ليلة استثنائية مع ألحان محمد عبد الوهاب على المسرح في لندن

مسرح «رويال دروري لين» يستضيف حفلاً لأغاني موسيقار الأجيال نوفمبر القادم

من حفل برلين (يوتيوب)
من حفل برلين (يوتيوب)
TT

ليلة استثنائية مع ألحان محمد عبد الوهاب على المسرح في لندن

من حفل برلين (يوتيوب)
من حفل برلين (يوتيوب)

تحل ألحان وأغاني الموسيقار المصري الراحل محمد عبد الوهاب على خشبة أحد أشهر مسارح العاصمة البريطانية لندن في 23 من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) القادم عبر حفل موسيقيّ لليلة واحدة يحتفل بموسيقار الأجيال، ويقدم ألحانه لجمهور من محبي الغناء العربي في ليلة لندنية استثنائية. حفل «محمد عبد الوهاب... والد الموسيقى العربية الحديثة» تقيمه أسرة الفنان الراحل بالتعاون مع المنتجة السعودية منى خاشقجي المهتمة بإعادة إحياء التراث الفني العربي، وسبق أن أنتجت مسرحية غنائية عن أم كلثوم عُرضت في عدد من دول العالم. ستغرد السوبرانو المصرية فاطمة سعيد في الحفل بأعذب ألحان عبد الوهاب على موسيقى أوركسترا مستمدة من الفرقة الفلهارمونية الإنجليزية وأوركسترا لندن العربية بقيادة المايسترو نادر عباسي.

المايسترو نادر عباسي والسوبرانو فاطمة سعيد والمنتجة المشاركة منى خاشقجي

يتحدث عمر خليل، حفيد الموسيقار الراحل، مع «الشرق الأوسط» حول جده وموسيقاه، وعن الحفل، ويتطرق إلى مسلسل تلفزيوني تعمل أسرة محمد عبد الوهاب على إنتاجه عن حياة موسيقار الأجيال.

محمد عبد الوهاب (العائلة)

جمهور الحفل

عبر مشوار فني امتد لأكثر من 80 عاماً جدَّد محمد عبد الوهاب الموسيقى الشرقية، وعُرف عنه الذكاء في معرفة جمهوره، وفي تطوير أسلوبه الموسيقي وتأثره بالموسيقى الغربية الكلاسيكية على وجه التحديد، وامتد تأثيره عبر الأجيال المختلفة، بسبب قدرته على التطور والذكاء في مخاطبة الجمهور.

السؤال الأول الذي يتبادر إلى الذهن هو عن الجمهور الذي يهدف إليه منظِّمو الحفل؛ لمحمد عبد الوهاب شريحة واسعة من الجمهور من أصول عربية، وحتى بعض المستمعين الغربيين المطّلعين على الموسيقى الشرقية، ولكن يبقى التحدي أمام منظِّمي الحفل أن يحددوا الجمهور الذي يتوجهون إليه، وماذا سيختارون من أرشيف هائل من الأغاني والقطع الموسيقية التي تركها الراحل.

يحدد عمر خليل الهدف بسرعة: «الفئة الأساسية تضم الشباب ممن يعرف عن عبد الوهاب عبر الأهل، ولكنّ هناك أيضاً جمهوراً غربياً قد يعرف محمد عبد الوهاب، فالراحل استخدم إيقاعات وآلات غربية، وهو ما قد يجعله معروفاً لدى فئات مختلفة من الجمهور».

عبد الوهاب والموسيقى الغربية

يرى خليل أن للموسيقى الكلاسيكية تأثيراً في موسيقى جده قد يكون بدأ منذ سفره إلى أوروبا مع أمير الشعراء أحمد شوقي في عشرينات القرن الماضي حيث تفتحت ذائقته للموسيقى الكلاسيكية الغربية: «كان من أحلامه أن يقدم موسيقاه بأسلوب كلاسيكي، ولهذا قلنا: لماذا لا نأخذ هذه الخطوة، ونقدم أعماله بطريقة سيمفونية كلاسيكية؟»، وبالفعل قدمت العائلة أكثر من حفل لأعمال الجد المبدع في القاهرة والرياض وبرلين، وكان التوزيع الكلاسيكي حاضراً في بعض المقطوعات، ولكن الجديد في حفل لندن -حسبما يذكر محدثنا- هو أن الحفل كله سيقدَّم على أساس كلاسيكي سيمفوني.

محمد عبد الوهاب في أثناء تصوير أغنية «عاشق الروح»... (خاص)

قدم الموسيقار المصري عمر خيرت بعض ألحان محمد عبد الوهاب بتوزيع أوركسترالي في ألبوم «وهابيّات» فما الجديد الذي ينتظره الجمهور هنا؟ يقول خليل إن ما سيقدمه الحفل سيكون مختلفاً؛ «عمر خيرت قدم ألبومه في الثمانينات، وكان متميزاً بأسلوبه الخاص في التلحين، ولكن ما سنقدمه سيكون مختلفاً». ويلفت إلى أن العائلة قدمت أكثر من حفل لأغاني محمد عبد الوهاب؛ منها حفل أُقيم في برلين بأداء السوبرانو فاطمة سعيد، و«قدمنا أيضاً حفلات في السعودية، وفي مصر مع المايسترو نادر عباسي».

أسأله عن ردود فعل الجمهور في الحفلات السابقة، ويقول إنها كانت إيجابية: «رد الفعل كان دائماً من الناس التي تعرفه أو لا تعرفه سواء في السعودية أو في مصر أو في برلين مع جمهور غربي، كان هناك ترحيب كبير جداً لأن موسيقاه قريبة للجمهور، أرى أن محمد عبد الوهاب قرَّب الموسيقى الغربية للعرب، وهذا الاستقبال هو ما دفعنا لإقامة حفل كامل بالصيغة الكلاسيكية».

المايسترو نادر عباسي (إنستغرام)

كيف اُخْتِيرت الأغنيات التي يقدمها الحفل؟ يقول إن الأمر يختلف حسب المكان الذي ستقدَّم فيه؛ «بلا شك يختلف الاختيار من مكان لمكان، وحسب نوع الحفل الذي نقدمه، فعلى سبيل المثال الحفل الذي قُدِّم ضمن موسم الرياض كانت موسيقاه مزيجاً (هايبرد) بين توزيعات موسيقية كلاسيكية سيمفونية، لكنَّ المغنِّين كانون مطربين شرقيين، نحن هنا نقدم لجمهور يريد سماع أغاني عبد الوهاب بالطريقة التي يعرفها، هو جمهور يريد أن يغني معها، وأن يندمج مع العرض بطريقة مختلفة. في برلين كانت معنا السوبرانو فاطمة سعيد التي أدت ثلاث أغنيات منها «لأ مش أنا اللي أبكي» المعتمدة على إيقاع لاتيني، وقارنها البعض في وقتها بأغنية «غرباء في الليل» لفرنك سيناترا مع أنها صدرت عام 1959، فيما صدرت أغنية سيناترا في عام 1966».

الأغنيتان، حسب عمر خليل، «تلائمان الذائقة الغربية؛ (لأ مش أنا اللي أبكي) كانت لها نواحٍ غربية نستطيع تقديمها لجمهور ألماني وجمهور إنجليزي، والأغنية الأخرى هي (كان أجمل يوم)، وهي معتمدة على تراث فلكلوري إيطالي، وتعد قريبة وسهلة لجمهور لا يعرف عبد الوهاب وموسيقاه».

الحفيد والجد

مع أن خليل لم يدرك جده الموسيقار الكبير في سنوات عطائه؛ إذ وُلد في 1986 قبل أربعة أعوام من وفاة الموسيقار الكبير، وما بقي في ذاكرة الطفل هي صور من الجد وكبير العائلة: «في العموم ذكرياتي عنه عائلية بحتة»، لكنه اكتشف موسيقى جده بعد ذلك: «تجربتي مع موسيقاه جاءت لاحقاً، وأيضاً من ناحية مختلفة؛ فوالدي، وهو زوج ابنته، (حبَّبني) في عبد الوهاب، أعتقد أنني أحببته كمعجب أكثر من كونه جدي، طبعاً عندما وقعت في غرام موسيقاه كنت مدركاً جداً أنه جدي وأني فخور بكوني حفيده، وبدأت أفهم حجم المسؤولية الملقاة على أكتافنا كعائلته من أجل المحافظة وإحياء تراثه الموسيقي».

لا يرى الحفيد صعوبة في جذب الشباب إلى موسيقى جده؛ «المهم جداً هنا ألا نكون عنيدين وأن نقدم لكل جمهور المحتوى الذي يمكن أن يتقبله من دون بذل مجهود، وأعتقد أن هذا ما تميز به محمد عبد الوهاب؛ فقد كان (أستاذاً) في التعامل مع الجمهور، ولهذا أُطلق عليه لقب (موسيقار الأجيال)».

تدرك العائلة أن هذا هو الطريق الذي سيوصلهم إلى جميع الأجيال: «أنا مدرك أنني عندما أقدم لشخص في العشرينات قطعة من الموسيقى الكلاسيكية العربية التي أُعيدت صياغتها بأسلوب كلاسيكي غربي، قد لا يتفاعل معها، بل ممكن أن يشعر بأنها موسيقى لها علاقة بأجيال أكبر منه، لذلك أنا عندما أخاطب الشباب لا بد أن أقدم لهم الموسيقى بشكل يستطيعون فهمه من دون أن يؤثر ذلك على الأصل، والطريقة هي أن نقدم لهم أغاني عبد الوهاب عبر فنانين محبوبين يمكنهم تقديم صياغة أو ترجمة معاصرة تصل إليهم، عبر أساليب موسيقية وإيقاعات محببة إليهم».

السوبرانو فاطمة سعيد تؤدي لعبد الوهاب في حفل برلين (يوتيوب)

مسلسل درامي

ليست الحفلات الموسيقية فقط هي ما يشغل أسرة موسيقار الأجيال، بل يتردد أن هناك جهوداً قائمة لإنتاج مسلسل درامي عن حياته بالتعاون مع المنتجة السعودية منى خاشقجي والمنتج المصري محمد حفظي، ويؤكد عمر خليل هذا: «فعلاً نعمل منذ سنوات على الموضوع، ونتحدث عن الإنتاج حالياً».

بالنسبة إلى المسلسلات التي تتخذ من أشهر الفنانين موضوعاً هناك نماذج كثيرة لم تنجح، فهل يمثّل هذا الأمر قلقاً لعمر خليل والعائلة؟ يجيب: «طبعاً أيّ مشروع ندخله لإحياء تراث عبد الوهاب مسؤولية كبيرة جداً، لكن لا ينبغي أن نترك للقلق دوراً في وقف مثل هذه المشروعات، لأن شخصية مثل محمد عبد الوهاب تعد أسطورة، يجب أن يكون هناك عمل درامي يتناول حياته ومشواره، قد نقلق أن أغلبية المشاريع المشابهة لم تلقَ النجاح المنشود، وقد يكون ذلك لأسباب متعددة، مثل أنها لم تقدَّم بشكل يتقبله الجمهور، لكن من المهم بالنسبة إلينا أن نتعلم من أخطاء الغير».


مقالات ذات صلة

أوبرا «توت عنخ آمون» تنطلق من القاهرة إلى العالم

يوميات الشرق أوبرا «توت عنخ آمون» بالتعاون بين مصر وإيطاليا (فيسبوك)

أوبرا «توت عنخ آمون» تنطلق من القاهرة إلى العالم

فكَّر حواس في تقديم أوبرا عن توت عنخ آمون بالتعاون مع موسيقي إيطالي، مستوحاة من شخصيات حقيقية وقصة درامية من وحي أفكاره.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق المغنية نيكي ميناج والرئيس الأميركي دونالد ترمب يقفان على المسرح معاً خلال حدث في واشنطن (أ.ب)

«المعجبة الأولى بالرئيس»... ترمب يمازح نيكي ميناج ويشيد بأظافرها على المسرح

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب مغنية الراب نيكي ميناج إلى الصعود على المنصة خلال إلقائه خطاباً، وأشاد بأظافرها الطويلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق تقف ماريلين نعمان كما لو أنّ الزمن توقّف عند إيقاع آخر (صور الفنانة)

ماريلين نعمان... من زمن آخر

ضمن لقطة واحدة طويلة، تنتقل ماريلين نعمان بين حالات شعورية متعدّدة، بتركيز عالٍ يفرض إعادة التصوير من البداية عند أيّ خطأ...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق الغناء مساحة مؤقّتة للحرّية (أ.ب)

خلف القضبان... سجينات برازيليات يتنافسن بالغناء قبل الحرّية

شاركت مجموعة من النساء البرازيليات القابعات خلف القضبان في مسابقة غنائية أُقيمت، الجمعة، داخل أحد سجون مدينة ريو دي جانيرو.

«الشرق الأوسط» (ريو دي جانيرو)
يوميات الشرق عبد الحليم حافظ (صفحة منزل عبد الحليم حافظ على فيسبوك)

أسرة عبد الحليم حافظ تتهم «العندليب الأبيض» بتشويه صورة المطرب الراحل

اتهمت أسرة الفنان الراحل عبد الحليم حافظ، والملقب بـ«العندليب الأسمر»، شخصاً أطلق على نفسه لقب «العندليب الأبيض».

داليا ماهر (القاهرة )

باليه «أميرة النيل» يستلهم قصة حب أسطورية من مصر القديمة

البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)
البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)
TT

باليه «أميرة النيل» يستلهم قصة حب أسطورية من مصر القديمة

البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)
البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)

في استعادة فنية لواحد من أعمال الباليه العالمي، يستقبل المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية عرض باليه «أميرة النيل» الذي بدأ، الجمعة، ويستمر حتى الاثنين 9 فبراير (شباط) الحالي.

يعود العمل إلى الجمهور في صيغة تجمع بين عراقة النص الكلاسيكي، وروح المعالجة المعاصرة؛ فالعرض الذي تقدّمه فرقة «باليه أوبرا القاهرة» يستعيد أحد أشهر الأعمال التي رسّخت صورة جمالية عن عراقة الحضارة المصرية في الفكر الغربي، لكنه هذه المرة يعيد قراءتها من داخل الذاكرة الثقافية المصرية نفسها، حيث تدور أحداثه في إطار سردي يجمع بين الواقع والحلم.

ويشعر المشاهد منذ لحظاته الأولى بأنه يراهن على فخامة الأجواء، وهيبة الحضارة القديمة، والدهشة البصرية، وزخم المشاعر؛ إذ تبدأ الأحداث برجل إنجليزي، يصل إلى مصر في رحلة استكشافية، ويجد نفسه مضطراً إلى الاحتماء داخل أحد الأهرامات؛ هرباً من عاصفة رملية مفاجئة. وهناك وفي أجواء غامضة تتداخل فيها الأسطورة مع الخيال، يتناول مادة مخدرة تجعله يغفو، لينتقل عبر الحلم إلى مصر القديمة.

أزياء مستوحاة من الرموز الفرعونية والبيئة (الأوبرا المصرية)

في هذا العالم المتخيل، يتحول الرجل إلى شاب مصري نبيل، يعيش في بلاط الحاكم، وسرعان ما يلتقي ابنة الفرعون، التي تتجسد بوصفها رمزاً للجمال والقوة. وينشأ بين الاثنين حب عميق، لكنه حب محكوم بالمواجهة؛ إذ تصطدم مشاعرهما بقوانين السلطة والاختلاف والمصير.

فهل ينتصر الحب ويستمر مع محبوبته «أميرة النيل»، أم يعود من حلمه إلى الهرم، بعد أن يكون قد اكتسب تقديراً حقيقياً لسطوة الحب والقدر؟

وترى المديرة الفنية لفرقة «باليه أوبرا القاهرة»، الفنانة أرمينيا كامل، أن تقديم «أميرة النيل» يأتي في إطار رؤية فنية تؤمن بالاستلهام من الجذور الحضارية المصرية؛ وذلك بوصفها مادة حية ثرية على المستويات الإنسانية والجمالية، قابلة لإعادة التشكيل الراقي الملائم لفن الباليه. وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الحضارة المصرية القديمة، بما تحمله من ثراء بصري ودرامي، ومن مشاهد وصور وزخم سردي، تملك قدرة استثنائية على مخاطبة وجدان المتلقي المعاصر عبر الباليه».

يُذكر أن باليه «أميرة النيل» وُلد خلال فترة ازدهار ثقافي وفني ملحوظ في روسيا؛ ففي منتصف القرن التاسع عشر بدأ الباليه الروسي في ترسيخ هويته الخاصة، المتميزة عن نظيراتها في أوروبا الغربية.

ويشير الناقد الفني محمد كمال إلى أن هذا الباليه استلهم من رواية «المومياء» لتيوفيل غوتييه، التي شكّلت نسيجاً غنياً من الثقافة والأساطير المصرية القديمة؛ ما أتاح للمبدعين فرصة استكشافها.

وكان للتعاون بين ماريوس بيتيبا، أستاذ الباليه الفرنسي الذي استقر في روسيا، وتشيزاري بوني، الملحن الإيطالي، دور محوري في إخراج هذا الباليه إلى النور.

باليه «أميرة النيل» (دار الأوبرا المصرية)

فقد أثمرت تصميمات بيتيبا الراقصة المبتكرة، إلى جانب موسيقى بوني المؤثرة، عرضاً مذهلاً من الناحيتَين البصرية والموسيقية، حسب كمال. اللافت أن الباليه لا يتعامل مع قصة الحب بوصفها حكاية رومانسية تقليدية، بل يقدمها بصفتها سلسلة من الاختبارات الجسدية والدرامية؛ حيث تتحول المشاعر إلى حركات، والصراع إلى إيقاع.

ففي الفصل الثاني على سبيل المثال تتصاعد التوترات مع ملاحقة الحراس للعاشقين، وتتحول الرحلة إلى سلسلة من المطاردات والمشاهد الجماعية التي تبرز قوة الرقص الكلاسيكي في التعبير عن الإحساس بالخطر والهروب والرغبة في النجاة.

ويتداخل البعد الأسطوري مع الدراما في العرض عبر مشاهد تتكامل فيها الموسيقى والحركة والضوء، وفي أثناء ذلك يترسخ لدى المشاهد الإحساس بتفرد النيل، بوصفه قوة حامية وملاذاً للإنسان، وليس مجرد نهر عظيم.

وفي الفصل الأخير يتصاعد الصراع، وتتداخل السلطة بالعاطفة، قبل أن ينكسر الحلم فجأة، ويستيقظ البطل في نهاية قد تعيد المتفرج إلى نقطة البداية، لكنها تأتي محمّلة بدلالة جديدة؛ إذ يكتشف أنه قد أصبح مثل هذا البطل من حيث تغيّر نظرته إلى الحب والقدر والحياة.

وتتميز معالجة الباليه بأنها لا تعتمد على السرد المباشر، بل تترك للرقص والموسيقى مهمة نقل التحولات النفسية والدرامية.

وهو ما يتجلّى في تصميمات الرقص المستندة إلى أعمال ماريوس بيتيبا؛ حيث تتوازن الحركات الدقيقة مع المشاهد الجماعية المهيبة، وتتحول الأجساد إلى عنصر سردي أساسي.

أما الموسيقى التي وضعها المؤلف الإيطالي تشيزاري بوني، فتشكّل العمود الفقري للعمل، بما تحمله من ألحان غنية وزخارف أوركسترالية تتكرر، وتتحول مع تطور الأحداث.

ويقود الأوركسترا المايسترو محمد سعد باشا، في أداء يبرز التباين بين المقاطع الاحتفالية، والمشاهد الوجدانية، سيما في ثيمات الحب والمواجهة. صمم ياسر شعلان الإضاءة بحيث تواكب التحولات الزمنية والنفسية، متنقلة بين أجواء الحلم والاحتفال والتهديد، في حين قدّم جيانلوكا سايتو أزياء مستوحاة من الرموز الفرعونية والبيئة، جاءت غنية في تفاصيلها، من دون أن تقع في فخ الاستنساخ التاريخي.

ويعتمد العرض كذلك على مشروع وسائط متعددة من تصميم عبد المنعم المصري، يضيف بعداً بصرياً حديثاً، من خلال دمج الصور والخلفيات المتحركة مع المشاهد الراقصة، في انسجام يحافظ على إيقاع العرض، من دون أن يؤدي إلى تشتيت انتباه المتلقي.


9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)
عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)
TT

9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)
عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)

تتوالى الأيام سريعاً صوب بدء الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الذي ينطلق في الثاني عشر من هذا الشهر حتى الثالث والعشرين منه.

المؤشرات تعِد بدورة أكثر نجاحاً من الدورات الثلاث السابقة، لكنّ هذا لن يتأكد قبل العروض السينمائية للمسابقة وما يجاورها من أقسام. هذا لأنه من السهل إتقان الشؤون الإدارية المختلفة، ومن الأسهل، نسبياً، إنجاز سوق سينمائية كبيرة تقبل عليها مؤسسات وشركات لتأكيد وجودها على خريطة الإنتاجات السينمائية حول العالم، لكن اختيار الأفلام المشتركة في برامج المهرجان المختلفة هو المحك الذي سيمكّن الإعلام ونقاد السينما من الحكم على درجة نجاح المهرجان الفعلي، وإذا ما وفى بوعده العودة إلى سابق تألّقه.

أرقام

شيء واحد مؤكد إلى الآن هو أن هناك تسعة أفلام من إخراج نسائي بين عروض المسابقة المؤلّفة من 22 فيلماً. مسألة لم نكن نعيرها اهتماماً حتى وقت ليس بالبعيد عندما كانت المهرجانات تختار ما تختاره من الأفلام من دون أن تفرِّق كثيراً إذا ما كان الفيلم من إخراج امرأة أو رجل!

الذي حدث أن القوّة الناعمة (أو هكذا عُرفت) رأت أن المرأة ليست ممثَّلة بما يكفي في المهرجانات، فنادت بحضور أعلى، وكان لها ما أرادت. في العام الماضي شهد مهرجان برلين 8 أفلام من إخراج نساء، أي بفارق فيلم واحد عن هذا العام. الفيلم الإضافي سيؤكد، حسب معلومات، أن مهرجان برلين يؤكد ريادته في رعاية المخرجات. هذا في حين تشير مجلة «سكرين إنترناشيونال» إلى أن عدد الأفلام نسائية الإخراج التي كانت قد عُرضت قبل عامين لم يزد على ستة أفلام. لكن هل بات حُكماً أن تراعي المهرجانات نسبة معيّنة لتبرهن على أنها مؤيدة للمرأة؟ ماذا عن اختيار الأفلام حسب أهميّتها الفنية أساساً؟

الأمور ليست على ما يرام في هذا الشأن خارج إطار المهرجانات. في عام 2024، حسب دراسة لجامعة ساذرن كاليفورنيا (USC)، ومن بين 111 مخرجاً حققوا أفلاماً، كان نصيب المرأة 9 أفلام فقط، (أي امرأة واحدة مقابل كل 11 مخرجاً ذكراً) من بينها فيلما أنيميشن هم «إليو» لمادلين شرفيان (أنيميشن) وKPop Demon HUnters (بمشاركة مخرج رجل هو كريس أبلهانز)، وثلاثة أفلام رعب هي: «أعلم ما فعلت في الصيف الماضي» لجنيفر روبنسن، و«خمسة أيام عند فرايداي 2» لإيما تامي، و«جمعة أكثر غرابة»، (Freakier Friday)، لنيشا غاناترا.

توجُّه المرأة إلى تحقيق أفلام رعب يستأهل تحقيقاً منفصلاً من حيث أسبابه ونتائجه.

الدراسة الجامعية المذكورة تكشف بين دفّتيها عن تقارير عن 1900 فيلم جرى إنتاجها ما بين 2007 و2025، وتلاحظ كيف انطلقت القوّة الناعمة جيداً في العقدين الأول والثاني من القرن، ثم بدأت التراجع مع استمرار تفضيل شركات هوليوود الرئيسية اختيار مخرجين رجال لمعظم إنتاجاتها.

«جوزيفين» (مهرجان برلين)

مخرجات برلين

هذا لا علاقة وثيقة له باختيار المهرجانات إلا من خلال ملاحظة القوس البياني لسعي المرأة إلى إثبات حضورها في المشهد السينمائي.

أفلام برلين النسائية مثيرة للاهتمام لأنها تشكل نوع من التعدد في الخيارات المتاحة. على ذلك، فإن الجامع الآخر بين أفلامهن يتمحور حول موضوعات مجتمعية تقود المرأة غالبيّتها.

من «في همسة» لليلى بوزيد (يونيتي)

من بين المشتركات في دورة برلين الجديدة المخرجة التونسية ليلى بوزيد التي توفّر الفيلم العربي الوحيد في المسابقة وعنوانه «في همسة» (كان عنواناً لفيلم إسباني أُنتج سنة 2019 لهايدي حسن). فيلم بوزيد دراما عائلية حول «ليلى» التي تعود إلى تونس من باريس لحضور جنازة عمّها. الزيارة تكشف عن اختلافات كثيرة بين طريقتي عيش تؤدي إلى أزمات.

هناك بحث آخر تقوم به بطلة الفيلم الأميركي «جوزيفين» للمخرجة بث. د. أرايو، حول الزوجين (غيما تشان وشانينغ تاتوم) في سعيهما لحماية ابنتهما التي شهدت جريمة اغتصاب. في مؤتمرها الصحافي أكدت المديرة الفنية للمهرجان أن ما يرد في هذا الفيلم هو «حكاية شخصية».

تبتعد المخرجة البريطانية أشلي وولترز عن الموضوع النسائي في فيلم سمّته «أنيمول» (Animol)، إذ يدور فيلمها عن مجموعة من الشبّان الذين يعيشون في إصلاحية وكيف استطاع بعضهم خلق بعد جديد لحياتهم من خلال صداقاتهم هناك.

موضوع رجالي آخر تطرحه السويدية دارا ڤان دوسن، في «صلاة للميّت»، (A Preyer for the Dead)، حول رئيس شرطة مدينة حائر بين إنقاذ عائلته وبين إنقاذ البلدة التي تطالبه بتطبيق القانون.

من «قصص بيتية» (أدريان كامبيون - تريمافيلم)

في «قصص بيتية»، (Home Stories)، (ألمانيا)، تختار المخرجة إيڤا تروبيش موضوع الهوية. بطلة الفيلم ذات المكانة الاجتماعية تتعرّض لسؤال حول حياتها. تخرج من المقابلة مدركةً أن عليها أن تبحث عن هويّتها الخاصّة.

الأفلام الأخرى للمخرجات المشتركات هي «الرجل الأكثر وحدة في البلدة» لتيزا كوڤي (ألمانيا)، و«زوجتي تبكي» لأنجيلا شانالك (ألمانيا)، و«نايتبورن» لهانا بيرغهولم (فنلندا)، و«نينا روزا» لجنڤييڤ دولودي-دي سيلس (كندا)، و«غبار» لأنكي بلوند (بلجيكا).

Your Premium trial has ended


علماء آثار يكشفون دليلاً على أقدم عملية جراحية بالمخ في العالم

عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
TT

علماء آثار يكشفون دليلاً على أقدم عملية جراحية بالمخ في العالم

عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري

كشف علماء آثار عن دليل لما قد يكون أول عملية جراحية في المخ في العالم، إذ تم العثور على جمجمة بشرية من عصر الفايكنج وقد أُزيل جزء منها.

وتتميز البقايا، التي تعود لرجل يتراوح عمره بين 17 و24 عاماً، بوجود ثقب بيضاوي الشكل يبلغ قطره نحو 3 سنتيمترات. ويعتقد الخبراء أن الرجل عاش خلال القرن التاسع الميلادي، وفقاً لتقرير «وكالة الأنباء السويدية».

من المرجح أن الرجل خضع لعملية تثقيب الجمجمة، وهي إجراء جراحي قديم يتم فيه حفر ثقب في جمجمة شخص حي لعلاج حالات مثل الصداع النصفي، أو النوبات. وامتد عصر الفايكنج من نحو عام 750 إلى عام 1050 ميلادي.

واكتشف طلاب جامعة كامبريدج البقايا العام الماضي خلال حفريات تدريبية في حصن واندلبوري الذي يعود للعصر الحديدي.

لا تكمن أهمية هذا الاكتشاف في العملية الجراحية فحسب، بل في بنية الرجل الجسدية أيضاً. وكان طوله 6 أقدام و5 بوصات، مما جعله أطول بكثير من متوسط ​​طول الرجل في ذلك العصر، والذي كان يبلغ طوله عادةً 5 أقدام و6 بوصات، وفقاً لتقرير «وكالة الأنباء السويدية».

قالت الدكتورة تريش بيرز، أمينة مختبر داكوورث بجامعة كامبريدج، في التقرير: «ربما كان لدى الشخص ورمٌ أثّر على غدته النخامية، مما تسبب في زيادة إفراز هرمونات النمو، إذ يمكننا ملاحظة ذلك في الخصائص الفريدة لعظام أطرافه الطويلة، وفي أجزاء أخرى من هيكله العظمي».

أشارت بيرز إلى أن مثل هذه الحالة كانت ستؤدي إلى زيادة الضغط داخل الجمجمة، والتسبب في صداع شديد. ويبدو أن عملية ثقب الجمجمة كانت محاولة لتخفيف هذا الألم، وهو هدف «ليس نادراً في حالات إصابات الرأس اليوم».

وشكّل موقع الدفن نفسه لغزاً محيراً، إذ احتوت المقبرة الجماعية على مزيج من الجثث الكاملة، والمقطّعة، بما في ذلك مجموعة من الجماجم، وما وصفه الباحثون بـ«كومة من الأرجل». وتمّ استخراج أربعة هياكل عظمية كاملة، بعضها في وضعيات توحي بأنها كانت مقيّدة.

وبدا أن معظم الجثث كانت لشبان أُلقي بهم في الحفرة دون اكتراث، مما دفع علماء الآثار إلى الاشتباه في أن الموقع يُشير إلى آثار مناوشة، أو معركة، أو إعدام جماعي.

وقال أوسكار ألدريد، من وحدة كامبريدج الأثرية: «ربما كان المدفونون ضحايا عقاب بدني، وقد يكون ذلك مرتبطاً بواندلبري باعتبار أنه مكان مقدس، أو معروف للاجتماعات». وأضاف: «ربما تكون بعض أجزاء الجثث الممزقة قد عُرضت سابقاً بوصفها جوائز، ثم جُمعت ودُفنت مع الأفراد الذين أُعدموا، أو ذُبحوا بطريقة أخرى».