طويت في العاصمة النرويجية أوسلو صفحة ملكية حافلة برحيل الملك هارالد الخامس عن عمر ناهز 89 عاماً، لتبدأ المملكة الإسكندنافية فوراً فصلاً جديداً من تاريخها المعاصر مع اعتلاء نجله العرش رسمياً باسم الملك هاكون الثامن.
ولم يكن هذا الانتقال مجرد إجراء دستوري بارد، بل جاء محاطاً بمشاعر وطنية جياشة تمزج بين رثاء ملك حظي بشعبية جارفة، وترقب لعهد عاهل جديد أمضى عقوداً وهو يستعد لهذه اللحظة الفارقة تحت مجهر الشارع ومقارنات الصحافة الدولية.

وفي ظل غياب مظاهر البهرجة والاحتفالات التقليدية التي تميز ملكيات أوروبا الوسطى؛ إذ تخلت النرويج عن مراسم التتويج الكلاسيكية وارتداء التاج منذ مطلع القرن الماضي، دخل العاهل الجديد قصر أوسلو حاملاً إرثاً ثقيلاً، وتحديات داخلية شائكة ترتبط بصورة عائلته المعاصرة.

النشأة والتكوين العلمي لرجل الدولة
ولد الملك هاكون الثامن (هاكون ماغنوس) في العشرين من يوليو (تموز) عام 1973، وهو الابن الوحيد للملك الراحل هارالد الخامس والملكة سونيا. ويبلغ الملك الجديد اليوم من العمر 53 عاماً، وهي السن التي ينظر إليها المراقبون باعتبارها ذروة النضج السياسي والقدرة على الموازنة بين الأصالة الحذرة والتحديث المطلوب.

تلقى تعليمه الأولي في مدارس أوسلو العامة تعزيزاً لسياسة القصر في الاندماج مع أبناء الشعب، قبل أن يبدأ مسيرة تأهيل عسكري مكثفة في الأكاديمية البحرية الملكية النرويجية، تخرج فيها ضابطاً بحرياً مدرباً يقود لاحقاً القوات المسلحة لبلاده بصفتها قائداً أعلى دستورياً.
ولم تقتصر مسيرة إعداد الملك على الشق العسكري، بل اتجه صوب العلوم السياسية والاقتصاد ليتسلح بالمعرفة الحديثة في إدارة الشأن العام.
وحصل هاكون الثامن على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة كاليفورنيا في بيركلي بالولايات المتحدة الأميركية، وهي التجربة التي صقلت رؤيته الدولية ومنحته انفتاحاً على الثقافات العالمية خارج النطاق الملكي الضيق.

ولم يكتفِ بذلك، بل شد الرحال إلى بريطانيا ليحصل على درجة الماجستير في دراسات التنمية من «كلية لندن للاقتصاد» (LSE)، وهي الواجهة الأكاديمية العريقة التي مكنته من التعمق في ملفات العولمة، والتغير المناخي، والسياسات الاقتصادية والاجتماعية.
تجربة العمل والمهام الأممية
عبر سنوات ممتدة، لم يعش العاهل النرويجي الجديد في جلباب ولي العهد التقليدي الذي ينتظر دوره في الطابور الملكي، بل مارس أدواراً عملية وتنفيذية جعلته وجهاً مألوفاً في الأروقة الدولية.
وشغل الملك منصب سفير النوايا الحسنة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) لسنوات طويلة، حيث ركزت جهوده على محاربة الفقر وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وقام بزيارات ميدانية متعددة لبلدان نامية لبحث مشروعات الدعم والتمكين الاقتصادي.
وفي الداخل النرويجي، كان الملك الجديد شريكاً فعلياً في إدارة الدولة خلال العقد الأخير؛ إذ تطلبت التحديات الصحية المتكررة للملك الراحل هارالد الخامس تولّي نجله مهام «الوصي على العرش» في مناسبات لا تحصى.

وخلال تلك الفترات، ترأس مجالس الوزراء الاستثنائية، واستقبل الرؤساء والوفود الأجنبية، وألقى خطابات افتتاح البرلمان، مما منحه شبكة علاقات سياسية متينة وخبرة عملية جعلت انتقال السلطة إليه يمر بسلاسة دستورية تامة من دون مفاجآت أو فراغ في قمة الهرم السياسي.
التميز النرويجي مقارنة بملوك أوروبا
عند وضع الملك هاكون الثامن في ميزان المقارنة مع نظرائه من عواهل القارة العجوز، يبرز بوضوح الطابع الإسكندنافي المتخفف من القيود البروتوكولية الصارمة التي تحيط مثلاً بـالملك تشارلز الثالث في بريطانيا، أو ملك إسبانيا فيليبي السادس.
فبينما تحافظ الملكية البريطانية على طقوس دينية وتتويج تاريخي بالتاج الملكي في كنيسة وستمنستر، يتربع هاكون الثامن على عرشه عبر أداء القسم الدستوري أمام البرلمان (الستورتينغ) والتعهد بالحكم وفقاً للقوانين فقط، في حين يوضع التاج إلى جواره بصورة رمزية دون أن يرتديه.
ويشترك العاهل النرويجي الجديد مع جيرانه، مثل ملك الدنمارك فريدريك العاشر وملك السويد كارل السادس عشر غوستاف، في تبني نمط حياة يقترب كثيراً من حياة المواطن العادي، حيث اعتاد النرويجيون رؤية عائلتهم المالكة تمارس رياضة التزلج في الغابات العامة أو تتسوق من دون حراسات أمنية.
ومع ذلك، يتميز هاكون الثامن بخلفيته الأكاديمية الأكثر تركيزاً على قضايا الاقتصاد والتنمية الدولية، مما يجعله أشبه بـ«الملك الدبلوماسي» أو «الملك التنموي» في مواجهة ملوك أوروبيين يركزون بشكل أكبر على الأدوار العسكرية التقليدية أو التمثيل الشرفي الصرف.

من عامة الشعب إلى عرش أوسلو... قصة ملكة النرويج الجديدة
ترتبط قصة صعود الملك الجديد بقصة زوجته، الملكة ميت ماريت، التي تحولت اليوم رسمياً من لقب الأميرة القرينة إلى ملكة النرويج الجديدة. ولدت ميت ماريت تيسيم هوبي في أغسطس (آب) عام 1973، ولم تكن تنتمي إلى عائلة أرستقراطية بل جاءت من عامة الشعب.
وحين ارتبط بها الملك (ولي العهد آنذاك) في نهاية التسعينات، أثار هذا الزواج عاصفة من الجدل والانقسام داخل المجتمع النرويجي المحافظ.

وكان مصدر الجدل يكمن في ماضيها؛ إذ كانت أماً عزباء لابنها الأكبر ماريوس بورغ هوبي، وعاشت في أوساط شبابية ارتبطت ببعض التجاوزات.
غير أن صراحتها وشجاعتها في تقديم اعتذار علني للشعب قبل زفافهما الأسطوري عام 2001 كسبتا لها تعاطفاً شعبياً كبيراً، وساعداها على بناء رصيد من التقدير بفضل أنشطتها الإنسانية والدفاع عن مرضى الإيدز ودعم الأدب والثقافة.
وتدخل الملكة الجديدة العهد الجديد وسط مناخ صحي وشعبي معقد، فقد شُخِّصت عام 2018 بمرض التليف الرئوي المزمن، وخضعت لعملية جراحية دقيقة لزراعة الرئة، مما يحد من قدرتها على القيام بمهام رسمية مكثفة.
وعلاوة على ذلك، واجهت صورتها العامة تدقيقاً حاداً في الآونة الأخيرة بسبب كشف اتصالات سابقة لها بالملياردير الأميركي الراحل جيفري إبستين، إلى جانب الأزمة القضائية التي لاحقت ابنها الأكبر ماريوس بعد صدور حكم بسجنه في قضية جنائية، وهي ملفات تضع على عاتق القصر مهمة صعبة لإعادة ترميم الثقة الشعبية بالملكة القرينة.

الجيل القادم لعرش أوسلو
أثمر زواج الملك هاكون الثامن والملكة ميت ماريت طفلين يمثلان مستقبل العائلة الملكية، إلى جانب الابن الأكبر للملكة من علاقتها السابقة ماريوس بورغ هويبي الذي لا يحمل أي ألقاب رسمية.
ووفقاً للتعديل الدستوري التاريخي الذي أقرته النرويج عام 1990، والذي ألغى أولوية الذكور ومنح حق الخلافة للمولود الأكبر بغض النظر عن الجنس، فقد أصبحت الابنة الكبرى، الأميرة إنغريد ألكسندرا، رسمياً ولية للعهد والوريثة المباشرة لعرش البلاد.

وتبلغ الأميرة إنغريد ألكسندرا من العمر 22 عاماً، وباعتلاء والدها العرش، خطت خطوتها الأولى نحو صناعة التاريخ؛ إذ ستصبح مستقبلاً أول امرأة تجلس على عرش النرويج كملكة حاكمة في العصر الحديث.
وحظيت الأميرة بتدريب عسكري وثقافي صارم يؤهلها لقيادة البلاد، وبدأت بالفعل مرافقة والدها في اجتماعات مجلس الدولة الاستثنائية لتدشين عهدها الجديد.
أما الابن الأصغر للملك، فهو الأمير سفيري ماغنوس المولود في ديسمبر (كانون الأول) 2005، والذي يأتي في المرتبة الثانية في ترتيب وراثة العرش، ويمثل الجيل الشاب الذي يتطلع النرويجيون إلى أن يحافظ على شعار الأسرة التاريخي: «كل شيء من أجل النرويج».























