«أطفال بثلاثة آباء»... اختراق طبي للقضاء على مرض وراثي عضال

تقدم كبير في التقنية المعروفة باسم «علاج التبرع بالميتوكوندريا» (رويترز)
تقدم كبير في التقنية المعروفة باسم «علاج التبرع بالميتوكوندريا» (رويترز)
TT

«أطفال بثلاثة آباء»... اختراق طبي للقضاء على مرض وراثي عضال

تقدم كبير في التقنية المعروفة باسم «علاج التبرع بالميتوكوندريا» (رويترز)
تقدم كبير في التقنية المعروفة باسم «علاج التبرع بالميتوكوندريا» (رويترز)

في اختراق طبي، وُلد 8 أطفال في المملكة المتحدة بحمض نووي من ثلاثة أشخاص، بعد إجراء جراحي للقضاء على مرض وراثي عضال.

ووفق تقرير لشبكة «سكاي نيوز»، يُمثل هذا الاختراق تقدماً كبيراً في التقنية، المعروفة باسم «علاج التبرع بالميتوكوندريا»، والمُصممة للوقاية من مرض يُهدد الحياة، وغالباً ما يكون مميتاً، ناتجاً عن طفرات جينية في الهياكل التي تُولد الطاقة في جميع خلايانا.

كما يُمثل اختباراً لموقف المملكة المتحدة المتساهل، وإن كان شديد التنظيم، تجاه أبحاث الأجنة البشرية، والذي سمح باستمرار تقنية انتُقدت سابقاً لولادة «أطفال بثلاثة آباء»، وفق الشبكة.

وأمراض الميتوكوندريا هي مجموعة من الحالات الوراثية التي تؤثر على كيفية إنتاج الميتوكوندريا في خلاياك للطاقة. وتُنتج الميتوكوندريا معظم الطاقة التي يحتاج إليها الجسم. والذين يعانون من مرض في الميتوكوندريا، لن تتمكن خلاياهم من إنتاج طاقة كافية. ولا يوجد علاج شافٍ لهذه الحالة، ولكن العلاج يُمكن أن يمنع المضاعفات المُهددة للحياة.

وبناءً على عدد ونوع الطفرات في الميتوكوندريا، قد تختلف شدة المرض ونوعه، ولكنه يشمل اضطراباتٍ عصبية واستقلابية ونمائية.

وُلد الأطفال، وهم 4 فتيات و4 أولاد - 2 منهم توأم متطابق - جميعهم في السنوات الخمس الماضية، وهم بصحة جيدة، وفقاً لبحث نُشر في مجلة نيو إنغلاند الطبية.

وقال السير دوغ تورنبول، الأستاذ الفخري في جامعة نيوكاسل، الذي أسهم في تطوير هذا العلاج: «إنه نجاح باهر لهذه العائلات».

وأضاف: «هذا مرضٌ مُدمّرٌ لا علاج له، ولولا هذه التقنية، لما شعروا بخلوّ عائلاتهم من مرض الميتوكوندريا. وهذا يمنحهم تلك الفرصة».

فقط النساء المُعرّضات لخطرٍ كبيرٍ لنقل المرض الشديد هنّ من مؤهلاتٍ لهذا الإجراء، والذي يُقدّم من خلال منشأةٍ متخصصةٍ في مستشفيات نيوكاسل أبون تاين التابعة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية.

لم تُكشف هويات العائلات السبع وأطفالها، لكن والدة أحد الأطفال الذكور، التي تحدثت من دون الكشف عن هويتها، قالت: «لقد رُفع العبء العاطفي لمرض الميتوكوندريا، وحل محله الأمل والفرح والامتنان العميق».

صورة تظهر الأحماض النووية من الأشخاص الثلاثة في الأجنة (سكاي نيوز)

كيف تعمل هذه التقنية؟

تتضمن هذه العملية إزالة المعلومات الجينية من جنين الأم المصابة المُلقّح قبل إدخاله في جنين متبرعة سليمة، والذي أُزيلت منه هذه المعلومات.

والأهم من ذلك، تُترك مئات الآلاف من الميتوكوندريا المريضة، تاركةً الجنين الجديد مع وجود ميتوكوندريا سليمة في جنين المتبرعة.

تحتوي الميتوكوندريا على كمية ضئيلة من شفرتها الجينية الفريدة، لذلك فإن الأجنة الناتجة تحمل الحمض النووي من ثلاثة أشخاص مختلفين.

وهذا التدخل لا يمثل سوى 0.02 في المائة من إجمالي الحمض النووي للجنين، ولا علاقة له بالصفات الجينية التي يرثها الجنين من أبويه.

ومع ذلك، فإن هذه التقنية ليست مثالية، وفق التقرير، إذ خضعت 22 امرأة لهذه العملية، لكن 7 فقط حملن، ما أدى إلى 8 ولادات - بنسبة نجاح 36 في المائة.

ووُلد 5 من الأطفال الثمانية دون أي أثر للمرض، لكن الاختبارات التي أُجريت على الثلاثة الآخرين كشفت عن نقل نسبة ضئيلة من الميتوكوندريا المتحولة أثناء العملية.

ورغم أن مستوياتها منخفضة جداً بحيث لا تسبب أمراض الميتوكوندريا، فإن الأطفال سيحتاجون إلى متابعة دقيقة لضمان استمرار نموهم بشكل طبيعي.

وقال البروفسور بوبي ماكفارلاند، الذي يقود الخدمة في نيوكاسل: «لقد صممنا دراسة خصيصاً لهذا الغرض».

وأضاف: «هذا ما يميزنا في تقديم هذه الخدمة في نيوكاسل، إذ لا يوجد أي مكان آخر في العالم يُجريها بطريقة منظمة».

ومع وجود أسباب وجيهة لتوقع نمو الأطفال بشكل طبيعي، تدخل هذه العملية الطب إلى آفاق جديدة.

ولأن الميتوكوندريا تحتوي على شفرتها الجينية الخاصة، فإن الفتيات المولودات بهذه التقنية - حاملات شفرتها من متبرعة سليمة - سينقلنها إلى أي أطفال قد ينجبنهم في المستقبل.


مقالات ذات صلة

هل يسبب تناول الكرياتين تساقط الشعر؟

صحتك الأدلة العلمية التي تربط بين الكرياتين وتساقط الشعر محدودة (بيكسلز)

هل يسبب تناول الكرياتين تساقط الشعر؟

الكرياتين مركّب يُسهم في إنتاج الطاقة اللازمة لانقباض العضلات، حيث ينتجه الجسم طبيعياً، كما يمكن الحصول عليه من بعض الأطعمة والمكمّلات الغذائية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك أشخاص يتدربون في نادٍ رياضي (رويترز)

لماذا لا يؤدي التمرين دائماً إلى فقدان الوزن كما نتوقع؟

تُشكك دراسة في المفاهيم السائدة حول العلاقة بين التمارين الرياضية وفقدان الوزن، إذ تشير إلى أن التمارين قد لا تحرق سعرات حرارية بالقدر الذي يعتقده كثيرون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك 6 معلومات تهم الرجل عن الخصوبة

6 معلومات تهم الرجل عن الخصوبة

الحيوانات المنوية (الحيامن) خلايا تناسلية ذكرية تُنتج بـ«غزارة» في الخصيتين، حيث يُنتج جسم الرجل ما يقارب 1500 حيوان منوي في الثانية الواحدة.

د. حسن محمد صندقجي (الرياض)
صحتك الربو الموسمي وتفاقم الحساسية في فصل الشتاء... تحدٍّ يتجدد كل عام

الربو الموسمي وتفاقم الحساسية في فصل الشتاء... تحدٍّ يتجدد كل عام

مع دخول فصل الشتاء كل عام، يواجه مرضى الربو والحساسية التنفسية تحدياً صحياً متجدداً، إذ يُعد هذا الفصل من أكثر الفترات التي ترتفع فيها نوبات الربو بشكل ملحوظ.

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك دليلك للتخلص من صداع الجيوب الأنفية

دليلك للتخلص من صداع الجيوب الأنفية

عند الإصابة بصداع الجيوب الأنفية، تتملك المرء الرغبة في تخفيف آلامه سريعاً. إلا أن العلاج الأحادي قد لا يكون السبيل الأمثل.

«الشرق الأوسط» (كمبردج - ولاية ماساشوستس الأميركية)

هل يسبب تناول الكرياتين تساقط الشعر؟

الأدلة العلمية التي تربط بين الكرياتين وتساقط الشعر محدودة (بيكسلز)
الأدلة العلمية التي تربط بين الكرياتين وتساقط الشعر محدودة (بيكسلز)
TT

هل يسبب تناول الكرياتين تساقط الشعر؟

الأدلة العلمية التي تربط بين الكرياتين وتساقط الشعر محدودة (بيكسلز)
الأدلة العلمية التي تربط بين الكرياتين وتساقط الشعر محدودة (بيكسلز)

الكرياتين مركّب يُسهم في إنتاج الطاقة اللازمة لانقباض العضلات، حيث ينتجه الجسم طبيعياً، كما يمكن الحصول عليه من بعض الأطعمة والمكمّلات الغذائية.

الكرياتين مركّب يُسهم في إنتاج الطاقة اللازمة لانقباض العضلات، حيث ينتجه الجسم طبيعياً، كما يمكن الحصول عليه من بعض الأطعمة والمكمّلات الغذائية. ووفقاً لموقع «هيلث»، يوجد نحو 95 في المائة من إجمالي الكرياتين في الجسم داخل العضلات.

يلجأ معظم الأشخاص إلى تناول الكرياتين بهدف تحسين الأداء الرياضي وزيادة الكتلة العضلية، وهي فوائد تدعمها أبحاث علمية. كما يُستخدم أحياناً لعلاج تشنجات العضلات، والإرهاق، والتصلب المتعدد، والاكتئاب، إلا أن الأدلة العلمية المتاحة لا تزال غير كافية لدعم هذه الاستخدامات الأخيرة بشكل قاطع.

ورغم شيوع استخدامه، يشعر كثيرون بالقلق من ارتباط الكرياتين المحتمل بتساقط الشعر. غير أن الأدلة التي تشير إلى تأثيره في نمو الشعر تظل محدودة.

كيف يعمل الكرياتين في الجسم؟

الكرياتين مركّب نيتروجيني يتكوّن من أحماض أمينية،

ويساعد الجسم على إنتاج الأدينوسين ثلاثي الفوسفات (ATP)، وهو المصدر الأساسي للطاقة الذي تعتمد عليه العضلات أثناء النشاط البدني.

يمكن الحصول على الكرياتين من مصادر غذائية أو عبر المكمّلات، كما يُنتج الجسم جزءاً منه طبيعياً في الكبد والكليتين والبنكرياس.

ونظراً لدوره في زيادة إنتاج الأدينوسين ثلاثي الفوسفات - ATP، يمكن أن يُحسّن الكرياتين القدرة على ممارسة التمارين ويرفع كفاءة الأداء التدريبي. وتشير بعض الدراسات إلى أن الأشخاص الذين يتناولون الكرياتين قد يحققون تحسناً في الأداء يتراوح بين 10 و20 في المائة.

ويُعدّ الكرياتين من أكثر المكمّلات الغذائية فاعلية المتاحة للرياضيين، نظراً لتأثيره الواضح في تعزيز الأداء الرياضي وزيادة الكتلة العضلية الخالية من الدهون خلال التدريب. كما تشير بعض الأدلة إلى أنه قد يدعم الصحة العامة واللياقة البدنية والشعور بالرفاه.

وقد أظهرت بعض الدراسات أن للكرياتين قدرة محتملة على:

- خفض الكوليسترول والدهون الثلاثية والمساعدة في تنظيم مستويات الدهون في الدم

- تقليل تراكم الدهون في الكبد

- خفض خطر الإصابة بأمراض القلب

- تحسين التحكم في مستويات السكر في الدم

- الحد من هشاشة العظام

- تحسين وظائف الجسم لدى المصابين بالتهاب المفاصل العظمي

- تعزيز الوظائف الإدراكية لدى كبار السن

ومع ذلك، لا تزال بعض هذه الفوائد بحاجة إلى مزيد من الدراسات لتأكيدها بشكل قاطع.

ما الصلة بين الكرياتين وتساقط الشعر؟

الأدلة العلمية التي تربط بين الكرياتين وتساقط الشعر محدودة. كما أن بعض المعلومات المتداولة في هذا السياق تستند إلى دراسات قديمة أو تجارب شخصية غير موثقة علمياً.

تشير دراسة صغيرة أُجريت عام 2009 إلى احتمال وجود علاقة بين تناول الكرياتين وتساقط الشعر، ويُرجّح أن هذه الدراسة كانت نقطة انطلاق الفكرة الشائعة حول هذا الارتباط، وفقاً لموقع «هيلث».

شملت الدراسة لاعبي رغبي جامعيين كانوا يتناولون مكملات الكرياتين. ووجد الباحثون أن مستويات هرمون ثنائي هيدروتستوستيرون (DHT) لدى المشاركين ارتفعت خلال فترة الاستخدام. ويرتبط هذا الهرمون عادةً بزيادة نمو الشعر في مناطق، مثل الوجه والصدر، لكنه قد يثبط نمو الشعر في فروة الرأس؛ إذ يمكن أن يؤدي إلى انكماش بصيلات الشعر، خصوصاً لدى الأشخاص المعرّضين وراثياً لذلك.

ومنذ نشر تلك الدراسة، تناولت 12 دراسة أخرى تأثير مكملات الكرياتين - بجرعات تراوحت بين 3 و25 غراماً يومياً - على مستويات هرمون التستوستيرون، بما في ذلك (DHT).

وأظهرت دراستان فقط من بين هذه الدراسات ارتفاعاً طفيفاً في مستويات هرمون التستوستيرون، في حين لم تسجّل الدراسات العشر المتبقية أي تغيّر ملحوظ. كما قامت خمس من تلك الدراسات بقياس مستويات (DHT) تحديداً، ولم تجد أي زيادة فيه.

وبناءً على هذه النتائج، يميل كثير من الباحثين إلى استنتاج أن مكملات الكرياتين لا تُسبب تساقط الشعر.

آثار جانبية محتملة

رغم أن العلاقة بين الكرياتين وتساقط الشعر لا تستند إلى أدلة قوية، فإن بعض الأبحاث المبكرة أشارت إلى وجود آثار جانبية محتملة مرتبطة بتناول مكملات الكرياتين، من بينها:

- تشنجات العضلات

- الجفاف

- إجهاد الكلى

ولذلك، يُنصح دائماً باستشارة مختص صحي قبل البدء في تناول أي مكمل غذائي، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من مشكلات صحية سابقة.


لماذا لا يؤدي التمرين دائماً إلى فقدان الوزن كما نتوقع؟

أشخاص يتدربون في نادٍ رياضي (رويترز)
أشخاص يتدربون في نادٍ رياضي (رويترز)
TT

لماذا لا يؤدي التمرين دائماً إلى فقدان الوزن كما نتوقع؟

أشخاص يتدربون في نادٍ رياضي (رويترز)
أشخاص يتدربون في نادٍ رياضي (رويترز)

حرق مزيد من السعرات الحرارية يعني وزناً أقل - يبدو الأمر بسيطاً، أليس كذلك؟ لكنه قد لا يكون دقيقاً بشكل قاطع.

تُشكك دراسة جديدة في المفاهيم السائدة حول العلاقة بين التمارين الرياضية وفقدان الوزن، إذ تشير إلى أن التمارين قد لا تحرق من السعرات الحرارية بالقدر الذي يعتقده كثيرون، وذلك وفقاً لما نشرته صحيفة «نيويورك بوست».

تساعد هذه النتائج في تفسير سبب عدم ملاحظة العديد من الأشخاص أي تغيّر في أوزانهم، رغم انتظامهم في ارتياد الصالات الرياضية والتزامهم بنظام غذائي محدد.

وبحسب «كليفلاند كلينيك»، يتراوح معدل حرق السعرات الحرارية الطبيعي في الجسم خلال اليوم، من دون ممارسة أي نشاط رياضي منظّم، بين نحو 1300 و2000 سعرة حرارية، وذلك تبعاً للعمر والجنس وعوامل أخرى.

على مدى سنوات، افترض العلماء أن أي سعرات حرارية إضافية تُحرق - مثل الجري لمسافة ميل أو السباحة - تُضاف ببساطة إلى هذا المعدل الأساسي، ما يؤدي في النهاية إلى فقدان الوزن.

غير أن بعض الباحثين بدأوا مؤخراً في التشكيك فيما يُعرف بـ«النموذج التراكمي»، مقترحين أن الجسم قد يعمل وفق نهج «مُقيَّد» بدلاً منه.

وتنص هذه النظرية على أن للجسم حداً أقصى لاستهلاك الطاقة؛ فعندما تحرق سعرات حرارية إضافية أثناء التمرين، قد يعوّض الجسم ذلك من خلال خفض استهلاك الطاقة في وظائف أخرى، مثل تقليل عمليات إصلاح الخلايا وبعض المهام الداخلية.

انطلاقاً من هذا التساؤل، أجرى باحثان من جامعة ديوك الأميركية مقارنة مباشرة بين النموذجين.

استعرض الفريق 14 دراسة تناولت النشاط البدني وشملت 450 شخصاً، إلى جانب عدد من التجارب على الحيوانات، وقارنوا بين السعرات الحرارية المتوقَّع أن يحرقها المشاركون وتلك التي حُرقت فعلياً.

وأظهرت النتائج أنه، في المتوسط، لم ينعكس سوى 72 في المائة من السعرات الحرارية المحروقة أثناء التمرين على إجمالي الإنفاق اليومي للطاقة، في حين استُهلكت النسبة المتبقية البالغة 28 في المائة في عمليات أخرى داخل الجسم.

ومن منظور تطوري، يبدو هذا التفسير منطقياً. فقد كان على أسلاف البشر قطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام من دون استنزاف كامل مخزونهم من الطاقة، وفقاً لهيرمان بونتزر، المؤلف الرئيسي للدراسة وعالم الأنثروبولوجيا التطورية.

وقد لاحظ بونتزر ذلك بنفسه في تنزانيا، حيث عاش بين أفراد قبيلة الهادزا، إحدى آخر مجتمعات الصيد وجمع الثمار في العالم. إذ يقطع أفرادها يومياً أميالاً عبر السافانا الجافة لصيد الطرائد وجمع الطعام.

توقع بونتزر أن يحرق هؤلاء سعرات حرارية تفوق بكثير ما يحرقه الأميركيون المعروفون بقلة نشاطهم البدني، لكنه وجد أنهم في الواقع يحرقون كمية مماثلة تقريباً.

وأوضح أن مرونة عملية الأيض لدى البشر - التي تتيح التكيف مع أنظمة غذائية متنوعة وتخزين الدهون لاستخدامها في حالات الطوارئ - أسهمت في بقاء الإنسان وازدهاره، بل وربما أثرت في كيفية تقدمه في العمر.

غير أن اللافت أن هذا التأثير التعويضي لا يشمل جميع أنواع التمارين.

فقد وجد الباحثون أن الجسم يبدو أنه يعوّض الطاقة بشكل أساسي أثناء التمارين الهوائية مثل الجري. أما في ما يتعلق برفع الأثقال أو تمارين المقاومة، فقد أظهرت الدراسات الثلاث التي راجعها الفريق أن المشاركين كانوا يحرقون سعرات حرارية أكثر من المتوقع قياساً إلى حجم التمرين الذي يؤدونه.

ولا يزال الباحثون غير متأكدين تماماً من سبب ذلك، إلا أنهم طرحوا عدة تفسيرات محتملة.

وأحد تلك التفسيرات أنه من الصعب قياس السعرات الحرارية المحروقة أثناء رفع الأثقال بدقة؛ إذ إن الأدوات والطرق المستخدمة في الدراسات قد تكون أكثر ملاءمة لتمارين الكارديو المنتظمة، ما قد يجعل تقديرات تمارين القوة أقل دقة.

ومن المحتمل أيضاً أن رفع الأثقال لا يُحفّز الاستجابة التعويضية ذاتها التي تُحدثها جلسات التمارين الهوائية الطويلة والمُجهِدة. كما أن عمليات إصلاح الأنسجة العضلية بعد تمارين القوة قد تتطلب طاقة إضافية.

ويبدو كذلك أن للنظام الغذائي دوراً رئيسياً في كيفية تعويض الجسم للطاقة.

فقد وجد الباحثون أنه عندما يقلل الأشخاص من السعرات الحرارية المتناولة بالتزامن مع زيادة شدة تمارينهم، فإن إجمالي السعرات الحرارية التي يحرقها الجسم غالباً لا يتغير.

وقال بونتزر: «المشكلة الحقيقية هنا هي أنك إذا جمعت بين التمارين الرياضية والنظام الغذائي، فإن جسمك سيعوض بشكل أكبر... لا يزال ذلك مفيداً لك، لكنه ليس بالضرورة وسيلة فعالة لفقدان الوزن».

ومع ذلك، لا يعني هذا أنه ينبغي إلغاء الاشتراك في النادي الرياضي.

فالحركة المنتظمة تظل ضرورية لصحتنا؛ إذ تسهم في تقليل الالتهابات المزمنة، وتحقيق توازن الهرمونات، وخفض خطر الإصابة بالأمراض المزمنة.

ويختتم بونتزر بقوله: «ينبغي أن ننظر إلى النظام الغذائي والرياضة بوصفهما أداتين مختلفتين لوظيفتين مختلفتين؛ فالنظام الغذائي هو الأداة الأساسية للتحكم في الوزن، أما الرياضة فهي الأداة المرتبطة بكل ما يتعلق بالصحة، من الصحة النفسية إلى أمراض القلب والتمثيل الغذائي».


القرار والمسؤولية في عصر الخوارزميات الطبية

القرار بين عقلين
القرار بين عقلين
TT

القرار والمسؤولية في عصر الخوارزميات الطبية

القرار بين عقلين
القرار بين عقلين

في غرفة عناية مركّزة، ظهر تنبيه رقمي على الشاشة: «احتمال تدهور المريض خلال 12 ساعة: 89 في المائة». لم يكن التنبيه صرخةً، بل كان رقماً هادئاً. لكن الأرقام، حين تقترب من الحياة، لا تكون هادئة أبداً. رفع الطبيب نظره من الشاشة إلى المريض... الأجهزة مستقرة، والمؤشرات مطمئنة، ولكن الخوارزمية تقول شيئاً آخر.

لحظة الإنذار

الرقم والقرار والعاقبة

في تلك اللحظة يتغير السؤال. إذ لم يعد: هل الرقم دقيق؟ بل: من يملك القرار... ومن يتحمل العاقبة؟

لطالما كان القرار الطبي فعلاً إنسانياً واضح المركز، فالطبيب يستند إلى علمه وخبرته، ويتحمل تبعات اختياره أمام المريض، وأمام ضميره. غير أن دخول أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى غرف الطوارئ وعيادات الأشعة ووحدات العناية المركزة أعاد رسم هذا المركز بهدوء. لم يعد القرار يمر عبر عقل واحد، بل عبر تفاعل بين عقل بشري مسؤول، ونظام خوارزمي يحلل آلاف المتغيرات في ثوانٍ.

* لحظة الخلاف. ولا تكمن المعضلة في دقة الخوارزمية، بل في لحظة الخلاف. ماذا يحدث عندما تختلف قراءة الطبيب عن توصية النظام؟ هل يُقدَّم الحدس السريري على التحليل الإحصائي؟ أم تُمنح أولوية للنموذج الرقمي بحكم اعتماده على بيانات واسعة وتجارب سابقة؟

في مطلع عام 2026 نشرت مجلة «ذا لانسيت للصحة الرقمية» دراسة أوروبية بعنوان: «حوكمة الخلاف السريري بين الإنسان والذكاء الاصطناعي»، قادها البروفسور ماتياس براون من جامعة هايدلبرغ الألمانية. وتابعت الدراسة أكثر من 14 ألف قرار تشخيصي، وركّزت على الحالات التي اختلف فيها تقييم الطبيب مع توصية النظام.

* ضمان السلامة: لم تُظهر النتائج تفوقاً مطلقاً لأي طرف، لكنها كشفت أن أعلى مستويات السلامة تحققت في المؤسسات التي وضعت بروتوكولاً واضحاً لإدارة هذا الخلاف، يُلزم بمراجعة تفسير الخوارزمية، وتوثيق سبب قبول توصيتها أو رفضها.

وحين نُظِّم الحوار بين العقلين، انخفضت الأخطاء. أما حين تُرك الأمر للاجتهاد اللحظي، فقد ارتفع الارتباك. وهنا يتضح أن القضية ليست صراعاً بين إنسان وآلة، بل غياب إطار ينظم العلاقة بينهما.

-----------------------------------------------------------------------------------------------------

* القرار يتخذ اليوم عبر تفاعل بين عقل بشري مسؤول ونظام خوارزمي يحلل آلاف المتغيرات في ثوانٍ*

-----------------------------------------------------------------------------------------------------

مسؤولية الطبيب أم الخوارزمية؟

* مسؤولية طبية. غير أن توزيع السلطة يفتح سؤالاً أكثر حساسية: توزيع المسؤولية. فإذا اتبع الطبيب توصية النظام، وحدث خطأ، من يتحمل النتيجة؟ وإذا تجاهلها ووقع الضرر، هل يُحاسب وحده؟ في منظومة تتداخل فيها البيانات والتصميم والخوارزميات، لا يمكن أن تبقى المسؤولية ضبابية.

منذ أن نُقشت قواعد المسؤولية على مسلة حمورابي، ثم صيغت لاحقاً في قسم أبقراط، ظلّ الطب قائماً على مبدأ واضح: من يقرّر يتحمّل (التبعات). غير أن عصر الخوارزميات أعاد توزيع التأثير داخل غرفة القرار، حتى بات المركز أقل وضوحاً. قد يقول كل طرف في المنظومة: «لم أكن وحدي». لكن المريض لا يرى شبكة البيانات، ولا الخوادم البعيدة، بل يرى الطبيب أمامه، ولذا يحمّله معنى القرار، ونتيجته.

بين العقل والآلة

* قواعد العلاقة مع الآلة. ولهذا فإن التحدي الحقيقي ليس في جعل الخوارزمية أكثر ذكاءً، بل في جعل العلاقة معها أكثر وضوحاً وعدلاً. فرفض الذكاء الاصطناعي ليس حلاً، كما أن التسليم المطلق له ليس فضيلة. وقد أثبتت الأنظمة المصممة جيداً قدرتها على تقليل الأخطاء، خاصة في البيئات المعقدة وسريعة الإيقاع، لكن فعاليتها ترتبط بوضوح حدودها.

وبين الإفراط في الثقة بالآلة، والتفريط في الاستفادة منها، مساحة تحتاج إلى تصميم أخلاقي دقيق. الخوارزمية قد تكون أدق في قراءة الأنماط، لكنها لا تعيش ثقل القرار. والطبيب قد يخطئ، لكنه وحده من يواجه أثر الخطأ أمام المريض.

وكما قال ابن رشد: «العدل هو التوسط بين الإفراط والتفريط». وربما يكون هذا التوسط هو جوهر الطب في عصر الخوارزميات: لا سلطة مطلقة للآلة، ولا يوجد احتكار مطلق للإنسان، بل شراكة منضبطة تُحفظ فيها المسؤولية واضحة، ويظل مركز القرار إنسانياً حتى وهو يستعين بالأرقام.

عند هذا الحد، لا يعود السؤال من يملك القرار، بل كيف نضمن أن يبقى القرار عادلاً.

* المصدر: دراسة «حوكمة الخلاف السريري بين الإنسان والذكاء الاصطناعي»، مجلة «ذا لانسيت للصحة الرقمية» (The Lancet Digital Health)، يناير 2026، الباحث الرئيس: البروفسور ماتياس براون – جامعة هايدلبرغ، ألمانيا.