رحيل ماريو فارغاس يوسا... حائز «نوبل» وعملاق الأدب اللاتيني

الكاتب البيروفي ماريو فارغاس يوسا في صور خلال مقابلة بمنزله 7 أكتوبر 2009 (أ.ف.ب)
الكاتب البيروفي ماريو فارغاس يوسا في صور خلال مقابلة بمنزله 7 أكتوبر 2009 (أ.ف.ب)
TT

رحيل ماريو فارغاس يوسا... حائز «نوبل» وعملاق الأدب اللاتيني

الكاتب البيروفي ماريو فارغاس يوسا في صور خلال مقابلة بمنزله 7 أكتوبر 2009 (أ.ف.ب)
الكاتب البيروفي ماريو فارغاس يوسا في صور خلال مقابلة بمنزله 7 أكتوبر 2009 (أ.ف.ب)

تُوفي الكاتب البيروفي، الحائز جائزة نوبل للآداب، وأحد أعلام الأدب في أميركا اللاتينية، والكاتب بصحيفة «الشرق الأوسط»، ماريو فارغاس يوسا، يوم الأحد، عن 89 عاماً، وفقاً لما أعلنه نجله.

الكاتب البيروفي ماريو فارغاس يوسا في الأكاديمية الفرنسية بباريس فبراير 2023 (أ.ف.ب)

وجاء في رسالة وقَّعها أولاده ألفارو وغونزالو ومورغانا، ونشرها ألفارو على منصة التواصل الاجتماعي «إكس»: «ببالغ الحزن والأسى نعلن أن والدنا ماريو فارغاس يوسا تُوفي بسلام في ليما، اليوم، محاطاً بعائلته». وجاء في الرسالة أنه سيجري حرق جثمانه، ولن تقام أي مراسم عامة.

وأضافوا: «إن رحيله سيُحزن أقاربه وأصدقاءه والقُراء في جميع أنحاء العالم، لكننا نأمل أن يجدوا العزاء كما نجده نحن في حقيقةِ أنه تمتَّع بحياة طويلة ومثمرة ومليئة بالمغامرات»، مشيرين إلى أنه ترك إرثاً يتألف من مجموعة من الأعمال الأدبية ستظل باقية.

ماريو فارغاس يوسا يحضر حفل منحه درجة الدكتوراه الفخرية في جامعة نوفا لشبونة بالبرتغال (أ.ف.ب)

وُلد فارغاس يوسا في عائلة بيروفية من الطبقة المتوسطة، وكان أحد أبرز الأسماء في «الفورة» الأدبية الأميركية اللاتينية خلال الستينات والسبعينات مع الكولومبي غابريال غارسيا ماركيز، والأرجنتيني خوليو كورتازار.

وكان يوسا كاتباً وكاتب مقالات غزير الإنتاج، وله روايات شهيرة مثل «زمن البطل»، و«عيد التيس»، وفاز بجوائز لا حصر لها، بما في ذلك جائزة نوبل لعام 2010.

ونشر فارغاس يوسا، الموجة الجديدة من كُتاب أميركا اللاتينية، مجموعته القصصية الأولى «الأشبال وقصص أخرى» (Los Jefes) عام 1959، لكنه اقتحم الساحة الأدبية عام 1963 بروايته الأولى الرائدة «زمن البطل»، وهي رواية استوحى فيها من تجاربه في أكاديمية عسكرية بيروفية وأثارت غضب الجيش في البلاد. أحرقت السلطات العسكرية ألف نسخة، ووصف بعض الجنرالات الكتاب بأنه زائف، ووصف فارغاس يوسا بأنه شيوعي.

رئيس الإكوادور غييرمو لاسو (يسار) يُكرّم ماريو فارغاس يوسا بوسام الصليب الأعظم تقديراً لإسهاماته بالأدب العالمي في كيتو بالإكوادور 27 سبتمبر2021 (أ.ب)

وأكد محامي الكاتب وصديقه المقرَّب، إنريكي غيرسي، الوفاة، لوكالة أسوشييتد برس، وتذكَّر عيد ميلاد الكاتب الأخير في 28 مارس (آذار) الماضي بمنزل ابنته مورغانا. قال غيرسي: «لقد أمضى حياته سعيداً؛ أحاط به أصدقاؤه المقرَّبون، وتناول كعكته، وكنا نمزح في ذلك اليوم بأن هناك 89 عاماً أخرى متبقية، لقد عاش حياة طويلة ومثمرة وحرة».

وتُعد رواية «زمن البطل»، وروايات لاحقة مثل «محادثة في الكاتدرائية» عام 1969، من الروايات التي رسّخت مكانة فارغاس يوسا بصفته واحداً من رواد ما يُسمى «الطفرة» أو الموجة الجديدة من كُتّاب أميركا اللاتينية خلال الستينات والسبعينات، إلى جانب غابرييل غارسيا ماركيز، وكارلوس فوينتس.

الكاتب الحائز جائزة نوبل للآداب ماريو فارغاس يوسا يضبط قبعته خلال احتفالات منحِه درجة الدكتوراه الفخرية في الآداب بجامعة دي لا سال بمانيلا بالفلبين 8 نوفمبر 2016 (أ.ب)

وبدأ فارغاس يوسا الكتابة مبكراً، وفي سن الخامسة عشرة عمل مراسلاً بدوام جزئي لأخبار الجريمة في صحيفة «لا كرونيكا». ووفقاً لموقعه الرسمي، شملت وظائفه الأخرى العمل مدرساً في مدرسة بيرلتز بباريس، ولفترة وجيزة في قسم اللغة الإسبانية بـ«وكالة الصحافة الفرنسية» في باريس، كما أنه استمر في نشر مقالات بالصحافة طوال معظم حياته، وأبرزها عمود رأي سياسي نصف شهري بعنوان «بيدرا دي توكي (أحجار الاختبار)»، الذي نُشر في عدد من الصحف.

الكاتب البيروفي والمرشح الرئاسي عن ائتلاف جبهة يمين الوسط آنذاك ماريو فارغاس يوسا يتلقى عناقاً من أحد مؤيديه خلال تجمع انتخابي ببلدة تشينتشا على بُعد 300 كيلومتر جنوب ليما 20 مارس 1990 (أ.ف.ب)

وأصبح فارغاس يوسا مدافعاً شرساً عن الحريات الشخصية والاقتصادية، متخلياً تدريجياً عن ماضيه المرتبط بالشيوعية، وهاجم بانتظامٍ قادة اليسار في أميركا اللاتينية الذين عَدَّهم ديكتاتوريين.

ورغم أنه كان من أوائل المؤيدين للثورة الكوبية، بقيادة فيدل كاسترو، لكنه شعر بخيبة أمل لاحقاً وندَّد بكاسترو. وبحلول عام 1980، أعلن أنه لم يعد يؤمن بالاشتراكية حلاً للدول النامية.

وفي حادثة شهيرة بمدينة مكسيكو عام 1976، لكَمَ فارغاس يوسا زميله الحائز جائزة نوبل وصديقه السابق غارسيا ماركيز. ولم يتضح قط ما إذا كان الشجار سياسياً أم شخصياً، إذ لم يرغب أيٌّ من الكاتبين في مناقشته علناً. ومع تحول مساره السياسي تدريجياً نحو السوق الحرة المحافظ، خسر فارغاس يوسا دعم عدد من معاصريه الأدبيين من أميركا اللاتينية، وتعرَّض لانتقادات شديدة، حتى من المعجبين بأعماله، وفق وكالة أسوشييتد برس.

حياة مبكرة مدللة و«جحيم» في مدرسة عسكرية

وُلد خورخي ماريو بيدرو فارغاس يوسا في 28 مارس 1936، بمدينة أريكيبا جنوب بيرو، الواقعة في أعالي جبال الأنديز عند سفح بركان ميستي.

وترك والده، إرنستو فارغاس مالدونادو، العائلة قبل ولادته. ولتجنُّب الفضيحة العامة، أخذت والدته، دورا يوسا يوريتا، طفلها إلى بوليفيا، حيث كان والدها قنصلاً لبيرو في كوتشابامبا. وقال فارغاس يوسا إن حياته المبكرة كانت «صادمة بعض الشيء»، إذ دلّلته والدته وجَدَّته في منزل كبير مع الخدم، مُلبّيتين جميع رغباته.

ولم يعلم فارغاس يوسا أن والده على قيد الحياة إلا في سن العاشرة، بعد أن انتقلت العائلة إلى مدينة بيورا الساحلية في بيرو. تصالح والداه وانتقلت العائلة إلى ليما، عاصمة بيرو. كما وصف فارغاس يوسا والده بأنه رجل صارم عَدَّ حب ابنه لجول فيرن وكتابة الشعر طريقاً مؤكَّداً للموت جوعاً، وكان يخشى على مستقبله.

ماريو فارغاس يوسا يلقي كلمة في تجمع جماهيري بليما 21 أغسطس 1987 أمام حشدٍ تجاوز 50 ألف شخص (أ.ب)

وبعد فشله في تسجيل ابنه بأكاديمية بحرية لصِغر سنه، أرسله والده إلى أكاديمية ليونسيو برادو العسكرية، وهي تجربةٌ ستبقى في ذاكرة يوسا، وستُفضي إلى تأليف رواية «زمن البطل»، إذ حاز الكتاب جائزة النقاد الإسبان.

قال فارغاس يوسا لاحقاً إن الأكاديمية العسكرية «كانت بمثابة اكتشاف الجحيم». والتحق بجامعة سان ماركوس في بيرو لدراسة الأدب والقانون، «الأول كمهنة، والثاني لإرضاء عائلتي، التي كانت تعتقد، ليس دون سبب وجيه، أن الكُتّاب يموتون جوعاً».

 

وبعد حصوله على شهادة الآداب عام 1958 - لم يُكلّف نفسه عناء تقديم أطروحته النهائية في القانون - فاز فارغاس يوسا بمنحة دراسية للحصول على الدكتوراه في مدريد.

استلهم فارغاس يوسا كثيراً من إلهامه من وطنه البيروفي، لكنه فضّل العيش في الخارج، مقيماً لفترات سنوية في مدريد ونيويورك وباريس.

الكاتب ماريو فارغاس يوسا في منزله بليما عام 1978 (أ.ب)

كشفت رواياته الأولى عن عالم بيروفيّ من الغطرسة والوحشية العسكرية، والانحطاط الأرستقراطي، وهنود الأمازون في العصر الحجري الذين تعايشوا، في الوقت نفسه، مع تدهور المدن في القرن العشرين. وكتب فارغاس يوسا، في عام 1983: «البيرو مرضٌ عضال، وعلاقتي بها شديدةٌ وقاسيةٌ ومليئةٌ بعنف العاطفة».

وبعد 16 عاماً في أوروبا، عاد عام 1974 إلى بيرو، التي كانت آنذاك تحت حكم ديكتاتوري عسكري يساري. قال: «أدركتُ أنني أفقد صلتي بواقع بلدي، وخصوصاً لغته، التي قد تكون قاتلة للكاتب».

الكاتب البيروفي ماريو فارغاس يوسا يتحدث في مؤتمر صحافي بنادي الصحافة الوطني بواشنطن 21 سبتمبر 1989 (أ.ف.ب)

في عام 1990، ترشّح لرئاسة بيرو، متردداً في بلدٍ مزّقته حرب العصابات الماوية المتشددة، واقتصاد يعاني تضخماً مفرطاً وحالة من الضعف، لكنه هُزم على يد عميد جامعة غير معروف آنذاك، ألبرتو فوجيموري، الذي حلَّ جزءاً كبيراً من الفوضى السياسية والاقتصادية، لكنه أصبح، في نهاية المطاف، زعيماً فاسداً ومستبداً، وفق وكالة أسوشييتد برس.

واعترف الكاتب الكوبي غييرمو كابريرا إنفانتي، صديق فارغاس يوسا القديم، لاحقاً بأنه عارض ترشيح الكاتب، قائلاً: «إن مكسب بيرو غير المؤكَّد سيكون خسارة للأدب. الأدب هو الخلود، والسياسة مجرد تاريخ».

الكاتب البيروفي والمرشح الرئاسي عن الجبهة الديمقراطية البيروفية آنذاك ماريو فارغاس يوسا يلوّح لأنصاره بعد مؤتمر صحافي أشاد فيه بسياسة السوق المفتوحة التي انتهجتها الحكومة العسكرية التشيلية 19 أغسطس 1989 (أ.ف.ب)

واستخدم فارغاس يوسا أيضاً مواهبه الأدبية لكتابة عدد من الروايات الناجحة عن حياة أشخاص حقيقيين، بما في ذلك الفنان الفرنسي ما بعد الانطباعية بول غوغان وجَدَّته فلورا تريستان، في رواية «الطريق إلى الجنة» عام 2003، والقومي الآيرلندي والدبلوماسي السير روجر كيسمنت في القرن التاسع عشر، في رواية «حلم السلتي» عام 2010. وكانت آخِر رواية منشورة له هي «أوقات عصيبة» عام 2019 عن انقلاب مدعوم من الولايات المتحدة في غواتيمالا عام 1954. كما أصبح عضواً في الأكاديمية الملكية الإسبانية عام 1994، وشغل مناصب أستاذ زائر وكاتب مقيم في أكثر من اثنتي عشرة كلية وجامعة حول العالم.

فارغاس يوسا مع إيزابيل بريسلر على السجادة الحمراء لحفل توزيع جوائز غويا السينمائية في مدريد 6 فبراير 2016 (أ.ب)

وفي عام 1965، تزوَّج ابنة عمه الأولى، باتريشيا يوسا، التي تصغره بعشر سنوات، وأنجبا ثلاثة أطفال، ثم انفصلا بعد 50 عاماً، وبدأ علاقة مع شخصية اجتماعية إسبانية بارزة، إيزابيل بريسلر، الزوجة السابقة للمغني خوليو إغليسياس ووالدة المغني إنريكي إغليسياس، ثم انفصلا عام 2022.


مقالات ذات صلة

لجنة «نوبل» تستنكر توقيف نرجس محمدي و«إساءة معاملتها» في إيران

شؤون إقليمية نرجس محمدي (أ.ف.ب)

لجنة «نوبل» تستنكر توقيف نرجس محمدي و«إساءة معاملتها» في إيران

أعربت لجنة نوبل، اليوم (الأربعاء)، عن استيائها الشديد إزاء اعتقال نرجس محمدي الحائزة على جائزة نوبل للسلام لعام 2023 في ديسمبر.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
شؤون إقليمية نرجس محمدي (أ.ف.ب)

الحكم على نرجس محمدي الحائزة جائزة نوبل للسلام بالسجن 6 أعوام في إيران

أصدرت محكمة إيرانية حكماً بسجن الناشطة الحقوقية نرجس محمدي، الحائزة جائزة نوبل للسلام 6 أعوام، حسب ما أفاد محاميها وكالة الصحافة الفرنسية اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (طهران)
يوميات الشرق البروفسور عمر ياغي يتحدث خلال احتفاء مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية به الخميس (واس)

ياغي: دعم القيادة السعودية للعلماء وفّر بيئة مُحفِّزة للإنجازات العالمية

أكد البروفسور عمر ياغي، الفائز بـ«نوبل» في الكيمياء، أن دعم القيادة السعودية وتمكينها للعلماء واهتمامها بهم وفرت بيئة محفزة مكنتهم من تحقيق إنجازات نوعية عالمية

جبير الأنصاري (الرياض)
الخليج الأمير محمد بن سلمان خلال استقباله البروفسور عمر ياغي بمناسبة فوزه بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2025 (واس)

ولي العهد السعودي يستقبل الفائز بـ«نوبل» عمر ياغي

استقبل الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، في الرياض، البروفسور عمر ياغي بمناسبة فوزه بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2025.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خلال مؤتمر صحافي في روما (إ.ب.أ) p-circle

ميلوني تعد بترشيح ترمب لجائزة نوبل للسلام إذا أنهى حرب أوكرانيا

أعربت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني عن أملها في أن ينهي الرئيس الأميركي دونالد ترمب الحرب في أوكرانيا حتى ترشحه لجائزة نوبل للسلام.

«الشرق الأوسط» (روما)

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر
TT

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية المولودة سنة 1949، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، والذين قد اكتمل اليوم عطاؤهم أو قارب الاكتمال. فمنذ مجموعتها القصصية الأولى «زينات في جنازة الرئيس» المنشورة في 1986، تنامى إنتاجها بوتيرة منتظمة، وصوت متميز، ودرجة عالية من الحرفية الفنية لفتت الأنظار إليها من وقت مبكر.

تشكلت واعيتها في زمن جمال عبد الناصر (1952-1970) وما تميز به من اتجاه وطني، عروبي، اشتراكي، شبه علماني، والذي انتهى مع هزيمة 1967 ووفاة ناصر في 1970، ثم عاصرت فترة أنور السادات (1970-1981)، وحسني مبارك (1981-2011)، وهما الفترتان اللتان شهدتا الانهيار التدريجي للمجتمع الذي حلم به ناصر، من دون بزوغ بديل ذي مصداقية.

وعلى الرغم من أن سلوى بكر تحرص في كتاباتها ألا تصور الفترة الناصرية تصويراً مثالياً، فمن الواضح أن ما يؤرقها في أعمالها هو التحولات المجتمعية الهائلة التي حلّت بمصر بداية من عصر السادات فصاعداً. إن الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية تبقى دائماً قريبة من السطح في أعمالها، وتمتزج امتزاجاً وثيقاً باهتمامها الأكبر، وهو وضعية المرأة في المجتمع. والحق أنه عند سلوى بكر ليست محنة المرأة في المجتمع إلا عرضاً من مرض أكبر يعاني منه المجتمع بأكمله، والعلاج الذي تنشده هو علاج للمجتمع كله وليس للمرأة وحدها.

في عالم سلوى بكر الرجال والنساء جميعاً هم رفاق في المعاناة على يد نظام سياسي واجتماعي قمعي وغير عادل، ولكن المرأة تنفرد وحدها بكونها ضحية لقمع إضافي على يد الرجال، أو القيم الذكورية للمجتمع. ذلك أن تقاليد المجتمع البطريركي تضطهد النساء لكونهن نساءً، تماماً كما أن تقاليد النظام السياسي السلطوي تضطهد الرجال والنساء معاً بحرمانهم من الحريات الأساسية ومن حقوقهم الإنسانية. على أنه في عالم سلوى بكر من الطبيعي أن يكون اضطهاد المرأة هو ما يشغل بؤرة اهتمامها، وما لديها من حكايات تقصها نسمعه دائماً من خلال واعية نسائية، على الأقل في المراحل المبكرة والوسطى من أعمالها قبل أن تنتقل في المرحلة المتأخرة للنظر في الوضع المجتمعي والإنساني من منظور يجاوز ما تمليه المعطيات التقليدية للنظرة النسوية.

غير أن الاضطهاد يستدعي المقاومة، وما من شك أن نساء سلوى بكر هن مقاومات من الطبقة الأولى، وتتفاوت أساليب مقاومتهن من العنف حدَّ القتل كما في رواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» (1991)، إلى الهروبية التي تتخذ عادة شكل الانسحاب من عالم الواقع؛ أي الجنون، كما يحدث في العديد من القصص القصيرة للكاتبة. على أن أغلب النساء في أعمالها يقاومن، بل وينتصرن، من خلال سلوكيات أقل تطرفاً من الجنون والقتل، فلدى شخصياتها مطواعية للتشكّل، وقدرة على التأقلم، وعلى النجاة والاستمرارية في أحلك الظروف، ما يمثِّل سخرية صامتة من التفوّق المزعوم للقوة الذكورية، فهي ترينا مرة بعد أخرى في قصصها أن المرأة هي مكمن القوة الحيوية الحقيقية وإن لم تتمتع بالمرتبة العليا في تراتبية القوى في المجتمع.

على أنه ينبغي ألا نُغفل أن ليس كل الرجال في أعمال الكاتبة مُضطهِدين للنساء، بل الكثيرون منهم يُصوَّرون ضحايا للنظام المجتمعي تماماً مثل النساء. وهو ما يتفق مع قولها ذات مرة في حديث صحافي إنها لا تدين الرجال كجنس، لكنها تدين الأفكار المسبّقة في المجتمع التي نقبلها وكأنها طبيعية وهي ليست كذلك (مجلة «نصف الدنيا»، 15 سبتمبر/ أيلول 1991). غير أنه ليس من بين رجال الكاتبة مهما كانوا أسوياء من يمتلك القوة القتالية - إن جاز التعبير - التي تمتلكها نساؤها. فغالباً ما نراهم أضعف من أن يقاوموا قوى الفساد من حولهم، أو أنهم مغرقون في المثالية، أو شديدو الصلابة أو الهشاشة فينكسرون. وغالباً ما يقع إنقاذهم من مآزقهم الحياتية على عاتق نسائهن، كما في قصة «أرانب» (1994)، وفي رواية «ليل ونهار» (1997)، على سبيل المثال. غير أنه في المحك الأخير نساء سلوى بكر ورجالها هم جميعاً ضحايا الواقع الاجتماعي الفظّ لمصر المعاصرة حيث يتكالب عليهم القمع السياسي والفساد والضائقة الاقتصادية، وتعيش الغالبية العظمى منهم في البيئة العمرانية للقاهرة التي صار يغلب عليها الفظاظة والقبح والاكتظاظ.

هذه النوعية المتدنية للحياة وسط بيئة عمرانية قبيحة خانقة هي ذاتها ما تجعل طلب الجمال مسعًى مشتركاً لدى العديد من شخصياتها، وهي أيضاً ما تجعله هاجساً معاوداً في أعمالها. ويرتبط بهذا المسعى أيضاً حنين إلى نمط معيشي انقرض. فسلوى بكر عاشت صباها وشبابها الأول في مصر الستينات في زمن زهو الناصرية، حين كان هناك حس وطني قوي، وأهداف قومية، وتكافل اجتماعي، وليبرالية فكرية (على الرغم من غياب الحرية السياسية)، وحين كانت مفاهيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي تُعد وصمة عار، وأيضاً حين كان فضاء القاهرة ما زال يحتفظ بشيء من الجمال المعماري ورونق الشوارع والمساحات العامة الذي تميزت به في النصف الأول من القرن، وحين كانت الثقافة الرفيعة غاية تتبناها الدولة في الفنون والوسائط التي ترعاها. وقد يكون أن بذور التدهور في فضاء المعاش ونوعية الحياة الذي ميز عصر السادات، واستشرى فيما تلاه من عهود؛ قد يكون أنها زُرعت في الخمسينات والستينات، لكنها لم تترعرع إلا فيما بعد، وفي ظل التحول الآيديولوجي الهائل الذي وقع في مصر السادات. هذا هو السياق الذي نفهم فيه الشعور بالحنين إلى مصر ما قبل السادات ومبارك الذي نجده عند بعض شخصياتها، كما على سبيل المثال في القصة ذات العنوان الموحي «عن الروح التي سُرقتْ تدريجياً» (1989).

تتضح المعالم الرئيسية للعالم الروائي لسلوى بكر من مجموعتها الأولى «زينات في جنازة الرئيس» (1986). هي بالتأكيد ليست عدوة للرجال (وهو ما قد نشعر به أحياناً في قصص نوال السعداوي بالمقارنة)، ولكنها تميل إلى تصوير المرأة تصويراً مثالياً، فهي عندها البطل الاجتماعي، والجنس الأقدر على النجاة من كوارث الحياة. نساؤها كثيراً ما يتعرضن للخيانة من قِبَل الرجال، عمداً أو عن غير عمد. قد يكون ذلك عن طريق الموت أو الطلاق أو مجرد التخلِّي. تلتزم القصص بالتصوير الواقعي، والذي قد يتمادى أحياناً، فيصل إلى أعتاب الطبيعية (الناتورالية). وتُمكِّن الكاتبة بطلات قصصها من نساء الطبقة الكادحة من التعبير عن أنفسهن من طريق لغة عامية محوّرة بما يناسبهن. كما أن حبكات قصصها لا تلتزم بالتسلسل الزمني. وقد يبدو أسلوبها السردي فوضوياً بسبب القطع المتكرر لانسياب الحكي، والاستطراد، ثم العودة لمواصلة القصة، والذي ربما هو من تأثير يوسف إدريس على الكاتبة الشابّة، إلا أن هذا كله ليس إلا فوضى منظمة يُقصد بها حفز القارئ للتفكير في الموقف ومحاولة تفسيره خارج المعتاد. وهذا كله مما سوف يتواصل في أعمال بكر اللاحقة.

نساء سلوى بكر مقاومات من الطبقة الأولى... مع تفاوت أساليب مقاومتهن

من ضمن قصص المجموعة الأولى قصة بعنوان «نونة الشعنونة». في هذه القصة المبكرة، وفي قصة أخرى مزامنة لها بعنوان «إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء» في مجموعتها الثانية «مقام عطية»، والتي نُشرت في نفس سنة المجموعة الأولى (1986)، تقدم لنا الكاتبة مجازاً لمحنة المرأة المتحررة سيبقى طويلاً في أعمالها اللاحقة: مجاز الجنون، وهو مجاز مزدوج الفاعلية؛ لأنه يخدم نقيضين في آنٍ، هما المضطهَد والمضطهِد. فبالنسبة للمضطهِد (بالكسر)، وصم الثائر على الأعراف والتقاليد، كاشف الزيف المجتمعي؛ وصمه بالجنون هو آلية نافعة ومريحة للضمير. أما في حالة المضطهَد (بالفتح)، فالجنون وسيلة للهروب من الضغوط المجتمعية غير المحتملة والصراعات غير القابلة للفوز، كما أنه وسيلة لتأكيد الذات بواسطة الرفض النهائي لمتعارفات اجتماعية جائرة، لـ«عقلانية» مجتمعية هي «غير عاقلة» في عرف الثائر عليها. الجنون إذن عند سلوى بكر هو أداة انعتاق، أداة تحرر.

هذا الأثر المحرِّر للجنون نجد له وصفاً في قصة لاحقة لسلوى بكر «الدود في حقل الورد» (مجموعة «عجين الفلاحة»، 1992)، والتي تُفتتح بهذه الكلمات: «هي تكره الجنون. تخافه. ترتعب من فكرة أن يفقد العقل سطوته على الجسد. فينطق اللسان بما يشتهي، وترى العين ما تود رؤيته، وتتحرر النفس من كل قيد يرسمه لها الزمان والمكان» (ص23). تلك خواطر امرأة على شفا الجنون، لكنها لم تفقد عقلها تماماً بعد، ومن هنا خوفها من عواقب الحرية التي تنجم عن الجنون. أما حين يكتمل الجنون، فإن الحرية الناجمة عنه تصبح مطلقة لا يعوقها عائق. وهذا هو المعنى الذي به يصبح الجنون عند سلوى بكر فعل مقاومة وتأكيداً للذات، وليس مجرد استسلام لضغوط فوق طاقة الاحتمال.

في عالم سلوى بكر تفهم النساء بعضهن، ويقدمن لبعضهن العضد الذي ينكره عليهن الرجال، ويواصلن مهمة العيش والبقاء برغم كل العقبات التي يضعها في طريقهن الرجال والمجتمع. في عالم سلوى بكر تعرف النساء حق المعرفة أنه من «الجنون» أن يتحدين مجتمعاتهن الذكورية، لكنهن يبقين على استعداد لأن «يَجْنُنَّ».


التفلسف على الماء

باشلار
باشلار
TT

التفلسف على الماء

باشلار
باشلار

نشرت جريدة «الشرق الأوسط» في صفحة «ثقافة وفنون» مادة عن كتاب «النيل، نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت، وهو عمل يرصد حضور النهر في المخيال الأوروبي عبر العصور، وتقول الزميلة رشا أحمد التي استعرضت الكتاب أنه «جمع بين الدقة الأكاديمية والأسلوب السردي حيث لا يكتفي بتتبع تاريخ النيل بوصفه نهراً جغرافياً، بل يحاول أن يكشف كيف تحوّل عبر القرون إلى رمز ثقافي وفكري، وكيف ظل حاضراً في الفن والدين والخيال بوصفه شريان حياة لا ينضب».

اللافت في سيرة المؤلف هي اللحظة التي بدأت فيها علاقته بالماء أصلاً. لم يكن ذلك على ضفاف النيل، بل في مدينة بيرجن النرويجية المطيرة، حين أدرك ذات صباح خريفي أن الأمطار التي تحيط به لا تشكّل الطقس فقط، بل تشكِّل الحياة نفسها. من تلك اللحظة تحوَّل اهتمامه من تاريخ العالم إلى تاريخ الماء بوصفه الشرط الخفي الذي تقوم عليه المجتمعات وتتشكل حوله الحضارات. لقد اكتشف أن ما يبدو يومياً عابراً، كالمطر الذي لا ينقطع، قادر على أن يعيد تشكيل نظرة كاملة إلى تاريخ الإنسانية. تبدو هذه الفكرة للوهلة الأولى أقرب إلى العلوم الاجتماعية منها إلى التأمل الفلسفي، لكنها تفتح سؤالاً أعمق.

هايدغر

فالحضارات الكبرى لم تقم حول أفكار، بل حول مصادر الماء. المدن الأولى نشأت على ضفاف الأنهار، والزراعة استقرت حيث يمكن التحكم في الري، والطرق التجارية سارت على دروب مجاري المياه قبل أن ترسمها الخرائط. كان النهر دائماً الرحم الذي يلد المدينة، والمؤسس لانبثاق الحياة وابتداء التاريخ. ما إن يستقر مجرى الماء حتى يستقر معه شكل من أشكال الحياة، كأن الجغرافيا المائية ترسم تخوماً خفية لما يمكن أن ينشأ من عمران وثقافة. وحتى في العصور الحديثة، حين ظن الإنسان أنه تحرر من الطبيعة بفضل التقنية، ظل الماء شرطاً صامتاً لا يمكن تجاوزه، يظهر حضوره الحاسم كلما ندر وجوده.

لكن الماء لم يبقَ في حدود الجغرافيا والتاريخ. فحين بدأ الإنسان يتساءل عن أصل العالم، كان من الطبيعي أن يتجه نظره إلى العنصر الذي تقوم عليه الحياة كلها. منذ طاليس لم يعد الماء شرط الحياة وحده، بل صار مرشحاً لأن يكون أصل الوجود نفسه. لم يكن قوله إن «الماء أصل الأشياء» حكماً فيزيائياً بالمعنى الحديث، بل محاولة أولى للعثور على مبدأ واحد يفسّر الكثرة والتحول. اختيار الماء لم يكن اعتباطياً، فهو العنصر الذي يمنح الحياة ويتخذ أشكالاً متعددة ويتحوّل من حال إلى حال، وكأن أصل العالم ينبغي أن يكون قادراً على التحول مثل العالم نفسه.

بعده سيجعل هيراقليطس النهر صورة الوجود ذاته. العالم عنده ليس بنية ثابتة بل تدفّق دائم، ولهذا صار النهر مثاله الأشهر: «لا يمكنك أن تنزل النهر نفسه مرتين». الماء هنا لم يعد أصل الأشياء بل التغيّر الذي يحكمها جميعاً، وصار التدفق لا الثبات هو الحقيقة الأعمق. أما أفلاطون فسيضع الماء ضمن عالم التكوّن والتحوّل، العالم الذي لا يستقر على صورة نهائية، بينما سيعيد أرسطو الماء إلى نظام العناصر، مانحاً إياه موضعه الطبيعي في بنية الكون وسعيه إلى الاستقرار. وهكذا ظل الماء حاضراً في التفكير الفلسفي، لا بوصفه مادة فحسب، بل بوصفه مثالاً يتيح تأمل الحركة والهوية والزمان الذي يجري كالماء.

وفي فلسفات الشرق، خصوصاً عند أبي الطاوية لاو تسو، سيبلغ التأمل في الماء ذروة رمزية مختلفة. الماء هو النموذج الأعلى للحكمة، لأنه يلين ولا ينكسر، وينساب إلى أدنى المواضع دون عرقلة، ومع ذلك يتغلب في النهاية رويداً رويداً على أصلب الأشياء. وفي العصر الحديث سيعود الماء مادة للتأمل الداخلي، حين رآه باشلار عنصراً للحلم والذاكرة والعمق. في كتابه «الماء والأحلام» يصفه بأنه مادة خيال حميمة تشكّل الوعي الباطن. فالماء لا يعكس العالم الخارجي فقط، بل يوقظ طبقات خفية من التجربة الداخلية.

وحين تأمل هايدغر النهر لم ينظر إليه كعنصر طبيعي فحسب، بل كموضع يتشكل فيه سكن الإنسان وينكشف فيه العالم، حيث يجتمع المكان والزمان والسكن في مجرى واحد. في شروحه لهولدرلين، تحدث عن الراين لا كجسم طبيعي، بل على أنه «مكان ظهور» للتاريخ والشعب والسكن. النهر عنده ليس ماءً جارياً فقط، بل مجال تنكشف فيه علاقة الإنسان بالأرض والسماء. وفي مثال (الجسر) في محاضرة «البناء والسكن والتفكير» عندما يتحدث عن جسر فوق نهر، يقول إن الجسر لا يربط ضفتين فقط، بل يكشف المكان ويجمع الأرض والسماء والبشر والقداسة. النهر هنا جزء مما يسميه «الرباعي». أي أن الماء يدخل ضمن بنية انكشاف العالم لا كموضوع مستقل. الإنسان لا يوجد في فراغ بل يسكن عالماً. والأنهار من أبرز المواضع التي يتشكل فيها هذا السكن، لأنها تجمع الطبيعة والتاريخ والفعل البشري.

ومع كل قراءة جديدة يعود الماء ليذكّر الفكر بأن أكثر الأشياء بساطة في التجربة قد تكون أكثرها عمقاً في المعنى. بهذا المسار الطويل انتقل الماء من كونه عنصراً طبيعياً إلى رمز وجودي، وما بدأ عند ضفاف الأنهار بوصفه شرطاً للحياة صار في الفلسفة سؤالاً عن أصل العالم ومعناه. لم يكن النهر مجرد خلفية صامتة للتاريخ، بل أحد عناصره الخفية التي تعمل في العمق، ومن حضوره اليومي انبثق سؤال التفكير نفسه. والنيل، مثل سائر الأنهار الكبرى، يضعنا أمام هذه الحقيقة القديمة المتجددة، أن الإنسان لم يعش إلى جوار الماء فحسب، بل فكَّر من خلاله أيضاً. وحين نعيد النظر إلى الماء لا بوصفه مورداً طبيعياً فقط، بل بوصفه أحد مفاتيح فهم علاقتنا بالعالم، يتضح أن التفلسف عليه ليس ترفاً ذهنياً، بل محاولة لقراءة الحياة في منبعها الأول.


العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر
TT

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات، لكنها جاءت مشحونة بتأملات فلسفية وخواطر إنسانية تمزج الشجن بالسخرية على هامش تجربة حقيقية يستند إليها العمل وهو إقامة المؤلف لمدة عشرة أيام كاملة في فندق بمدينة لندن كإجراء احترازي وهو «العزل» عند سفره إلى بريطانيا في أثناء جائحة كورونا التي ضربت العالم قبل سنوات.

في الطبعة الجديدة من العمل الصادرة عن دار«ميدياتوبيا»، يروي المؤلف مذكراته في ردهات أغرب معتقل وسمه باسم «زنزانة العزل»، حيث ينسج تفاصيل وحدته القاسية، يوماً بيوم، ودقيقة بدقيقة، لتتفجر من بين سطوره مفارقات المشاعر الإنسانية وأكثرها شجناً.

تتصاعد سطوة العزلة في وجدانه حتى تضيق بها الروح، فيتساءل بمرارة عما إذا كان من الممكن أن يخرج من هذا الحصار معافىً، أم أن جراح النفس سترافقه إلى عيادات الأطباء بعد العناق الأول للحرية، ومن ذا الذي سيرمم وهن جسده، ويداوي عضلاته التي تيبست، وأقدامه التي أثقلها التورم من فرط المكوث خلف قضبان الصمت.

يكتسب النص قيمته من الحكي الحميم عبر لغة بسيطة تتخفف من الجماليات والزخارف البلاغية، فما تستهدفه هو نقل ضغط اللحظة وأشواق الروح عبر عين بارعة في التقاط التفاصيل الصغيرة والمفارقات الدرامية، وكأن «العزل» رغم قسوته فتح نوافذ للتأمل في الذات والحياة والواقع الإنساني برمته.

في تقديمها للكتاب، ترى الكاتبة سكينة فؤاد أن التعبير عن تلك التجربة بلغ ذروة الصدق، حتى كادت أن تتوحد مع آلام كاتبها وهو يدير تفاصيل حياته الرتيبة داخل زنزانة ضيقة؛ حجرة هي العالم بأسره، يمارس فيها طقوس بقائه، ولا ينقصه فيها شيء سوى الحرية، أثمن ما يهبه الوجود.

وتضيف: «هي سطور مست أعماقي، وأثق أنها ستوقظ الصدى ذاته في نفوس كل الذين كبلتهم قضبان فُرضت عليهم قسراً، ليصرخوا مع المؤلف في تساؤل وجودي حارق: كيف قهرتُ نفسي كل هذه السنوات ثم أشكو من هذا السجن الرمزي؟ أنا خبير في تضييع الحرية، وما العزل إلا عينة مما أكابد!».

ويروي محفوظ كيف أنه لم يكن يبالي مطلقاً حين طرقت أصابعه لوحة المفاتيح لتدوين هذه اليوميات وأن يسعى لنشرها في كتاب؛ فقد كان كل ما يشغله حينها هو التنفيس عن الضيق الذي يشعر به، وتفريغ ما يعانيه من كبت، فمنذ الطفولة، لم يجد لي صديقاً يتفهمه كالقلم، وظلت هذه العلاقة وطيدة حتى بعد أن استبدل بريشته أزرار الكمبيوتر. بدأ بنشر اليومية الأولى مقتضبةً على «فيسبوك»، فحظيت باهتمام بعض الأصدقاء، ما دفعه لإتباعها بالثانية ثم الثالثة والرابعة، مع إضافة مزيد من التفاصيل المادية والحسية، ومع ازدياد التفاعل، وجد في هذا التدوين الأنيس والسلوى لروحه.

في اليوميات يتذكر أنه عند هبوط الركاب من الطائرة وتوجههم إلى فندق قريب، وُجّه كل راكب إلى طاولة مستقلة لملء بيانات نظامه الصحي والغذائي، حيث استمعوا إلى شرح أحد الموظفين، من خلف قناعه، حول طبيعة وسير الحياة في هذا «السجن الفندقي». أوضح الموظف أن خروجه للتريض مشروط بالحصول على تصريح مسبق من أقرب حارس لغرفته أو من إدارة الأمن، كما أكد أن موظف أمن سيرافقه لضمان التزامه بقيود التباعد، مع ضرورة ارتداء الكمامة باستمرار خارج الغرفة، ومنع التدخين نهائياً بداخلها، مع توفير بدائل النيكوتين لمن يحتاج إليها.

شملت التحذيرات منع استقبال أي ضيوف داخل الغرفة، أو الدخول لغرف نزلاء آخرين من خارج دائرته المقربة، وبدلاً من ذلك، يمكنه التواصل مع عائلته وأصدقائه عبر تطبيقي «زووم» أو «سكايب»، مستفيداً من شبكة الإنترنت المجانية المتاحة في الغرف.

أشار الموظف في ختام حديثه إلى أن فنادق العزل تحظى باهتمام الرأي العام، ما قد يدفع وسائل الإعلام للتواصل معه، وأكد أن له كامل الحرية في التحدث إليهم أو الرفض، مشدداً على ضرورة احترام خصوصية النزلاء والموظفين، وعدم التقاط أي صور لهم دون إذن مسبق.

ويحق للفندق الاحتفاظ بأي بريد يصل إلى النزيل في حال الاشتباه بوجود خطر على الصحة أو الأمن، على أن يتم تسليمه له عند المغادرة ما لم تتم إعادته للمرسل، كما أن المشروبات الكحولية متاحة عبر خدمة الغرف، مع التأكيد على عدم الإفراط في تناولها لضمان قدرة النزلاء على الاستجابة لتعليمات الحراس.

أوضح الموظف كذلك أن عمال النظافة ممنوعون من دخول الغرف، لذا تقع مسؤولية التنظيف على عاتق النزيل باستخدام الأدوات والمساحيق المتوفرة بالغرفة، كما تشمل تكلفة العزل غسل سبع قطع ملابس صغيرة فقط بمغسلة الفندق طوال فترة الإقامة.

وبالأخير، نجح النص في تحويل العزلة إلى فضاء للتأملات والتداعي الحر في لحظة نفسية مشحونة بالخوف والقلق، مع التطرق بطريقة غير مباشرة إلى أزمات تعاني منها الأجيال الجديدة مثل الانطوائية، والرهاب الاجتماعي، فضلاً عن أثر غياب دور الأهل، ما جعل العمل يلامس واقع الشباب العربي.