم تركيا، وسط مطالب بوقف العنف في المدارس والشوارع، وإقالة وزير التعليم يوسف تكين.

ضعف الأمان التعليمي

كشفت الهجمات المسلّحة على المدرستين عن جوانب الضعف الأمني ​​في المؤسسات التعليمية، وأعادت إلى الأذهان مطالبة المعارضة، خلال اجتماع لجنة التخطيط والميزانية بالبرلمان في سبتمبر (أيلول) 2025، بزيادة ميزانية وزارة التعليم البالغة 1.9 تريليون ليرة تركية، بمقدار 225 مليار ليرة إضافية لتلبية احتياجات المدارس من عمال النظافة والأمن والصحة العامة.

ورفض نواب حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، وحليفه حزب «الحركة القومية»، ما قالوا إنها مزاعم نقص الأمن في المدارس، قائلين إنه «مشهد من تركيا القديمة، وإنه تم تخصيص حراس أمن لـ132 مدرسة عالية الخطورة»، ورفضوا اقتراح المعارضة.

ولفت نائب رئيس حزب «الشعب الجمهوري»، سعاد أوزتشاغداش، إلى أن هجومَي مدرستَي شانلي أورفا وكهرمان ماراش، جاءا بعد سلسلة حوادث عنف واعتداءات مسلحة فردية في المدارس، لافتاً إلى 16 حادثة على الأقل منذ بداية العام الحالي.

ورأى نائب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب، مراد أمير، أن الفقر والبطالة والمشكلات الأسرية والنفسية والعنف، وتراجع جودة التعليم، وعجز الحكومة عن أداء دورها على النحو الأمثل، كلها عوامل تُؤجّج العنف في المدارس.

في المقابل، تعهَّد الرئيس رجب طيب إردوغان بعدم ترك الحادثتين تمرّان من دون عقاب المقصرين أياً كانت مواقعهم، قائلاً إن «من واجبنا الأخلاقي والضميري ألا يُستغلّ هجوم كهذا الذي أشعل نار الغضب في قلوب أمتنا بأسرها، في جدل سياسي أو لتحقيق مكاسب إعلامية».

زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل (حساب الحزب في «إكس»)

وقال زعيم المعارضة رئيس حزب «الشعب الجمهوري»، أوزغور أوزيل، إنه «في المرحلة التي وصلنا إليها اليوم، بات من الواضح أن العنف في المدارس لم يعد يُفسّر بحوادث معزولة، يجب أن يكون أمن المدارس من أهم أولويات تركيا الآن».

تحركات عاجلة

وأثارت الحادثتان عديداً من التساؤلات حول الدوافع التي تقف وراء ارتكاب مثل هذه الجرائم، ودور المدارس والعائلات ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي والدراما فيها، إضافةً إلى مسألة حمل السلاح المرخص وفوضى الأسلحة غير المرخصة.

وتحركت تركيا على الفور باتجاه تشديد العقوبات على الأطفال مرتكبي الجرائم وعائلاتهم، وسن قانون خاص بوسائل التواصل الاجتماعي، وفرض قيود على البرامج التلفزيونية التي تتضمن محتوى يُحرّض أو يشجّع على العنف.

وزير العدل التركي أكين غورليك (من حسابه في «إكس»)

وقال وزير العدل، أكين غورليك، إنه بعد هجومين شانلي أورفا وكهرمان ماراش، سنتخذ إجراءات لتشديد العقوبات على الأطفال الذين ينجرّون إلى الجريمة، وسنُسنّ قانوناً خاصاً بوسائل التواصل الاجتماعي، وسنتناول البرامج والمنشورات على منصات التواصل الاجتماعي والبرامج التلفزيونية التي تشجع على هذا السلوك.

وأضاف غورليك أنهم بدأوا العمل على وضع لائحة قانونية لا تشمل فقط مرتكب الجريمة، بل أيضاً البيئة التي رعته وأهملت مسؤولياتها الرقابية، و«إذا لزم الأمر، سنُحمّل الأسر أيضاً مسؤولية إهمالها واجباتها الرقابية والمسؤولية تجاه بعض الجرائم التي يرتكبها الأطفال، لا سيما جرائم العنف والقتل».

كان توقيف والدة منفّذ هجوم مدرسة كهرمان ماراش بتهمة الإهمال والتقصير في القيام بما يلزم تجاه تلقي نجلها العلاج النفسي اللازم واستكماله، أولى الخطوات في هذا الصدد.

نشرت السلطات التركية عناصر من الشرطة لتأمين المدارس عقب هجومي شانلي أورفا وكهرمان ماراش (رويترز)

وفرضت وزارة التعليم التركية عقب الهجومين إجراءات أمنية جديدة عبر نموذج أمني تشارك فيه وزارة الداخلية من خلال نشر عناصر من الشرطة في محيط المدارس في جميع أنحاء البلاد وتعميم البوابات الإلكترونية، وتطبيق إلزامية الحضور إلى المدرسة بالزي المدرسي فقط، وعدم السماح بدخول مبنى المدرسة لأي شخص غير المعلمين والطلاب والموظفين خلال ساعات الدوام.

وحسب النموذج الجديد، سيتمكن أولياء الأمور من دخول المدرسة فقط عبر نظام المواعيد، مع إبراز الهوية، وسيسمح لهم بتسليم أغراض الطلاب إلى نقطة الأمن بدلاً من إدخالها إلى الصفوف، كما سيتسلمون أبناءهم بعد انتهاء اليوم الدراسي من منطقة انتظار مخصصة، مع عدم السماح لهم بالبقاء فيها بعد الاستلام، مع تشديد عمليات التفتيش على الطلاب عند الدخول إلى المدرسة في بداية اليوم الدراسي، وفرض عقوبات تأديبية فورية على المخالفين، والتواصل مع أولياء الأمور عبر الرسائل الفورية في حال تأخر الطالب عن دخول المدرسة أو خروجه مبكراً.

كما يتضمن النظام الجديد آليات للإبلاغ عن حوادث التنمر في المدارس عبر خط ساخن، وتفعيل استخدام الذكاء الاصطناعي في المراقبة والرصد.

قيود على «التواصل الاجتماعي»

باتت وسائل التواصل الاجتماعي هدفاً لمزيد من القيود، ونفَّذت السلطات حملة اتخذت فيها إجراءات قانونية ضد 130 صاحب حساب على منصات التواصل الاجتماعي، ممن نشروا منشورات تتعلق بالهجومين، وتم توقيف 411 شخصاً، وحظر الوصول إلى 1104 حسابات، وتم تحديد الحسابات التي أثارت قلقاً عاماً باستهدافها المدارس والتهديد بشن هجمات؛ وفي هذا السياق، تم احتجاز 67 مستخدماً استهدفوا 54 مدرسة.

وتم تقديم طلبات لإزالة المحتوى وحظر الوصول إلى 66 رابطاً على تطبيق «تلغرام»، تبين أنها نشرت منشورات استفزازية، وتم إغلاق مجموعة على التطبيق ذاته تضم نحو 100 ألف عضو، حيث تم تبادل صور متعلقة بالهجمات.

البرلمان التركي أقر قانوناً فرض قيوداً على استخدام الأطفال قبل سن 15 عاماً منصات التواصل الاجتماعي (حساب البرلمان في «إكس»)

وأقر البرلمان التركي قانوناً يحظر ​استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ‌لمن هم دون سن 15 عاماً، ويفرض قواعد ​جديدة على المنصات الرقمية، ​بما في ذلك شركات ⁠برمجيات الألعاب، مع تعديل ​تشريعات قائمة مثل قانون ​الخدمات الاجتماعية وقوانين أخرى.

ويلزم القانون المنصات التي تضم أعداداً ​كبيرة من المستخدمين ​بتعيين ⁠ممثل لها في تركيا، و​تصنيف الألعاب وفق الفئات العمرية للمستخدمين.

وقالت وزيرة الأسرة، ماهينور غوكطاش، إنه يجري العمل على تطبيق نظام للتحقق من العمر لدخول منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن الحكومة لا تهدف إلى حظر هذه المنصات وإنما الرقابة على محتوياتها.

ودعت غوكطاش المنصات وشركات تطوير الألعاب إلى التعاون لإنتاج محتوى نظيف وحماية الأطفال من التنمر ومن المواد التي تحض على العنف.

وللحد من احتمالات وصول الأسلحة إلى المدارس واستخدامها في ارتكاب جرائم مماثلة، قال غورليك إن وزارة العدل تدرس إدخال تعديلات على قانون المسؤولية الجنائية لحاملي رخص حيازة الأسلحة النارية في الحالات التي تُرتكب فيها جرائم نتيجة سوء تخزينها في المنزل وتركها في متناول الأطفال (كما حدث في جريمة مدرسة كهرمان ماراش)، وتصنيف جرائم القتل التي تُرتكب في المدارس والأماكن المشابهة على أنها جرائم قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد.

وأضاف أنه فيما يتعلق بالبرامج التلفزيونية التي تروّج للعنف وتشجع على استخدام الأسلحة، فإننا نتخذ الخطوات اللازمة ونخطط لإصدار لوائح تنظم المسؤولية الجنائية بشكل خاص.

وتفاعلاً مع الخطوة، قامت شركات الانتاج بمراجعة مشاهد العنف واستخدام السلاح في عدد من المسلسلات التلفزيونية، في مقدمتها «أشرف رؤيا» و«تحت الأرض»، وقامت بعض الشركات المعلنة بسحب دعمها للمسلسلات التي تُظهر المافيا ويُحتمل أن تحرض على العنف.

رئيس حزب «الجيد» القومي مساوات درويش أوغلو (من حساب الحزب في «إكس»)

وانتقد رئيس حزب «الجيد» القومي المعارض الحكومة، قائلاً: «أتمنى ألا يرسل أي أب أو أم طفلهما إلى المدرسة خائفاً، وألا تُذكر أي مدينة مرة أخرى بالمآسي التي عانى منها أطفالها».

وأضاف أن الإجراءات الأمنية المتخَذة في المدارس، وحظر وسائل التواصل الاجتماعي، وتركيب البوابات عند مداخل المدارس، غير فعّالة في منع مثل هذه الحوادث، لافتاً إلى أن «الأطفال لا يذهبون إلى المدارس وهم خائفون وقلقون فقط من هذه الهجمات، بل إنهم عالقون في دوامة من عدم اليقين، ومحاطون بالغموض، ويُنتقص من قيمتهم أمام أعيننا».

جرائم الأطفال وفوضى السلاح

سلَّط الهجومان الداميان في مدرستي شانلي أوفا وكهرمان ماراش الضوء على العنف بين الأطفال والقصَّر وانتشار السلاح المرخَّص وغير المرخَّص على نطاق واسع، يصل إلى حد الفوضى.

وتشير تقارير وإحصاءات رسمية إلى زيادة مقلقة في جرائم القتل والإصابة بين القصَّر في تركيا، حيث ارتفعت قضايا القتل التي تورَّط فيها أطفال بنسبة 131 في المائة بين عامي 2015 و2024.

كانت جريمة اغتيال الصحافي التركي من أصل أرميني، هرانت دينك، في وضح النهار عام 2007 أمام مقر صحيفة «آغوس»، التي تصدر بالتركية والأرمينية، في وسط إسطنبول، والتي كان يرأس تحريرها، واحدة من الحوادث التي دقت، بشدة، ناقوس الخطر، حول جرائم الأطفال والقصَّر.

الجريمة نفَّذها صبي يُدعى «أوجون ساماست» (17 عاماً)، تم تدريبه على السلاح في مدينة طرابزون بمنطقة البحر الأسود في شمال تركيا، وإرساله من قبل مجموعة من القوميين المتشددين لقتل دينك، بسبب موقفه في الدفاع عن الأقلية الأرمنية، ومحاولة تحقيق مصالحة بين الدولة التركية والأرمن الذين يشعرون بالمرارة بسبب ما يزعمون أنها «إبادة جماعية» بحق الأرمن ارتكبها الأتراك في عهد الدولة العثمانية عام 1915 إبان الحرب العالمية الأولى، وراح ضحيتها نحو 1.5 مليون أرميني، فيما تؤكد تركيا أن الحوادث التي وقعت في شرق الأناضول في ذلك الوقت أوقعت ضحايا من الجانبين.

اغتيال الصحافي التركي - الأرميني 2007 في إسطنبول على يد صبي قاصر دق ناقوس الخطر حول جرائم الأطفال وفوضى السلاح في تركيا (أرشيفية - صحيفة «آغوس»)

وأثار اغتيال دينك ردود فعل غاضبة واسعة النطاق داخل تركيا، وسرعان ما تحولت القضية إلى فضيحة بعد ما تبين أن سلطات الأمن التركية كانت على علم بوجود تخطيط لاغتياله لكنها لم تتحرك لمنعه، أو اتخاذ إجراءات لحمايته.

وتشير تقارير وإحصاءات حديثة إلى حالة قلق وطني متزايد في تركيا بشأن ظاهرة «التسلح الفردي»، وإلى وجود نحو 40 مليون قطعة سلاح في البلاد، الغالبية العظمى منها (نحو 90 في المائة) غير مرخصة.

ووفقاً لتقرير أصدره «وقف أوموت» للدراسات الاجتماعية، يوجد نحو 2.5 إلى 4 ملايين سلاح مرخص فقط، مقابل عشرات الملايين من الأسلحة غير القانونية، وأن هناك تقريباً 9 أسلحة غير مرخصة مقابل كل سلاح مرخص واحد.

ورصد التقرير ارتفاع معدلات العنف، ووقوع 3 آلاف و422 حادثة عنف مسلح في عام 2025، استُخدمت الأسلحة النارية، بما فيها بنادق الكلاشينكوف والبنادق الآلية، في 85 في المائة من هذه الحوادث، واستُخدمت جميع أنواع الأدوات الحادة، من السكاكين إلى الفؤوس، في 15 في المائة منها.

وتوزعت الهجمات المسلحة على مناطق مختلفة من تركيا، وسُجّل أعلى تركيز للحوادث في منطقة مرمرة، بنسبة 29.23 في المائة، تلتها منطقة البحر الأسود بنسبة 14.71 في المائة، ثم منطقة جنوب شرقي الأناضول (التي شهدت حادثتي المدرستين) بنسبة 14.44 في المائة.

وبلغت النسبة في منطقة بحر إيجة 12.54 في المائة، ووسط الأناضول 12.30 في المائة، ومنطقة البحر المتوسط 11 في المائة، وشرق الأناضول بنسبة 5.78 في المائة.

كما أظهرت تقارير أخرى أن 15 شخصاً على الأقل يُقتلون يومياً في تركيا بحوادث إطلاق نار. وتحذر جهات حقوقية من سهولة الحصول على الأسلحة عبر الإنترنت بأسعار زهيدة، مما جعلها في متناول الأطفال والقصَّر أحياناً.

وأسفرت عمليات نفَّذتها السلطات الأمنية التركية خلال عام 2025 عن ضبط أكثر من 110 آلاف سلاح غير مرخص، واتخاذ إجراءات قانونية ضد نحو 119 ألف شخص، وتم تعديل القوانين لرفع عقوبة حيازة سلاح غير مرخص لتصبح الحبس من سنتين إلى 4 سنوات، بدلاً من سنة إلى 3 سنوات، سابقاً، لتعزيز الردع.

دوافع وحلول

وصف خبراء أتراك مختصون في علم النفس والاجتماع، استطلعت «الشرق الأوسط» آراءهم حادثتي مدرستي شانلي أورفا وكهرمان ماراش، بـ«الحريق الاجتماعي» الذي تجاوز مجرد الحوادث المعزولة، وذهبوا إلى تحديد عدد من الدوافع والأسباب التي تقف وراء مثل هذه الحوادث، مؤكدين أن هذه الهجمات لا تنجم عن عامل واحد، بل عن مزيج من الأزمات المتراكمة على مدى سنوات، والاستياء، وضياع الانتماء، والإذلال، والميول الانتحارية، والأوهام العنيفة، وتقليد الجناة السابقين، وسهولة الوصول إلى الأسلحة، وهو ما يتطابق أيضاً مع دراسات عميقة أُجريت في هذا الصدد.

معلمة بمدرسة «آيسر تشاليك» في كهرمان ماراش التي شهدت هجوماً خلّف قتلى وجرحي تدعو وهي تبكي أمام المدرسة بينما نثر المعلمون وأولياء الأمور زهور القرنفل الأحمر على الدرج (أ.ف.ب)

واتفق الخبراء والأكاديميون على أن العنف المدرسي لا يمكن منعه إلا من خلال نهج متعدد الجوانب لا يقوم على التدابير الأمنية فحسب، وأن الوعي المبكر، والتواصل الأسري الفعال، والبيئة المدرسية الشاملة، والخطاب الإعلامي الواعي، وتوفير نظام للفهم والدعم العاطفي للأطفال من أهم ركائز هذا الأمر.

وعدَّت رئيسة الجمعية التركية لطب نفس الأطفال والمراهقين، الدكتورة نسليهان إينال، حادثتي المدرستين بمنزلة جرس إنذار على انهيار متزامن لنظام تعليمي، وبنية أسرية، وسياسات اجتماعية تركز حصراً على «الالتحاق بالجامعة»، متجاهلةً مواهب الأطفال واحتياجاتهم النفسية.

ورأت أنه لا يمكن تفسير انخراط الأطفال في الجريمة بنوبة جنون عابرة أو بالعوامل الوراثية فقط، وأن أهمَّ عاملٍ كامنٍ وراء الميل إلى الجريمة هو العوامل البيئية والإهمال، لافتةً إلى دور العامل الاقتصادي، وارتفاع معدلات الاكتئاب والميل إلى العنف والجريمة لدى الأطفال والمراهقين مع ازدياد الفقر.

ولفتت إلى ظاهرة التنمر، التي بلغت في تركيا 40 في المائة، متجاوزةً المعدل العالمي، محذرةً من أن تستر كثير من المدارس عليها يهيئ بيئة خصبة لردود فعل انتقامية عنيفة.

وأيَّدت الأكاديمية المتخصصة في علم نفس الأطفال والمراهقين، إليف كارا أوغلو، ما ذهبت إليه إينال بشأن الفقر بوصفه عاملاً في زيادة العنف، لافتةً إلى أن الهجومين وقعا في بيئة فقيرة في ولايتي شانلي أورفا وكهرمان ماراش، وأن ما حدث لم يكن مفاجئاً لها لأنه يعد تطوراً لحوادث العنف التي بدأت على نطاق فردي، حتى ولو لم يُستخدم فيها السلاح.

والدة أحد ضحايا هجوم مدرسة كهرمان ماراش جنوب تركيا تبكي على نعشه في أثناء تشييع جنازات الضحايا (إعلام تركي)

وأشار الدكتور عاكف تاشدمير إلى أن العامل الحاسم في تحول الغضب إلى جريمة هو سهولة وصول المراهقين إلى الأسلحة، وبخاصة أسلحة الآباء، منبهاً إلى تأثير العنف الأسري والبيئة، وأن العائلات الاستبدادية بشكل كبير، أو غير المبالية تماماً تسهم في نشأة سلوكيات عدوانية لدى الأطفال.

وذهب إلى أن زيادة الاستقطاب الاجتماعي ولغة الغضب في المجتمع تؤثر بشكل مباشر على المراهقين والشباب، وتجعلهم أكثر عرضة لتبني سلوكيات عنيفة.

وأكدت الأكاديمية نورسال إنجي أن التعرض المستمر لمحتوى عنيف، سواء في الدراما أو الألعاب، يؤدي إلى فقد الحساسية الاجتماعية، وتعزيز رؤية الجاني بطلاً أو وسيلة لتحقيق الشهرة لدى المراهقين بدلاً من كونه مجرماً، محذرةً من أن العزلة في غرف مغلقة مع ألعاب تنافسية عنيفة يُضعف قدرة المراهق على إدارة مشاعره وقدرته على اتخاذ قرارات سليمة في الواقع.

وأوضحت أنه يمكن التعرف مبكراً على الميل إلى العنف لدى الأطفال والمراهقين، حيث تعد بعض التغيرات السلوكية مثل نوبات الغضب المفاجئة، وتحدي القواعد والسلوك التهديدي، والانسحاب من المحيط الاجتماعي، مؤشرات على هذا الميل.

ونصحت بأن يتم اعتماد، بدلاً من العقاب، العمل على تحويل أخطاء المراهقين إلى فرص تعليمية وتدريبهم على مهارات السيطرة على الغضب والتعاطف قبل وصولهم إلى مرحلة الانفجار.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مراكز الحوثي الصيفية: عبور مدرسي «إلزامي» إلى جبهات القتال

«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)
«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)
TT

مراكز الحوثي الصيفية: عبور مدرسي «إلزامي» إلى جبهات القتال

«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)
«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)

في زاوية من فناء إحدى المدارس الحكومية في صنعاء، تقف امرأة بملابس سوداء، اعتادت يوماً أن ترى ابنها في الطابور الصباحي.

اليوم تعود إلى المكان ذاته لا بوصفها أُمّاً، بل عاملة نظافة تحاول أن تُبقي ما تبقى من حياتها قائماً. تمسح الأرض بصمت ثقيل، وكأنها تهمس لحصى الساحة: كان لي ابن هنا ذهب طفلاً، وعاد جثة.

ترى الأم وجه ابنها في الطوابير، وهي تسمع أناشيد وهتافات لم تكن مألوفة. تدرك، بصمت، أن كثيراً من هؤلاء قد يسلكون الطريق ذاته، لكنها لا تقول شيئاً.

قبل عامين، فقدت أم عامر ابنها الوحيد، وكان في السابعة عشرة من عمره.

عاد إليها جثة هامدة، وصورته مرفوعة على صندوق. قالوا لها: «زغردي فقد نال الشهادة».

تتذكر السيدة وهي تتحدث إلينا كيف بدأ ابنها يتغير تدريجياً منذ انضمامه إلى ذلك المعسكر الصيفي. صار أكثر صمتاً، وأحياناً أكثر حدّة، يطلق الصرخة ويردد عبارات لم تألفها عن «الجهاد» و«النصر» كأنهما طريقه الوحيد. لم تفهم ما الذي يحدث، لكنها رأت في عينيه نظرة تأخذه بعيداً منها.

اليوم، لا تفعل سوى أن تمسح دموعها خفية، وتواصل التنظيف في عمل حصلت عليه بصفتها «أم شهيد»، لتعيل بناتها الثلاث، بعدما فقدت الابن المعيل.

تلامذة في صف مدرسي يؤدون التحية العسكرية ويهتفون بـ «الصرخة» الحوثية (الشرق الأوسط)

من نشاط صيفي إلى جهاز تعبئة

لم تولد المراكز الصيفية التابعة لجماعة الحوثي مع السيطرة على صنعاء عام 2014، بل تمثل امتداداً لمسار تاريخي مرتبط بنشأة الجماعة نفسها. تعود بدايات هذه المراكز إلى أوائل التسعينات، وتحديداً عام 1991، حين بدأت الجماعة، ضمن إطار ما عُرف بـ«الشباب المؤمن»، بتنظيم أنشطة شبابية ودورات موسمية في محافظة صعدة، بهدف تمرير خطابها الفكري عبر حلقات تعليمية ومخيمات صيفية، وقد مثلت هذه الأنشطة إحدى أبرز الأدوات المبكرة لبناء قاعدة اجتماعية وتنظيمية، عبر خلق بيئة تفاعلية تجمع بين التعليم والتنشئة الفكرية.

ومع اندلاع حروب صعدة ابتداءً من عام 2004، شهدت هذه الأنشطة تحولاً نوعياً؛ إذ لم تعد مقتصرة على الجانب الديني أو التعليمي، بل تحولت إلى أدوات تعبئة واستقطاب، مستفيدة من حالة التعاطف الشعبي التي رافقت الحرب، ما أسهم في توسيع دائرة التأثير واستقطاب شرائح أوسع من الشباب.

بحلول عام 2008، بدأت الجماعة نقل هذا النشاط إلى خارج صعدة عبر وسائل غير تقليدية، من بينها توزيع مواد رقمية على وسائط تخزين صغيرة (SD وUSB)، احتوت على محاضرات ودروس مرتبطة بالمراكز الصيفية، إضافة إلى ما يُعرف بـ«الملازم» - وهي محاضرات كان يلقيها مؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي - يجري تفريغها وطباعتها في كراريس.

وفي حديث مع «الشرق الأوسط»، يقول أحد المشرفين على المراكز الصيفية في صنعاء، مفضلاً عدم كشف اسمه، إنه حصل عام 2008 على «ذواكر صغيرة» كانت توزع بين طلاب محددين في المدارس، وعند الاطلاع على محتواها وجد تسجيلات ومحاضرات لحسين بدر الدين الحوثي مشيراً إلى أن تلك المواد شكّلت نقطة تحوّل في تبنيه أفكار الجماعة ومناصرتها.

وأوضح أنه كان يحضر اجتماعات مغلقة للاستماع إلى هذه المحاضرات، في دواوين خاصة ضمت مهتمين ومقربين من الجماعة في صنعاء ومناطق محيطة مثل بني حشيش وخولان وسنحان وغيرها.

التحية الصباحية لأطفال بلباس موحّد في معسكرات الحوثيين الصيفية (الشرق الأوسط)

ومع تطورات عام 2011، وتحديداً أحداث فبراير (شباط) وما حملته من خروج واعتصامات في الساحات ولحظة انفتاح سياسي، انتقلت هذه الأنشطة إلى عدد من المحافظات، فظهرت مراكز ودورات أكثر تنظيماً خارج معقل الجماعة الرئيسي، مع بروز ملامح إشراف إداري أكثر وضوحاً تحت شعار جذاب هو «تغيير النظام». فتجاوزت الحلقات الضيقة إلى ملء المكتبات والأكشاك بالملازم، بل وإنشاء أكشاك في أكثر من مكان لتوزيع الملازم والملصقات والشعارات مجاناً، ووضع مكبرات صوت لبث وإذاعة «الزوامل» بشكل مستمر.

أما التحول الأبرز فجاء عقب السيطرة على صنعاء عام 2014، حيث تحولت المراكز الصيفية من أنشطة محدودة إلى برنامج واسع يُدار بشكل رسمي عبر مؤسسات الدولة، ضمن هيكل تنظيمي يضم لجاناً مركزية وفنية وإشرافية، مع إشراك عدد من الوزارات في إدارة برامجه.

ويؤكد مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة اعتمدت، في مراحل مبكرة، على ما كانت تسميه «الدورات الثقافية» و«الحوزات» لاستقطاب الشباب وكسب تعاطفهم وإدماجهم في مشروعها، وذلك قبل ظهور المراكز الصيفية بصيغتها الحالية. ويضيف المصدر أن هذه المراكز «لم تعد محدودة، بل تحولت إلى برنامج مؤسسي يُدار ضمن بنية تنظيمية متكاملة»، مشيراً إلى أنها تُستخدم كإحدى أدوات التأثير على توجهات الشباب، وصولاً إلى الدفع ببعضهم نحو جبهات القتال.

أطفال في أحد النشاطات الصيفية التابعة للحوثيين (الشرق الأوسط)

أنواع المخيمات الصيفية

وفقاً للمعلومات والإفادات التي حصلت عليها «الشرق الأوسط»، تقسم الجماعة هذه المراكز أو المخيمات الصيفية إلى ثلاثة أنواع، هي: المغلقة، والنموذجية، والمفتوحة. وتعد الأولى بمثابة دورات عسكرية آيديولوجية، والثانية مراكز لإعداد قيادات شابة، أما الثالثة فهي مراكز ترويجية.

وتقام المخيمات المغلقة في ثكنات عسكرية، وتركز بشكل أساسي على تأهيل المشاركين ليصبحوا مقاتلين في صفوف الجماعة، وتعدهم عسكرياً وآيديولوجياً لهذا الغرض، ويعتبرون بمثابة قوات احتياط. وبمجرد دخولهم في الدورات تُصادر هواتفهم، وتنقطع أخبارهم عن أسرهم، ويُنقلون ليلاً إلى مخيمات التدريب التي تتغير بين الفينة والأخرى.

وجميع هؤلاء من طلاب الثانوية العامة الذين أنهوا دورات التدريب على تفكيك السلاح في المدارس، ورصد لهم مدربوهم دورات عسكرية كمكافآت تفوق وامتياز، إضافة إلى بعض منتسبي فرق الكشافة في الثانويات التي حولت الجماعة نشاطها من كشفي إلى عسكري.

وفي هذه المخيمات، يتم تدريب المشاركين على استخدام الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، و«الآر بي جي»، والهاون، والقنابل، وعمليات التمويه والتخفي.

«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)

أما المخيمات النموذجية، وهي غالباً لمن تجاوزوا العاشرة من عمرهم، فتعد بمثابة «مخيمات نوعية»، ويُستقطب إليها أوائل الطلاب والمتفوقين في الأنشطة المدرسية المختلفة، وهي مخيمات مغلقة يظل فيها الطالب طوال الأسبوع في المخيم، ويُسمح له فيها بالتواصل مع أسرته ولا يصادر هاتفه، ويعود أحياناً إلى المنزل كل أسبوع أو أسبوعين.

وعادة ما تقام هذه المخيمات في عواصم المحافظات، وفيها يتلقى الطالب محاضرات آيديولوجية مركزة من قبل كبار قياديي الجماعة، ويشاهدون أفلاماً في «الجهاد»، وسير لقادة الجماعة و«حزب الله» و«الحرس الثوري» الإيراني، ويجري تدريبهم بشكل محدود على تفكيك أنواع معينة من الأسلحة واستخدامها.

وتبقى المخيمات المفتوحة لمن هم بين 5 و10 سنوات، وتبدأ صباحاً وتنتهي مع وقت الظهيرة، وتبدو للعامة كمراكز تحفيظ قرآن ونشاطات صيفية، ولذلك تنشرها الجماعة في مختلف المدارس والمساجد حتى تكون في متناول الجميع، لكن الأطفال فيها يتعلمون «قسم الولاية» وترديد «الصرخة» وطاعة قائد الجماعة.

ولا تُستثنى الفتيات من هذه الأنشطة، بل إن هناك مراكز مخصصة للنساء، تتولى إدارتها «الهيئة النسائية الثقافية العامة» وتعمل على تصميم البرامج وتنفيذها، واستقطاب الطالبات عبر شبكات ميدانية، والإشراف على الكادر النسائي وتدريبه، وإعداد مواد إرشادية موحّدة.

وتُقدَّم هذه المراكز كمساحات تعليمية وترفيهية، لكنها تضم بدورها برامج دينية مكثفة ومحاضرات ذات طابع تعبوي وأنشطة جماعية تعزز الانضباط والانتماء.

تلامذة وأساتذة في باحة مدرسة تابعة للحوثيين في صعدة (الشرق الأوسط)

تكريس «نظرية المؤامرة»

تُكرّس الجماعة في خطابها فكرة أن المراكز الصيفية تمثل حصناً في مواجهة «المؤامرات» التي تستهدف الدين والوطن، وتقدم بوصفها وسيلة لغرس ما تسميه «الثقافة القرآنية» في نفوس النشء، وبناء جيل مسلح بالعلم والوعي.

كذلك تشدد في خطابها على أن «المعركة مع العدو» لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد إلى «استهداف الوعي»، حيث تُقدَّم هذه المراكز كمحصّن ضد ما يُوصف بـ«الحرب الناعمة» و«الغزو الثقافي»، وتُصوَّر كجزء من صراع فكري طويل يُراد من خلاله إعداد جيل قادر على المواجهة.

وإلى جانب هذا الخطاب، تشير مصادر تربوية إلى اعتماد القائمين على هذه المراكز على مجموعة من الحوافز المادية والمعنوية، مثل توفير وجبات الطعام وبعض الاحتياجات وتنظيم الرحلات الاستكشافية والأنشطة، بهدف استقطاب أكبر عدد ممكن من الطلاب كل عام.

وبحسب ما يرد في إحدى ملازم مؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي، بعنوان «دروس في معرفة الله»، وهي محاضرة ألقاها في منتدى «الشباب المؤمن» بصعدة، فإن الهدف العام من هذه الدروس يتمثل في «تنمية معرفة الطلاب بالله، وترسيخ العقيدة في نفوسهم وضمائرهم، بما يدفعهم للانطلاق من خلالها إلى القتال ومواجهة الأعداء».

مناهج وكتب «تعليمية» للحوثيين بطباعة ملوّنة وجودة عالية مقارنة بالمناهج المدرسية الرسمية (الشرق الأوسط)

دروس خارج المنهج الرسمي

في موسم هذا العام، الذي انطلق في 28 مارس (آذار) الماضي، وزّعت جماعة الحوثي مناهجها الخاصة بالمراكز الصيفية بطباعة فاخرة وهوية بصرية واضحة، في دلالة على حجم الموارد المخصصة لهذه البرامج مقارنة بالتعليم النظامي الذي يعاني من تراجع مستمر في الإمكانات والدعم، بحيث يضطر الطالب إلى شراء منهجه الدراسي من السوق السوداء، فيما المعلم يكابد للحصول على راتبه، علماً بأنه في كل عام، ومع بدء التحضيرات للمراكز الصيفية، يطل زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي في خطاب سنوي مخصص للدعوة إلى الالتحاق بهذه الدورات، وهي دعوة شهدت بدورها تطوراً ملحوظاً.

وبالعودة إلى تلك الكتب، فأول ما يلفت النظر هو أنها لا تحمل أي إشارة إلى الجمهورية اليمنية أو وزارة التربية والتعليم، بل تصدر تحت عنوان «المسيرة القرآنية - الإدارة العامة للدورات الصيفية».

ينسحب ذلك أيضاً على تسمية المراكز، حيث لا تُنسب إلى المدارس التي تُقام فيها الأنشطة بل تُطلق عليها أسماء ذات دلالات رمزية مثل «الهادي»، و«الحسين»، و«فاطمة»، و«الشهيد طه المداني»، و«الشهيد صالح الصماد».

نشاطات لا صفية بعنوان «مهنتي مستقبلي» في أحد المعسكرات الصيفية التابعة للحوثيين (الشرق الأوسط)

هيكلية إدارية بطابع وزاري

تُظهر الهيكلية الإدارية للدورات والأنشطة الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين منظومة إدارية متعددة المستويات، وفي مقدمتها وزارتا التربية والشباب والرياضة، إلى جانب هيئة التعبئة العامة التي تضطلع بدور مركزي في إدارة جانب التعبئة والتوجيه، ووزارة الأوقاف والإرشاد المسؤولة عن المحتوى الديني والخطاب الوعظي.

وعلى المستوى التنفيذي والفني، تتولى السلطات المحلية في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحوثيين الإشراف الميداني وتنسيق العمل داخل المديريات والمراكز، وذلك عبر مكاتب التربية واللجان الإشرافية، حيث تُدار الأنشطة اليومية وتُوزع الكوادر وتُتابع عملية تنفيذ البرامج، بما يعكس امتداد المنظومة من المستوى المركزي إلى الأحياء.

مدرّسة تختار كتباً للحصص الصيفية من مناهج الحوثيين (الشرق الأوسط)

في المقابل، تشارك وزارات أخرى بوصفها شركاء فنيين في تنفيذ البرامج القطاعية؛ إذ تتولى وزارة الداخلية برنامج «شباب واعٍ... مجتمع آمن»، وتشرف وزارة الزراعة على «الجيش الأخضر»، فيما تدير وزارة الصحة برنامج «سفراء الصحة»، ويشرف قطاع الاتصالات على «الوعي في عصر الاتصالات»، ووزارة التعليم الفني والتدريب المهني تشرف على نشاط «مهنتي مستقبلي»، ضمن توزيع وظيفي يغطي مجالات الأمن والصحة والزراعة والإعلام الرقمي والمهن التطبيقية.

كما تلعب وزارة الإعلام دوراً داعماً ومستمراً، من خلال تنسيقات سنوية تسبق إطلاق الدورات، يُقرّ خلالها إطار التغطية الإعلامية، بما يشمل الترويج للمراكز ومواكبة أنشطتها ميدانياً، ضمن خطة تهدف إلى تعزيز حضورها داخل المجتمع.

وتدار هذه المراكز عبر «اللجنة العليا للدورات والأنشطة الصيفية»، التي يرأسها رئيس الوزراء في حكومة الحوثي، وتضم في عضويتها كلاً من وزير التربية ووزير الشباب والرياضة، وممثل عن هيئة الأوقاف والإرشاد، وممثلين عن الجانب التعبوي والثقافي في الجماعة.

أما رئاسة اللجان الفرعية فيتولاها محافظو المحافظات، وينوبهم مسؤولو التعبئة العامة، وتضم في عضويتها مديري مكاتب التربية والتعليم، والشباب والرياضة، والأوقاف والإرشاد.

التحية الصباحية في باحة إحدى المدارس الحوثية وبدا علم فلسطين وشعارات مناهضة لأميركا وإسرائيل (الشرق الأوسط)

انعطافة عام 2026

إذا كان التوسع في المراكز الصيفية قد تم تدريجياً خلال السنوات الماضية، فإن عام 2026 يمثل لحظة فاصلة، وتحولاً نوعياً في كون المدارس الصيفية لم تعد اختيارية بل انتقلت الجماعة إلى خطوة جديدة تجعل من الالتحاق بها فرضاً وإجباراً.

وبحسب شهادات طلاب وأولياء أمور ومعلمين، فإن شبكة من الضغوط المباشرة وغير المباشرة تمارس عليهم بشكل صارخ يصل أحياناً إلى التهديد، لتجد بعض الأسر نفسها أمام معادلة صعبة: إما الامتثال، وإما المخاطرة بمستقبل الأبناء.

وصحيح أن هذا التحول لم يُعلن رسمياً، لكنه أصبح واقعاً يمارَس يومياً؛ إذ تؤكد مصادر متقاطعة أنه مع بدء التحضيرات لتدشين المراكز الصيفية لهذا العام، عمدت الجماعة إلى ممارسات متصاعدة تربط الإجراءات المدرسية بالمراكز الصيفية. فعلى سبيل المثال، تربط نتائج الطلاب وقبولهم للعام الدراسي الجديد، بمشاركتهم في تلك الأنشطة، إلى جانب ضغوط تُمارس على إدارات المدارس لدفع تلامذتها إلى الالتحاق بـالمخيمات تحت طائلة العقوبات.

وإذا أراد طالب أن يخلو سجله الدراسي من النقاط السود التي يمكن أن تؤثر على مستقبله ولاحقاً قبوله الجامعي، فعليه أن يبادر إلى التسجيل في تلك المراكز.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

في بعض المدارس، ارتبط تسليم النتائج أو قبول الطلاب في العام التالي بشهادة حضور من المركز الصيفي. وفي رسائل متداولة عبر مجموعات التواصل، ظهرت تحذيرات مبطنة تؤكد أن الغياب قد ينعكس سلباً على المسار الدراسي.

وتظهر رسالة موجهة من وكيلة مدرسة إلى أمهات الطالبات في مجموعة تواصلية في «واتساب» عن تهديد مبطن لكل طالبة لا تلتحق بالمراكز الصيفية بحرمانها من التسجيل في العام المقبل. وتقول الرسالة: «الأمهات القديرات نحيطكن علماً بأنه لن يتم قبول التسجيل إلا بشهادة من المركز الصيفي، فنرجو تسجيل الطالبات اللاتي لم يسجلن بعد وإلحاقهن بالمركز للاستفادة».

وفي مجموعة أخرى على «واتساب»، تهيب إحدى المعلمات بالطلاب قائلة: «تعالوا بكرة بدري، اللي مسجلين واللي ما سجلوا يسلجوا. الإدارة ما تقبلهم ببداية العام الدراسي إلا بشهادة المركز الصيفي».

كذلك كشفت رسالة منسوبة لمدير مدرسة شمالي مدينة إب، عن اشتراط حضور الطلاب والطالبات المراكز الصيفية مقابل تسليمهم نتائج الاختبارات السنوية، في حين يتم إغراء الطلاب الراسبين بعلامات إضافية حال انخراطهم في الدورات الصيفية.

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)

عزوف وتجريم

بحسب المصادر، فإن هذه الإجراءات التي لجأت إليها الجماعة تأتي خشية أن تشهد المراكز الصيفية عزوفاً من قبل الطلاب وذويهم لمعرفتهم المسبقة بنتائجها.

ويؤكد المعلم ع. عبد الكريم، أحد المدرسين في هذه المراكز، أنه على الرغم من كل الإجراءات التي اتخذتها الجماعة في سبيل حشد أكبر عدد ممكن من الطلاب للالتحاق بالمراكز الصيفية، فإن الإقبال بدأ يتراجع أخيراً.

ويقول عبد الكريم لـ«الشرق الأوسط» إن المشاركة أصبحت ضعيفة جداً، لافتاً إلى أن جهود استقطاب الطلاب تتطلب وقتاً طويلاً وإقناعاً مستمراً ومالاً.

نقابة المعلمين اليمنيين بدورها حذرت من خطورة المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة في مناطق سيطرتها، مؤكدة أنها تحولت إلى أدوات منظمة للتعبئة الفكرية ذات الطابع الطائفي واستقطاب الأطفال والشباب، في سياق استهداف ممنهج للهوية الوطنية والعملية التعليمية في اليمن. وقالت النقابة، في بيان لها بتاريخ الأحد 12 أبريل (نيسان) 2026، إن الجماعة وسّعت منذ سيطرتها على صنعاء من إنشاء هذه المراكز بهدف استقطاب أكبر عدد من الطلاب، وتوظيفها في غرس أفكار عقائدية تقوم على مفاهيم الاصطفاء السلالي، بما يتعارض مع القيم الوطنية والدينية، ويخدم مشروعاً سياسياً يهدد أمن اليمن واستقراره.

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)

مدارس مهملة ومراكز مزدهرة

في خطابها، تصف جماعة الحوثي المراكز الصيفية بأنها «رافد تربوي» لتعويض النقص التعليمي الناتج عن الحرب، لكن بحسب آراء كثير من المعلمين ممن تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، فذلك ليس «سوى عذر أقبح من ذنب»؛ فالمدارس نفسها يمكن أن تكون فضاءً للتعويض لو أرادت الجماعة فعلاً إصلاح التعليم، مشيرين إلى أن إصرار الجماعة على المراكز الصيفية يكشف عن أن الهدف ليس التعليم، بل صناعة جيل مهيأ للتجنيد المبكر والتعبئة العقائدية.

ويطرح المعلمون سؤالاً مفاده: «ما دامت جماعة الحوثيين تمتلك سلطة كاملة على التعليم الرسمي، وقد نجحت في إدخال أفكارها وآيديولوجيتها إلى المناهج الدراسية، فلماذا تتعمد إهمال المدارس وتتركها في حالة موت سريري، بلا معلمين ولا رواتب ولا مقومات تعليمية؟».

هذا التناقض بين ركود المدارس خلال العام الدراسي وازدهارها المفاجئ في الصيف يثير تساؤلات حقيقية.

فبينما تُظهر اهتماماً بالغاً بالمراكز الصيفية التي تتحول فجأة إلى ساحات صاخبة، تُغدق عليها الأموال والجهود، تجعل من التعليم الرسمي في حالة ركود تام ونقص شديد في الموارد والمعلمين، حيث تفتقر آلاف المدارس إلى أبسط مقومات العملية التعليمية.