نصر الله في المشهد الأخير: هكذا قُطع الحبل مع طهران

شهادات عن «حرب الإسناد» في لبنان... وأسرار دُفنت مع «ثلاثة رجال»

TT

نصر الله في المشهد الأخير: هكذا قُطع الحبل مع طهران

أنصار «حزب الله» يشاهدون حسن نصر الله وهو يُلقي خطاباً عبر شاشة عملاقة داخل مسجد في الضاحية الجنوبية بيروت في نوفمبر 2019 (أ.ف.ب)
أنصار «حزب الله» يشاهدون حسن نصر الله وهو يُلقي خطاباً عبر شاشة عملاقة داخل مسجد في الضاحية الجنوبية بيروت في نوفمبر 2019 (أ.ف.ب)

في الأشهر الأخيرة قبل اغتياله، اعتقد الأمين العام السابق لـ«حزب الله»، حسن نصر الله، أن «حرب الإسناد» ستظل حتى نهايتها تحت سقف «قواعد الاشتباك»، وأن إيران لن تترك 4 عقود من «المقاومة الإسلامية» في لبنان فريسة سهلة، غير أن حسابات خاطئة هي ما أعاقت الحزب عن قرارات حاسمة بشأن الحرب التي أضحت بحلول سبتمبر (أيلول) 2024 دموية وشاملة.

يكشف هذا التحقيق عن أن «أسراراً ميدانية طُمرت مع قادة في الحزب اغتالتهم إسرائيل، ومعها فقد نصر الله الفاعلية مع بدلائهم المجردين من المعرفة الميدانية»، رغم أن رواية مخالفة أفادت بأن مشكلة الحزب لم تكن في القادة، بل في خسارة مشغلي الصواريخ، «العملة النادرة» في الحزب والحرب.

يستند التحقيق إلى مقابلات مع شخصيات لبنانية وعراقية كانت على تماس مع قيادة الحزب عام 2024، أجريت بين أغسطس (آب) وأكتوبر (تشرين الأول) 2025، وتنوعت بين قياديين سابقين ورجال دين وعناصر أمن، حُجبت هويات بعضهم لأسباب أمنية.

ورغم أن حرب الإسناد في لبنان باتت مسرحاً لسرديات متصارعة، فإن الشهادات ملأت جزءاً معقولاً من ثغرات المشهد الأخير الذي سبق اغتيال نصر الله، ما بين يناير (كانون الثاني) وحتى سبتمبر 2024.

خلال تلك الفترة، قُتل نحو 3768 شخصاً، وجرح أكثر من 15 ألفاً وفق السلطات اللبنانية، بينما أفاد تقرير لجامعة تل أبيب بأن «حزب الله» خسر نحو 2500 من عناصره في غارات ضربت أكثر من 12 ألف هدف، كان أكثرهم أهمية حسن نصر الله، وقادة عسكريين من نخبة «الجهادية» للحزب.

شريحة واسعة من اللبنانيين كانوا يترقبون الكلمات المتلفزة للأمين السابق لـ«حزب الله» حسن نصر الله (أ.ف.ب)

حرب تحت السقف

في الأسابيع الأولى من الحرب، سادت قناعة «حزب الله» بأن «قواعد الاشتباك» ستبقى سارية، وأن الأمر «لن يبلغ حرباً مفتوحة»، وفق شخصية لبنانية كانت على صلة وثيقة مع قادة عسكريين.

نقل الرجل الذي وافق على التحدث لـ«الشرق الأوسط»، شريطة عدم الكشف عن هويته، عن أحد الاجتماعات الخاصة لأفراد متنفذين في الحزب في مرحلة مبكرة من الحرب إن «حسابات نصر الله لم تكن تتعدى مناوشات في نطاق مزارع شبعا».

واستخدام مزارع شبعا مجازاً، وفق الشخصية اللبنانية، إشارة إلى مناوشات كلاسيكية بين «حزب الله» والجيش الإسرائيلي باستخدام مسيَّرات مفخخة أو صواريخ مصنعة محلياً.

ظل الحال داخل ذهنية «حزب الله» في نطاق «معادلة الردع» منذ اتفاق وقف العمليات الواسعة بعد حرب 2006. ورغم أن نصر الله قال في خطاب شهير آنذاك إنه «ذاهب إلى حرب مفتوحة»، لكنه لم يذهب أبعد مما حدث بالفعل.

نقلت الشخصية اللبنانية عن قيادي في «حزب الله» أشيع لاحقاً أنه أصيب بجراح بليغة وتوارى عن الأنظار، إن «جزءاً من خطط الحزب بعد (طوفان الأقصى) اعتمد على أن إيران ستنجح يوماً في ضبط الردع ووقف النار من خلال تموضعها في المفاوضات».

وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحزب انتظر إيران تعيد التوازن إلى الصراع المختل، ما دام (حبل السرة) مضفوراً بين طهران والضاحية، ونصل إلى لحظة وقف النار من دون خسارة كبرى».

طالما صرح مسؤولون إيرانيون، على رأسهم المرشد الإيراني علي خامنئي، أن طهران لن تتخلى عن حلفائها، كما أن نصر الله نفسه كان يرجع الفضل إلى إيران كون حزبه متماسكاً ومدعوماً مالياً وتسليحياً.

ثلاث عيون

في منزله قرب الضاحية ببيروت، تحدث رجل دين شيعي إلى «الشرق الأوسط» عن نقطة تحول لعبت دوراً حاسماً في تأخر «حزب الله» عن إدراك المسار السريع للحرب الشاملة.

رجل الدين، وهو لبناني الجنسية ودرس العلوم الدينية في النجف، كان خسر 4 شباب من عائلته خلال الحرب، منهم اثنان قضوا بغارة إسرائيلية في «العديسة»، إحدى بلدات «مرجعيون»، جنوبي البلاد. يقول إن نصر الله خسر كذلك قياديين قلبوا عليه المعادلات في ساحة المعركة.

يضيف الرجل الذي بدا في منتصف الستينات: «تبين في النهاية، أنه كلما قتل قائد ميداني يخسر نصر الله عيناً تساعده على الرؤية الواضحة. الأمين العام السابق كان شديد التعلق والهوس بالمتابعة الميدانية، لكنه بدأ يفقد أدواته الفاعلة».

وفقاً لهذه الشهادة، فإن أكثر ما أثّر على نصر الله غياب 3 قياديين هم طالب عبد الله، ويلقب بـ«أبو طالب»، إبراهيم عقيل، المعروف أيضاً باسم إبراهيم تحسين، ووسام الطويل الذي يعتقد أن صلة تربطه بالأمين العام السابق، ومن الصعب تأكيدها.

من مراجعة التسلسل الزمني لسقوط الثلاثة، فإن نصر الله بدأ يخسر ما قيل إنهم «العيون الثلاث» على امتداد المراحل المتقلبة لـ«حرب الإسناد».

صورة مركبة لقادة عسكريين في «حزب الله» وهم من اليسار إبراهيم عقيل ووسام الطويل وطالب عبد الله

قُتل الطويل، وهو قائد بارز في قوة «الرضوان» التابعة للحزب، في 8 يناير 2024. وضربت غارة إسرائيلية في 11 يونيو (حزيران) منزلاً في قرية جويا جنوب لبنان، لتقتل طالب عبد الله المعروف بكنية «أبو طالب» المسؤول عن عمليات الحزب في المنطقة الوسطى من الشريط الحدودي الجنوبي مع إسرائيل وحتى نهر الليطاني. قيل يومها إنه اغتياله كان الأقسى على نصر الله.

وفي 20 سبتمبر 2024، خسر نصر الله أيضاً إبراهيم عقيل، قائد المجلس العسكري، الذي خَلَف فؤاد شكر الذي اغتيل في 30 يوليو (تموز) 2024.

في النهاية، «حوصر نصر الله بمعلومات ميدانية مشوشة، ولم يكن يعرف ضباط الحزب في الميدان تفسير ما يحدث كلما انتظرواً قراراً في لحظة حاسمة»، يقول رجل الدين.

شيء من الفوضى عم غرف العمليات خلال فترات معينة. اشتكى قياديون في الميدان «من الارتجال، لأن العناصر كانت تتصرف بدافع القلق والريبة أكثر مما كان يتوجب عليها، بانضباط»، وفق مصادر لبنانية.

إلى جانب القياديين الثلاثة، كان نصر الله خسر قائد وحدة «عزيز» محمد نعمة ناصر في 3 يوليو. لم يبق سوى علي كركي الذي اغتيل مع الأمين العام السابق في الغارة التي استهدفت حي ماضي بالضاحية يوم 27 سبتمبر 2024.

رغم فقدان القادة الثلاثة، وعلى مدار ثمانية أشهر، بقي نصر الله ومحيطه يفكرون داخل صندوق «قواعد الاشتباك»، ومواقفه كانت تستبعد «الحرب الشاملة».

بعد اغتيال الطويل، قال نصر الله إن «تصرفات المقاومة تُدار بروية، وليس من منطلق انفعال». وفي إثر اغتيال أبو طالب، نقلت وسائل إعلام لبنانية عن مصادر الحزب أن «الرد سيكون ضمن الحدود، وليس حرباً شاملة على الفور». وخلال تشييع إبراهيم عقيل، ألقى نعيم قاسم كلمة مطوّلة، ملخصها أن الحزب «دخل في مرحلة جديدة عنوانها معركة الحساب المفتوح». بعد أيام معدودة، اغتيل نصر الله.

يقول علي الأمين، وهو ناشر وكاتب لبناني، إن نصر الله «كان يعتقد أن الحزب قادر عسكرياً على ردع إسرائيل ومنع نشوب حرب شاملة، غير أن هذا التقدير تبين لاحقاً أنه خاطئ».

لبنانية تمشي أمام مكتب «حماس» المدمر بعد هجوم إسرائيلي أسفر عن مقتل صالح العاروري في الضاحية الجنوبية لبيروت في 2 يناير 2024 (د.ب.أ)

«الدرون» يعرف الحزب جيداً

تكمن مشكلة «حزب الله» في «حزب الله» نفسه؛ في طريقة تكوينه القادة وتعويضهم.

بحسب مصادر لبنانية، فإن القادة الميدانيين الذين اغتيلوا منذ يناير وحتى نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 كانوا أفراداً ضمن سلسلة منقطعة من القيادة. ليسوا جزءاً من جسم مؤسساتي أو تراتبية تنقل الخبرة والمعلومات بسلاسة.

تقول المصادر، إن «القائد البديل لم يتمكن من الإحاطة بكامل أسرار القائد الذي اغتيل؛ ثمة تفاصيل عملياتية بقيت طيّ الكتمان. كان ذلك أحدَ مشكلات نصر الله في التعاطي مع الحرب وإدامة الحزب».

فُهم من مقابلات أجرتها «الشرق الأوسط»، أن كل قائد في «حزب الله» يبني منظومته الخاصة من العلاقات والمعلومات والأساليب بناءً على خبرته الشخصية بشكل منفرد، وعندما يُقتل، تُدفن خبرته معه، بما في ذلك خرائطه الحزبية التي أضحت في النهاية مقتنيات شخصية، حتى لو كانت عن مخازن السلاح أو خطط الانتشار، توارى الثرى مع صاحبها.

«في مرحلةٍ ما من الحرب، بات «الدرون» الإسرائيلي حين يحلق فوق وحدة لـ«حزب الله» أكثر معرفةً بالحزب من القائد الميداني الذي تسلّم مهامه حديثاً»، يقول رجل الدين اللبناني.

إسرائيل من ثقب إبرة

تسرب الشك إلى دائرة حسن نصر الله، للمرة الأولى، بعد اغتيال صالح العاروري، النائب السابق لرئيس المكتب السياسي لـ«حماس» في 2 يناير 2024.

يقول رجل الدين اللبناني إن الأسبوع الأول من ذلك العام كان قاسياً، إذ انتهى باغتيال وسام الطويل أيضاً. سُمِع على نطاق محدود داخل الحزب إن «نصر الله لم يتوقع ما حدث (...) ظل صامتاً لفترة بعد الاغتيالين».

اختار نصر الله الدفاع بدل الهجوم. يقول علي الأمين، إنه في إثر اغتيال العاروري ترشح من مطبخ الحزب القيادي أن عسكريين وميدانيين، التقوا نصر الله بشكل عاجل، «طلبوا فتح الحرب إلى أقصاها، بسبب ما تقوم به إسرائيل من اصطياد للكوادر والعناصر»، لكن رد نصر الله عليهم كان: «إياكم أن نذهب إلى هناك».

رد فعل الحزب كان الانكماش والغرق في الشك العميق. يقول رجل الدين اللبناني إن هذه عادة «الحركات الإسلامية، الشيعية خصوصاً، هو الانعزال بداعي مراجعة النفس». مع ذلك، أفادت مصادر أمنية أن الحزب نفض شبكات اتصالاته عله يعثر على ثقب الإبرة الذي تتسرب منه المعلومات إلى «العدو».

في شهادة لقيادي شيعي عراقي كان نقطة اتصال مع «حزب الله» اللبناني منذ عام 2015، قال إن «قنوات التواصل مع الحزب تغيرت مراراً مع تصاعد الاغتيالات في بيروت». وتابع: «كنا نتعرف على أشخاص جدد في كل مرة نحتاج إلى شيء من الضاحية».

تفهّمت فصائل عراقية «المحاذير التي طغت سلوك أشخاص في الحزب، ممن كانوا معتادين على تغذية مجموعات عراقية بتقديرات سياسية وميدانية». قال القيادي العراقي، إن «حزب الله كان مرجعاً ليس فقط لتحركاتنا الميدانية، بل نعود إليه في تفاعلاتنا السياسية المحلية، لذلك تحمس كثيرون في بغداد لتقديم المساعدة».

في مرحلة ما من أغسطس 2024، طلب الإيرانيون من فصائل عراقية إسناد «حزب الله». قال القيادي العراقي: «سألناهم كيف ذلك. قالوا: في هذه المرحلة اضغطوا في الإعلام أنكم جاهزون للحرب».

بعد فترة، عاد إلى الإيرانيين برسالة من فصائل عراقية مسلحة أظهرت استعداداً للقتال دفاعاً عن «حزب الله»، مفادها: «قالوا لنا: لا، حتى نصر الله لا يريد ذلك».

وفي 20 سبتمبر 2024، تعهّد فصيل «كتائب سيد الشهداء» العراقي، بإرسال 100 ألف مقاتل إلى حدود لبنان، ولم يذهب أحد.

وجهت إسرائيل ضربات لـ«حزب الله» من خلال تصفية عدد من كبار قادتها مما أضعف بشكل كبير البنية العسكرية للحركة (أ.ف.ب)

البحث عن التسريب

فاحت رائحة «خيانة» من مكان ما. يلمح إلى ذلك القيادي العراقي، الذي قال إنه ظل يتردد على بيروت حتى سبتمبر 2024، يقول إن «وسطاء أُبلِغوا في مناسبات مختلفة بإيقافهم عن مهام نقل الرسائل. كان الحزب في الحقيقة يجرب طرقاً أخرى».

لدى رجل الدين اللبناني تفسير لهذا. لقد «اختبر الحزب طرقاً مختلفة في التواصل، في محاولة لاكتشاف أين يكمن الاختراق. من أي شق خفي تسربت إسرائيل إلى جدار الأمن المشيد حول قيادات الحزب».

لكن تفجير أجهزة الاتصال اللاسلكية المعروفة باسم «البيجر» عصف بالحزب وعزل القيادات عن بعضها وعن شبكاتها الميدانية ودخلت المنظومة في حالة تشبه الإطفاء التام. وفي مرحلة ما، توقفت محاولات من تبقى في القيادة رأب صدع استخباري رافق نشاط الحزب منذ أكتوبر 2023.

قال رجل الدين اللبناني إن وحدات ميدانية تابعة للحزب لم تسمع شيئاً في الأيام التي تلت تفجير «البيجر». واستغرقت القيادة وقتاً طويلاً قبل أن تعود إلى تغذية «ضباط الوحدات بالأوامر الروتينية، ولم تكن تجدي».

في تلك المرحلة، سأل قيادي عسكري في «حزب الله» نصر الله عما إذا كانت قواعد الاشتباك لا تزال سارية. «كان من غير المعتاد عدم سماع جواب محدد»، وفق شهادة حصلت عليها «الشرق الأوسط».

وأدرك نصر الله أنه بات في قلب حرب مفتوحة لم يكن يرغب فيها، لكن الوقت كان متأخراً، كما تنقل مصادر عن قياديين حضروا اجتماعات مفصلية.

يقدّم علي محمد أحمد، وهو أستاذ الإعلام السياسي، قراءة قريبة إلى حد ما من سردية يتبناها تيار المقاومة، على نطاق واسع. يقول إن بقاء قواعد الاشتباك التقليدية كان سيجعل الكفة تميل ضد إسرائيل، لكن ما غيّر المعادلة فعلياً هو التفوق التقني والمعلوماتي الذي لم يضعه الحزب في الحسبان. ذلك كان هو المعطى الناقص.

مقاتلو «حزب الله» يؤدون القسم خلال تدريب عسكري مُنظم في معسكر بقرية عرمتى جنوب لبنان (أرشيفية - د.ب.أ)

المشهد الأخير

على نطاق واسع، قيل إن نصر الله حضر يوم 27 سبتمبر تشييع محمد سرور، قائد وحدة مسيّرات الحزب، قبل أن يتوجه إلى حارة حريك في الضاحية، برفقة نائب قائد «فيلق القدس» في لبنان، عباس نيلفوروشان.

ما دار بينهما بقي طي الكتمان. لا أحد يعرف ما إذا كانا قد راجعا، للمرة الأخيرة، أين وصلت بهما «حرب الإسناد». وصلا في النهاية إلى مخبأ تحت الأرض، وهو مقر مركزي للحزب، وهناك انتهت رحلتهما. قضيا في هجوم تقول إسرائيل إنها استخدمت فيه أطناناً من متفجرات خارقة للتحصينات. في اليوم التالي، تفجّرت أطنان من الأسئلة في الضاحية، وفي كل مكان.

يقول رجل الدين اللبناني، الذي كان يتحدث وعيناه ترصدان صور القتلى من عائلته، إن «كثيرين من بيئة (المقاومة) استغرقوا وقتاً طويلاً تحت الصدمة، لكنهم في النهاية كانوا يسألون: من خذل الآخر؟ الحزب أم إيران؟ المقاومة أم ولاية الفقيه؟».

يرى علي محمد أحمد أن «العقل الكامن في الحزب كان يعمل بطريقة واحدة وأساسية، وهي أنه لم يكن يستطيع مغادرة حرب تُفرض عليه. لذلك، استمر فيها».

لا يتخيل علي الأمين أن نصر الله كان قد أعلن قيام «وحدة الساحات» لولا استناده إلى دور إيراني، وقناعته بأن إسرائيل «تحسب حساباً لقوة الأذرع في لبنان والعراق واليمن»، لكن تلقيه صدمات أمنية وعسكرية جعله وطهران في حالة من الارتباك، فقطع الحبل بينهما. وبسبب «جهلهما بخطط الحرب الإسرائيلية في حرب الإسناد» اكتشفا أنهما وقعا في الفخ.

لحظة ضرب مقر «حزب الله» في الضاحية الجنوبية ببيروت واغتيال نصر الله يوم 27 سبتمبر 2024 (د.ب.أ)

غير أن علي محمد أحمد، يقول إن «الحزب منظومة قيادة جماعية. لكن إسرائيل تفوقت في مرحلة مبكرة من الحرب عندما حيّدت مشغلي الصواريخ الاستراتيجية». يرى محمد أحمد أن المشغّلين «عملة نادرة» من الصعب تعويضهم. ومشكلة «حزب الله» ليست خسارة القيادات الميدانية، بل المشغلين.

«حين أطلق الحزب مئات الصواريخ في اليوم الأخير قبل وقف النار، عرفنا أنه تمكن من ضخ دم جديد، بمشغلي صواريخ جدد»، يقول محمد علي.

«لم يخذل أحد الآخر». المشكلة تكمن في أن الطرفين، إيران و«حزب الله»، كانا يعيشان في لحظة ما قبل السابع من أكتوبر 2023، ولم تتحرك الساعة في يد أيٍّ منهما.

يقول عقيل عباس، الباحث العراقي المتخصص في الشأن الأميركي، إن الحزب وإيران لم يفهما بشكل دقيق حجم التغير الكبير، رغم أن إسرائيل وبنيامين نتنياهو كانا يكرّران أن ما حدث يشبه أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة. «الجميع فهم أن القواعد القديمة لم تعد سارية، وأن هناك قواعد جديدة تُفرض بالقوة».

ما عمّق الأزمة على إيران والحزب أن الوسطاء الدوليين اختفوا من الساحة. «في حروب سابقة، كان الأوروبيون، مثلاً، مهتمين بوقف الحرب، إلا هذه الحرب»، وفق عباس.

مهما يكن، فإن سرعة إسرائيل لعبت دوراً حاسماً في صنع الفارق. «لم تكن إيران قادرة على فعل شيء حيال ذلك. الأحداث كانت أكبر من قدرتها على الاستجابة، إذ تحتاج وقتاً للإعداد لمواجهة بهذا الحجم».

مع ذلك، حاولت إيران في وقت متأخر أن تتواصل مع نصر الله وتحثه على التهدئة، وربما الانسحاب، بعد أن أدركت أن طريقة التفكير القديمة لم تعد صالحة، لكنها لم تكن قادرة على إجبار نصر الله على فعل شيء. يقول الباحث العراقي إن طهران كانت ترى نصر الله «صاحب الميدان».

بعد نحو عام من وقف النار في لبنان، فإن نهاية الحرب في لبنان تعتمد على الجمر الذي لا يزال يلمع تحت الأنقاض، كما يصفه رجل الدين اللبناني. يقول إن «لبنان الذي يُكتب له السلام، يُكتب عليه في نفس الصفحة، جبهات وخطوط تماس جديدة».


مقالات ذات صلة

استقالة وفيق صفا من «حزب الله» بعد تقليص صلاحياته

المشرق العربي وفيق صفا (أ.ب)

استقالة وفيق صفا من «حزب الله» بعد تقليص صلاحياته

قدّم مسؤول «وحدة التنسيق والارتباط» في «حزب الله»، وفيق صفا، استقالته في سابقة هي الأولى من نوعها.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي قائد الجيش العماد رودولف هيكل خلال زيارته إلى واشنطن (السفارة الأميركية في بيروت)

لبنان يؤكد على «إيجابية عامة» لزيارة قائد الجيش إلى واشنطن

انتهت زيارة قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل إلى واشنطن، وسط «انطباعات إيجابية».

كارولين عاكوم (بيروت)
تحليل إخباري قائد الجيش العماد رودولف هيكل خلال زيارته إلى واشنطن (قيادة الجيش اللبناني)

تحليل إخباري زيارة قائد الجيش اللبناني إلى واشنطن بين «اختبار الشراكة» و«كمين التوصيفات»

تحوّلت زيارة قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل إلى الولايات المتحدة، من محطةٍ يفترض أن تركز على دعم المؤسسة العسكرية وتنسيق المساعدات، إلى ساحة سجال سياسي

إيلي يوسف (واشنطن)
المشرق العربي وفيق صفا (أ.ب)

«حزب الله» يقبل استقالة مسؤوله الأمني البارز وفيق صفا

كشفت مصادر مطلعة لـ«رويترز» أن «حزب الله» اللبناني قبل ‌اليوم (الجمعة) ‌استقالة ‌المسؤول ⁠الأمني ​​البارز ​فيها ‌وفيق صفا، في سابقة هي الأولى من نوعها.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي وزير الخارجية الفرنسي جان نويل - بارو يعقد مؤتمراً صحافياً مشتركاً مع رئيس إقليم كردستان العراق في أربيل 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

وزير خارجية فرنسا يدعو لتزويد الجيش اللبناني بإمكانات لاستكمال نزع سلاح «حزب الله»

شدّد وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو، الجمعة، قبل وصوله الى بيروت، على أهمية تزويد الجيش اللبناني بإمكانات لمواصلة مهامه في نزع سلاح «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (باريس)

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.