فارغاس يوسا المتأرجح بين ضفتي اليمين واليسار

البيروني حائز نوبل في سيرة ذاتية يبرر فيها مساريه الفكري والسياسي

ماريو فارغاس يوسا - غلاف الكتاب
ماريو فارغاس يوسا - غلاف الكتاب
TT

فارغاس يوسا المتأرجح بين ضفتي اليمين واليسار

ماريو فارغاس يوسا - غلاف الكتاب
ماريو فارغاس يوسا - غلاف الكتاب

بعد الفشل الذريع الذي أصابه في الانتخابات لرئاسة جمهورية البيرو في عام 1990، والذي كتب عنه في كتابه «السمكة في الماء»، روى ماريو فارغاس يوسا أنه كان يوماً مع شلّة من الأصدقاء في لندن يحتفلون بعيد ميلاد الشاعر التشيلي الكبير بابلو نيرودا عندما اقترب منه هذا الأخير مستفسراً عن سبب الوجوم الذي كان بادياً عليه، فأجابه بأن مزاجه متعكر من مقالة صدرت ذلك اليوم تكيل له الشتائم والاتهامات الكاذبة. وما كان من نيرودا إلا أن ردّ متنبئاً: «أنت في الطريق السريع إلى الشهرة! وعليك أن تدرك ماذا ينتظرك على هذا الطريق... كلما زادت شهرتك تكاثرت عليك الهجمات. كل مدّاح يقابله ثلاثة هجّائين. أنا عندي صندوقة أجمع فيها كل الشتائم والافتراءات التي يمكن أن تخطر في بالك... لصّ، وشاذ، وخائن، وديّوث. طريق الشهرة لا بد أن تمرّ من هنا».
تجاوز دون ماريو العقد الثامن من عمره بعد أن حلّق عالياً في الأدب الأميركي اللاتيني والعالمي، وتُوّج بجائزة نوبل، لكنه رغم ذلك ما زال يشعر بحاجة إلى تبرير مساره الفكري والسياسي الذي بدأ، مثل معظم رفاقه ومجايليه، ماركسياً مناصراً للثورة الكوبية والحركات التي كانت تستلهمها وتدور في فلكها، لينتهي ليبرالياً من أشدّ المنتقدين لكاسترو والأدباء والمفكرين المؤيدين له. وبعد أن كان يعرف، خلال إقامته في باريس، بلقب «سارتر الصغير»، لشغفه بالمفكّر والناشط الماركسي الفرنسي جان بول سارتر، بدأ رحلة النأي عن اليسار والنظام الكاستري والدوائر المتعاطفة معه في أعقاب حملات القمع والتنكيل التي استهدفت معارضي ذلك النظام، وبات أقرب إلى ألبير كامو يرفع لواء الفكر الليبرالي المتنوّر، لينتهي به الأمر في علاقة عاطفية مع رمز المجتمع المخملي الإسباني والزوجة الأولى للمطرب الشهير خوليو إيغليزياس.
هذا ما يستدلّ من كتابه الأخير الذي يطرح في الأسواق بعد أيام تحت عنوان «نداء القبيلة»، ويقع في 300 صفحة هي كناية عن حوار طويل حول عشاء مع كبار المفكرين الذين استدرجوه إلى اعتناق النهج الليبرالي الذي يعتزّ بالانتماء إليه بقدر ما يعتزّ بانتمائه إلى فلوبير وفولكنير وبورخيس. والقبيلة هم أساتذة الفكر الليبرالي الذين جلس فارغاس يوسا إليهم، وحاورهم وجادلهم من أمثال آدم سميث وأورتيغا غاسيت وفريدريك فون هايك وريمون آرون وجان فرنسوا روفيل.
وهو يعرض أفكارهم ونظرياتهم كمنهل أساسي في معتقده السياسي وإطار عام لحياته الشخصية. لكن اليساري الذي ينام في وعي من كان ثائراً في شبابه، غالباً ما يطلّ للمعاتبة والتشكيك والانتقاد، فيأخذ على المعلّم الأكبر فون هايك وقوعه في شِباك الديكتاتور بينوتشيت، ويشمل الجميع تقريباً في لومه الذين تركوا الليبرالية تنحلّ كليّاً في ماء الاقتصاد، ولا ينسى التذكير بأن الليبراليين مقصّرون في معالجة القضايا العالمية الكبرى، وفي طليعتها القضية الفلسطينية التي عاينها مباشرة منذ سنوات في مجموعة من التحقيقات الميدانية، المكتوبة والمصوّرة، في صحيفة «الباييس» التي ما زال يواظب على الكتابة فيها أسبوعياً.
لا يدور «نداء القبيلة» حول فصول عاشها فارغاس يوسا أو عايشها، بل حول المطالعات التي أثرّت فيه واستمدّ منها العناصر التي قامت عليها مقارباته الفكرية ونظرته إلى العالم، بعد الصدمة الآيديولوجية التي سببتها الخيبة من الثورة الكوبية، ثم الابتعاد عن فكر جان بول سارتر الذي كان ملهمه الأول في شبابه. ويقول عن كتابه إنه «سيرة ذاتية تعرض مساري الفكري والسياسي، بدءاً بمرحلة الشباب المشبعة بالماركسية والوجودية السارترية، وصولاً إلى الليبرالية التي اختمرت مع النضوج الذي تدرّجت مراحله بفضل مطالعات لكتّاب مثل كامو وأورويل وكوستلر».
يدرك فارغاس يوسا أن الإجماع على قيمته الأدبية الرفيعة يقابله تضارب في الآراء حول مساريه السياسي والفكري اللذين يصعب تصنيفهما، واللذين غالباً ما عرّضاه لشتّى أنواع الانتقادات والاتهامات. ويمكن القول إنه يرتاح إلى هذا التأرجح بين ضفتّي اليمين واليسار، عصيّاً على الاثنين وحريصاً على أوسع هامش من الحرية عند مقاربة القضايا السياسية والاجتماعية، لا بل يغذّيه في معظم الأحيان. فهو ينتقد الأنظمة اليسارية والقمعية بشدّة، فيما يوجّه سهامه إلى الحكومات التي تنتهج سياسات اقتصادية واجتماعية مجحفة في حقوق الطبقات الفقيرة والأقليات، ويقول عن الولايات المتحدة التي يُتهّم بالولاء لها: «لم تعرف هذه الدولة في تاريخها مرحلة أفقر من هذه سياسياً وفكرياً... وهي إن طالت، ستكون لها تداعيات خطيرة على الغرب الديمقراطي والعالم بأسره، أولّها اتسّاع رقعة نفوذ الصين وروسيا، سياسياً واقتصادياً، في بلدان العالم الثالث وأوروبا الشرقية».
وإذ يفاخر كاتب «دفاتر ريغوبرتو» بانتمائه الليبرالي، يظهر كمن يصرّ على ردّ التهم التي وجهت إليه عندما يروي أن سفيراً أميركياً أخبره أن وكالة الاستخبارات الأميركية هي التي كانت وراء الحملة التي استهدفته إبّان الانتخابات الرئاسية، فيقول: «من حسنات تلك السيئة أن الشيوعيين لن يتمكنوا بعد الآن من اتهامي بالعمالة لواشنطن».



للحالمين فقط... عدالة الحب لا تتحقق إلا في عالم «بريدجرتون» الساحر

اختتم مسلسل بريدجرتون موسمه الرابع بنهاية ينتصر فيها الحب على المنطق (نتفليكس)
اختتم مسلسل بريدجرتون موسمه الرابع بنهاية ينتصر فيها الحب على المنطق (نتفليكس)
TT

للحالمين فقط... عدالة الحب لا تتحقق إلا في عالم «بريدجرتون» الساحر

اختتم مسلسل بريدجرتون موسمه الرابع بنهاية ينتصر فيها الحب على المنطق (نتفليكس)
اختتم مسلسل بريدجرتون موسمه الرابع بنهاية ينتصر فيها الحب على المنطق (نتفليكس)

على كوكب «بريدجرتون» الساحر، كل شيء ممكن، حتى قصص الحب بين الأسياد والخادمات تُكتب لها النهايات السعيدة.

لعلّ فسحة الحلم هذه، التي يقدّمها مسلسل «نتفليكس» المحبوب، هي ما تشدّ الجمهور إليه في كل مرةٍ يُعلَن موسم جديد. وقد استكملت المنصة الموسم الرابع قبل أيام، بعَرْضها قسمه الثاني المؤلّف من 4 حلقات، بعد أن كانت قد بثّت الحلقات الـ4 الأولى قبل شهرٍ تقريباً.

ما بدأ كحكاية «سندريلا» بين «بينيديكت بريدجرتون» والخادمة «صوفي» لم ينقطع، لا بل شهدَ تطوّراتٍ عاطفية دراماتيكية.

بعد أن التقاها، في الحلقة الأولى من القسم الأول، وسط حفلٍ تنكّريّ راقص ثم فقَدَ أثرَها، عاد بينيديكت ليصادف صوفي من جديد، إنما هذه المرة على هيئة خادمة. رغم اختلاف الهندام، لم يتبدّل شيء على مستوى المشاعر، فنارُ الحب اشتعلت منذ اللحظة الأولى بينهما. وبعد أن أنقذها من مصيرٍ مُذلّ مع أسيادٍ عرّضوها للإهانة، نقلها إلى بيت العائلة في لندن، حيث انضمّت صوفي إلى فريق الخدَم هناك. هكذا انتهى القسم الأول من الموسم الثاني، ليُفتتح، من جديد، على اتّخاذ قصة الحب مساراتٍ جديدة.

كلُّ ما في الفتاة يوحي بأنها آتية من خلفيّة راقية؛ ثقافتها، سلوكها، ورفضُها أن تتحوّل إلى عشيقة لبينيديكت. جميع أفراد عائلة بريدجرتون، وليس بينيديكت حصراً، مهتمّون بها؛ بمَن فيهم والدتُه «الليدي فيوليت» التي تقتنع بصِدق المشاعر بين ابنها والخادمة. رغم التفاوت الطبقيّ ونظرة المجتمع، وبعد عدد من المواجهات مع بينيديكت تتحوّل الأمّ إلى عنصرٍ مُساعد في التئام الشمل بين الحبيبَين.

إلا أنّ دون ذلك عثرات ليس أوّلُها استحالة فكرة الزواج بين خادمة وسيّدها، بل حِقد زوجة أب صوفي، التي جرّدتها من ميراث أبيها وحوّلتها إلى خادمة في منزلها ثم طردتها منه. يصل بغض تلك السيدة إلى حدّ زجّ صوفي في السجن بتهمة السرقة.

زوجة أب صوفي وابنتاها والمنافسة الآسيوية على قلب بينيديكت (نتفليكس)

لكن لا شيء أقوى من مشاعر بينيديكت للخادمة. وكأنّ السيناريو في الموسم الرابع كُتبَ للحالمين حصراً، لأولئك الذين ما زالوا يؤمنون بأنّ الحب الحقيقي قادرٌ على تحطيم القيود التي كبّله بها المنطق والمجتمع. ومَن أفضل من المُنتجة شوندا رايمز، الأمّ الروحيّة لبريدجرتون، كي ترسم باللون الورديّ أسطورة الحب هذه.

صحيح أنّ القسم الأول من المسلسل كان قد أوشك على الغرق في رتابة حبكةٍ مستنسَخة من قصة سندريلا، إلا أنّ التحوّلات الطارئة على القسم الثاني تنقذ الموقف من احتمالات الملل. فعلى ضفاف الحب المتعثّر، تنشأ حبكاتٌ فرعية خاصة بمعظم الشخصيات.

يزخر الموسم الرابع بالحبكات الفرعية التي تنقذه من الرتابة (نتفليكس)

في مشهدٍ لم يعتَده جمهور بريدجرتون، يطرق الموت باب «فرانشيسكا»، شقيقة بينيديكت، فيخطف زوجها «جون». يتحوّل المزاج، على مدى حلقةٍ كاملة، إلى السواد والكآبة، بما يتناقض والزهوَ المعتاد للمسلسل بألوانه وموسيقاه وحفلاته. لكنّ ملامح الفرح تعود لتدخل إلى حياة الأرملة الشابّة وبيتها، من خلال نسيبة زوجها الراحل، «ميكاييلا».

أما السيدة بريدجرتون الأم فلا تدَع ابنها يُصاب وحده بسَهم الحب، بل تسمح لقلبها بالخفقان وتفكّر حتى في الزواج بعد سنواتٍ طويلة من الوحدة. وفي حين تتخلّى «بينيلوبي» نهائياً عن نشر الأسرار والفضائح تحت مسمّى «ليدي ويسلداون»، تجد «الملكة تشارلوت» نفسها مهددة بالوحدة والملل، بعد أن تُقرر صديقتها «ليدي دانبوري» أن تغادر البلاد بحثاً عن جذورها.

الملكة تشارلوت وصديقتها الوفية الليدي دانبوري (نتفليكس)

يشكّل الموسم الرابع من بريدجرتون تحوّلاً عمّا سبقه من مواسم؛ ليس لأنه يطرح قصة حب خارجة عن المألوف وخارقة للطبقيّة الاجتماعية، بل أيضاً لأنه يمنح صوتاً لمَن لم يكن يُسمع لهم صوتٌ من قبل. يشهد هذا الموسم ما يُسمّى «حرب الخدم»، الذين يرفعون أصواتهم دفاعاً عن حقوقهم المادية والمعنوية. وبقوّتها الناعمة ومشاعرها الصادقة، تقود صوفي تلك الحرب.

ليست المرة الأولى التي يلعب فيها المسلسل على وتر الدمج، فقد سبق أن أفرد مساحةً لأصحاب البشرة السمراء. وفي هذا الموسم، يفرض العِرق الآسيويّ نفسه بقوّة، إضافةً إلى فئة ذوي الاحتياجات الخاصة الممثَّلة من خلال خادمة مبتورة الذراع.

الكل يخرج راضياً من بريدجرتون، ولا سيما جمهور المسلسل الذي يجد فيه استراحةً نفسية على مستوى الشكل المُفرح والمضمون المُطَمئن. ولإضفاء مزيدٍ من الاطمئنان على نفوس المشاهدين الأوفياء، فقد أعلنت «نتفليكس» أنّ الموعد سيتجدّد في موسمَين خامسٍ وسادس. وهذا أمرٌ متوقّع، بما أنّ السلسلة مقتبَسة عن مجموعة روايات للكاتبة الأميركية جوليا كوين، ومكوّنة من 8 أجزاء؛ ما يعني أنّ بريدجرتون سيمتدّ على 8 مواسم.

يلعب المسلسل منذ أول مواسمه على وتر الدمج بين فئات المجتمع (نتفليكس)

بالعودة إلى الموسم الخامس، من المرتقب أن ينطلق تصويره خلال شهر، على أن يُبَثّ في 2027. أما الشخصية المحوريّة فيه، ووفق ما ألمحت المنتِجة التنفيذية جيس براونيل، فربما تكون فرانشيسكا بريدجرتون أو شقيقتُها «إيلويز»، فالأخيرة واحدة من بنات العائلة التي لم تتزوّج لأنها تُعاند الفكرة، أما فرانشيسكا فقد تعود الأضواء لتُلقى عليها بعد أن تُنهي حدادها على زوجها.

ومن الألغاز التي من المتوقّع أن تشكّل إحدى حبكات الموسم المقبل، عودة نشرات ليدي ويسلداون الأسبوعية، إنما موقَّعةً من قلمٍ سرّيّ جديد.


«العرض الكبير» يجوب العالم موسيقى ورقصاً في «كازينو لبنان»

رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
TT

«العرض الكبير» يجوب العالم موسيقى ورقصاً في «كازينو لبنان»

رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)

في ليلة لا تشبه الوضع السوداوي الذي تمرّ به المنطقة، قدّم الموسيقي طوني مخول عمله «العرض الكبير» على مسرح «كازينو لبنان»، مساء السبت، مع ليلة إضافية، الأحد. الحضور الحاشد في هذه الأمسية كأنما يحاول القفز فوق المأساة، أو يفتعل تجاهلاً مؤقتاً لخطر محدق.

طوني مخول يقود الأوركسترا (خاص الشرق الأوسط)

أكثر من مائة فنان، بين عازف موسيقي وراقص، شاركوا معاً في إحياء العرض، الذي حرص مؤلفه ومنتجه الفني، الموسيقي طوني مخول، على الاهتمام بأدق تفاصيله، ليقدَّم بحلة تليق بالمناسبة.

هو احتفال موسيقي راقص، كان قد قُدّم بنسخة مختلفة في «مهرجانات بيبلوس» خلال الصيف الماضي، كما جال في عدد من المدن الأوروبية، بمباهجه وألوانه ومؤثراته، في دعوة إلى الفرح والمتعة. وهو يحمل روحاً وطنية ونزعة إنسانية من خلال مقطوعات تعزفها أوركسترا كبيرة؛ لكل مقطوعة موضوعها الذي ترافقه كلمات أو عنوان يظهر على الشاشة مع عبارات بليغة، قبل أن تصبح الشاشة موضع عرض مؤثرات تتكامل مع كوريغرافيا الراقصين.

نادر خوري افتتح الغناء بأغنية وطنية (خاص الشرق الأوسط)

بدأ الحفل بأغنيات ورقصات وطنية تحيةً للبنان المتألم والصامد رغم المحن، وللجيش اللبناني؛ إذ ليس من وقت أفضل من الذي نحن فيه للتذكير بأن السلام بات فسحة صغيرة لالتقاط الأنفاس بين الواقعة والأخرى.

جوهر الحفل هو الموسيقى التي وضعها مخول، وحولها تتحلق بقية الفنون؛ مرة يأتي الرقص واللوحات الاستعراضية، ومرة أخرى غناء أحد الفنانين، أو صحبة الكورال، بقيادة روزي الحاج.

«شو بحبك يا وطني يا حكاية كل الدني»، غنّى نادر خوري في بدء الحفل الذي رعاه رئيس الجمهورية جوزاف عون، ويعود ريعه إلى وزارة الإعلام.

طوني مخول وتحية للجمهور في ختام الحفل (خاص الشرق الأوسط)

رقص باليه منفرد، ورقصات أخرى ثنائية، وكذلك جماعية، إلى جانب أنماط أخرى حاول مخول أن تأتي منوّعة بحيث لا يملّ المتفرج، فكان الفالس والسالسا، وحتى الجمباز والرقص بالشرائط على الطريقة الصينية.

العرض مقسَّم إلى معزوفات تحمل رسائل، تصاحبها عروض من تصميم الراقصين المشاركين ساندرا عباس وأسادور هرجيان، وكأنما النغم وحده لا يكفي. ويُسجَّل لمخول اهتمامه الفائق بالتفاصيل الدقيقة، ولساندرا عباس إتقانها تصاميم الراقصين التي جاءت بهيجة ومتقنة، بألوان زاهية لا تملّها العين.

شارك غناءً الفنان الإسباني خوسيه دي نافيغا، في أغنية رومانسية باللغة الفرنسية، عنوانها «وحيد من دونك»، وهو يردّ التحية لصديقه مؤلف العمل مخول، الذي استقبلته إسبانيا، العام الماضي، وقدّمت له الأوركسترا مجاناً تضامناً معه، يوم كان لبنان تحت القصف الإسرائيلي.

الباليه جزء أساسي من العرض (خاص الشرق الأوسط)

وغنّت من أميركا اللاتينية الفنانة بولينا «الحب الفريد». أما حين بدأت مقطوعة «رقص للذكرى»، فإن كل شيء كان يتمايل، المسرح كما المشاهد الخلفية لطائرة في الجو تتراقص، كما يفعل مضيفوها وركابها.

وقدّمت تحية إلى كبار كان لهم دور في تغيير العالم؛ فشاهدنا صوراً تتوالى على الشاشة العملاقة الخلفية التي لعبت دوراً منذ بداية العرض. هذه المرة كانت تمر صور لشخصيات مثل أينشتاين، وبيتهوفن، وستيف جوبس، وماريا كالاس، وماري كوري، وسلفادور دالي، وهيتشكوك، ووالت ديزني، وأنطونيو غاودي، وفريدريك شوبان.

الشاشة الخلفية بقيت حاضرة بمؤثراتها (خاص الشرق الأوسط)

«إنها الأساطير التي لا تموت» هو عنوان هذه الفقرة، التي، كما كل العرض، بقدر ما نراها وطنية تمدّ ذراعيها لتحتضن قضايا إنسانية بلغة الموسيقى.

معزوفة «الأزهار المتيبسة» رسالة حب وتعاطف إلى معذّبي العالم، وضحايا الحروب، وجياع الأطفال الذين يبحثون عمّا يسدّ رمقهم. لقطات مؤلمة، قد تكون في أفريقيا أو أي مكان آخر. فأينما يمّمت وجهك وجدت الألم ينتظر شعوباً عجزت عن حماية نفسها من ظلمة جبابرة الكوكب.

كل أنواع الرقص كانت حاضرة (خاص الشرق الأوسط)

نحو 20 مقطوعة عزفتها الفرقة بقيادة مخول وبمشاركة عازف البيانو بسام شليطا، وبمرافقة الكورس الذي أضاف أجواءً من الفرح، مع الراقصين والشرائط المختارة بعناية المعروضة في خلفية المسرح.

«رجاء ابقَ» أغنية رافقتها زخات خفيفة من المطر على الشاشة العملاقة التي جلس أمامها الموسيقيون. فقد جاء الحفل جامعاً، يشبه رحلة سفر فنية، قادتنا إلى كوبا مع السالسا، و«العين البرازيلية» مع الألوان اللاتينية مثل قوس قزح.

أما المقطوعة الأخيرة «سوا سوا»، بموسيقاها ولوحاتها وكلماتها، فكانت دعوة لجميع المشاركين في العرض غناءً.


جنيفيف دولود دي سيل: «نينا روزا» رحلة تأملية حول معضلة الهجرة والعودة للأوطان

الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

جنيفيف دولود دي سيل: «نينا روزا» رحلة تأملية حول معضلة الهجرة والعودة للأوطان

الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الكندية جنيفيف دولود دي سيل إن فيلمها «نينا روزا» لم يكن مشروعاً عادياً بالنسبة إليها، بل تجربة شخصية وفكرية امتدت لسنوات قبل أن تتحول إلى نص سينمائي مكتمل، مؤكدة أن الفكرة بدأت بسؤال بسيط لكنه مؤرق، وهو ماذا يفعل الإنسان بالماضي الذي قرر أن يدفنه؟ وهل يمكن حقاً أن نغادر مكاناً دون أن يبقى في داخلنا؟

وأضافت المخرجة الكندية لـ«الشرق الأوسط» أن «البذرة الأولى وُلدت حين عاشت، في مطلع العشرينات من عمرها، 6 أشهر في أوروبا الشرقية، متنقلة بين رومانيا وبلغاريا، حيث عملت مع مهاجرين كانوا يستعدون لترك أوطانهم إلى كندا، وخلال هذه الفترة اكتشفت أن الهجرة ليست مجرد انتقال جغرافي، بل قطيعة مع طبقات من اللغة والذكريات والعلاقات، وأن ما يُترك خلف الحدود يظل يعيش في الداخل بصيغة أخرى».

وأشارت إلى أنها بعد عودتها إلى مونتريال ظلت قريبة من أصدقاء ينتمون إلى الجيل الثاني من المهاجرين، وأن قصة والد أحدهم أثّرت فيها بعمق، فهو رجل غادر بلده قبل أكثر من 40 عاماً، وقرر بإرادته ألا يعود إليه أبداً، ولم يكن هروبه من صدمة مباشرة، بل من ثقل المواجهة، مشيرة إلى أنها كانت تتساءل دائماً، ماذا لو أُجبر هذا الرجل على العودة؟ كيف سيتعامل مع الأماكن التي تركها؟ هل سيجد نفسه كما كان، أم سيكتشف أنه أصبح غريباً حتى عن ذاكرته؟ من هذا السؤال وُلدت شخصية «ميخائيل» في الفيلم، وهو الرجل الذي اختار القطيعة وسيلة للبقاء، قبل أن يُدفع إلى مواجهة ما ظن أنه تجاوزها.

المخرجة الكندية (الشركة المنتجة)

يروي فيلم «نينا روزا» الذي حصدت مخرجته جائزة أفضل سيناريو في المسابقة الرسمية لمهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية قصة «ميخائيل» الذي غادر بلغاريا في تسعينات القرن الماضي عقب وفاة زوجته، ليبدأ حياة جديدة في مونتريال حيث ربّى ابنته الصغيرة «روزا» بمفرده، ونجح في أن يُرَسّخ مكانته بصفته خبيراً في الفن الفرنسي والفن المعاصر.

وبعد سنوات طويلة من القطيعة مع وطنه، يتلقى تكليفاً من جامع أعمال فنية للتحقق من أصالة لوحات طفلة بلغارية في الثامنة من عمرها تدعى نينا، بعدما انتشرت أعمالها على نطاق واسع عبر الإنترنت، يتردد ميخائيل في العودة إلى البلد الذي أقسم ألا يعود إليه، لكنه وافق في النهاية. غير أن لقاءه بـ«نينا» هزّه من الداخل، فالطفلة، بنضجها غير المتوقع، توقظ داخله ذكريات حاول طويلاً دفنها.

وأكدت المخرجة الكندية أن «نينا روزا» ليس فيلماً عن لحظة الرحيل الأولى، بل عن «ما بعد» الرحيل، والسنوات التي تبدو مستقرة من الخارج لكنها تخفي جراحاً لم تُعالج، مشيرة إلى أن الفيلم يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه عميق، وهو هل يمكن للإنسان أن يبني مستقبله على إنكار جزء من تاريخه؟

وأوضحت أنها منذ فيلمها الأول كانت منشغلة بفكرة الانتماء، لكنها في «نينا روزا» حاولت الاقتراب من الهوية من زاوية رجل في أواخر الخمسينات، يعيش بين ثقافتين، ويتحدث بلغتين، ويشعر بأنه لا ينتمي بالكامل إلى أي منهما، لافتة إلى أنها لا تؤمن بالهوية الثابتة، بل تراها طبقات متراكبة، وأحياناً متناقضة، والسينما تمنحها فرصة لاستكشاف هذه المنطقة الرمادية التي يتشكل فيها الإنسان.

صناع الفيلم خلال حضور العرض الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

ولفتت إلى أنها تعمدت الابتعاد عن الواقعية الصارمة التي ميّزت أعمالها السابقة، واتجهت إلى لغة أكثر شاعرية، تسمح للصورة بأن تعكس ذاتية «ميخائيل» المضطربة، مشيرة إلى أن المكان في الفيلم جاء بوصفه جزءاً من ذاكرة وروائح وأصوات وأغان قديمة، فالعودة إلى بلغاريا وظفت باعتبارها احتكاكاً بين الحاضر والماضي. لذلك اختارت عدسات تمنح الصورة شكلاً مختلفاً يعكس المزج بين الواقع والذكرى.

وأوضحت أن «اختيار بطل الفيلم كان تحدياً معقداً، لأنها كانت تبحث عن ممثل بلغاري يتقن الفرنسية ويحمل في داخله تجربة اغتراب حقيقية، وبعد بحث طويل، وجدت ممثلاً عاش خارج وطنه سنوات طويلة، فشعرت بأن الشخصية وجدت جسدها الطبيعي»، لافتة إلى أن «خلفيتها الوثائقية تجعلها حريصة على الصدق، وعلى أن يتقاطع المسار الشخصي للممثل مع المسار الدرامي للشخصية، حتى لا يبدو الألم مفتعلاً».