ماريلين نعمان... من زمن آخر

عملها الغنائي البصري مع لين طويلة يتقدَّم خارج إيقاع العصر

تقف ماريلين نعمان كما لو أنّ الزمن توقّف عند إيقاع آخر (صور الفنانة)
تقف ماريلين نعمان كما لو أنّ الزمن توقّف عند إيقاع آخر (صور الفنانة)
TT

ماريلين نعمان... من زمن آخر

تقف ماريلين نعمان كما لو أنّ الزمن توقّف عند إيقاع آخر (صور الفنانة)
تقف ماريلين نعمان كما لو أنّ الزمن توقّف عند إيقاع آخر (صور الفنانة)

ليس من السهل على فنان شاب محاكاة الذاكرة من دون أن تنزلق تجربته إلى تقليد مُستَهلك أو حنين بلا معنى. في أغنيتها الجديدة «تعا نسهر سوا»، تفعل ماريلين نعمان ذلك من موقع متأنٍّ. تضع الماضي في مواجهة الحاضر، كما لو أنها تسأل من داخل الصورة والصوت عمّا خسرناه ونحن نُسرِع. تبدو الأغنية للوهلة الأولى خفيفة، لكنها تحمل طبقات من التجرّؤ، وتستعيد زمناً كان فيه التلفزيون مساحة مشتركة، والحبّ في بداياته أقرب إلى التردُّد.

في هذا الاستدعاء البصري، تطلّ ماريلين كأنها خرجت للتوّ من أرشيف تلفزيوني يعود إلى مطلع الألفية. شَعرها مُصفَّف بتسريحة مستقرّة، مكياجها خفيف يترك للملامح أن تقول ما تشاء، وثيابها بسيطة أقرب إلى أناقة يومية كانت تُعتمد أمام الكاميرا من دون وعي لثقل «الصورة» كما نعرفه اليوم. تقف أمام العدسة بثبات مذيعة ربط فقرات؛ تلك الشخصية التي كانت تظهر لدقائق بين برنامج وآخر. في هذه الوقفة، تُحرّك نعمان حنيناً جماعياً إلى أسلوب حياة كان له إيقاع مختلف.

تقول الفنانة لـ«الشرق الأوسط» إنّ علاقتها بالناس تغيَّرت في السنتين الأخيرتين. تشعر بأنّ صوتها بات مسموعاً على نطاق أوسع من تجربتها الشخصية، وأنّ كثيرين، ولا سيّما الفتيات من جيلها، يجدون في تجربتها ما يُلامسهم. هذا الإحساس يُحمّلها مسؤولية ويستدعي وعياً مضاعفاً. «تعا نسهر سوا» تأتي في هذا السياق. خطوة محسوبة نحو التجرّؤ، ومحاولة واعية لتوسيع دائرة القول. الأغنية (كلمات نبيل خوري وألحانه) تعود إلى أجواء البوب في بدايات الألفية، وهي حقبة تقول نعمان إنها تسكنها نوستالجياً. «كانت الأشياء أبسط، رغم كلّ ما أُخذ على تلك المرحلة فنّياً. كان الوطن أكثر أماناً، والإنسان أقلّ ارتهاناً للتكنولوجيا». من هنا جاء خيار التصوير في مقرّ «تلفزيون لبنان»، حين كان التلفزيون الرسمي مساحة فاعلة والبثّ حدثاً جماعياً لا يُختزل بشاشة هاتف.

في الكليب، تُجسِّد شخصية مذيعة ربط الفقرات، المهنة التي اختفت مع التحوّل الرقمي. تربط بين البرامج وتغادر، ومع ذلك كانت عنصراً مألوفاً في المشهد اليومي للشاشة. «اتّسمت هذه الشخصية بحضور انعكس في إطلالتها وطريقة أدائها أمام الكاميرا»، تقول، مشيرةً إلى أنّ العودة إلى تلك الصورة تعكس قلقاً راهناً من التحوّلات التي يعيشها الإنسان اليوم، لا سيّما في ظلّ الذكاء الاصطناعي. فبرأيها، حمل الماضي منظومة قيم مختلفة، من لبنان وتلفزيونه، وصولاً إلى الإنسان المعاصر الذي بات أكثر عُرضة للتهديد.

تُحاكي الأغنية حبّ البدايات والخجل الذي يرافق اللقاء الأول، وهو شعور ترى نعمان أنه بات نادراً اليوم. من هنا، يكتسب البُعد التمثيلي في العمل أهميّته. فهي ممثّلة أيضاً، لكنها توضح أنّ التمثيل غالباً ما يضعها داخل نصّ مكتوب ورؤية مُخرج، ولا يتيح لها دائماً هامشاً واسعاً من الحرّية. مع المخرجة لين طويلة، وهي أيضاً مديرة أعمالها، وجدت مساحة مختلفة أتاحت لها الاستمتاع بالتمثيل خارج القيود، وتمرير أفكار تفضّل أن يُعبَّر عنها عبر الفنّ وحده. فهي لا تميل إلى إبداء آراء سياسية مباشرة مثلاً، ولا إلى الخطاب العلني، وتتمنّى، بصفتها مواطنة لبنانية، أن ينهض التلفزيون الوطني ويبقى الإنسان في موقع لا يستبدله أيّ ذكاء.

تشعر ماريلين نعمان بأن فنّها بات أكثر تأثيراً، ممّا يفرض عليها سؤال الاستخدام والمسؤولية. لا ترى نفسها في موقع تشريعي أو تنفيذي، لكنها تؤمن بأنّ الفنّ قادر على إحداث أثر يتجاوز منطق القوانين. وحين دخل عالمها الموسيقي إلى سياق درامي، تأكّدت أنه قابل للانتقال والتلقّي. وفي مشروع «تلفزيون لبنان»، ذهبت خطوة أبعد، فلم تعد الموسيقى وحدها حاملة المعنى، لأنّ الصورة أصبحت جزءاً أساسياً من الرسالة.

ماريلين نعمان ولين طويلة تستدعيان زمناً كانت فيه الشاشة أكثر إنسانية (صور الفنانة)

من جهتها، تروي لين طويلة لـ«الشرق الأوسط» أنّ فكرة الكليب تشكّلت بالتراكُم، فبدأت صغيرة وراحت تتّسع تدريجياً. ومع الاستماع إلى الأغنية، عادتا تلقائياً إلى أجواء بدايات الألفين فحضرت النوستالجيا بشكل طبيعي. تبادلتا الأفكار، فتبلورت صورة التلفزيون ومذيعة ربط الفقرات. «هذه مهنة انقرضت ونحن الجيل الأخير الذي شهد عليها»، تقول طويلة، المولودة عام 1996، مشيرةً إلى أنّ مَن وُلدوا في منتصف الألفية لم يتعرّفوا إلى هذه الشخصية.

اختيار «تلفزيون لبنان» منسجم مع الروح التي يحملها العمل. هو تلفزيون عريق، شهد مراحل ذهبية، وكان مساحة لبرامج تركت أثرها في زمنها، فجرى التواصل لاستخدام شعاره القديم، وتقديم ماريلين بصورة تُحاكي بدايات الألفية. تقنياً، صُوّر الكليب بلقطة واحدة من دون قطع، كي يحتفظ بإحساسه الطبيعي. «في الحياة، لا يوجد (Cut). نعيش المشهد من أوّله إلى آخره، بتفاصيله المملّة أحياناً»، تشرح المخرجة، مضيفةً أنّ هذا الخيار يمنح مذيعة ربط الفقرات قيمة إضافية، ويجعل العلاقة بينها وبين الكاميرا أقرب إلى ولادة بريئة.

أرادت لين أن ينغمس الجمهور في التجربة من دون انقطاع. ضمن لقطة واحدة طويلة، تنتقل ماريلين نعمان بين حالات شعورية متعدّدة، بتركيز عالٍ يفرض إعادة التصوير من البداية عند أيّ خطأ. بالنسبة إلى الاثنتين، يلتقي هذا الخيار عند شغف مُشترك بالتجريب وبقدرة كلّ منهما على حَمْل الفكرة إلى أقصاها. وفي التلاقي بين الرؤية والأداء، يُرسّخ العمل خصوصيّته، ويكشف عن موهبة شابتين تعرفان ما تريدان قوله وكيف تقولانه.


مقالات ذات صلة

من بينهم موسيقيون محترفون... مواهب خفيّة لدى لاعبي كأس العالم

يوميات الشرق بين بعض نجوم كأس العالم والموسيقى علاقة وثيقة (أ.ب. -  يوتيوب - إكس)

من بينهم موسيقيون محترفون... مواهب خفيّة لدى لاعبي كأس العالم

بعيداً عن الملاعب، يفجّر بعض نجوم كأس العالم لكرة القدم مشاعرهم ومواهبهم في الموسيقى عزفاً وغناءً. تعرّف على أبرزهم.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق أندريا طايع قدمت مسابقات «ذا فويس» (إم بي سي)

«ذا فويس كيدز» يصل إلى المحطة الأخيرة بانتظار «حسم الجمهور»

وصلت النسخة الرابعة من برنامج اكتشاف المواهب «ذا فويس كيدز» إلى المحطة الأخيرة بانتظار «حسم الجمهور» للفائز بلقب الموسم الجديد بين 3 مواهب واعدة.

أحمد عدلي (عمّان)
يوميات الشرق عمر عبد اللات وأحمد سعد يدعمان منتخبي مصر والأردن (إنستغرام)

مطربون عرب يدعمون منتخبات بلادهم في المونديال بأغنيات جديدة وحفلات

بالتزامن مع انطلاق منافسات كأس العالم لكرة القدم 2026، المقامة في الولايات المتحدة الأميركية، وكندا، والمكسيك، يشارك عدد من المطربين بأغانٍ لدعم بلادهم.

محمود إبراهيم (القاهرة )
لمسات الموضة حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

سر حذاء شاكيرا الضخم في افتتاح مونديال 2026

حذاء شاكيرا الرياضي ذو المنصة المرتفعة بمونديال مكسيكو سيتي يقلب موازين أزياء الملاعب، مازجاً بين تمرد «الغرانج» وأناقة العصر بلمسة كولومبية ذكية.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق نورا فتحي وشاكيرا... هل انتزعت نجمة المغرب صدارة أغاني المونديال؟

شاكيرا ونورا فتحي... معركة المشاهدات بين نجمة الحاضر وأيقونة المونديال

نورا فتحي تتفوق بأغنية «سير سير» في مشاهدات مونديال 2026، لكن شاكيرا تحافظ على مكانتها التاريخية أيقونة أغاني كأس العالم.

كوثر وكيل (لندن)

مصر: العثور على مقبرتين من العصر العتيق بـ«جبل الطير» في المنيا

جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: العثور على مقبرتين من العصر العتيق بـ«جبل الطير» في المنيا

جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

عثرت البعثة الأثرية المصرية، التابعة للمجلس الأعلى للآثار، على مقبرتَيْن تعودان للعصر العتيق، إلى جانب عدد من الدفنات التي تعود إلى عصور ما قبل الأسرات والعصر المتأخر، في منطقة جبل الطير بمحافظة المنيا (جنوب مصر).

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، الكشف بأنه يمثّل إضافة جديدة لسجل الاكتشافات الأثرية المصرية، لما يقدمه من أدلة تُسهم في تتبع تطور العمارة الجنائزية في مصر القديمة عبر عصورها المختلفة.

فيما وصف الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، المقبرة المكتشفة الأولى بأنها تُعدّ من الاكتشافات المعمارية النادرة، حيث تتميز بتصميم هندسي فريد، فيما تمثّل المقبرة الثانية نموذجاً مطابقاً لها إلى حد كبير، وتتميز بحالة حفظ جيدة.

أوانٍ فخارية عُثر عليها في جبل الطير بالمنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأشار إلى أن «الدراسات الأولية تُظهر وجود تشابه ملحوظ بين تصميم المقبرتَين المكتشفتَين وتصميم مقبرة الملك دن الشهيرة في أبيدوس، وهو ما يعزّز من الأهمية الأثرية لمنطقة جبل الطير، ويؤكد مكانتها بوصفها إحدى الجبانات المهمة التي استُخدمت عبر فترات زمنية ممتدة من عصور ما قبل الأسرات وحتى العصر المتأخر».

ويعتمد تصميم المقبرة الأولى على التدرج في سماكة الجدران من أسفل إلى أعلى، حيث تزداد السماكة عند القاعدة وتقل تدريجياً نحو القمة، لافتاً إلى أن هذا النمط المعماري قد يمثّل مرحلة مبكرة من تطور الفكر الهندسي الذي أدى لاحقاً إلى ظهور الهرم المدرج ثم الهرم الكامل، وفق رئيس قطاع الآثار المصرية، محمد عبد البديع.

ويرجح عبد البديع أن «تكون المقبرة قد تعرّضت في عصور لاحقة لأعمال تحجير، بهدف استخراج كتلها الحجرية، إلا أن الأجزاء المتبقية كشفت عن تفاصيل مهمة تتعلّق بهندسة البناء في تلك الفترة، من بينها آثار خطوط أكسيدية توضح أساليب تقطيع الأحجار بدقة، بالإضافة إلى دعامات خشبية ضخمة استُخدمت لتدعيم الجدران، امتد بعضها بطول الجدار بالكامل، في حين جاء البعض الآخر على هيئة قطع مستقيمة منفصلة».

دفنات بشرية عُثر عليها بجوار المقبرتَين الأثريتَين (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتقع المقبرة الثانية إلى الجنوب من المقبرة الأولى، وتتطابق معها إلى حد كبير في التصميم المعماري، إلا أنها لم تتعرض لأعمال تحجير، مما أسهم في الحفاظ على عناصرها بشكل أفضل.

وكشف رئيس البعثة، رئيس الإدارة المركزية لآثار مصر الوسطى، الدكتور سامي درديري، عن أن البعثة عثرت أيضاً على جزء من جبانة تعود إلى عصور ما قبل الأسرات بها دفنات في وضع القرفصاء ملفوفة ببقايا حصير نباتي متحلل، وبجوار بعضها أوانٍ فخارية ذات حافة سوداء يمكن تأريخها إلى فترتَي نقادة الثانية والثالثة.

لقى أثرية مختلفة الأحجام (وزارة السياحة والآثار المصرية)

كما تم الكشف عن عدد من الدفنات الآدمية الفردية والجماعية، عُثر على بعضها داخل بقايا توابيت خشبية متحللة، ويُرجح تأريخها إلى العصر المتأخر، وهو ما يؤكد استمرارية استخدام المنطقة بوصفها جبانة عبر عصور تاريخية متعاقبة، وجارٍ العمل في الموقع للكشف عن المزيد من أسراره.

وتُعدّ المنطقة الأثرية بجبل الطير في محافظة المنيا أحد أهم المزارات السياحية والدينية في مصر، وتشتهر بكونها محطة رئيسية لرحلة العائلة المقدسة، وتضم آثاراً فرعونية ويونانية ورومانية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


منى خليل الغائبة عن موعد السلاحف المقبل

البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
TT

منى خليل الغائبة عن موعد السلاحف المقبل

البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)

راقبت الناشطة البيئة اللبنانية منى خليل آثار الأقدام على الرمل كما يتتبَّع مُحقِّق مسرح واقعة. كانت تعرف أنّ خطاً مُتعرّجاً على شاطئ المنصوري في قضاء صُور، قد يُخبِر عن سلحفاة خرجت من البحر ليلاً، ويُشكِّل أثراً آخر قد يقود إلى عشّ جديد. وكانت تعلم أنّ بضع علامات بالكاد تُرى قد تختصر رحلة قطعتها كائنات عبر آلاف الكيلومترات.

على الساحل الجنوبي للبنان، اختارت منى خليل أن توظّف سنوات طويلة من حياتها لمَهمّة لم تكن مرتبطة بمشروع اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي، حتى بدت غريبة في نظر كثيرين. انشغلت بحماية السلاحف البحريّة التي تتّخذ من شاطئ المنصوري أحد أهم مواقع تعشيشها على الساحل الشرقي للبحر المتوسّط، وحوَّلت «البيت البرتقالي» إلى عنوان معروف للناشطين البيئيين والباحثين والزوّار الراغبين في التعرُّف إلى هذا العالم الآسر.

لم تأتِ أهمية تجربتها من عدد السلاحف التي أُنقِذت أو الأعشاش التي حُميت فقط. ما ميَّزها أكثر هو قدرتها على تحويل بقعة ساحلية محدودة إلى مساحة مختلفة للنظر إلى الطبيعة. فاللبنانيون اعتادوا التعامل مع الشاطئ على أنه مورد سياحي أو عقاري أو مساحة عامة مُهدَّدة بالتعدّيات. أما منى خليل، فكانت ترى فيه موطناً لكائنات تُشاركها الوجود، وجزءاً من نظام طبيعي غير خاضع للمصالح البشرية.

على مدى سنوات، ارتبط اسم «البيت البرتقالي» بمواسم التعشيش السنوية. كان المكان يستقبل متطوّعين وطلاباً وباحثين من داخل لبنان وخارجه. هناك تعرَّف كثيرون للمرّة الأولى إلى السلاحف البحريّة والتهديدات التي تُواجهها، من الصيد العشوائي والتلوّث، إلى الزحف العمراني وتغيُّر المناخ. ومع الوقت، تجاوز دور البيت مفهوم الإقامة البيئية أو النشاط التوعوي، ليجمع تحت سقفه المجتمع المحلّي والمُهتمّين بالشأن البيئي.

كانت منى خليل ترى في السلاحف سرديةً أطول بكثير من أعمار البشر. فهذه الكائنات تعود إلى الشواطئ نفسها جيلاً بعد جيل وتُكرّر الرحلة رغم المخاطر المتزايدة المُحيطة بها. وربما لهذا وجدت في متابعتها ما يُشبه تأمّلاً مستمرّاً في دورة الحياة وسط تغيُّرات كبرى تفرضها الحروب والأزمات والحدود والسلطات والخرائط.

ولم يكن من السهل الحفاظ على هذا المسار في بلد تتنازع اهتماماته التحوّلات والضغوط. فالنشاط البيئي في لبنان يُواجه غالباً أولويات أخرى أكثر إلحاحاً في نظر كثيرين. ومع ذلك استمرَّت منى خليل في عملها، مُستندةً إلى شبكة من المتطوّعين والداعمين والخبراء، وإيمان بأنّ حماية الطبيعة ليست قضية ثانوية يمكن تأجيلها إلى زمن أفضل.

وهبت عمرها لحماية حياة لا تحمل اسمها (أ.ف.ب)

الآن، يخرج اسمها من سياقه المُعتاد المرتبط بالسلاحف والبيئة إلى سياق بالغ الوحشية. فقد أُصيبت خلال غارة إسرائيلية استهدفت منزلها في المنصوري ولم تنجُ من إصابتها. جاء الخبر صادماً لكثيرين ممَن عرفوا عملها أو تعاونوا معها أو زاروا «البيت البرتقالي» يوماً.

يصعب فصل نهاية منى خليل عن المسار الذي اختارته لنفسها. فقد أمضت سنوات العُمر في مراقبة كائنات تبحث عن مكان آمن لوضع بيوضها ومواصلة دورة حياتها. كانت تُتابع وصولها إلى الشاطئ وعودتها إلى البحر، وتعمل على تقليص الأخطار التي قد تعترض طريقها. ثم انتهت حياتها وسط عنف يُجرّد الأرض من طمأنينتها.

وإنما إرثها لا يُختَصر في النهايات. لسنوات، لفتت الانتباه إلى ما كان يحدث كلّ ليلة تقريباً على الشاطئ من دون أن يكترث به أحد. نجحت في جعل السلاحف البحريّة جزءاً من الوعي البيئي المحلّي وربطت بين حماية الطبيعة وحماية معنى المكان. ومنى خليل كانت تعرف أنّ هذه السلاحف ستعود. هذه أكثر الحقائق ثباتاً في عملها. ما لم يكن في الحسبان، هو أن يأتي موسم جديد من دون المرأة التي أفنت العُمر في انتظار وصولها إلى الشاطئ. وعندما يحدث ذلك، سيحمل شاطئ المنصوري غياباً غير مألوف. ستبقى الأعشاش تُرصَد وسيواصل البحر مدّه وجزره، وتتكرّر الرحلة السنوية. اسمها سيغيب للمرّة الأولى.


التوسع في المحاصيل الزيتية تسبب في انقراض عدد من النباتات

يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
TT

التوسع في المحاصيل الزيتية تسبب في انقراض عدد من النباتات

يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)

أظهرت دراسة جديدة أجراها باحثون من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، أن 3 زيوت شهيرة، هي زيت النخيل، وزيت جوز الهند، وزيت فول الصويا، تُسهم في انقراض أنواع نباتية أكثر مما كان يُعتقد سابقاً.

وقام باحثو الدراسة المنشورة، الجمعة، في دورية «Nature Food» بتحليل بيانات عالمية حول الإنتاج والتجارة واستخدام الأراضي على مدى عقود، ومدى تهديد زراعة المحاصيل الزيتية واستهلاكها المتزايد لأنواع الحيوانات والنباتات في جميع أنحاء العالم.

وتُستخدم الزيوت المستخرجة من محاصيل مثل جوز الهند وزيت النخيل وفول الصويا في منتجات متنوعة، من مستحضرات التجميل إلى السمن النباتي والدهون القابلة للدهن، ومن الأدوية إلى علف الحيوانات. وتتزايد زراعة هذه المحاصيل الزيتية واستهلاكها، ما يُؤثر على البيئة.

في هذه الدراسة، درس الباحثون 19 محصولاً. قال شونتيان وانغ، طالب الدكتوراه وأحد المشاركين في فريق الدراسة: «تسببت 3 منها بنسبة كبيرة في الآثار السلبية وهي: نخيل الزيت، وفول الصويا، وجوز الهند».

ووفق الدراسة، تُشكل هذه المحاصيل مجتمعة نحو 75 في المائة من فقدان التنوع البيولوجي الناجم عن المحاصيل الزيتية.

وقال ستيفان بفايستر، أستاذ التقييم الكمي للاستدامة في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، والباحث الرئيسي للدراسة: «من منظور حماية البيئة، يُعد فقدان التنوع البيولوجي مشكلةً لا تقل خطورةً عن تغير المناخ».

الخرائط العالمية

بدأ الباحثون بتجميع خرائط عالمية لزراعة المحاصيل الزيتية استناداً إلى بيانات الأقمار الاصطناعية والإحصاءات الزراعية ومجموعات البيانات العالمية للأراضي المزروعة. كما قاموا بحساب مدى تهديد أشكال استخدام الأراضي المختلفة لأنواع الحيوانات والنباتات.

واستخدم الباحثون عوامل فقدان الأنواع التي تُشير إلى حجم إسهام المساحات المزروعة في فقدان أنواع النباتات على مستوى العالم، وذلك تبعاً للمنطقة وكثافة الزراعة.

ويوضح بفايستر أن الباحثين سعوا أيضاً إلى تسليط الضوء على تأثير زراعة المحاصيل الزيتية عبر سلسلة التوريد العالمية. ولتحقيق هذه الغاية، ربط بفايستر وفريقه البيانات التي جُمعت مسبقاً بنموذج اقتصادي عالمي يُصوّر سلاسل التوريد الدولية، بدءاً من الزراعة، مروراً بالتصنيع، وصولاً إلى المنتج النهائي.

وأخيراً، حلل الفريق كيف تُسهم عوامل سلوك المستهلك، والنمو السكاني، وكفاءة الزراعة في تفاقم فقدان التنوع البيولوجي.

إنتاج الزيوت النباتية

ويُؤدي استخدام الأراضي في الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي. ويعود ذلك، ليس فقط إلى كون المحاصيل الزيتية، مثل نخيل الزيت وجوز الهند، حصرية للمناطق الاستوائية، بل أيضاً لأن هذه الأراضي تدعم تنوعاً بيولوجياً كبيراً. وغالباً ما تبرز الحاجة إلى التوسع الزراعي، ما قد يؤدي إلى تدمير النظم البيئية، كإزالة الغابات. كما أن هذه النظم غالباً ما تكون بعيدة عن مصادر الطلب.

وكما تُظهر دراسة فريق بفايستر، فإن أكثر من نصف الآثار يُعزى إلى الاستهلاك في دول أخرى. ويُمثل الاتحاد الأوروبي والصين والولايات المتحدة مجتمعةً أكثر من 80 في المائة من هذه الآثار الخارجية.

وبينما يستورد الاتحاد الأوروبي زيت النخيل بشكل رئيسي، يرتبط نفوذ الصين في المقام الأول بفول الصويا المستخدم علفاً للحيوانات.

ولسوء الحظ، لا يُمكن وقف فقدان التنوع البيولوجي بين عشية وضحاها، كما يُشكل الاستخدام طويل الأمد للأراضي الزراعية ضغطاً على النظم البيئية. ووفق بفايستر الذي يؤكد أنه: «حتى في حال توقف إزالة الغابات يبقى تأثير الزراعة الحالية قائماً».

الحلول المُحتملة

وللتخفيف من حدة المشكلات القائمة، توصي الدراسة بضرورة اتباع أساليب إنتاج أكثر مراعاة للبيئة، والحد من إزالة الغابات، وتبني ممارسات زراعية تحمي التربة والبيئة الطبيعية. كما يجب تغيير أنماط الاستهلاك.

ويشدد بفايستر على أن: «الاستثمار في تحسين الإنتاج وحماية النظم البيئية في بلدان المنشأ يُعدّ عاملاً مهماً».