الليثيوم يكشف أسراره في معركة «ألزهايمر»

من بطاريات الهواتف إلى بطاريات الذاكرة

الليثيوم يكشف أسراره في معركة «ألزهايمر»
TT

الليثيوم يكشف أسراره في معركة «ألزهايمر»

الليثيوم يكشف أسراره في معركة «ألزهايمر»

حين نسمع كلمة «ليثيوم»، تتبادر إلى أذهاننا فوراً بطاريات الهواتف والسيارات الكهربائية، وسباق التكنولوجيا نحو طاقة تدوم أطول. لقد عرفناه عقوداً بوصفه رفيقاً وفيّاً للأجهزة، يحبس الطاقة في أحشائه ويطيل عمرها.

من عُلَب البطاريات إلى أروقة الدماغ

نقف اليوم أمام قصة مختلفة تماماً، قصة تُخرج الليثيوم من علب البطاريات الباردة إلى أروقة الدماغ الدافئة؛ حيث المعركة الحقيقية تدور ضد أكثر لصوص الذاكرة قسوة: مرض ألزهايمر.

وكأن هذا المعدن النبيل كان ينتظر لحظة الكشف، ليبدّل صورته في أذهاننا من «حارس للطاقة» إلى «حارس للذكريات». واكتشافه الأخير يضعنا أمام سؤال مثير: كم من دواءٍ أو عنصرٍ ينام في صمت حولنا، لا نرى فيه سوى جانب واحد من إمكاناته، حتى يُفاجئنا العلم بأنه يملك سراً لإنقاذ أعزّ ما نملك... ذاكرتنا؟

مشهد من قلب «هارفارد»

صباح السادس من أغسطس (آب) 2025، كانت أروقة جامعة هارفارد تتهيأ لخبر علمي سيشغل العالم، ففي ذلك اليوم، نشرت مجلة «Nature» دراسة قادها الدكتور ليفيو أرون، حملت سؤالاً يبدو بسيطاً، ولكنه يضرب في عمق أحد أعقد ألغاز الدماغ: هل يمكن أن يبدأ طريق ألزهايمر من نقص معدن واحد فقط؟

داخل المختبر، تصطف أنابيب زجاجية شفافة تحمل محاليل دقيقة، وبجانبها شرائح دماغية مأخوذة من أشخاص كانوا يوماً يضحكون، يروون الحكايات، ويتذكرون أدق التفاصيل، قبل أن تُسقطهم الخيانة القاسية للذاكرة.

انخفاض مستويات الليثيوم

فريق البحث فحص بدقة 27 عنصراً معدنياً في أدمغة أشخاص أصحاء، وآخرين في مراحل مختلفة من ألزهايمر. وما كشفه التحليل كان مفاجئاً ومربكاً في آن واحد: الليثيوم هو المعدن الوحيد الذي ينخفض مبكراً، قبل أن تظهر أي علامة سريرية أو صورة إشعاعية للمرض.

كان الأمر أشبه بنداء استغاثة خافت يطلقه الدماغ في صمت، رسالة كيميائية تقول: «أنقذوني... قبل أن تضيع الطرق المؤدية إلى الذاكرة».

حين يُحرَم الدماغ من ليثيومه

لم يكتفِ فريق «هارفارد» بالملاحظة البشرية؛ بل قرر أن يختبر الفرضية في ميدان التجارب الحية. وانتقل الباحثون إلى الفئران، تلك الحارسة الصامتة لأسرار الدماغ، وبدأوا رحلة الحرمان التدريجي من الليثيوم.

النتيجة لم تحتج إلى وقت طويل لتظهر: تسارعت الكارثة البيولوجية؛ إذ بدأت لويحات «بيتا-أميليويد» (Beta-Amyloid Plaques) تتكدس كحجارة تسد طرق الذاكرة؛ وهذه اللويحات ما هي إلا تجمعات بروتينية لزجة تتراكم بين الخلايا العصبية، فتعيق التواصل بينها وتطلق سلسلة من الالتهابات المدمّرة. وفي الداخل، «تشابكات تاو» (Tau Tangles) -وهي ألياف بروتينية ملتوية داخل الخلايا العصبية- راحت تتشابك مثل شبكة عنكبوت خانقة، فتقطع خطوط النقل الداخلي للمواد الغذائية والإشارات الحيوية، وتخنق الخلية حتى الموت.

واشتعلت الالتهابات العصبية كحريق في غابة، وبدأت «أغماد الميالين» (Myelin Sheaths) التي تحمي الخلايا العصبية تتآكل، تاركة الأسلاك العصبية عارية وعُرضة للتلف.

في اختبارات التعلُّم والتذكر، بدت الفئران كطلاب فقدوا كتابهم المدرسي فجأة، تائهين بين الصفحات الممزقة. وكما يقول المثل العربي: «إذا ضاع الأصل، ضاع الفرع»؛ والليثيوم هنا كان الأصل الغائب الذي بسقوطه انهار البناء العصبي كله.

العلاج... ليس حلماً بعيداً

في خطوة تالية، انتقل فريق «هارفارد» من مراقبة الانهيار إلى محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه. فاختاروا مركب ليثيوم أوروتات (Lithium Orotate) وهو صيغة يسهل امتصاصها وتوزيعها في الدماغ، وأعطوه للفئران بجرعات تحاكي المستويات الطبيعية التي يُفترض أن يمتلكها دماغ الإنسان السليم؛ دون أن يتداخل مع الترسبات البروتينية التي تُميّز ألزهايمر.

النتيجة كانت أشبه بإعادة تشغيل نظام معطّل: توقفت مؤشرات التدهور، تباطأت مسارات الخراب العصبي، وعادت الفئران لتجتاز اختبارات التعلم والتذكر بثقة، وكأن شيئاً لم يكن.

هذا الاكتشاف يفتح نافذة أمل جديدة؛ إذ يشير إلى أن دعم الدماغ بمستويات طبيعية من الليثيوم قد يكون كافياً لوقف قطار ألزهايمر قبل أن يصل إلى محطته الأخيرة.

وكما قال حكماء الطب العربي قديماً: «دواء المرء فيما يُعالَج به، وداؤه فيما يُهمَل»... والليثيوم، في هذه القصة، كان الدواء الذي انتظر أن يُكتشف دوره النبيل.

لماذا يهمنا نحن العرب؟

ألزهايمر لا يعرف جواز سفر ولا حدوداً سياسية؛ إنه ضيف ثقيل يطرق أبواب كل بيت حين يطول العمر ويضعف الجسد. وفي العالم العربي، تشير التوقعات إلى أن أعداد المصابين قد تتضاعف خلال العقدين المقبلين، مع ازدياد متوسط العمر وتحسّن الرعاية الصحية.

تخيّل لو أن فحص مستوى الليثيوم في الدماغ أصبح جزءاً روتينياً من التحاليل الدورية في مستشفيات الخليج، تماماً كما نفحص ضغط الدم أو مستوى السكر. أو لو طوّرنا -في مراكز البحوث العربية-مكملات غذائية أو بروتوكولات غذائية تحافظ على مستوياته المثالية في الدماغ، قبل أن يبدأ الانهيار الصامت.

إن دمج هذا النوع من الفحوص الوقائية في منظومات الصحة الخليجية والعربية؛ خصوصاً في ظل «رؤية السعودية 2030» وخطط الدول الشقيقة، يمكن أن يجعل منطقتنا في مقدمة العالم في مواجهة ألزهايمر؛ ليس فقط بالعلاج؛ بل بالوقاية المبكرة. وهنا، يصبح الليثيوم أكثر من معدن... يصبح حارساً عربياً للذاكرة.

السعودية... من «الرؤية» إلى المختبر

في قلب «رؤية السعودية 2030» يقف الابتكار الطبي والبحث العلمي ركيزةً أساسيةً لإطالة العمر الصحي وجودة الحياة. فالمملكة تستثمر بجرأة في الذكاء الاصطناعي، والطب الشخصي (Personalized Medicine) والتقنيات التشخيصية المتقدمة، لتكون في طليعة الدول التي تحوّل الاكتشافات العلمية إلى حلول عملية.

تخيل أن يصبح فحص مستوى الليثيوم في الدماغ جزءاً من البرنامج الوطني للفحص المبكر، إلى جانب قياس ضغط الدم والسكر والكوليسترول. خطوة كهذه لن تسهم فقط في مكافحة ألزهايمر؛ بل قد تجعل المملكة مركزاً إقليمياً ودولياً لبحوث الشيخوخة العصبية (Neuroaging Research).

مدن المستقبل -مثل نيوم وذا لاين- لا تُبنى بوصفها مشاريع عمرانية فقط؛ بل يمكن أن تتحول إلى مختبرات حية (Living Labs)؛ حيث يندمج الذكاء الاصطناعي مع التحاليل الحيوية الفائقة الدقة، لرصد أي تغيرات في الدماغ قبل سنوات من ظهور الأعراض. عندها، يمكن التدخل المبكر لإعادة التوازن الكيميائي العصبي، وفتح نافذة جديدة للأمل قبل أن يغلقها المرض.

خاتمة على وقع الأمل

ربما لا يلمع الليثيوم كالذهب، ولا يسطع كالفضة، ولكنه يخفي في ذراته بريقاً من نوع آخر... بريقاً قد يعيد للعقل شبابه، ويمنح الذاكرة فرصة جديدة للحياة.

فالدهشة الحقيقية ليست في أن نكتشف دواءً جديداً؛ بل في أن ندرك أن علاجنا كان يرافقنا بصمت منذ البداية، ينتظر فقط أن نلتفت إليه بعين العلم.

وفي زمن تتسابق فيه الأمم لحماية عقولها من غبار النسيان، قد يكون هذا المعدن الصامت هو الهمسة التي تسبق الثورة... ثورة تبدأ من مختبر، وتصل إلى كل بيت، وتحوِّل ألزهايمر من حكم نهائي إلى معركة يمكن كسبها.


مقالات ذات صلة

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

كتب «أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من...

ندى حطيط
تكنولوجيا يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم (رويترز)

«الذكاء الاصطناعي الخفي»... موظفون يستعينون بالتقنية سراً بعيداً عن أعين مديريهم

يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم في إطار ابتكارهم حلولهم الخاصة للتصدي لأعباء العمل.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو

ترمب ينشر فيديو بالذكاء الاصطناعي وهو يصارع نمراً تسبب في مقتل رجل بريطاني

شارك الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقطع فيديو مُنشأً بواسطة الذكاء الاصطناعي، يظهر فيه وهو يصارع النمر الذي تسبب في مقتل رجل بريطاني.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تكنولوجيا يركز النموذج على المهام المعقدة متعددة الخطوات في البرمجة والمالية والقانون والأمن السيبراني والعلوم (أدوبي)

«غوغل» تطلق «Gemini 4 Argon» عالمياً للمهام المعقدة

تطلق «غوغل» نموذج «Gemini 4 Argon» عالمياً للمهام المعقدة في البرمجة والأعمال والعلوم مع قدرات متقدمة في الاستدلال والروبوتات

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد لافتة شارع «وول ستريت» أمام بورصة نيويورك (رويترز)

العقود الآجلة لـ«ستاندرد آند بورز 500» و«داو جونز» ترتفع مع استقرار أسهم الذكاء الاصطناعي

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشري «ستاندرد آند بورز 500» و«داو جونز» قليلاً يوم الأربعاء، مع استقرار أسهم شركات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

السعودية: فريق طبي يجري أول عملية جراحية روبوتية للفقرات القطنية

إجراء العملية الجراحية النوعية باستخدام تقنية التدخل محدود التوغل ومساعدة الروبوت (الداخلية)
إجراء العملية الجراحية النوعية باستخدام تقنية التدخل محدود التوغل ومساعدة الروبوت (الداخلية)
TT

السعودية: فريق طبي يجري أول عملية جراحية روبوتية للفقرات القطنية

إجراء العملية الجراحية النوعية باستخدام تقنية التدخل محدود التوغل ومساعدة الروبوت (الداخلية)
إجراء العملية الجراحية النوعية باستخدام تقنية التدخل محدود التوغل ومساعدة الروبوت (الداخلية)

أجرى فريق طبي متخصص عملية جراحية نوعية لمريض يعاني من احتكاك شديد في الفقرات القطنية، باستخدام تقنية التدخل الجراحي محدود التوغل بمساعدة الروبوت الجراحي «ExcelsiusGPS»، كأول عملية من نوعها في السعودية، ضمن الخدمات العلاجية المتقدمة بـ«مركز الأمير نايف للتميز والابتكار الطبي».

وأسهمت التقنيات التي تعتمد على دمج الملاحة الجراحية المتقدمة بالذراع الروبوتية في استعادة المريض قدرته على الحركة والمشي خلال الساعة الأولى من العملية، والحد من التأثير إلى الأنسجة المحيطة.

وتعتمد منظومة الروبوت الجراحي على دمج الملاحة الجراحية المتقدمة بالذراع الروبوتية، بما يتيح للجراح التخطيط الدقيق وتوجيه الأدوات الجراحية أثناء العملية.

ويأتي هذا الإنجاز ضمن باكورة منجزات المركز التابع لبرنامج تشغيل المدن الطبية في وزارة الداخلية، الذي دشَّنه الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف وزير الداخلية، الأربعاء.

وزير الداخلية السعودي اطلع على الروبوت المخصص لجراحات العمود الفقري (واس)

ويستهدف المركز تعزيز خدمات جراحة العمود الفقري، وتوظيف التقنيات الطبية المتقدمة، والاستفادة من الكفاءات الوطنية والخبرات العالمية في تطوير الممارسات الجراحية ونقل المعرفة، بما يسهم في الارتقاء بجودة الرعاية التخصصية المقدمة للمستفيدين.

ويمثل نجاح العملية خطوة في تطوير نماذج علاجية متقدمة ضمن مراكز التميز، ودعم جاهزية تشغيل المدن الطبية، من خلال تقديم رعاية تخصصية تجمع بين الخبرات والتقنيات الحديثة، وتضع جودة حياة المستفيد وسرعة تعافيه في مقدمة الأولويات.

واستمع الأمير عبد العزيز بن سعود إلى شرح عن مستهدفات المركز لتطوير الخدمات الطبية النوعية، ونقل المعرفة بالشراكة مع خبرات عالمية بمجالات جراحة العمود الفقري والطب الرياضي والجراحة الروبوتية.

وزير الداخلية يتفقد حالة مريض في مركز الأمير نايف للتميز والابتكار الطبي (واس)

ويسعى المركز إلى الإسهام في بناء نماذج رعاية متقدمة تجمع بين الكفاءات الوطنية والتقنيات الحديثة والابتكار الطبي، وترفع جودة الرعاية، وتحسن تجربة المستفيد، وتعزز كفاءة الممارسة الطبية واستدامة التميز.

واطّلع وزير الداخلية، خلال جولته في المركز، على غرفة العمليات المتقدمة وما تضمه من روبوت مخصص لجراحات العمود الفقري، يعمل ضمن منظومة ملاحية متقدمة تساند الجرّاح في التخطيط للجراحة وتنفيذها، ومنظومة «Da Vinci 5» للجراحة الروبوتية طفيفة التوغل، التي تتيح للجراح التحكم بالأدوات الجراحية.

كما وقف على جناح الأشعة التداخلية الهجين، وما يوفره من إمكانات للتصوير الطبي الدقيق وتوجيه الإجراءات العلاجية، فضلاً عن مركز الابتكار، ومعمل الذكاء الاصطناعي، الذي أُنشئ بالتعاون مع شركة «HUMAIN».

يمثل نجاح العملية خطوة في تطوير نماذج علاجية متقدمة (وزارة الداخلية)

وشاهد الأمير عبد العزيز بن سعود عرضاً عن مركز الابتكار وآلية اتخاذ القرار، ومنصات «الذكاء الاصطناعي للرعاية الطبية»، و«عزم»، و«تشغيل المدن الطبية»، وتطبيق «أمان الصحي».

وشملت الجولة غرف التنويم، حيث اطّلع على أحوال أحد المرضى، وغرفة العناية المركزة، ومختبر «عزم» للابتكار في الصحة النفسية، والصيدلية المؤتمتة، ومركز التأهيل، وما يقدمه من برامج توظّف الروبوت والتمارين التفاعلية

حضر التدشين الأمير الدكتور عبد العزيز بن محمد بن عيّاف نائب وزير الداخلية المكلّف، والدكتور هشام الفالح مساعد الوزير، والمهندس ثامر الحربي مساعد الوزير لشؤون التقنية، واللواء خالد العروان مدير عام مكتب الوزير للدراسات والبحوث.


ما أفضل طعام طبيعي لخفض ضغط الدم؟

الشمندر يتميز بوجود أدلة سريرية قوية على قدرته على خفض ضغط الدم (بكساباي)
الشمندر يتميز بوجود أدلة سريرية قوية على قدرته على خفض ضغط الدم (بكساباي)
TT

ما أفضل طعام طبيعي لخفض ضغط الدم؟

الشمندر يتميز بوجود أدلة سريرية قوية على قدرته على خفض ضغط الدم (بكساباي)
الشمندر يتميز بوجود أدلة سريرية قوية على قدرته على خفض ضغط الدم (بكساباي)

تؤدي الخيارات الغذائية اليومية دوراً مهماً في تحديد الحالة الصحية، ويُعد الشمندر (البنجر) من الأطعمة التي تدعم الأدلة العلمية قدرتها على المساعدة في خفض ضغط الدم. وإلى جانب فوائده الصحية، يتميز الشمندر بسعره المناسب وتوافره طوال العام، فضلاً عن سهولة إدراجه في أنظمة غذائية مختلفة.

لماذا يُعد الشمندر خياراً مميزاً؟

توجد أطعمة كثيرة مفيدة لصحة القلب، لكن الشمندر يتميز بوجود أدلة سريرية قوية على قدرته على خفض ضغط الدم، ويرجع ذلك بصورة أساسية إلى احتوائه على النترات الطبيعية.

ومن أبرز الأدلة العلمية مراجعة شاملة نُشرت عام 2024، جمعت نتائج 14 تحليلاً تلوياً سابقاً، شملت 113 دراسة وأكثر من ألفَي مشارك.

واستخدمت نحو 90 في المائة من التجارب عصير الشمندر مصدراً للنترات.

وأظهرت النتائج أن تناول النترات أدى إلى خفض ضغط الدم الانقباضي، وهو الرقم الأعلى في قراءة ضغط الدم، بنحو 3 ملليمترات زئبقية خلال ساعات من تناول جرعة واحدة.

وعند الاستمرار في تناولها لمدة تراوحت بين شهر وشهرين، ارتفع متوسط الانخفاض إلى نحو 4 ملليمترات زئبقية في الضغط الانقباضي، و2.4 ملليمتر زئبقي في الضغط الانبساطي، وهو الرقم الأدنى في قراءة ضغط الدم.

وسجّل الأشخاص المصابون أصلاً بارتفاع ضغط الدم أكبر التحسينات، كما ارتبط تناول كميات أكبر من النترات بتأثيرات أقوى.

ولاحظ الباحثون أيضاً مؤشرات على تحسّن صحة الأوعية الدموية، بينها انخفاض تصلّب الشرايين وزيادة قدرتها على التوسّع، ما يساعد على تحسين تدفق الدم.

ومع ذلك، أشار الباحثون إلى بعض القيود، إذ لم تتجاوز مدة معظم التجارب شهرين، وكانت جودة عدد من المراجعات العلمية متوسطة أو محدودة، فيما لا تزال التأثيرات طويلة الأمد قيد الدراسة.

ورغم هذه القيود، فإن توافق نتائج أكثر من 100 دراسة يشير إلى أن تناول الأطعمة الغنية بالنترات، مثل الشمندر، بانتظام قد يساعد في تحسين مستويات ضغط الدم.

كيف يساعد الشمندر على خفض ضغط الدم؟

يُعد الشمندر من أغنى المصادر الغذائية بالنترات، وهي مركّبات طبيعية تتكوّن من النيتروجين والأكسجين وتمتصها النباتات من التربة.

وعند تناول الشمندر، يمتص الجسم النترات عبر الأمعاء الدقيقة، ثم يعود نحو ربعها إلى اللعاب.

وهناك، تعمل البكتيريا النافعة الموجودة على اللسان على تحويل النترات إلى نتريت.

وبعد ابتلاع النتريت، يتحوّل داخل الجسم إلى أكسيد النيتريك، وهو غاز يساعد العضلات الملساء الموجودة في جدران الأوعية الدموية على الاسترخاء.

ويؤدي استرخاء الأوعية الدموية إلى توسّعها، ما يسمح بتدفق الدم بسهولة أكبر ويخفّف الضغط الواقع على جدران الشرايين.

ويبلغ هذا التأثير ذروته عادةً بعد ساعتين إلى ثلاث ساعات من تناول الشمندر.

لكن تناول الشمندر مرة واحدة لا يكفي لتحقيق فوائد مستمرة، إذ يتراجع تأثيره خلال يوم تقريباً. لذلك، يُعد إدراجه بانتظام في النظام الغذائي أمراً مهماً للأشخاص الذين يسعون إلى خفض ضغط الدم.

ومن اللافت أن استخدام غسول الفم المضاد للبكتيريا قد يحدّ من هذه الفوائد، لأن عملية تحويل النترات إلى نتريت تعتمد جزئياً على البكتيريا الموجودة في الفم.

ويحتوي الشمندر أيضاً على البوتاسيوم، الذي يساعد الجسم على تحقيق التوازن مع الصوديوم، وهو عامل مهم في تنظيم ضغط الدم.

ما أفضل الطرق لتناول الشمندر؟

أظهرت الأبحاث فوائد مرتبطة بخفض ضغط الدم عند استهلاك ما بين 200 و800 ملليغرام من النترات يومياً، وهي كمية يمكن الحصول عليها تقريباً من كوب من عصير الشمندر أو جرعة صغيرة من عصيره المركّز، بحسب تركيز النترات.

ويحتوي الشمندر الكامل أيضاً على كميات جيدة من النترات، لكنها تختلف باختلاف نوع النبات والتربة التي ينمو فيها.

ويمكن إدراجه في النظام الغذائي بعدة طرق:

1. الشمندر الكامل

يمكن تناوله مشوياً أو مطهواً على البخار، وإضافته إلى أطباق الحبوب أو السلطات، أو استخدامه في تحضير أقراص البرغر النباتية.

كما يمكن تقشيره وبشره نيئاً وإضافته إلى السلطات.

أما سلق الشمندر في الماء، فرغم شيوعه، فقد يؤدي إلى فقدان جزء من محتواه من النترات.

2. عصير الشمندر

يُعد عصير الشمندر من أكثر الأشكال التي استُخدمت في الدراسات المتعلقة بضغط الدم، لأنه يوفر جرعة مركّزة من النترات.

ورغم احتوائه على ألياف أقل مقارنة بالشمندر الكامل، فإنه يُعد وسيلة مناسبة للحصول على النترات الغذائية.

ويُفضّل اختيار العصير الطبيعي بنسبة 100 في المائة، من دون سكر مضاف، أو الأنواع المركّزة التي يمكن تناولها مباشرة أو إضافتها إلى العصائر المخفوقة مع الفواكه، مثل التوت.

3. الشمندر المخلّل

يتوافر الشمندر المخلّل جاهزاً في عبوات ومرطبانات، ويمكن إضافته إلى السلطات والسندويشات والبرغر.

لكن بعض أنواعه تحتوي على كميات مرتفعة من الصوديوم، ما قد يتعارض مع هدف خفض ضغط الدم. لذلك، يُفضّل تناوله باعتدال واختيار الأنواع الأقل احتواءً على الملح.

كيف تعزّز فوائد الشمندر لضغط الدم؟

رغم فوائد الشمندر، فإنه لا يشكّل علاجاً منفرداً لارتفاع ضغط الدم، بل يُفضّل تناوله ضمن نظام غذائي صحي يعتمد على الأطعمة الطبيعية أو قليلة المعالجة، ويضم مجموعة متنوعة من المصادر النباتية.

ولتحقيق أكبر فائدة ممكنة، يُنصح باتباع عدد من العادات الغذائية:

- تناول الخضراوات الغنية بالنترات: مثل الجرجير والسبانخ والخس، إلى جانب تنويع الخضراوات الأخرى، مثل البروكلي والجزر والبطاطس.

- زيادة الأطعمة الغنية بالبوتاسيوم: مثل الفاصولياء والعدس والبطاطس والموز والزبادي، للمساعدة على تحقيق التوازن مع الصوديوم.

- تقليل استهلاك الملح: من خلال تحضير المزيد من الوجبات في المنزل والحد من الأطعمة فائقة المعالجة ووجبات المطاعم.

- الاعتماد على الأطعمة النباتية: مثل الحبوب الكاملة والمكسرات والبذور والبقوليات والفواكه.

وفي المحصلة، تشير الأدلة العلمية إلى أن إدراج الشمندر بانتظام ضمن نظام غذائي متوازن قد يساعد في خفض ضغط الدم وتحسين صحة الأوعية الدموية، لكنه لا يغني عن الأدوية الموصوفة أو المتابعة الطبية لدى المصابين بارتفاع ضغط الدم.


الجوز أم اللوز... أيهما أفضل لصحة القلب؟

يُعد الجوز من أكثر المكسرات فائدة لصحة القلب (بكساباي)
يُعد الجوز من أكثر المكسرات فائدة لصحة القلب (بكساباي)
TT

الجوز أم اللوز... أيهما أفضل لصحة القلب؟

يُعد الجوز من أكثر المكسرات فائدة لصحة القلب (بكساباي)
يُعد الجوز من أكثر المكسرات فائدة لصحة القلب (بكساباي)

يساعد كلٌّ من الجوز واللوز على تعزيز صحة القلب، بفضل احتوائهما على الدهون الصحية والعناصر الغذائية المفيدة. لكن تحديد الخيار الأفضل يعتمد على الأهداف الصحية لكل شخص، سواء كانت خفض مستويات الكوليسترول أو تنظيم ضغط الدم أو تقليل الالتهابات.

الجوز أغنى بأحماض «أوميغا 3»

يُعد الجوز من أكثر المكسرات فائدة لصحة القلب، نظراً إلى احتوائه على نسبة مرتفعة من أحماض «أوميغا 3» الدهنية، خصوصاً حمض ألفا لينولينيك (ALA)، وهو أحد أنواع «أوميغا 3» النباتية.

وتؤدي هذه الأحماض دوراً مهماً في تقليل الالتهابات ودعم صحة القلب والأوعية الدموية.

وتحتوي الحصة الواحدة من الجوز، التي تعادل نحو 28 غراماً، على قرابة 2.5 غرام من حمض ألفا لينولينيك.

كما يُعد الجوز مصدراً غنياً بمضادات الأكسدة، مثل البوليفينولات، التي قد تساعد في مكافحة الإجهاد التأكسدي، وهو اختلال التوازن بين الجذور الحرة الضارة ومضادات الأكسدة التي تعمل على تحييدها.

اللوز غني بالدهون الصحية والعناصر الغذائية

يتميز اللوز باحتوائه على كميات كبيرة من الدهون الأحادية غير المشبعة، التي ترتبط بفوائد مهمة لصحة القلب.

كما يحتوي على فيتامين «هـ» والألياف الغذائية، اللذين يساعدان في الحد من الإجهاد التأكسدي المرتبط بتطور أمراض القلب.

ويوفر اللوز أيضاً مجموعة من المعادن الأساسية، بينها الكالسيوم والبوتاسيوم والفوسفور والمغنيسيوم، إلى جانب مركّبات نباتية مفيدة، مثل الفلافونويدات والستيرولات النباتية والأحماض الفينولية.

ويؤدي المغنيسيوم، على وجه الخصوص، دوراً مهماً في دعم صحة الأوعية الدموية والمساعدة على تنظيم ضغط الدم.

تأثير الجوز واللوز على ضغط الدم والكوليسترول

- ضغط الدم

أظهرت دراسة تناول فيها المشاركون الجوز يومياً، بالتزامن مع تقليل استهلاك الدهون المشبعة، انخفاضاً في ضغط الدم المركزي.

ويُقصد بضغط الدم المركزي الضغط داخل الشريان الأبهر الصاعد، وهو أحد المؤشرات المرتبطة بمخاطر الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية.

كذلك، ربطت دراسات بين تناول اللوز وانخفاض ضغط الدم، وهو ما قد يسهم في تحسين صحة القلب وتقليل خطر الإصابة بأمراضه.

ويُعتقد أن هذه الفوائد تعود إلى الدهون الأحادية غير المشبعة والمعادن الموجودة في اللوز، خصوصاً المغنيسيوم والبوتاسيوم.

- الكوليسترول

أظهرت دراسة أن بالغين أصحاء من كبار السن تناولوا نصف كوب من الجوز يومياً لمدة عامين سجّلوا انخفاضاً في مستويات الكوليسترول الضار (LDL)، بما في ذلك بعض أنواعه المرتبطة بأمراض القلب.

وتحتوي الحصة الواحدة من الجوز أيضاً على نحو غرامين من الألياف الغذائية، التي قد تساعد في تحسين مستويات الكوليسترول.

وفي المقابل، تناولت دراسات متعددة تأثير اللوز على مستويات الدهون في الدم، بما فيها الكوليسترول والدهون الثلاثية.

وتشير نتائج هذه الدراسات إلى أن تناول اللوز قد يؤدي إلى انخفاض مستويات الكوليسترول الكلي بنسبة تصل إلى 25 في المائة، والكوليسترول الضار بنسبة تصل إلى 35 في المائة، وفقاً لبعض النتائج البحثية. ولا تعني هذه النسب أنها نتائج متوقعة لدى جميع الأشخاص.

كما أشارت دراسات إلى أن تناول اللوز قد يساعد في رفع مستويات الكوليسترول الجيد (HDL) أو الحفاظ عليها.

ويؤدي الكوليسترول الجيد دوراً مهماً في نقل الكوليسترول الضار من الشرايين إلى الكبد، حيث يجري تفكيكه والتخلص منه.

أيهما أفضل لصحة القلب؟

تعتمد الإجابة على الفائدة الصحية التي يسعى الشخص إلى تحقيقها.

- الجوز لتوفير «أوميغا 3» وتقليل الالتهابات: يُعد الخيار الأفضل لمن يرغب في زيادة استهلاك أحماض «أوميغا 3» النباتية والاستفادة من خصائصها المضادة للالتهابات، إذ يحتوي اللوز على كميات أقل منها.

- اللوز لدعم تنظيم ضغط الدم: قد يكون خياراً مناسباً لمن يسعى إلى زيادة استهلاك المغنيسيوم والبوتاسيوم، اللذين يساعدان في الحفاظ على صحة الأوعية الدموية وتنظيم ضغط الدم.

- اللوز لتحسين مستويات الكوليسترول: تشير بعض الدراسات إلى احتمال تمتّعه بأفضلية طفيفة في خفض الكوليسترول الضار والحفاظ على مستويات الكوليسترول الجيد، بفضل غناه بالدهون الأحادية غير المشبعة.

وفي النهاية، يمكن إدراج الجوز واللوز ضمن نظام غذائي صحي للقلب، إذ يوفر كل منهما فوائد غذائية مختلفة ومتكاملة.

وقد يكون التنويع بينهما، بدلاً من الاكتفاء بنوع واحد، وسيلة مناسبة للاستفادة من العناصر الغذائية التي يحتويان عليها.