طهران تخسر جولات في العراق... ولم تخسر الحرب بعد

أثر دومينو «7 أكتوبر» لم يطل بغداد مثل دمشق وبيروت

جواد حسن نصر الله في ذكرى اغتيال والده الأمين العام السابق لـ«حزب الله» اللبناني حسن نصر الله في بغداد في 3 أكتوبر 2025 (رويترز)
جواد حسن نصر الله في ذكرى اغتيال والده الأمين العام السابق لـ«حزب الله» اللبناني حسن نصر الله في بغداد في 3 أكتوبر 2025 (رويترز)
TT

طهران تخسر جولات في العراق... ولم تخسر الحرب بعد

جواد حسن نصر الله في ذكرى اغتيال والده الأمين العام السابق لـ«حزب الله» اللبناني حسن نصر الله في بغداد في 3 أكتوبر 2025 (رويترز)
جواد حسن نصر الله في ذكرى اغتيال والده الأمين العام السابق لـ«حزب الله» اللبناني حسن نصر الله في بغداد في 3 أكتوبر 2025 (رويترز)

قبل عامين كانت الفصائل العراقية متحمسة لتسجيل حضورها في مشاهد «طوفان الأقصى». الحماسة هدأت في الأشهر اللاحقة لأكتوبر (تشرين الأول) 2023، مع ما قيل إنها مفاوضات شديدة التعقيد بين الحكومة وتلك الجماعات، لتحييد العراق عن الحرب.

لم يظهر دليل واحد على أن إيران خسرت العراق بأكمله كما هو الحال في سوريا، لكنها بدأت تخسر جولة تلو الأخرى أمام الأميركيين في حلبة بغداد، كما أن وكلاءها بدأوا يعتادون على الحياة بسلام مع «أخطر رجلين في العالم هذه الأيام، دونالد ترمب، وبنيامين نتنياهو»، كما يصفهما وزير عراقي سابق.

يستدل سياسيون في بغداد على «جولات الملاكمة» التي ربحها الأميركيون على الإيرانيين بثلاث وقائع: تحرير الإسرائيلية إليزابيث تسوركوف من «كتائب حزب الله» من دون صفقة، وسحب قانون «الحشد الشعبي» بينما كان جاهزاً للتصويت عليه في البرلمان، وقبل ذلك هدنة طويلة مع القوات الأميركية حتى خلال الهجمات الإسرائيلية الأميركية على إيران التي دامت 12 يوماً.

بعد عامين من «وحدة الساحات»، وفي أعقاب عملية 7 أكتوبر التي نفذتها حركة «حماس»، لم تظهر الفصائل العراقية في اللقطة الختامية لـ«الطوفان»، حتى بين الصفوف الخلفية. بالنسبة لكثيرين، هذا خبر جيد حتى الآن.

فصائل عراقية تشيع رمزياً حسن نصر الله في ذكرى مقتله في ساحة التحرير وسط بغداد (إعلام الفصائل)

البحث عن الخطة «ب»

كان سياسي شيعي زار طهران أخيراً وعاد إلى بغداد بتصورات ملتبسة قبل انطلاق الحملات الحزبية المؤهّلة لانتخابات البرلمان في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

يقول هذا السياسي، الذي بدأ منذ 3 أكتوبر 2025 حملته الرسمية لحصد مقعد في البرلمان المقبل، إن «طهران تبحث عن (الخطة ب) حتى لا تسقط بالضربة القاضية»، ومن وجهة نظره فإنها «قد تفاجئ كثيرين بما لديها، وقد تعوّض سوريا من مكان آخر».

من العادات التي يواظب عليها سياسيون شيعة في بغداد أن «يقرأوا كتاب الانتخابات بلغة يفهمها الإيرانيون»، على حد تعبير السياسي.

كيف يمكن أن يكون هذا التنبؤ صحيحاً؟ يفتقر مقياس النفوذ الإيراني في العراق إلى أداة فحص حاسمة. ثمة انقسام حول درجة النفوذ، وما إذا كان تضاءل إلى حد يسمح بالقول إن قطعة الدومينو التي سقطت في سوريا سقط معها، بالتوالي، وكلاء وحلفاء في العراق!

الحال، دائماً، أن الرأي العام العراقي، وأدواته الحزبية التي تخوض في هذا المقياس، يخضع لسرديات مصنوعة أو مبتكرة، وأحياناً حمّالة أوجه ورسائل.

عناصر من «الحشد الشعبي» خلال دورية استطلاع في موقع شمال بغداد (إعلام الهيئة)

فصائل تسأل... وإيران لا تجيب

ضغطت أنباء عن حرب محتملة ضد إيران على الفصائل في بغداد. وبحسب مصادر، فإن قادة في تلك الجماعات عقدوا اجتماعاً أواخر سبتمبر (أيلول) 2025، وقرروا إرسال طلب استشارة من «الحرس الثوري» بشأن ما سيكون الوضع عليه لو اندلعت الحرب فعلاً. قال قيادي شيعي في فصيل انضم أخيراً إلى «قائمة أميركية للمنظمات الإرهابية»، إن طهران لم ترد حتى الآن.

بالتزامن، كانت مجموعة من «الحرس الثوري» معنيّة بهندسة التحالفات الانتخابية للقوى الشيعية في العراق تعقد اجتماعات مختلفة مع فاعلين في تحالف «الإطار التنسيقي». تقول مصادر متقاطعة إنه «بالإمكان اعتبار هذه المجموعة لجنة انتخابات إيرانية تشرف على توزيع القوى الشيعية بين القوائم المتنافسة، وقد هندست من قبل تحالفات وازنة في برلمانات سابقة».

لقد فشلت هذه اللجنة «الخبيرة» في إقناع قادة أحزاب شيعية بتنفيذ خريطة معينة لدمج قوائم، أو إعادة توزيع مرشّحين، لضمان هندسة نتائج معيّنة في دوائر انتخابية وسط البلاد، وجنوبها.

من بين الفاعلين الشيعة الذين يُزعم أنهم خالفوا تعليمات إيرانية بشأن الانتخابات أعضاء في فصائل مقاومة انخرطت لفترة مع «طوفان الأقصى»، ثم تراجعت إلى «حديقة خلفية»، بحثاً عن مصادر نفوذ متنوّعة.

لافتات انتخابية بدا في إحداها رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي في أحد شوارع بغداد المؤدية إلى ساحة الفردوس (أ ف ب)

مساحات شبه خالية

في المدن المحرّرة من «داعش» تنشط أحزاب سنّية في حملة انتخابية شبه مستقرة. ثمة شعور بأن ارتخاء القبضة الإيرانية ساعدهم على الحركة بحرّية، لكنهم يترددون في التعبير عن ذلك، ثمة محاولات لضبط النفس، وعدم استفزاز «محور المقاومة».

يُعتقد على نطاق واسع أن رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي، الذي أقصاه عام 2023 تحالف موالٍ لإيران من المشهد، يعود الآن بقوة. يرجع مقرّبون منه ذلك إلى ما يوصف بـ«مهارات شخصية، وحسابات دقيقة»، لكن الأمر لا يخلو من استغلال مساحات شبه خالية من النفوذ الإيراني، سواء تُركت عمداً، أو بسبب الضغط الأميركي.

في المقابل، لا يزال زعماء سنة ينافسون الحلبوسي بحاجة إلى تحالفات مع فاعلين شيعة تضمن لهم أحصنة للمراهنة. ثمة فاعلون في نينوى وصلاح الدين وكركوك يهندسون مرشّحيهم مع قوائم تابعة لفصائل موالية للمرشد الإيراني علي خامنئي.

لذا قد تبدو المساحات الخالية كلياً من إيران مجرد سراب. ينقل السياسي الشيعي أن فصائل متنفذة تلقت أخيراً طلبات من طهران بمساعدة جماعات موالية في بلدان «مقاومة» في نقل أنشطتها إلى بغداد، وحدث ذلك بالفعل.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر مختلفة أن علي لاريجاني، الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني «يشرف على ترتيبات تتعلق بمساعدة الوكلاء المتضررين من الحرب». كان الرجل أخيراً في بيروت وغادرها قائلاً: «(حزب الله) يستعيد قوته سريعاً، وسيقلب الموازين».

«مصير بن لادن ليس حتمياً»

انضمّت أخيراً 4 فصائل إلى قوائم وزارة الخارجية الأميركية للمنظمات الإرهابية، وهي «النجباء» و«كتائب الإمام علي»، و«أنصار الله الأوفياء»، و«كتائب سيد الشهداء»، لترتفع حصة العراق إلى 6 فصائل في هذه القائمة التي كانت تضم قبل سنوات أسامة بن لادن، زعيم تنظيم «القاعدة».

كانت «حركة عصائب أهل الحق» التحقت بالقائمة، عام 2020، و«كتائب حزب الله» منذ عام 2009، وكل منهما تحتفظ بمقاعد ووزراء في البرلمان والحكومة.

«ليس بالضرورة أن يكون مصيرك سيئاً مثل بن لادن حتى لو دخلت هذه القائمة»، يقول وزير عراقي سابق، عمل في حكومة عادل عبد المهدي (2018-2019)، إن «الجماعات الموالية لإيران تتكيّف الآن مع أخطر رجلين في العالم، دونالد ترمب، وبنيامين نتنياهو».

لقد سُمعت في بغداد أصوات داخل الأحزاب الشيعية تتساءل إن كان الرئيس الأميركي يؤخّر ضربات إسرائيلية في العراق، ويكسب في المقابل من الضغط الأميركي على الحكومة وصنّاع القرار، لقطع حبال الوصل مع الإيرانيين.

رئيس الوزراء العراقي محمد شيّاع السوداني وقادة في «الإطار التنسيقي» (إعلام حكومي)

هل يحمينا ترمب من نتنياهو؟

يقول الوزير السابق، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، إن واشنطن ربحت معارك في طهران، لأن العراقيين استجابوا للضغط في لحظة ارتباك إيرانية. كما أن فصائل شيعية ظلّت تسأل طوال الأشهر الماضية: «هل يحمينا ترمب بالفعل من نتنياهو؟». يبدو الأمر كذلك.

يرصد الوزير هذه الأيام ملامح «الخطة ب» التي تعمل عليها إيران. يقول: «هناك لاعبون جدد من أحزاب شيعية لم تتورّط في تداعيات (طوفان الأقصى) يحاولون اليوم تحديث نسختهم الراديكالية، ولبس رداء مدني يساعدهم على إنقاذ أنفسهم من دائرة الخطر».

إلى حد ما، يشبه الأمر رجلاً في مرمى قنّاص محترف، وعلى صدره نقطة ليزر. يعجز عن الحركة يميناً ويساراً، لأن أقل حركة ستُرديه في الحال. لا يشعر القنّاص بالملل من تسليط الليزر ما دامت الضحية متجمّدة.

وماذا لو غيّر الهدف وجهه واسمه وسلوكه؟ يقول الوزير السابق إن «قادة فصائل مسلّحة تستهويهم الآن فكرة إعادة السلاح إلى المخازن، وحلق اللحى، فيكونون مفيدين جداً لواشنطن وطهران».

إن قائد فصيل مسلّح «يفكر بهذه الطريقة المتقدّمة سيكون مفيداً لإيران حين تهدأ العاصفة»، يقول السياسي الشيعي الذي يعتقد أن 4 سنوات مع ترمب طويلة، وهي أطول بكثير مع نتنياهو، وتتطلّب التغيير.

بدأت ليالي الخريف في بغداد في عز صيف انتخابي لاهب. حتى مع تدفّق الأخبار عن احتمالات تجدّد الحرب بين إيران وإسرائيل، بات قادة فصائل افترشوا قبل عامين خرائط تل أبيب لقصفها يفتحون اليوم مكاتبهم لنخب ليبرالية وعلمانية للخوض في نقاشات طويلة عن انتخابات تبدأ إثارتها من الآن.


مقالات ذات صلة

مرشد إيران الأخير... عندما تصبح الجمهورية تنظيماً شبكياً

خاص عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)

مرشد إيران الأخير... عندما تصبح الجمهورية تنظيماً شبكياً

«لا تحتاج إيران اليوم إلى مرشد، بل إلى قادة علميات يتصرفون كمسؤولي خلايا سرية، مهمتهم الوحيدة هي البقاء».

علي السراي (الرياض)
خاص كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)

خاص نصر الله... الأسطورة التي دُفنت مع صاحبها

ماذا لو نجا حسن نصر الله، وكان عليه أن يقود المواجهة، ليست المواجهة العسكرية فتلك ملعبه، بل مواجهة النفس والجمهور بهذه النكبة؟

بيسان الشيخ (لندن)
خاص أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)

خاص من «أحمد الياباني» إلى «طوفان السنوار»... قصة عذابات ونهر من الأضرحة

جولة في مقبرة «شهداء الثورة الفلسطينية» تستعيد حكاية كوزو أوكاموتو، وتقود إلى كنفاني وأبو حسن سلامة وبلقيس... وصدف غيّرت مصائر.

غسان شربل (بيروت)
خاص غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ورئيس حزب «يشار» (المستقيم) يقف في ملجأ محصن ضد القنابل في الذكرى الثالثة لهجمات 7 أكتوبر قرب موقع ريم في جنوب إسرائيل (رويترز)

خاص آيزنكوت... القائد «المستقيم كالمسطرة» الذي أنقذ نتنياهو فانقض عليه

عندما تقدم غادي آيزنكوت طالباً الثقة لانتخابه رئيساً للحكومة، شعر بنيامين نتنياهو بأنه في ورطة؛ فهو ليس أمام قائد عسكري له رصيد فحسب، بل صاحب ميزات شخصية كثيرة.

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خارجاً من الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد خطابه (أ.ف.ب) p-circle

خاص نتنياهو «المتنصّل من مسؤولياته» يقارع لعنات 7 أكتوبر

لو كان بمقدور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن يمحو تاريخ 7 أكتوبر (تشرين الأول) من الروزنامة، ويشطبه من التاريخ، لما تأخر لحظة واحدة.

نظير مجلي (تل أبيب)

الحكومة اليمنية تطالب بتحرك أممي عاجل لفك حصار تعز

مدينة تعز المحاصرة من قبل الميليشيا الحوثية (إعلام حكومي)
مدينة تعز المحاصرة من قبل الميليشيا الحوثية (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تطالب بتحرك أممي عاجل لفك حصار تعز

مدينة تعز المحاصرة من قبل الميليشيا الحوثية (إعلام حكومي)
مدينة تعز المحاصرة من قبل الميليشيا الحوثية (إعلام حكومي)

دعت الحكومة اليمنية الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي إلى اتخاذ خطوات عاجلة وفعّالة لفك الحصار الخانق الذي تفرضه الميليشيا الحوثية على مدينة تعز، وينذر بكارثة إنسانية واسعة النطاق.

جاء ذلك في رسالة بعثتها وزيرة الخارجية اليمنية الدكتورة أفراح الزوبة إلى الأمين العام للأمم للمتحدة ورئيس مجلس الأمن الدولي والمفوض السامي لحقوق الإنسان ورئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ووكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية، الأربعاء، بشأن التدهور الخطير للأوضاع الإنسانية في تعز جراء تصعيد الحوثيين.

وحذَّرت الوزيرة من أن التصعيد الحوثي الأخير وتضييق الحصار على تعز وقراها ينذر بكارثة إنسانية تطال أكثر من 4 ملايين نسمة، بين محاصرين داخل المدينة ونازحين من المديريات المتضررة كـ«الشمايتين والمواسط وجبل حبشي».

وطالَبت الرسالة، بضغط دولي مباشر، للرفع الفوري للحصار، وفتح جميع منافذ تعز أمام المدنيين وسلاسل الإمداد، وتأمين الوصول المستدام للغذاء والوقود ومياه الشرب، دون عوائق، إضافة إلى تعزيز آليات الرصد والتوثيق والمساءلة لحفظ أدلة الانتهاكات، ومحاسبة مرتكبيها وضمان عدم إفلاتهم من العقاب.

كما دعت إلى اتخاذ موقف دولي واضح إزاء أي ممارسات تستهدف حرمان السكان المدنيين من مقومات الحياة أو توظيف احتياجاتهم الإنسانية وسيلة للضغط أو فرض الأمر الواقع.

وجدَّدت الحكومة التأكيد على التزامها بالتعاون مع الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة والمنظمات الإنسانية والحقوقية والشركاء الإقليميين والدوليين، وتقديم ما يتوافر لديها من بيانات ومعلومات ذات صلة، والعمل على تسهيل جهود الاستجابة الإنسانية، بما يسهم في تخفيف معاناة السكان وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها.

وأكدت الزوبة أن «خطورة الأوضاع القائمة في تعز، وما تنطوي عليه من تهديد مباشر لحياة المدنيين وكرامتهم وحقوقهم الأساسية، تستوجب تحركاً دولياً عاجلاً يتجاوز حدود التعبير عن القلق إلى اتخاذ تدابير عملية وملموسة تكفل إنهاء الحصار، واستعادة تدفق الإمدادات الضرورية، وحماية المرافق المدنية، ومنع تفاقم الكارثة الإنسانية».


مشاهير الحوثيين يطالبون بالمال وسط احتدام المعركة الدعائية

ناشطو الجماعة الحوثية يشكون من تردي أحوالهم المعيشية (أ.ب)
ناشطو الجماعة الحوثية يشكون من تردي أحوالهم المعيشية (أ.ب)
TT

مشاهير الحوثيين يطالبون بالمال وسط احتدام المعركة الدعائية

ناشطو الجماعة الحوثية يشكون من تردي أحوالهم المعيشية (أ.ب)
ناشطو الجماعة الحوثية يشكون من تردي أحوالهم المعيشية (أ.ب)

بالتزامن مع احتدام التنافس على التأثير في الرأي العام والمعركة الدعائية الموازية للتصعيد العسكري، اشتكي عدد من مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي الموالين للجماعة الحوثية في اليمن من تردي أحوالهم المعيشية، وطالبوا بتوفير دعم مالي وخدمات مجانية أو مخفضة، مثيرين نقاشاً بين مؤيدي الجماعة ومناهضيها حول استحقاق الدعم والتهكم على مواقفهم.

وتتجاوز المطالب توفير المال إلى الدعوة لإنشاء إطار مؤسسي ينظم أوضاعهم، وتخفيض تكاليف الإنترنت، وتخصيص مخصصات شهرية ثابتة، في حين كشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» عن أن عدداً منهم رفعوا مذكرة احتجاجية إلى قيادات إعلامية في الجماعة، اعترضوا فيها على تراجع المخصصات الممنوحة لهم، مقابل مضاعفتها لآخرين.

وحسب المصادر، فإن المذكرة الاحتجاجية أشارت إلى مضاعفة المستحقات المالية للناشطين والمشاهير المنتمين إلى المناطق التي سيطرت عليها الجماعة أخيراً، بينها مديريات في الساحل الغربي وجنوب محافظة تعز، والذين رافقوا وصول قواتها إلى بلداتهم وقراهم وسعوا للتواصل مع السكان في محاولة لتطبيع الأوضاع.

وبينما عبّر مقدمو المذكرة عن استيائهم مما عدّوه تفاوتاً في توزيع المخصصات المالية، ودعوا إلى إعادة النظر في آلية الدعم، بينت المصادر أن القادة الحوثيين ردّوا عليهم بشكل مباشر بمبررات متعددة، بينها أن الناشطين الذين رافقوا وصول الجماعة إلى مناطقهم يؤدون مهامَّ غاية في الأهمية، وذكَّروهم بالصعوبات المالية التي تواجهها الجماعة.

الجماعة الحوثية جنّدت عدداً كبيراً من مشاهير منصات التواصل لدعم أنشطتها التعبوية (أ.ب)

وتعرضت الجماعة لاستنزاف مواردها بعد عقوبات مالية واقتصادية أميركية عليها، إلى جانب استهداف سلاح الطيران الإسرائيلي عدداً من المنشآت الاقتصادية الخاضعة لسيطرتها، مثل موانئ الحديدة ومصانع الأسمنت.

ولم يتسنَّ للمصادر معرفة تفاصيل المذكرة أو أسماء مقدميها وحجم ونوعية الدعم المطلوب.

أجر لكل منشور

برز في الآونة الأخيرة عدد من الانتقادات لتعامل الجماعة مع إعلامييها والمشاهير في مواقع التواصل الاجتماعي، وكشف أحدهم، ويُدعى محمد قاطن، عن طريقة التعامل المالي التي باتت الجماعة تنتهجها معهم، بعد أن طالب اللجنة الإعلامية الحوثية في صنعاء ومسؤولين فيها بتخصيص مخصصات شهرية ثابتة، بدلاً من احتساب المقابل المالي لكل منشور على حدة.

وقال الناشط الموالي للجماعة في منشور على «فيسبوك»، إن على الجهات المعنية أن تدعم مشاهير التواصل، أو تنشئ لهم مكتباً إعلامياً أو نقابة تتولى رعاية أوضاعهم، داعياً أيضاً إلى توفير خطوط إنترنت مجانية عبر مؤسسة الاتصالات، أسوةً بما قال إنها امتيازات يحصل عليها موظفون في المؤسسة.

قادة حوثيون سخروا من مطالب الناشطين الموالين لهم بتحسين أوضاعهم (إعلام حوثي)

واشتكى آخر من أن بعض المشاهير يتحملون تكاليف الإنترنت من أموالهم، في حين لا يجدون دعماً يتناسب مع نشاطهم، منتقداً محاسبتهم على المنشورات كما لو أنهم يعملون بنظام اليومية.

ويبين هذا الطرح المفارقة في طبيعة العلاقة بين الجماعة الحوثية ومشاهيرها في منصات التواصل؛ فبدلاً من تقديم الدعم الثابت لهم، يتحدث عن آلية احتساب المقابل وفق المنشور، بما يجعل النشاط أقرب إلى العمل بالقطعة أو الأجر اليومي أو المقاولة.

كما طالب ناشط حوثي آخر، وهو هاشم الحيفي، بتوفير خدمات الإنترنت بأسعار مخفضة أو مجاناً، لكون ذلك لن يشكل عبئاً كبيراً إذا اقتصر على بضع مئات من العاملين في هذا المجال، في حين حذر زميل له من أن عدم الالتفات إلى تلك المطالب سيُضعف الجماعة أمام خصومها إعلامياً وعسكرياً، وسيمكّن الحكومة الشرعية من الوصول إلى «جولة آية»، وهو تقاطع شوارع شهير شمال العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرة الجماعة.

مطالب متكررة

وصف حسين الأملحي، وهو أحد المشاهير الحوثيين، الجماعة بأنها «أبخل سلطة» تحكم صنعاء، مطالباً بتوفير الأموال للإعلاميين والممثلين والناشطين حتى يتمكنوا من التفرغ للعمل الإعلامي في مواجهة ما وصفه باتساع النشاط الإعلامي المناهض للجماعة.

ودعا إلى إسناد إدارة المنظومة الإعلامية إلى شخص قادر على تشغيلها، مع تخصيص ميزانية مناسبة لها، في انتقاد لطريقة إدارة هذا الملف وحجم الموارد المتاحة له.

وكان الأملحي، وهو أحد أبرز مشاهير الجماعة على مواقع التواصل الاجتماعي، واشتهر باستخدامه عبارات نابية وألفاظاً خارجة عن اللياقة في مهاجمة خصوم الجماعة، قد تعرض قبل عامين للاعتقال لمدة تقارب الشهر، بعد حديثه عن فساد في المحاكم ومؤسسات القضاء التي يسيطر عليها الحوثيون.

وأيَّد ناشط حوثي يكنّى «أبو غيث» تلك المطالب بالدعوة إلى تخفيض أسعار الإنترنت أو توفير باقات خاصة تتيح للمشاهير التواصل ومواصلة نشاطهم على نفقتهم، مشتكياً من ارتفاع تكلفة الباقات وبطء الخدمة، فضلاً عن ضعف التفاعل مع منشوراته، حتى من خلال الإعجاب أو المشاركة.

وشدّد الناشط المكنَّى أبو طه البدري، على أهمية الحرب النفسية والإعلامية والدعاية في الصراع، داعياً قيادة الجماعة إلى إدراك الدور الذي يؤديه مشاهير مواقع التواصل وتقديم الدعم الكافي لهم، وتوفير الدعم والتمويل اللازمين.

الحوثيون يفضلون دعم الناشطين الميدانيين المرافقين للمقاتلين (إعلام حوثي)

ولاقت مطالب الأملحي تأييداً من بعض الموالين للجماعة، لكنها قوبلت أيضاً بسخرية من آخرين رأوا أن البحث عن مقابل مادي للعمل الإعلامي لا تتناسب مع ما يقدمه المقاتلون في الجبهات، حيث يخسر بعضهم حياتهم، مطالبين مشاهير التواصل بالعمل مجاناً باعتبار ذلك، وفق خطابهم، أحد أشكال الجهاد.

وفي المقابل، سخر عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي من هذه المطالب، متهمين أصحابها بتأييد جماعة تحارب اليمنيين وتنهب أموالهم ومقدرات الدولة من دون مقابل، مستغربين أن يقبل هؤلاء على أنفسهم بأداء تلك المهام وباستعداء المجتمع من دون أن يحظوا بامتيازات مالية، ويحصلوا بدلاً عنها على الازدراء.

وشهدت الأشهر الماضية تصاعد شكاوى فنانين وإعلاميين موالين للجماعة من تردي أحوالهم المعيشية، واتهموها بعدم الوفاء بالتزاماتها لهم وتركهم رهناً للمعاناة، مقابل إثراء فاحش لقادتها، وتعرض عدد منهم للاعتقال أو حملات الإساءة بسبب تلك الشكاوى.


«فجر اليمن» تكثف ضرباتها الجوية والبرية لإنهاك القدرات الحوثية

قوات من ألوية العمالقة الجنوبية في طريقها لتعزيز جبهات غرب لحج (إعلام عسكري)
قوات من ألوية العمالقة الجنوبية في طريقها لتعزيز جبهات غرب لحج (إعلام عسكري)
TT

«فجر اليمن» تكثف ضرباتها الجوية والبرية لإنهاك القدرات الحوثية

قوات من ألوية العمالقة الجنوبية في طريقها لتعزيز جبهات غرب لحج (إعلام عسكري)
قوات من ألوية العمالقة الجنوبية في طريقها لتعزيز جبهات غرب لحج (إعلام عسكري)

دخلت العملية العسكرية اليمنية «فجر اليمن» يومها العاشر، الأربعاء، وسط استمرار المواجهات الأعنف في جبهات محافظة تعز (جنوب غرب)، إضافة إلى جبهات مأرب، والجوف، مع اشتداد الضربات الجوية والبرية التي تقول القوات الحكومية إنها تستهدف إضعاف القدرات القتالية للحوثيين المدعومين من إيران، وقطع خطوط إمدادهم، في وقت تتزايد فيه الخسائر البشرية، وموجات النزوح، وتتفاقم الضغوط على المستشفيات، والأسواق، والخدمات الأساسية.

وأعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 2200 عملية استهداف دقيقة، بمشاركة الطيران الحربي، والمسيّر، ومدفعية الميدان، والراجمات، ووحدات القناصة خلال 24 ساعة، وقالت إن التقديرات الميدانية الأولية تشير إلى تحييد نحو 1200 عنصر حوثي، وتدمير وإعطاب أكثر من 440 آلية وعربة ووسيلة عسكرية في مختلف محاور القتال.

وأوضح الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، أن العمليات ركزت على مراكز القيادة والسيطرة، والتحصينات، ومصادر النيران، ونقاط المراقبة والاستطلاع، إضافة إلى مناطق الحشد، ومستودعات الأسلحة، والذخائر، ووسائط النقل، والإمداد، والأهداف العسكرية التي وصفها بأنها عالية القيمة.

وأضاف أن القوات الحكومية واصلت تطوير عملياتها الهجومية في الجبهتين الشرقية، والجنوبية، محققة تقدماً ميدانياً تحت إسناد نيراني مكثف، فيما استهدفت الضربات في تعز تجمعات المقاتلين، والتعزيزات الحوثية، بهدف تعطيل قدرتها على إسناد مواقعها، وإعادة تنظيم صفوفها.

وتقول مصادر ميدانية إن الجماعة تتكبد يومياً خسائر بشرية تشمل قتلى، وجرحى، وأسرى، بينهم قيادات ميدانية، حيث تشير التقديرات إلى خسارة الجماعة نحو 15 ألف عنصر بين قتيل وجريح خلال 10 أيام، بينما لا تعلن الجماعة حصيلة شاملة لخسائرها.

معارك متعددة الجبهات

في تعز، تركزت المواجهات خلال الساعات الأخيرة في جبهات جنوب المدينة، وشرقها، وغربها، مع تجدد الاشتباكات في الأقروض، حيث أفادت مصادر عسكرية باندلاع معارك في مناطق الصراري، وذي البرح، وضحيح، عقب محاولات حوثية لمهاجمة مواقع القوات الحكومية.

وقالت المصادر إن القوات الحكومية أجبرت المقاتلين الحوثيين على التراجع من منطقة الصراري في مديرية صبر الموادم، فيما استهدفت غارات جوية تجمعاً ومقراً تابعاً للجماعة في منطقة الحوبان شرقي المدينة.

صورة ليلية لمدينة تعز المحاصرة من قبل الجماعة الحوثية (فيسبوك)

وفي الجبهة الغربية، استمرت المواجهات في محيط جبل هان، والصياحي، وجبل حذران، ضمن نطاق جبهة الضباب المطلة على الطريق الرئيس المؤدي إلى المدينة. وامتدت الاشتباكات إلى جبهتي الشقب، والأقروض جنوب شرقي تعز، وذلك بالتزامن مع احتدام القتال في مناطق المحاولة، والأغابرة ضمن محور الوازعية، جنوب غربي المحافظة، واستمرار المواجهات في جبهة المضاربة بمحافظة لحج المجاورة.

وتعمل وحدات الهندسة العسكرية، وفق البيان الحكومي، على إزالة الألغام والعبوات الناسفة من المواقع المستعادة في الجبهة الغربية، وتأمين الطرق، والممرات، في مسعى لحماية المدنيين، وتسهيل عودتهم إلى المناطق التي غادروها.

قرار مواصلة العملية

سياسياً، أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي أن عملية «فجر اليمن» ماضية نحو هدفها المعلن المتمثل في إنهاء انقلاب الحوثيين، واستعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح وقراري الحرب والسلم بيد المؤسسات الدستورية.

وقال العليمي، في خطاب بمناسبة الذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر، إن القوات المسلحة حققت أداءً جيداً منذ انطلاق العملية، وإن التغيرات المؤقتة على الأرض لن تثني الدولة عن مواصلة مسؤولياتها، بدعم من الأشقاء، والأصدقاء.

مدير شرطة تعز يتفقد الأوضاع الأمنية في المدينة (إعلام حكومي)

وأضاف أن التهديد الحوثي لا يقتصر على محافظة أو منطقة بعينها، بل يمتد إلى أمن اليمنيين، ومستقبلهم في الشمال، والجنوب، مشدداً على أن ما يجري في تعز ومأرب يرتبط بأمن عدن، وحضرموت، وسائر المحافظات.

وبرر العليمي إطلاق العملية باستنفاد فرص التهدئة، واستمرار الهجمات الحوثية على المدن، والقرى، ودول الجوار، والممرات المائية الدولية، مؤكداً أن قرار استعادة مؤسسات الدولة نافذ، ولا رجعة عنه.

تحذيرات إنسانية

تزامن اتساع العمليات العسكرية مع تحذيرات دولية من تداعياتها على المدنيين، خصوصاً في ظل ارتفاع أعداد الجرحى، والنازحين، وتراجع قدرة المرافق الصحية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

وقالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الأربعاء، إن المستشفيات في أنحاء اليمن تواجه صعوبات متزايدة في التعامل مع الارتفاع الحاد في أعداد المصابين جراء القتال، مشيرة إلى أن بعض المرافق الصحية الواقعة على خطوط المواجهة في مأرب وتعز وساحل البحر الأحمر استقبلت أكثر من 700 مصاب خلال أسبوع واحد.

أشخاص يركبون دراجة نارية ينظرون إلى الدخان الأسود بعد ضرب موقع للحوثيين في الحديدة (رويترز)

وقال فراس أبو سمرة، منسق قسم الصحة في اللجنة، إن أطقم الرعاية الطبية تتعرض لضغوط هائلة، في وقت لا تستطيع فيه سوى نسبة ضئيلة من المرافق الصحية العاملة توفير رعاية متكاملة للمصابين.

وحذرت المنظمة من نقص المستلزمات الجراحية، والتخدير، والأكسجين، والأدوية، ومن محدودية قدرة النظام الصحي المنهك على استيعاب موجة جديدة من الإصابات الجماعية إذا اتسعت المواجهات.

وفي ملف النزوح، أفادت المنظمة الدولية للهجرة بأنها رصدت 217 ألفاً و303 نازحين، يمثلون 36 ألفاً و216 أسرة، حتى 12 أكتوبر الحالي. ويتركز نحو 55 في المائة من النازحين في محافظة تعز، فيما سجلت لحج أكثر من 45 ألف متضرر، وعدن أكثر من 26 ألفاً.

ولا تقتصر التداعيات على النزوح، والإصابات؛ إذ حذرت الأمم المتحدة من تراجع الإمدادات الأساسية في مدينة تعز، مع احتمال نفاد مخزونات القمح والدقيق خلال أقل من ثلاثة أسابيع، وفق إفادات شركائها في المجال الإنساني.

تحذيرات أممية من نقص الغذاء في مدنية تعز جراء حصار الحوثيين (رويترز)

وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوغاريك، إن أسعار المواد الغذائية ارتفعت بنحو 50 في المائة، فيما بلغت أسعار البنزين ثلاثة أمثال مستوياتها السابقة، وأصبح غاز الطهي غير متاح إلى حد كبير. كما أدى نقص الوقود إلى تهديد إمدادات المياه، وسط اكتظاظ مواقع النزوح، ومحدودية الحصول على المياه النظيفة، وضعف الخدمات الصحية.

وتزيد هذه الظروف من مخاطر تدهور الأمن الغذائي والصحي في مدينة يقطنها أكثر من 1.5 مليون نسمة، وتعاني منذ سنوات قيوداً حوثية على الحركة، والإمدادات، بسبب الحصار المفروض على منافذها.