ماكرون يزور لندن لافتتاح معرض مخصص لمنسوجة بايو ولقاء بيرنهام

في ختام «أسبوع التحرك الأوروبي» الأخير قبل مغادرته السلطة

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب)
TT

ماكرون يزور لندن لافتتاح معرض مخصص لمنسوجة بايو ولقاء بيرنهام

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب)

يزور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لندن، الأربعاء والخميس؛ حيث سيفتتح معرضاً يحتفي بمنسوجة بايو التي قرر إعارتها لمتحف «بريتيش ميوزيم» في العاصمة البريطانية، كما يلتقي للمرة الأولى رئيس الوزراء البريطاني الجديد، آندي بيرنهام، وفق ما أعلن قصر الإليزيه، الجمعة.

وأضافت الرئاسة الفرنسية أن ماكرون يُفترض أن تتاح له أيضاً «فرصة لقاء الملك تشارلز الثالث»، من دون تقديم مزيد من التفاصيل.

وتختتم زيارته للمملكة المتحدة أسبوعه المخصص لـ«التحرك الأوروبي»، وهو الأخير له قبل مغادرته السلطة في الربيع، بعد 10 سنوات تولى خلالها رئاسة فرنسا.

ويصل ماكرون، الاثنين، إلى السويد في زيارة تهدف إلى تعزيز التعاون العسكري الصناعي، وذلك عبر توقيع عقد بقيمة 4.3 مليار يورو لشراء استوكهولم 4 فرقاطات فرنسية، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

إبراز أهمية «الإعارة الاستثنائية»

وقبل توجهه إلى لندن، الأربعاء، سيزور ماكرون مدينة آيندهوفن في هولندا؛ حيث سيناقش مع رئيس الوزراء روب جيتن تعزيز «السيادة الأوروبية»، لا سيما في المسائل التكنولوجية، وفق قصر الإليزيه. وسيزور برفقة وفد من شركات فرنسية بينها «ميسترال إيه آي»، المقر الرئيسي لشركة «إيه إس إم إل» الأوروبية المصنعة لأشباه الموصلات.

وبعد بريطانيا، من المقرر أن يشارك، الخميس، في الاجتماعات الفرنسية الألمانية التقليدية في إيفيان بجبال الألب الفرنسية.

ويتمثل الهدف الرئيسي لزيارته العاصمة البريطانية، بعد ظهر الأربعاء، في افتتاح معرض مخصص لمنسوجة بايو المُعارة إلى متحف «بريتيش ميوزيم»، وهي «محطة بالغة الأهمية أرادها رئيس الجمهورية لتعزيز العلاقات الفرنسية - البريطانية»، وفق أحد مستشاريه.

منسوجة بايو (رويترز)

ويسعى ماكرون إلى «إبراز أهمية» هذه «الإعارة الاستثنائية» للعمل الذي يعود إلى القرن الحادي عشر، ويصوّر غزو وليام الفاتح لإنجلترا عام 1066.

ويرافقه في الزيارة زوجته بريجيت وممثلون للسلطات البريطانية.

وصلت منسوجة بايو في 10 يوليو (تموز) إلى «بريتيش ميوزيم»؛ حيث تُعرض -على سبيل الإعارة- لمدة عام، أي حتى 11 يوليو 2027.

وأثارت عملية النقل التاريخية للمنسوجة من بايو في نورماندي قلقاً كبيراً لدى الخبراء والمدافعين عن التراث في فرنسا، الذين خشوا تعرضها لأضرار لا يمكن إصلاحها. وفي منتصف يوليو، أعربت وزيرة الثقافة الفرنسية كاترين بيغار من لندن، عن سعادتها برؤية المنسوجة «في حالة جيدة جداً».

«مواصلة التقارب مع أوروبا»

وفي لندن أيضاً، سيكون ماكرون أول رئيس لدولة عضو في الاتحاد الأوروبي، وثاني رئيس أجنبي بعد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، يستقبله آندي بيرنهام الذي خلف كير ستارمر في رئاسة الوزراء. وسيُجري ماكرون وبيرنهام «محادثة أولى معمقة»، صباح الخميس.

وذكّرت أوساط ماكرون بأنّ الرئيس الفرنسي «أقام مع ستارمر علاقة ودية وفعّالة جداً، خصوصاً على صعيد تنسيقهما بشأن أوكرانيا والشرق الأوسط».

وأطلق ماكرون وستارمر «تحالف الراغبين»، وهو مجموعة تضم نحو 30 دولة، وتهدف إلى تقديم «ضمانات أمنية» لكييف في حال التوصل لوقف لإطلاق النار مع روسيا. واقترحا تشكيل قوة بحرية متعددة الجنسيات لتأمين إعادة فتح مضيق هرمز المغلق منذ الحرب التي بدأت بضربات أميركية - إسرائيلية ضد إيران في أواخر فبراير (شباط).

كما نسّق ماكرون وستارمر بشكل متكرر مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس ضمن مجموعة «إي 3» (E3)، وهي صيغة دبلوماسية تروج لها باريس بشكل متزايد باعتبارها شكلاً جديداً من «الحوكمة الأوروبية» في القضايا الاستراتيجية.

فهل سيكون لبيرنهام مكان ضمن هذا الثلاثي؟ يقول مسؤولون في قصر الإليزيه إن «التواصل معه تمّ فوراً»، مشيرين إلى الخطوات الأولى لرئيس الحكومة الجديد، بما فيها زيارته كييف وانضمامه سريعاً إلى تحالف الراغبين.

وتعدّ باريس أن «التنسيق» مع بيرنهام سيكون «مهماً ومنتظماً»، كما كان في عهد ستارمر، وتأمل أن يُؤكد بيرنهام أيضاً «مواصلة التقارب مع الاتحاد الأوروبي».


مقالات ذات صلة

القمة السعودية - الفرنسية... تعزيز التعاون الدفاعي وترسيخ التنسيق السياسي

الخليج لقاءات ومناسبات متعددة جمعت محمد بن سلمان وماكرون خلال زيارة الأول إلى فرنسا الأحد والاثنين (أ.ف.ب) p-circle

القمة السعودية - الفرنسية... تعزيز التعاون الدفاعي وترسيخ التنسيق السياسي

عزّز البيان المشترك الصادر في ختام زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، إلى فرنسا، من مستوى «الشراكة الاستراتيجية» بين البلدين.

غازي الحارثي (الرياض)
الخليج الأمير محمد بن سلمان خلال جولة مع الرئيس إيمانويل ماكرون بقصر الإليزيه في باريس (واس)

تفاهم سعودي - فرنسي على الملفات الإقليمية وقرارات بتفعيل استراتيجية الشراكة

الاستقبال الحار الذي هيأه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لضيفه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يعكس بقوة العلاقة الخاصة التي تربطهما منذ عام 2017.

ميشال أبونجم (باريس)
الخليج الأمير محمد بن سلمان والرئيس إيمانويل ماكرون يترأسان الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الاستراتيجي بين البلدين (واس)

الرياض وباريس لتوثيق أواصر التعاون في جميع المجالات

ترأس الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في باريس، الاثنين، الاجتماع الأول لـ«مجلس الشراكة الاستراتيجية».

«الشرق الأوسط» (باريس)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال اجتماع ثنائي بقصر الإليزيه في باريس الاثنين (واس)

محمد بن سلمان وماكرون يعقدان اجتماعاً ثنائياً بقصر الإليزيه

عقد الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، اجتماعاً ثنائياً مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بقصر الإليزيه في باريس.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا طفلة تلتقط صوراً بعدسة هاتفها المحمول (أ.ب)

فرنسا تؤكد مضيها في حظر استخدام الهواتف المحمولة بالثانويات

قالت الحكومة الفرنسية إنها ستمضي في تطبيق حظر استخدام الهواتف المحمولة في المدارس الثانوية ابتداء من العام الدراسي الجديد.

«الشرق الأوسط» (باريس)

صربيا تهاجم المحكمة الأممية... وتلمح إلى إقامة جنازة رسمية لملاديتش

الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش (د.ب.أ)
الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش (د.ب.أ)
TT

صربيا تهاجم المحكمة الأممية... وتلمح إلى إقامة جنازة رسمية لملاديتش

الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش (د.ب.أ)
الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش (د.ب.أ)

شنَّ الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش، اليوم (الجمعة)، هجوماً لاذعاً على محكمة جرائم الحرب، التابعة للأمم المتحدة، متهماً إياهاً بـ«السلوك غير المتحضر» بعد رفضها منح الإفراج المبكر للقائد العسكري الصربي - البوسني السابق راتكو ملاديتش، الذي توفي، الخميس، عن 84 عاماً، وهو يقضي عقوبة السجن المؤبد داخل المستشفى التابع لسجن الأمم المتحدة في لاهاي، بينما لمَّحت الحكومة الصربية إلى إمكانية إقامة جنازة رسمية لملاديتش.

وقالت وكالة «أسوشييتد برس» إن عائلة ملاديتش والحكومة الصربية كانتا قد تقدَّمتا بطلبات متكرِّرة للإفراج عنه، مستندتين إلى تقدمه في السن وتدهور حالته الصحية، غير أن المحكمة رفضت طلبه الأخير قبل أسبوع واحد فقط من وفاته.

وقال فوتشيتش: «كان ذلك تصرفاً غير متحضر، ولا سابق له، ولا عذر له. نرى اليوم بوضوح أنهم كانوا يريدون رحيل ملاديتش وهو خلف القضبان».

يشار إلى أنه في عام 2017، أصدرت «المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة» حكمها التاريخي بالسجن المؤبد بحق ملاديتش، في خطوة وُصفت بأنها نقطة تحول جوهرية في مسيرة العدالة لضحايا حروب البوسنة.

راتكو ملاديتش (أ.ف.ب)

وكان ملاديتش قد أُلقي القبض عليه عام 2011، بعدما ظلَّ هارباً من العدالة لأكثر من عقد ونصف العقد من الزمن.

ويُعدُّ ملاديتش أحد أشرس رموز الصراع الدامي الذي أودى بحياة أكثر من 100 ألف شخص، وشرَّد أكثر من مليون آخرين، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ولمَّحت الحكومة الصربية، في وقت سابق اليوم (الجمعة)، إلى إمكانية إقامة جنازة رسمية لملاديتش. وقال وزير العدل الصربي نيناد فوييتش: «ملاديتش هو جنرال، والبروتوكول معروف»، مضيفاً أن حكومته تحترم ما يستحقه الراحل.

ورأت وسائل إعلام صربية أن الإشارة إلى «البروتوكول» الرسمي تعني أن حكومة الرئيس ألكسندر فوتشيتش تخطط لإقامة جنازة رسمية تراعي التقاليد العسكرية.

ومن المرجح أن يُدفن ملاديتش، الذي أشرف على أعمال مروعة في البوسنة خلال حقبة تسعينات القرن الماضي، في مقبرة «توبتشيدر» ببلغراد، وفق ما أكدته مصادر مقربة من العائلة، وذلك تحقيقاً لرغبته التي طالما أبداها بأن يكون مثواه الأخير بجوار ابنته آنا، التي انتحرت عام 1994 عن عمر ناهز 23 عاماً.

ولم يُحدَّد حتى الآن موعد رسمي للجنازة، في انتظار استكمال الإجراءات القانونية والإدارية المتعلقة بنقل الجثمان من هولندا إلى صربيا.


رحيل هارالد الخامس وصعود هاكون الثامن... من عاهل النرويج الجديد؟

الملك هاكون الثامن وزوجته الملكة ميت ماريت (حين كان ولياً للعهد والأميرة القرينة) في لقطة تذكارية داخل «غرفة الطيور» بالقصر الملكي في أوسلو (صورة أرشيفية - 24 مارس 2026) - (رويترز)
الملك هاكون الثامن وزوجته الملكة ميت ماريت (حين كان ولياً للعهد والأميرة القرينة) في لقطة تذكارية داخل «غرفة الطيور» بالقصر الملكي في أوسلو (صورة أرشيفية - 24 مارس 2026) - (رويترز)
TT

رحيل هارالد الخامس وصعود هاكون الثامن... من عاهل النرويج الجديد؟

الملك هاكون الثامن وزوجته الملكة ميت ماريت (حين كان ولياً للعهد والأميرة القرينة) في لقطة تذكارية داخل «غرفة الطيور» بالقصر الملكي في أوسلو (صورة أرشيفية - 24 مارس 2026) - (رويترز)
الملك هاكون الثامن وزوجته الملكة ميت ماريت (حين كان ولياً للعهد والأميرة القرينة) في لقطة تذكارية داخل «غرفة الطيور» بالقصر الملكي في أوسلو (صورة أرشيفية - 24 مارس 2026) - (رويترز)

طويت في العاصمة النرويجية أوسلو صفحة ملكية حافلة برحيل الملك هارالد الخامس عن عمر ناهز 89 عاماً، لتبدأ المملكة الإسكندنافية فوراً فصلاً جديداً من تاريخها المعاصر مع اعتلاء نجله العرش رسمياً باسم الملك هاكون الثامن.

ولم يكن هذا الانتقال مجرد إجراء دستوري بارد، بل جاء محاطاً بمشاعر وطنية جياشة تمزج بين رثاء ملك حظي بشعبية جارفة، وترقب لعهد عاهل جديد أمضى عقوداً وهو يستعد لهذه اللحظة الفارقة تحت مجهر الشارع ومقارنات الصحافة الدولية.

الملك هارالد الخامس ملك النرويج يقف في غرفة الطيور بالقصر الملكي في أوسلو (إ.ب.أ)

وفي ظل غياب مظاهر البهرجة والاحتفالات التقليدية التي تميز ملكيات أوروبا الوسطى؛ إذ تخلت النرويج عن مراسم التتويج الكلاسيكية وارتداء التاج منذ مطلع القرن الماضي، دخل العاهل الجديد قصر أوسلو حاملاً إرثاً ثقيلاً، وتحديات داخلية شائكة ترتبط بصورة عائلته المعاصرة.

ملك النرويج الجديد هاكون الثامن يعتلي العرش خلفاً لوالده الراحل هارالد الخامس (أ.ف.ب)

النشأة والتكوين العلمي لرجل الدولة

ولد الملك هاكون الثامن (هاكون ماغنوس) في العشرين من يوليو (تموز) عام 1973، وهو الابن الوحيد للملك الراحل هارالد الخامس والملكة سونيا. ويبلغ الملك الجديد اليوم من العمر 53 عاماً، وهي السن التي ينظر إليها المراقبون باعتبارها ذروة النضج السياسي والقدرة على الموازنة بين الأصالة الحذرة والتحديث المطلوب.

يظهر ولي عهد النرويج الأمير هارالد وزوجته سونيا هارالدسن بعد زواجهما في أوسلو (رويترز)

تلقى تعليمه الأولي في مدارس أوسلو العامة تعزيزاً لسياسة القصر في الاندماج مع أبناء الشعب، قبل أن يبدأ مسيرة تأهيل عسكري مكثفة في الأكاديمية البحرية الملكية النرويجية، تخرج فيها ضابطاً بحرياً مدرباً يقود لاحقاً القوات المسلحة لبلاده بصفتها قائداً أعلى دستورياً.

ولم تقتصر مسيرة إعداد الملك على الشق العسكري، بل اتجه صوب العلوم السياسية والاقتصاد ليتسلح بالمعرفة الحديثة في إدارة الشأن العام.

وحصل هاكون الثامن على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة كاليفورنيا في بيركلي بالولايات المتحدة الأميركية، وهي التجربة التي صقلت رؤيته الدولية ومنحته انفتاحاً على الثقافات العالمية خارج النطاق الملكي الضيق.

ملك النرويج الجديد هاكون الثامن يعتلي العرش خلفاً لوالده الراحل هارالد الخامس (أ.ف.ب)

ولم يكتفِ بذلك، بل شد الرحال إلى بريطانيا ليحصل على درجة الماجستير في دراسات التنمية من «كلية لندن للاقتصاد» (LSE)، وهي الواجهة الأكاديمية العريقة التي مكنته من التعمق في ملفات العولمة، والتغير المناخي، والسياسات الاقتصادية والاجتماعية.

تجربة العمل والمهام الأممية

عبر سنوات ممتدة، لم يعش العاهل النرويجي الجديد في جلباب ولي العهد التقليدي الذي ينتظر دوره في الطابور الملكي، بل مارس أدواراً عملية وتنفيذية جعلته وجهاً مألوفاً في الأروقة الدولية.

وشغل الملك منصب سفير النوايا الحسنة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) لسنوات طويلة، حيث ركزت جهوده على محاربة الفقر وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وقام بزيارات ميدانية متعددة لبلدان نامية لبحث مشروعات الدعم والتمكين الاقتصادي.

وفي الداخل النرويجي، كان الملك الجديد شريكاً فعلياً في إدارة الدولة خلال العقد الأخير؛ إذ تطلبت التحديات الصحية المتكررة للملك الراحل هارالد الخامس تولّي نجله مهام «الوصي على العرش» في مناسبات لا تحصى.

الملك هاكون الثامن (حين كان ولياً لعهد النرويج) يلقي كلمة خلال احتفالية الذكرى الـ25 لتأسيس السفارة الإسكندنافية في برلين (صورة أرشيفية - 21 أكتوبر 2024) - (د.ب.أ)

وخلال تلك الفترات، ترأس مجالس الوزراء الاستثنائية، واستقبل الرؤساء والوفود الأجنبية، وألقى خطابات افتتاح البرلمان، مما منحه شبكة علاقات سياسية متينة وخبرة عملية جعلت انتقال السلطة إليه يمر بسلاسة دستورية تامة من دون مفاجآت أو فراغ في قمة الهرم السياسي.

التميز النرويجي مقارنة بملوك أوروبا

عند وضع الملك هاكون الثامن في ميزان المقارنة مع نظرائه من عواهل القارة العجوز، يبرز بوضوح الطابع الإسكندنافي المتخفف من القيود البروتوكولية الصارمة التي تحيط مثلاً بـالملك تشارلز الثالث في بريطانيا، أو ملك إسبانيا فيليبي السادس.

فبينما تحافظ الملكية البريطانية على طقوس دينية وتتويج تاريخي بالتاج الملكي في كنيسة وستمنستر، يتربع هاكون الثامن على عرشه عبر أداء القسم الدستوري أمام البرلمان (الستورتينغ) والتعهد بالحكم وفقاً للقوانين فقط، في حين يوضع التاج إلى جواره بصورة رمزية دون أن يرتديه.

ويشترك العاهل النرويجي الجديد مع جيرانه، مثل ملك الدنمارك فريدريك العاشر وملك السويد كارل السادس عشر غوستاف، في تبني نمط حياة يقترب كثيراً من حياة المواطن العادي، حيث اعتاد النرويجيون رؤية عائلتهم المالكة تمارس رياضة التزلج في الغابات العامة أو تتسوق من دون حراسات أمنية.

ومع ذلك، يتميز هاكون الثامن بخلفيته الأكاديمية الأكثر تركيزاً على قضايا الاقتصاد والتنمية الدولية، مما يجعله أشبه بـ«الملك الدبلوماسي» أو «الملك التنموي» في مواجهة ملوك أوروبيين يركزون بشكل أكبر على الأدوار العسكرية التقليدية أو التمثيل الشرفي الصرف.

الملك هاكون الثامن وزوجته الملكة ميت ماريت (حين كان ولياً للعهد والأميرة القرينة) لحظة وصولهما إلى قصر موناكو لحضور مراسم الزفاف الديني للأمير ألبير الثاني والأميرة شارلين (صورة أرشيفية - 2 يوليو 2011) - (أ.ب)

من عامة الشعب إلى عرش أوسلو... قصة ملكة النرويج الجديدة

ترتبط قصة صعود الملك الجديد بقصة زوجته، الملكة ميت ماريت، التي تحولت اليوم رسمياً من لقب الأميرة القرينة إلى ملكة النرويج الجديدة. ولدت ميت ماريت تيسيم هوبي في أغسطس (آب) عام 1973، ولم تكن تنتمي إلى عائلة أرستقراطية بل جاءت من عامة الشعب.

وحين ارتبط بها الملك (ولي العهد آنذاك) في نهاية التسعينات، أثار هذا الزواج عاصفة من الجدل والانقسام داخل المجتمع النرويجي المحافظ.

الملك هاكون الثامن وزوجته الملكة ميت ماريت (حين كان ولياً للعهد والأميرة القرينة) لدى وصولهما لحفل عشاء استضافته العائلة المالكة الهولندية في متحف ريكزموزم بأمستردام (صورة أرشيفية - 29 أبريل 2013) - (أ.ب)

وكان مصدر الجدل يكمن في ماضيها؛ إذ كانت أماً عزباء لابنها الأكبر ماريوس بورغ هوبي، وعاشت في أوساط شبابية ارتبطت ببعض التجاوزات.

غير أن صراحتها وشجاعتها في تقديم اعتذار علني للشعب قبل زفافهما الأسطوري عام 2001 كسبتا لها تعاطفاً شعبياً كبيراً، وساعداها على بناء رصيد من التقدير بفضل أنشطتها الإنسانية والدفاع عن مرضى الإيدز ودعم الأدب والثقافة.

وتدخل الملكة الجديدة العهد الجديد وسط مناخ صحي وشعبي معقد، فقد شُخِّصت عام 2018 بمرض التليف الرئوي المزمن، وخضعت لعملية جراحية دقيقة لزراعة الرئة، مما يحد من قدرتها على القيام بمهام رسمية مكثفة.

وعلاوة على ذلك، واجهت صورتها العامة تدقيقاً حاداً في الآونة الأخيرة بسبب كشف اتصالات سابقة لها بالملياردير الأميركي الراحل جيفري إبستين، إلى جانب الأزمة القضائية التي لاحقت ابنها الأكبر ماريوس بعد صدور حكم بسجنه في قضية جنائية، وهي ملفات تضع على عاتق القصر مهمة صعبة لإعادة ترميم الثقة الشعبية بالملكة القرينة.

الملك هاكون الثامن وزوجته الملكة ميت ماريت (حين كان ولياً للعهد والأميرة القرينة) عند وصولهما إلى الكنيسة الجديدة في أمستردام لحضور مراسم تنصيب الملك فيليم ألكسندر ملكاً لهولندا (صورة أرشيفية - 30 أبريل 2013) - (أ.ب)

الجيل القادم لعرش أوسلو

أثمر زواج الملك هاكون الثامن والملكة ميت ماريت طفلين يمثلان مستقبل العائلة الملكية، إلى جانب الابن الأكبر للملكة من علاقتها السابقة ماريوس بورغ هويبي الذي لا يحمل أي ألقاب رسمية.

ووفقاً للتعديل الدستوري التاريخي الذي أقرته النرويج عام 1990، والذي ألغى أولوية الذكور ومنح حق الخلافة للمولود الأكبر بغض النظر عن الجنس، فقد أصبحت الابنة الكبرى، الأميرة إنغريد ألكسندرا، رسمياً ولية للعهد والوريثة المباشرة لعرش البلاد.

أميرة النرويج إنغريد ألكسندرا (في الوسط) تتوسط جدها الملك الراحل هارالد الخامس (يمين) ووالدها الملك الحالي هاكون الثامن في قصر أوسلو الملكي (صورة أرشيفية إ.ب.أ)

وتبلغ الأميرة إنغريد ألكسندرا من العمر 22 عاماً، وباعتلاء والدها العرش، خطت خطوتها الأولى نحو صناعة التاريخ؛ إذ ستصبح مستقبلاً أول امرأة تجلس على عرش النرويج كملكة حاكمة في العصر الحديث.

وحظيت الأميرة بتدريب عسكري وثقافي صارم يؤهلها لقيادة البلاد، وبدأت بالفعل مرافقة والدها في اجتماعات مجلس الدولة الاستثنائية لتدشين عهدها الجديد.

أما الابن الأصغر للملك، فهو الأمير سفيري ماغنوس المولود في ديسمبر (كانون الأول) 2005، والذي يأتي في المرتبة الثانية في ترتيب وراثة العرش، ويمثل الجيل الشاب الذي يتطلع النرويجيون إلى أن يحافظ على شعار الأسرة التاريخي: «كل شيء من أجل النرويج».


زيارة راتكليف الغامضة وتهديدات موسكو لعواصم أوروبية... هل دخلت الحرب مرحلة جديدة؟

ترمب وبوتين خلال لقاء جمعهما في ألاسكا يوم 15 أغسطس 2025 (رويترز)
ترمب وبوتين خلال لقاء جمعهما في ألاسكا يوم 15 أغسطس 2025 (رويترز)
TT

زيارة راتكليف الغامضة وتهديدات موسكو لعواصم أوروبية... هل دخلت الحرب مرحلة جديدة؟

ترمب وبوتين خلال لقاء جمعهما في ألاسكا يوم 15 أغسطس 2025 (رويترز)
ترمب وبوتين خلال لقاء جمعهما في ألاسكا يوم 15 أغسطس 2025 (رويترز)

أول ما لفت الأنظار في زيارة مدير وكالة الاستخبارات الأميركية جون راتكليف الغامضة إلى موسكو قبل أيام، أنها أُحيطت بسرية كاملة، وأثارت تكهنات وجدالات أكثر مما وضعت من أجوبة.

كانت موسكو تنتظر من أسابيع زيارة أخرى، تحمل أبعاداً سياسية لدفع عملية السلام. وأعلنت أكثر من مرة استعدادها لاستقبال مبعوثي الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، لكن بدلاً منهما جاء «رجل المهمات السرية» وفقاً لوصف بعض الدوائر الروسية، ومثال ذلك أنه ذهب إلى كوبا في مايو (أيار) حاملاً رسالة تحذيرية مماثلة. جاء الرجل كما اتضح لاحقاً، مكلفاً بشكل مباشر من الرئيس دونالد ترمب لحمل رسالة واحدة مغزاها بحسب قاموس ترمب: «لا تفتحوا باب الجحيم».

القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية ميخايلو دراباتي (يمين) ووزير الدفاع يفغين خمارا خلال مراسم رفع العلم الوطني في كييف الأحد (إ.ب.أ)

اللافت هنا، مع إحاطة الزيارة بالكتمان لدرجة أن الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف قال عندما حطت طائرة المسؤول الأميركي في مطار فنوكوفا الحكومي إنه لا يعلم شيئاً عن الموضوع، أن هذه الزيارة أعادت إلى الأذهان زيارة مماثلة كان سلفه في المنصب ويليام بيرنز قد قام بها إلى موسكو في نهاية عام 2021 وسط ازدياد تقارير عن حشود عسكرية روسية واستعدادات لإرسال قوات إلى أوكرانيا.

قال بيرنز وقتها للروس: «لا تقدموا على غزو أوكرانيا! عندها نفت موسكو كل المزاعم الغربية حول الحشود، لكنها أطلقت عمليتها العسكرية بعد مرور أقل من 3 أشهر على الزيارة».

اللافت أيضاً أن راتكليف جاء إلى موسكو قادماً من ريغا عاصمة لاتفيا، وعاد إليها بعد الزيارة السريعة ليمكث فيها 24 ساعة قبل أن ينطلق في رحلة العودة إلى بلاده.

لذلك اكتسبت التسريبات حول أنه جاء لتحذير روسيا من مهاجمة بلدان حوض البلطيق أو حلفاء واشنطن في «الناتو» أبعاداً جدية رغم حرص ترمب لاحقاً على تخفيف لهجته والحديث عن أن زيارة مدير جهاز الاستخبارات إلى موسكو «روتينية إلى حد ما».

المعطيات الروسية التي تسربت تشير إلى أن الدافع الأساسي للزيارة كان التحذير من مهاجمة منشآت عسكرية غربية، وضرورة الامتناع عن توجيه أي ضربات إلى مواقع ترى موسكو أنها باتت أهدافاً مشروعة في بلدان البلطيق أو بولندا ورومانيا وبلدان أوروبية أخرى.

زعماء أوروبيون يحضرون مراسم إحياء الذكرى الـ35 لاستقلال أوكرانيا أمام «كاتدرائية القديسة صوفيا» في كييف (أ.ف.ب)

ورغم أن الكرملين أكد مراراً أنه لا يخطط لمهاجمة دول «الناتو» وأن التقارير الغربية حول ذلك مجرد «تهويش إعلامي يهدف لشيطنة روسيا، وإثارة الذعر في أوروبا تجاهها»، فإن التطورات التي وقعت خلال الأشهر الأخيرة من عمر الحرب الأوكرانية حملت تبدلاً ملحوظاً في المواقف، وباتت موسكو توجه تحذيرات وأحياناً تهديدات مباشرة إلى بلدان أوروبية أبرمت اتفاقات عسكرية وتفاهمات على إطلاق صناعات مشتركة مع كييف.

تبدل المزاج السياسي

سبق الزيارة والتطورات المتسارعة خلال الأشهر الأخيرة ميدانياً، وتصاعد الهجمات المتبادلة بين موسكو وكييف، بروز مؤشرات قوية، وفقاً لمصادر روسية حول تبدُّل مهم في المزاج الغربي عموماً والأميركي خصوصاً تجاه ملف التسوية السياسية في أوكرانيا. وقد ظهر ذلك بوضوح في قمة حلف شمال الأطلسي في يوليو (تموز) الماضي لجهة الاتفاق على زيادة الإنفاق العسكري، وتوسيع المساعدات لأوكرانيا، وزيادة الضغوط على موسكو. تزامن ذلك مع تسريع الاتحاد الاوروبي وتائر المساعدات العسكرية لأوكرانيا، وتراجع واشنطن عن رؤيتها السابقة لمسار تسوية الصراع، من خلال النكوص عن تفاهمات قمة ألاسكا التي شكلت وفقاً للكرملين الإطار الوحيد العملي للتسوية السياسية. تلك التفاهمات أقرت بسيطرة روسية في دونباس، وأكدت حتمية «التنازلات الأوكرانية» عن الأراضي، وحمّلت أوروبا مسؤولية عدم عرقلة التسوية المحتملة، وتحمّل ترمب شخصياً عبء الضغط على كييف والعواصم الأوروبية لدفع التسوية.

رأى خبراء روس أن إدارة الرئيس ترمب تراجعت عن رؤيتها السابقة على خلفية الحرب مع إيران، والتوافقات التي جرت داخل «الناتو» والرغبة في عدم توسيع هوة الخلافات مع أوروبا.

مسيّرة انتحارية روسية تم تدميرها قريباً من العاصمة الأوكرانية كييف (رويترز)

تبدل موازين القوى على الأرض

تزامن ذلك مع تبدل ملموس في فهم الوضع الميداني ودرجة تأثيره على الاستعداد لدفع المسار السياسي. وقامت السردية الروسية على «امتلاك زمام المبادرة» على الأرض، وتحقيق الروس اختراقات عدة ميدانياً تمثلت في «تحرير» الجزء الأعظم من دونباس، وفرض سيطرة مطلقة تقريباً في دونيتسك بعد لوغانسك، فضلاً عن نجاح موسكو في إقامة شريط عازل محمي بشكل جيد على طول الحدود الشرقية في خاركيف وسومي. كان المشهد يوحي بأن موسكو كسبت الحرب على الأرض، وتنتظر إقراراً سياسياً بالواقع الجديد لرسم ملامح التسوية المقبلة.

مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية جون راتكليف (أ.ف.ب)

لكن في المقابل، قاد تبنّي الأوكرانيين استراتيجية توسيع المعركة في العمق الروسي واستهداف منشآت الطاقة والبنى التحتية الحيوية بشكل نشط ويومي، إلى إرهاق كبير للكرملين. وبرزت أزمات نقص الوقود المتفاقمة، وتصاعد التوتر الداخلي بعدما باتت المعركة تدخل إلى كل مدينة وقرية روسية إلى تغيير في هيكلية المعركة. بالتزامن مع إثبات التقنيات الحديثة التي طورتها أوكرانيا أنها فعالة وأنها أسهمت بشكل مباشر في إقامة توازن صعب ومعقد على الأرض. بمعنى آخر، في مواجهة القوة الكبرى التقليدية لروسيا على الأرض وقدرتها على مواصلة التقدم البطيء لكن المستمر، رسخت أوكرانيا وضعها كقوة لا يُستهان بها في مجال التقنيات العسكرية الحديثة لدرجة أنها باتت جزءاً من حسابات المجتمع الأوروبي والغربي عموماً في أي قوة مشتركة مستقبلية.

هذا التبدل في موازين القوى، رأى خبراء أنه أسهم في تبدل المزاج السياسي لترمب حيال التسوية، وفي اتساع حجم التحرك الأوروبي لتكثيف الدعم للقوة العسكرية الأوكرانية.

اتفاقات عسكرية

في هذا المجال، أبرمت أوكرانيا اتفاقات واسعة للتعاون والشراكة في التصنيع العسكري مع العديد من الدول الأوروبية لتحويل أراضيها إلى قاعدة إنتاج دفاعي مشترك. أبرز الاتفاقات ومجالات التعاون كانت اتفاقيات المسيّرات؛ إذ أعلنت كييف توقيع اتفاقات تعاون عسكري تقضي بإشراك الدول الأوروبية في العمل المباشر وشراء التقنيات والأسلحة الأوكرانية، لا سيما في مجال الطائرات المسيّرة، ونقل الإنتاج الصاروخي؛ حيث بدأت دول أوروبية وشركات دفاعية كبرى مثل «إم بي دي إيه» (MBDA) بنقل أجزاء من ترسانتها وتكنولوجيا التصنيع العسكري إلى أوكرانيا، بما في ذلك تقديم المعلومات الضرورية لإنتاج صواريخ «سكالب» (SCALP) بعيدة المدى.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين خلال «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

ثم الصناعات الدفاعية والتمويل حيث ربط الاتحاد الأوروبي جزءاً كبيراً من حزم المساعدات والقروض الضخمة (مثل قرض الـ90 مليار يورو لعامي 2026 و2027) بتقديم العقود الموقعة مع شركات الصناعات الدفاعية لتوفير أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ والذخائر والأنظمة المضادة للصواريخ الباليستية. وأخيراً تحالف الراغبين الذي تقود فيه دول مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا تنسيقاً مشتركاً لتعزيز الإنتاج المحلي والمشترك للأسلحة داخل أوكرانيا، وضمان استمرار الإمدادات والدعم التقني. وكان أحدث تطور في إطار هذا التحالف الاتفاق على زج قوات مشتركة في أوكرانيا بعد التوصل إلى اتفاق لوقف النار، وهو أمر ترفضه موسكو بشدة.

خيارات بوتين

على خلفية هذه التطورات التي ارتبطت بتحركات على الأرض لفرض مزيد من القيود على موسكو، مثل ملاحقة السفن التجارية الروسية واستهداف «أسطول الظل» الذي ينشط لتجاوز العقوبات المفروضة، فضلاً عن التأثير المباشر لنقل التكنولوجيا الغربية لكييف في توسيع الاستهدافات داخل العمق الروسي، بدأ الكرملين تحركاً لمواجهة الموقف عبر تصعيد محسوب تمثّل أولاً في إعلان عزم القوات الروسية على استهداف السفن الغربية في مقابل كل استهداف للسفن الروسية، ثم في تصعيد أوسع تمثّل في تهديد البلدان التي تقيم تعاوناً عسكرياً تصنيعياً مباشراً مع أوكرانيا، مثل بريطانيا وفرنسا وبلدان البلطيق وبولندا وغيرها.

وحملت هذه التهديدات إشارات واضحة إلى اقتراب الوضع من حافة توسيع نطاق المواجهة. ووفقاً لخبراء روس لم يكن بمقدور الكرملين الذي يحقّق اختراقات على الأرض أن يسمح بتبدل الوضع وحرمانه من كل إنجازاته الميدانية، فضلاً عن أن استهداف السفن الروسية من شأنه أن يضيّق الخناق جداً على الكرملين الذي حافظ على اقتصاد ثابت طوال سنوات، بفضل الالتفاف على العقوبات الغربية. كما أن توسيع نطاق التعاون العسكري وتطوير قدرات أوكرانيا الاستراتيجية من شأنهما أن يضربا واحداً من أهم مرتكزات بوتين للتسوية المحتملة التي ترى أن أوكرانيا يجب أن تكون معزولة السلاح تقريباً وبعيدة عن التحالفات والتكتلات.

لذلك فإن خيار توسيع رقعة المعركة بات يبدو حتمياً، وفقاً لتقديرات خبراء روس، لكن توقيته قد يكون بعد الاستحقاق الانتخابي النيابي في روسيا المقرر الشهر المقبل.

في هذا الإطار جاءت التهديدات المباشرة لبريطانيا وفرنسا بضرب أصول بحرية أو منشآت عسكرية تساعد أوكرانيا، لتضع إشارة أخيرة في هذا السياق.

نقاط القوة والضعف

لكن في المقابل، يرى فريق من الخبراء أن هذا التصعيد قد يسبق التوصل إلى صيغة مرضية للتسوية، بمعنى أنه محسوب بدقة لدفع واشنطن إلى تغيير خياراتها والانخراط بشكل أنشط في مسار التسوية. وهنا يضع البعض عناصر قوة بيد بوتين، بينها التباينات الداخلية في الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي تجاه فكرة الصراع المفتوح مع روسيا، والموقف الصيني، والتوترات الإقليمية المتفاقمة، بما في ذلك الوضع في الشرق الأوسط، وإقبال واشنطن على انتخابات نصفية قد تدفع ترمب إلى إعادة النظر في بعض السياسات.

بينما تبدو عناصر الضعف أو التحديات التي يواجهها بوتين أكثر إلحاحاً، وبينها تماسك ما يُوصف في موسكو بأنه «حزب الحرب في أوروبا»، وتفاقم الضغوط الاقتصادية والمعيشية الداخلية في روسيا، وترسيخ مكانة أوكرانيا بوصفها منتجاً مهماً للتقنيات العسكرية الحديثة تحتاج إليه أوروبا في بناء سياساتها المستقبلية، ووجود فريق قوي في إدارة ترمب لا يدعم تقديم تنازلات كبيرة إلى موسكو.

في كل الأحوال، ووفقاً لتحليل بعض الخبراء قد تنجح التحذيرات القوية التي نقلت إلى الكرملين في كبح جماح مؤقت للتطورات المنتظرة، بما في ذلك على صعيد التأجيج العسكري، واستهداف دول أخرى خارج نطاق الرقعة الجغرافية للمعركة حالياً، لكن كل هذا يرتبط بطبيعة وحجم التطورات على الأرض وفي المواقف السياسية في المرحلة التي تلي الاستحقاق الانتخابي النصفي في الولايات المتحدة.