رهانات أوروبية على تجنّب توسّع الحرب

اجتماع أوروبي ــ إيراني في جنيف اليوم تغطية شاملة داخل العدد

جانب من لقاء ترمب وماكرون بالبيت الأبيض في فبراير الماضي (أ.ب)
جانب من لقاء ترمب وماكرون بالبيت الأبيض في فبراير الماضي (أ.ب)
TT

رهانات أوروبية على تجنّب توسّع الحرب

جانب من لقاء ترمب وماكرون بالبيت الأبيض في فبراير الماضي (أ.ب)
جانب من لقاء ترمب وماكرون بالبيت الأبيض في فبراير الماضي (أ.ب)

يعقد وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وبريطانيا، في جنيف اليوم (الجمعة)، لقاء مع نظيرهم الإيراني لإجراء محادثات نووية، في حين تدخل الحرب الإسرائيلية - الإيرانية أسبوعها الثاني.

ويأتي الاجتماع في حين تراهن الدول الأوروبية على تجنّب توسّع الحرب بين طهران وتل أبيب، وتبحث إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب خيارات الانخراط في الحرب بشكل مباشر.

وأعلن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في بيان نقلته وكالة «إرنا» الرسمية: «سنلتقي مع الوفد الأوروبي في جنيف الجمعة». وأكّد دبلوماسيون أوروبيون بشكل منفصل المحادثات المزمعة التي من المقرر أن يشارك فيها وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، ووزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي، ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، بالإضافة إلى مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس.

وبينما يُدرك الثلاثي الأوروبي أن وساطته لوقف التصعيد في المنطقة بحاجة لدعم أميركي، أجرى ديفيد لامي في واشنطن أمس جولة محادثات تهدف لتحديد ما هو مقبول وما هو مرفوض أميركياً.


مقالات ذات صلة

بعد 6 أشهر… الصراع مع إيران يؤول إلى جمود مكلف

شؤون إقليمية أشخاص يسيرون بجانب مجسم رمزي لصاروخ إيراني بأحد شوارع طهران في مشهد يعكس تصاعد الخطاب العسكري والتعبئة الداخلية بالتزامن مع المفاوضات الجارية حول اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب (رويترز)

بعد 6 أشهر… الصراع مع إيران يؤول إلى جمود مكلف

آلت الحرب مع إيران، بعد ستة أشهر، إلى حالة جمود مكلفة. فبعد ستة أشهر على الهجوم الذي شنته القوات الأميركية والإسرائيلية على إيران وأسفر عن مقتل المرشد الإيراني.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الدخان يتصاعد في طهران بعد غارة جوية

6 تداعيات لـ6 أشهر من حرب إيران

بعد ستة أشهر على بدء الولايات المتحدة وإسرائيل شن ضربات على إيران تحولت الحرب التي وصفها الرئيس دونالد ترمب بأنها «نزهة صغيرة» إلى مأزق يلقى رفضاً واسعاً

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ بارون ترمب يتابع والده الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال فعالية داخلية ضمن مراسم التنصيب في «كابيتال وان أرينا» بواشنطن 20 يناير 2025 (أ.ب) p-circle 01:09

«الخدمة السرية» تحقق في فيديو إيراني يهدد بارون ترمب

أكدت «الخدمة السرية» الأميركية أنها على علم بأن وسائل إعلام حكومية إيرانية بثت مقطع فيديو يبدو أنه يهدد حياة بارون ترمب، الابن الأصغر للرئيس الأميركي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي صورة تجمع نتنياهو وزوجته سارة في مركز انتخابي لحزب الليكود بالقدس يوم 17 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

نتنياهو يكشف أن إيران حاولت اغتيال أحد أبنائه

كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مساء الاثنين، أن إيران حاولت اغتيال أحد أبنائه.

نظير مجلي (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يهم بالصعود إلى طائرة «إير فورس وان» في بريطانيا (رويترز)

تشكيك أميركي في صدقية إسرائيل حول خطة إيرانية لاغتيال ترمب

شكك مسؤولون أميركيون في صحة معلومات مخابراتية إسرائيلية عن تهديد إيراني باستهداف طائرة «إير فورس وان» التي كانت ستقل الرئيس دونالد من تركيا الشهر الماضي.

علي بردى (واشنطن)

صربيا تهاجم المحكمة الأممية... وتلمح إلى إقامة جنازة رسمية لملاديتش

الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش (د.ب.أ)
الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش (د.ب.أ)
TT

صربيا تهاجم المحكمة الأممية... وتلمح إلى إقامة جنازة رسمية لملاديتش

الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش (د.ب.أ)
الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش (د.ب.أ)

شنَّ الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش، اليوم (الجمعة)، هجوماً لاذعاً على محكمة جرائم الحرب، التابعة للأمم المتحدة، متهماً إياهاً بـ«السلوك غير المتحضر» بعد رفضها منح الإفراج المبكر للقائد العسكري الصربي - البوسني السابق راتكو ملاديتش، الذي توفي، الخميس، عن 84 عاماً، وهو يقضي عقوبة السجن المؤبد داخل المستشفى التابع لسجن الأمم المتحدة في لاهاي، بينما لمَّحت الحكومة الصربية إلى إمكانية إقامة جنازة رسمية لملاديتش.

وقالت وكالة «أسوشييتد برس» إن عائلة ملاديتش والحكومة الصربية كانتا قد تقدَّمتا بطلبات متكرِّرة للإفراج عنه، مستندتين إلى تقدمه في السن وتدهور حالته الصحية، غير أن المحكمة رفضت طلبه الأخير قبل أسبوع واحد فقط من وفاته.

وقال فوتشيتش: «كان ذلك تصرفاً غير متحضر، ولا سابق له، ولا عذر له. نرى اليوم بوضوح أنهم كانوا يريدون رحيل ملاديتش وهو خلف القضبان».

يشار إلى أنه في عام 2017، أصدرت «المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة» حكمها التاريخي بالسجن المؤبد بحق ملاديتش، في خطوة وُصفت بأنها نقطة تحول جوهرية في مسيرة العدالة لضحايا حروب البوسنة.

راتكو ملاديتش (أ.ف.ب)

وكان ملاديتش قد أُلقي القبض عليه عام 2011، بعدما ظلَّ هارباً من العدالة لأكثر من عقد ونصف العقد من الزمن.

ويُعدُّ ملاديتش أحد أشرس رموز الصراع الدامي الذي أودى بحياة أكثر من 100 ألف شخص، وشرَّد أكثر من مليون آخرين، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ولمَّحت الحكومة الصربية، في وقت سابق اليوم (الجمعة)، إلى إمكانية إقامة جنازة رسمية لملاديتش. وقال وزير العدل الصربي نيناد فوييتش: «ملاديتش هو جنرال، والبروتوكول معروف»، مضيفاً أن حكومته تحترم ما يستحقه الراحل.

ورأت وسائل إعلام صربية أن الإشارة إلى «البروتوكول» الرسمي تعني أن حكومة الرئيس ألكسندر فوتشيتش تخطط لإقامة جنازة رسمية تراعي التقاليد العسكرية.

ومن المرجح أن يُدفن ملاديتش، الذي أشرف على أعمال مروعة في البوسنة خلال حقبة تسعينات القرن الماضي، في مقبرة «توبتشيدر» ببلغراد، وفق ما أكدته مصادر مقربة من العائلة، وذلك تحقيقاً لرغبته التي طالما أبداها بأن يكون مثواه الأخير بجوار ابنته آنا، التي انتحرت عام 1994 عن عمر ناهز 23 عاماً.

ولم يُحدَّد حتى الآن موعد رسمي للجنازة، في انتظار استكمال الإجراءات القانونية والإدارية المتعلقة بنقل الجثمان من هولندا إلى صربيا.


ماكرون يزور لندن لافتتاح معرض مخصص لمنسوجة بايو ولقاء بيرنهام

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب)
TT

ماكرون يزور لندن لافتتاح معرض مخصص لمنسوجة بايو ولقاء بيرنهام

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب)

يزور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لندن، الأربعاء والخميس؛ حيث سيفتتح معرضاً يحتفي بمنسوجة بايو التي قرر إعارتها لمتحف «بريتيش ميوزيم» في العاصمة البريطانية، كما يلتقي للمرة الأولى رئيس الوزراء البريطاني الجديد، آندي بيرنهام، وفق ما أعلن قصر الإليزيه، الجمعة.

وأضافت الرئاسة الفرنسية أن ماكرون يُفترض أن تتاح له أيضاً «فرصة لقاء الملك تشارلز الثالث»، من دون تقديم مزيد من التفاصيل.

وتختتم زيارته للمملكة المتحدة أسبوعه المخصص لـ«التحرك الأوروبي»، وهو الأخير له قبل مغادرته السلطة في الربيع، بعد 10 سنوات تولى خلالها رئاسة فرنسا.

ويصل ماكرون، الاثنين، إلى السويد في زيارة تهدف إلى تعزيز التعاون العسكري الصناعي، وذلك عبر توقيع عقد بقيمة 4.3 مليار يورو لشراء استوكهولم 4 فرقاطات فرنسية، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

إبراز أهمية «الإعارة الاستثنائية»

وقبل توجهه إلى لندن، الأربعاء، سيزور ماكرون مدينة آيندهوفن في هولندا؛ حيث سيناقش مع رئيس الوزراء روب جيتن تعزيز «السيادة الأوروبية»، لا سيما في المسائل التكنولوجية، وفق قصر الإليزيه. وسيزور برفقة وفد من شركات فرنسية بينها «ميسترال إيه آي»، المقر الرئيسي لشركة «إيه إس إم إل» الأوروبية المصنعة لأشباه الموصلات.

وبعد بريطانيا، من المقرر أن يشارك، الخميس، في الاجتماعات الفرنسية الألمانية التقليدية في إيفيان بجبال الألب الفرنسية.

ويتمثل الهدف الرئيسي لزيارته العاصمة البريطانية، بعد ظهر الأربعاء، في افتتاح معرض مخصص لمنسوجة بايو المُعارة إلى متحف «بريتيش ميوزيم»، وهي «محطة بالغة الأهمية أرادها رئيس الجمهورية لتعزيز العلاقات الفرنسية - البريطانية»، وفق أحد مستشاريه.

منسوجة بايو (رويترز)

ويسعى ماكرون إلى «إبراز أهمية» هذه «الإعارة الاستثنائية» للعمل الذي يعود إلى القرن الحادي عشر، ويصوّر غزو وليام الفاتح لإنجلترا عام 1066.

ويرافقه في الزيارة زوجته بريجيت وممثلون للسلطات البريطانية.

وصلت منسوجة بايو في 10 يوليو (تموز) إلى «بريتيش ميوزيم»؛ حيث تُعرض -على سبيل الإعارة- لمدة عام، أي حتى 11 يوليو 2027.

وأثارت عملية النقل التاريخية للمنسوجة من بايو في نورماندي قلقاً كبيراً لدى الخبراء والمدافعين عن التراث في فرنسا، الذين خشوا تعرضها لأضرار لا يمكن إصلاحها. وفي منتصف يوليو، أعربت وزيرة الثقافة الفرنسية كاترين بيغار من لندن، عن سعادتها برؤية المنسوجة «في حالة جيدة جداً».

«مواصلة التقارب مع أوروبا»

وفي لندن أيضاً، سيكون ماكرون أول رئيس لدولة عضو في الاتحاد الأوروبي، وثاني رئيس أجنبي بعد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، يستقبله آندي بيرنهام الذي خلف كير ستارمر في رئاسة الوزراء. وسيُجري ماكرون وبيرنهام «محادثة أولى معمقة»، صباح الخميس.

وذكّرت أوساط ماكرون بأنّ الرئيس الفرنسي «أقام مع ستارمر علاقة ودية وفعّالة جداً، خصوصاً على صعيد تنسيقهما بشأن أوكرانيا والشرق الأوسط».

وأطلق ماكرون وستارمر «تحالف الراغبين»، وهو مجموعة تضم نحو 30 دولة، وتهدف إلى تقديم «ضمانات أمنية» لكييف في حال التوصل لوقف لإطلاق النار مع روسيا. واقترحا تشكيل قوة بحرية متعددة الجنسيات لتأمين إعادة فتح مضيق هرمز المغلق منذ الحرب التي بدأت بضربات أميركية - إسرائيلية ضد إيران في أواخر فبراير (شباط).

كما نسّق ماكرون وستارمر بشكل متكرر مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس ضمن مجموعة «إي 3» (E3)، وهي صيغة دبلوماسية تروج لها باريس بشكل متزايد باعتبارها شكلاً جديداً من «الحوكمة الأوروبية» في القضايا الاستراتيجية.

فهل سيكون لبيرنهام مكان ضمن هذا الثلاثي؟ يقول مسؤولون في قصر الإليزيه إن «التواصل معه تمّ فوراً»، مشيرين إلى الخطوات الأولى لرئيس الحكومة الجديد، بما فيها زيارته كييف وانضمامه سريعاً إلى تحالف الراغبين.

وتعدّ باريس أن «التنسيق» مع بيرنهام سيكون «مهماً ومنتظماً»، كما كان في عهد ستارمر، وتأمل أن يُؤكد بيرنهام أيضاً «مواصلة التقارب مع الاتحاد الأوروبي».


رحيل هارالد الخامس وصعود هاكون الثامن... من عاهل النرويج الجديد؟

الملك هاكون الثامن وزوجته الملكة ميت ماريت (حين كان ولياً للعهد والأميرة القرينة) في لقطة تذكارية داخل «غرفة الطيور» بالقصر الملكي في أوسلو (صورة أرشيفية - 24 مارس 2026) - (رويترز)
الملك هاكون الثامن وزوجته الملكة ميت ماريت (حين كان ولياً للعهد والأميرة القرينة) في لقطة تذكارية داخل «غرفة الطيور» بالقصر الملكي في أوسلو (صورة أرشيفية - 24 مارس 2026) - (رويترز)
TT

رحيل هارالد الخامس وصعود هاكون الثامن... من عاهل النرويج الجديد؟

الملك هاكون الثامن وزوجته الملكة ميت ماريت (حين كان ولياً للعهد والأميرة القرينة) في لقطة تذكارية داخل «غرفة الطيور» بالقصر الملكي في أوسلو (صورة أرشيفية - 24 مارس 2026) - (رويترز)
الملك هاكون الثامن وزوجته الملكة ميت ماريت (حين كان ولياً للعهد والأميرة القرينة) في لقطة تذكارية داخل «غرفة الطيور» بالقصر الملكي في أوسلو (صورة أرشيفية - 24 مارس 2026) - (رويترز)

طويت في العاصمة النرويجية أوسلو صفحة ملكية حافلة برحيل الملك هارالد الخامس عن عمر ناهز 89 عاماً، لتبدأ المملكة الإسكندنافية فوراً فصلاً جديداً من تاريخها المعاصر مع اعتلاء نجله العرش رسمياً باسم الملك هاكون الثامن.

ولم يكن هذا الانتقال مجرد إجراء دستوري بارد، بل جاء محاطاً بمشاعر وطنية جياشة تمزج بين رثاء ملك حظي بشعبية جارفة، وترقب لعهد عاهل جديد أمضى عقوداً وهو يستعد لهذه اللحظة الفارقة تحت مجهر الشارع ومقارنات الصحافة الدولية.

الملك هارالد الخامس ملك النرويج يقف في غرفة الطيور بالقصر الملكي في أوسلو (إ.ب.أ)

وفي ظل غياب مظاهر البهرجة والاحتفالات التقليدية التي تميز ملكيات أوروبا الوسطى؛ إذ تخلت النرويج عن مراسم التتويج الكلاسيكية وارتداء التاج منذ مطلع القرن الماضي، دخل العاهل الجديد قصر أوسلو حاملاً إرثاً ثقيلاً، وتحديات داخلية شائكة ترتبط بصورة عائلته المعاصرة.

ملك النرويج الجديد هاكون الثامن يعتلي العرش خلفاً لوالده الراحل هارالد الخامس (أ.ف.ب)

النشأة والتكوين العلمي لرجل الدولة

ولد الملك هاكون الثامن (هاكون ماغنوس) في العشرين من يوليو (تموز) عام 1973، وهو الابن الوحيد للملك الراحل هارالد الخامس والملكة سونيا. ويبلغ الملك الجديد اليوم من العمر 53 عاماً، وهي السن التي ينظر إليها المراقبون باعتبارها ذروة النضج السياسي والقدرة على الموازنة بين الأصالة الحذرة والتحديث المطلوب.

يظهر ولي عهد النرويج الأمير هارالد وزوجته سونيا هارالدسن بعد زواجهما في أوسلو (رويترز)

تلقى تعليمه الأولي في مدارس أوسلو العامة تعزيزاً لسياسة القصر في الاندماج مع أبناء الشعب، قبل أن يبدأ مسيرة تأهيل عسكري مكثفة في الأكاديمية البحرية الملكية النرويجية، تخرج فيها ضابطاً بحرياً مدرباً يقود لاحقاً القوات المسلحة لبلاده بصفتها قائداً أعلى دستورياً.

ولم تقتصر مسيرة إعداد الملك على الشق العسكري، بل اتجه صوب العلوم السياسية والاقتصاد ليتسلح بالمعرفة الحديثة في إدارة الشأن العام.

وحصل هاكون الثامن على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة كاليفورنيا في بيركلي بالولايات المتحدة الأميركية، وهي التجربة التي صقلت رؤيته الدولية ومنحته انفتاحاً على الثقافات العالمية خارج النطاق الملكي الضيق.

ملك النرويج الجديد هاكون الثامن يعتلي العرش خلفاً لوالده الراحل هارالد الخامس (أ.ف.ب)

ولم يكتفِ بذلك، بل شد الرحال إلى بريطانيا ليحصل على درجة الماجستير في دراسات التنمية من «كلية لندن للاقتصاد» (LSE)، وهي الواجهة الأكاديمية العريقة التي مكنته من التعمق في ملفات العولمة، والتغير المناخي، والسياسات الاقتصادية والاجتماعية.

تجربة العمل والمهام الأممية

عبر سنوات ممتدة، لم يعش العاهل النرويجي الجديد في جلباب ولي العهد التقليدي الذي ينتظر دوره في الطابور الملكي، بل مارس أدواراً عملية وتنفيذية جعلته وجهاً مألوفاً في الأروقة الدولية.

وشغل الملك منصب سفير النوايا الحسنة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) لسنوات طويلة، حيث ركزت جهوده على محاربة الفقر وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وقام بزيارات ميدانية متعددة لبلدان نامية لبحث مشروعات الدعم والتمكين الاقتصادي.

وفي الداخل النرويجي، كان الملك الجديد شريكاً فعلياً في إدارة الدولة خلال العقد الأخير؛ إذ تطلبت التحديات الصحية المتكررة للملك الراحل هارالد الخامس تولّي نجله مهام «الوصي على العرش» في مناسبات لا تحصى.

الملك هاكون الثامن (حين كان ولياً لعهد النرويج) يلقي كلمة خلال احتفالية الذكرى الـ25 لتأسيس السفارة الإسكندنافية في برلين (صورة أرشيفية - 21 أكتوبر 2024) - (د.ب.أ)

وخلال تلك الفترات، ترأس مجالس الوزراء الاستثنائية، واستقبل الرؤساء والوفود الأجنبية، وألقى خطابات افتتاح البرلمان، مما منحه شبكة علاقات سياسية متينة وخبرة عملية جعلت انتقال السلطة إليه يمر بسلاسة دستورية تامة من دون مفاجآت أو فراغ في قمة الهرم السياسي.

التميز النرويجي مقارنة بملوك أوروبا

عند وضع الملك هاكون الثامن في ميزان المقارنة مع نظرائه من عواهل القارة العجوز، يبرز بوضوح الطابع الإسكندنافي المتخفف من القيود البروتوكولية الصارمة التي تحيط مثلاً بـالملك تشارلز الثالث في بريطانيا، أو ملك إسبانيا فيليبي السادس.

فبينما تحافظ الملكية البريطانية على طقوس دينية وتتويج تاريخي بالتاج الملكي في كنيسة وستمنستر، يتربع هاكون الثامن على عرشه عبر أداء القسم الدستوري أمام البرلمان (الستورتينغ) والتعهد بالحكم وفقاً للقوانين فقط، في حين يوضع التاج إلى جواره بصورة رمزية دون أن يرتديه.

ويشترك العاهل النرويجي الجديد مع جيرانه، مثل ملك الدنمارك فريدريك العاشر وملك السويد كارل السادس عشر غوستاف، في تبني نمط حياة يقترب كثيراً من حياة المواطن العادي، حيث اعتاد النرويجيون رؤية عائلتهم المالكة تمارس رياضة التزلج في الغابات العامة أو تتسوق من دون حراسات أمنية.

ومع ذلك، يتميز هاكون الثامن بخلفيته الأكاديمية الأكثر تركيزاً على قضايا الاقتصاد والتنمية الدولية، مما يجعله أشبه بـ«الملك الدبلوماسي» أو «الملك التنموي» في مواجهة ملوك أوروبيين يركزون بشكل أكبر على الأدوار العسكرية التقليدية أو التمثيل الشرفي الصرف.

الملك هاكون الثامن وزوجته الملكة ميت ماريت (حين كان ولياً للعهد والأميرة القرينة) لحظة وصولهما إلى قصر موناكو لحضور مراسم الزفاف الديني للأمير ألبير الثاني والأميرة شارلين (صورة أرشيفية - 2 يوليو 2011) - (أ.ب)

من عامة الشعب إلى عرش أوسلو... قصة ملكة النرويج الجديدة

ترتبط قصة صعود الملك الجديد بقصة زوجته، الملكة ميت ماريت، التي تحولت اليوم رسمياً من لقب الأميرة القرينة إلى ملكة النرويج الجديدة. ولدت ميت ماريت تيسيم هوبي في أغسطس (آب) عام 1973، ولم تكن تنتمي إلى عائلة أرستقراطية بل جاءت من عامة الشعب.

وحين ارتبط بها الملك (ولي العهد آنذاك) في نهاية التسعينات، أثار هذا الزواج عاصفة من الجدل والانقسام داخل المجتمع النرويجي المحافظ.

الملك هاكون الثامن وزوجته الملكة ميت ماريت (حين كان ولياً للعهد والأميرة القرينة) لدى وصولهما لحفل عشاء استضافته العائلة المالكة الهولندية في متحف ريكزموزم بأمستردام (صورة أرشيفية - 29 أبريل 2013) - (أ.ب)

وكان مصدر الجدل يكمن في ماضيها؛ إذ كانت أماً عزباء لابنها الأكبر ماريوس بورغ هوبي، وعاشت في أوساط شبابية ارتبطت ببعض التجاوزات.

غير أن صراحتها وشجاعتها في تقديم اعتذار علني للشعب قبل زفافهما الأسطوري عام 2001 كسبتا لها تعاطفاً شعبياً كبيراً، وساعداها على بناء رصيد من التقدير بفضل أنشطتها الإنسانية والدفاع عن مرضى الإيدز ودعم الأدب والثقافة.

وتدخل الملكة الجديدة العهد الجديد وسط مناخ صحي وشعبي معقد، فقد شُخِّصت عام 2018 بمرض التليف الرئوي المزمن، وخضعت لعملية جراحية دقيقة لزراعة الرئة، مما يحد من قدرتها على القيام بمهام رسمية مكثفة.

وعلاوة على ذلك، واجهت صورتها العامة تدقيقاً حاداً في الآونة الأخيرة بسبب كشف اتصالات سابقة لها بالملياردير الأميركي الراحل جيفري إبستين، إلى جانب الأزمة القضائية التي لاحقت ابنها الأكبر ماريوس بعد صدور حكم بسجنه في قضية جنائية، وهي ملفات تضع على عاتق القصر مهمة صعبة لإعادة ترميم الثقة الشعبية بالملكة القرينة.

الملك هاكون الثامن وزوجته الملكة ميت ماريت (حين كان ولياً للعهد والأميرة القرينة) عند وصولهما إلى الكنيسة الجديدة في أمستردام لحضور مراسم تنصيب الملك فيليم ألكسندر ملكاً لهولندا (صورة أرشيفية - 30 أبريل 2013) - (أ.ب)

الجيل القادم لعرش أوسلو

أثمر زواج الملك هاكون الثامن والملكة ميت ماريت طفلين يمثلان مستقبل العائلة الملكية، إلى جانب الابن الأكبر للملكة من علاقتها السابقة ماريوس بورغ هويبي الذي لا يحمل أي ألقاب رسمية.

ووفقاً للتعديل الدستوري التاريخي الذي أقرته النرويج عام 1990، والذي ألغى أولوية الذكور ومنح حق الخلافة للمولود الأكبر بغض النظر عن الجنس، فقد أصبحت الابنة الكبرى، الأميرة إنغريد ألكسندرا، رسمياً ولية للعهد والوريثة المباشرة لعرش البلاد.

أميرة النرويج إنغريد ألكسندرا (في الوسط) تتوسط جدها الملك الراحل هارالد الخامس (يمين) ووالدها الملك الحالي هاكون الثامن في قصر أوسلو الملكي (صورة أرشيفية إ.ب.أ)

وتبلغ الأميرة إنغريد ألكسندرا من العمر 22 عاماً، وباعتلاء والدها العرش، خطت خطوتها الأولى نحو صناعة التاريخ؛ إذ ستصبح مستقبلاً أول امرأة تجلس على عرش النرويج كملكة حاكمة في العصر الحديث.

وحظيت الأميرة بتدريب عسكري وثقافي صارم يؤهلها لقيادة البلاد، وبدأت بالفعل مرافقة والدها في اجتماعات مجلس الدولة الاستثنائية لتدشين عهدها الجديد.

أما الابن الأصغر للملك، فهو الأمير سفيري ماغنوس المولود في ديسمبر (كانون الأول) 2005، والذي يأتي في المرتبة الثانية في ترتيب وراثة العرش، ويمثل الجيل الشاب الذي يتطلع النرويجيون إلى أن يحافظ على شعار الأسرة التاريخي: «كل شيء من أجل النرويج».