ما سر السعادة؟

نظرية تربط بين مهاراتك الاجتماعية ومدى الرضا الشخصي

ما سر السعادة؟
TT

ما سر السعادة؟

ما سر السعادة؟

تُعدّ الدكتورة سونيا ليوبوميرسكي، باحثة رائدة في علم السعادة منذ عقود. ولطالما سألها الناس: ما السر (أي ما سر السعادة)؟ ولطالما انزعجت هذه الأستاذة المتميزة في علم النفس بجامعة كاليفورنيا في ريفرسايد، من هذا السؤال.

سر السعادة

سر السعادة؟ يا له من سؤال سخيف ومُبسط! كان جوابها. وعندما ألححت عليها، قالت إنها تميل إلى قول شيء من هذا القبيل: «التواصل والعلاقات. التفكير الإيجابي، الذي يشمل الامتنان. والشعور بالسيطرة على حياتك».

ولكن إذا كان عليها حقاً اختيار شيء واحد، قالت إن سر السعادة هو «الشعور بالحب».

هذا هو أساس كتابها الأخير، «كيف تشعر بالحب؟ (?How to Feel Loved)»، الصادر أمس، الذي شاركت في تأليفه مع هاري ريس، أستاذ علم النفس في جامعة روتشستر والمتخصص في دراسة العلاقات الوثيقة.

السعادة- مدى شعورنا بالحب

غالباً ما تركز الأبحاث حول الحب والسعادة على الحب الذي يشعر به المرء تجاه الآخرين. لكن في الواقع، كما تجادل الدكتورة ليوبوميرسكي والدكتور ريس في كتابهما، فإن ما يجعلنا سعداء حقاً هو مقدار الحب الذي نشعر به في المقابل.

يكتب المؤلفان أن الأشخاص الذين يرغبون في الشعور بمزيد من الحب يميلون إلى اتباع أحد نهجين ليسا بالضرورة فعالين: إما محاولة إصلاح أنفسهم (لو كنتُ أفضل، ألطف، أكثر جاذبية، إلخ) أو محاولة إصلاح الشخص الآخر (لو أن شريكي يفهم لغة حبي أخيراً!).

لكن إذا كنت ترغب في الشعور بمزيد من الحب، كما تؤكد الدكتورة ليوبوميرسكي والدكتور ريس، فلا تُركز طاقتك على محاولة تغيير أي شخص. بدلاً من ذلك، غيّر طريقة حديثك.

أحسِنْ الاستماع لتحصل على المزيد من الحب

يقول المؤلفان إنه لكي تشعر بمزيد من محبة الآخرين، عليك أن تبدأ بجعلهم يشعرون بمحبتك. ويُعدّ تحسين مهارات الاستماع أحد أقوى الطرق لتحقيق ذلك.

تقول الدكتورة ليوبوميرسكي: «يعتقد الكثير منا أننا مستمعون جيدون، لكننا في الواقع ننتظر دورنا في الكلام في أغلب الأحيان». لذا، تنصح بتبني عقلية «الاستماع للتعلم». أي باختصار: حوّل تركيزك من الرد إلى الفهم.

ويكتب المؤلفان: «عندما يشعر شخص ما بأنك تُقدّره وتفهمه بعمق، يصبح أكثر استعداداً وتحفيزاً، بل وحتى شوقاً، لفعل الشيء نفسه من أجلك».

لكن إتقان فن الإنصات يتطلب ممارسة. ومن أفضل الممارسات البسيطة: عدم المقاطعة، كما تقول الدكتورة ليوبوميرسكي، وعدم تقديم النصائح إلا إذا طلبها الشخص الذي تتحدث إليه.

ركّز على علاقة واحدة في كل مرة

بدلاً من محاولة تغيير طريقة تعاملك مع كل شخص في حياتك، تنصح الدكتورة ليوبوميرسكي باختيار شخص واحد ترغب في أن تشعر بمزيد من الحب منه، والبدء به. قد يكون شخصاً تربطك به علاقة وثيقة بالفعل، كشريك حياتك أو أحد والديك، كما قالت. أو قد يكون زميلاً في العمل ترغب في التعرّف عليه بشكل أفضل.

يؤكد المؤلفان أن العلاقات العاطفية ليست المصدر الوحيد للشعور بالحب، كما أن الشعور بالحب لا يقتصر على عدد قليل من العلاقات الوثيقة.

بمجرد تحديد الشخص الذي ترغب في تعزيز علاقتك به، ضع خطة لتحدّي نفسك: خلال الأسبوع المقبل مثلاً، أجرِ 3 محادثات مع هذا الشخص، واحرص على إظهار فضول (حب اطلاع) حقيقي، كما أوصت الدكتورة ليوبوميرسكي.

ويعتقد المؤلفان أن منح الحب وتلقّيه يعملان معاً كالميزان: فأنت ترفع الشخص الآخر بثقل فضولك واهتمامك، وهو بدوره يفعل الشيء نفسه.

قال الدكتور ريس: «الطرف الآخر مهم للغاية أيضاً. أن تشارك ما يهمك، وأن تشارك ما يقلقك، حتى يصبح الأمر تفاعلاً متبادلاً». وأضاف أن المعاملة بالمثل ليست مضمونة، لكنها عرف اجتماعي قوي. لدينا ميلٌ للردّ بلطف وعناية على من يُظهرون لنا ذلك.

اعرف متى تتوقف

بالطبع، أحياناً تبذل قصارى جهدك للاستماع والانفتاح، ولا يُبادلك الطرف الآخر أي شيء. إذا كان هذا هو الحال - أو إذا كنت تجد صعوبة في إظهار فضول حقيقي - فهذه علامات على أن هذه ليست العلاقة المناسبة التي تستحق بذل الكثير من الجهد والطاقة فيها.

قالت الدكتورة ليوبوميرسكي: «أحياناً نختار الشخص الخطأ الذي نرغب في أن نشعر بمزيد من الحب منه».

فكّر في أسئلة مثل: هل يبدو أن هذا الشخص يفهمني على مستوى ما، أو على الأقل يُظهر اهتماماً بذلك؟ عندما شاركتهُ معاناتي أو نقائصي، هل أبدى فضولاً واستمع بحماس؟

الشعور بالحب ليس أمراً خارجاً عن سيطرتك

في النهاية، تأمل الدكتورة ليوبوميرسكي أن يشعر الناس بالقوة من خلال رسالة مفادها أنهم إذا أحسنوا الاختيار - وركزوا على أسلوبهم في الحوار - فسيبدأون بالشعور بمزيد من الحب، وبالتالي السعادة، في طريقهم إليهم.

ويؤكد المؤلفان أن «الشعور بالحب ليس أمراً خارجاً عن سيطرتك».

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

لعبة شهيرة تساعد في التخلص من ذكريات الصدمات النفسية

صحتك هناك لعبة فيديو شهيرة قد تساعد في التغلب على ذكريات الصدمات النفسية (رويترز)

لعبة شهيرة تساعد في التخلص من ذكريات الصدمات النفسية

أظهرت دراسة علمية جديدة أن لعبة الفيديو الشهيرة «تتريس Tetris» قد تساعد في التغلب على ذكريات الصدمات النفسية السابقة

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الأمير البريطاني ويليام (رويترز)

يشجع على «حب الذات»... الأمير ويليام يكشف تخصيصه وقتاً لفهم مشاعره

تحدث الأمير ويليام بصراحة عن أهمية تخصيص وقت لفهم مشاعره، وذلك خلال حوار صريح تناول قضية الصحة النفسية وأبعادها المختلفة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يمرّ واحد من كل 4 أشخاص بمستوى سريري من القلق في مرحلة ما بحياته (بكسلز)

6 عادات يومية قد تزيد القلق

تُعدّ اضطرابات القلق أكثر شيوعاً مما يظن كثيرون، إذ يمرّ واحد من كل 4 أشخاص بمستوى سريري من القلق في مرحلة ما بحياته.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الضغط المالي يضر بصحة القلب (بكسلز)

أسوأ من التدخين... الضغط المالي يسرع شيخوخة قلبك

الضغط المالي قد يضر بصحة القلب بقدر عوامل الخطر المعروفة مثل ارتفاع ضغط الدم والتدخين، وفقاً لدراسة حديثة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك الفقدان يُعدّ من أقوى الصدمات التي يمكن أن يواجهها الإنسان (بكسلز)

وفاة من نحب... ماذا يحدث لجسمك وعقلك وكيف تتعافى؟

عندما يفقد الإنسان شخصاً قريباً وعزيزاً عليه، لا يقتصر التأثير على مشاعر الحزن فحسب، بل يمتد ليشمل الصحة النفسية والجسدية بالكامل.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

حين ينجح الذكاء الاصطناعي في الامتحان... ويفشل في الحوار

حين لا تكفي البيانات لاتخاذ القرار الصحيح
حين لا تكفي البيانات لاتخاذ القرار الصحيح
TT

حين ينجح الذكاء الاصطناعي في الامتحان... ويفشل في الحوار

حين لا تكفي البيانات لاتخاذ القرار الصحيح
حين لا تكفي البيانات لاتخاذ القرار الصحيح

في قسم الطوارئ، جلس شاب في منتصف الأربعينيات يضع يده على صدره. كان الألم حاداً، ولكنه متردد في وصفه. قال إنه «ضغط بسيط»، ثم أضاف بعد لحظة صمت أنه يشعر بخدر في الذراع. لم يكن متأكداً متى بدأ الألم تحديداً، ولا إن كان يزداد مع الجهد أم مع القلق. كانت روايته متقطعة، ممزوجة بالخوف ومحاولة التقليل من الأمر.

القراربيد الطبيب

في مثل هذه اللحظات لا يعتمد القرار الطبي على معلومة واحدة؛ بل على قراءة السياق كله: نبرة الصوت، تاريخ المريض، عوامل الخطورة، وحتى حدسه الخاص. هنا لا توجد خيارات متعددة جاهزة؛ بل مسؤولية تقدير قد تنقذ حياة أو تؤخر تدخلاً حاسماً.

الذكاء الاصطناعي في قاعة الامتحان

* التفوق المنضبط: في بيئة الاختبارات المغلقة يبدو الذكاء الاصطناعي واثقاً إلى حد الإدهاش. فهو يجيب عن أسئلة معادِلة لاختبارات الترخيص الطبي؛ يستحضر التشخيصات التفريقية بدقة، ويختار الإجابة الصحيحة بسرعة تفوق كثيراً من المتدربين. وفي هذا السياق المنظم؛ حيث المعطيات مكتملة والسؤال محدد والنتيجة قابلة للقياس، تتألق الخوارزمية كما لو كانت طالبة متفوقة لا تعرف التردد.

غير أن هذا التفوق مرتبط بطبيعة البيئة نفسها، فالسؤال واضح، والخيارات محدودة، والبيانات مرتبة مسبقاً. ولا يوجد وصف ملتبس للأعراض، ولا تاريخ مرضي ناقص، ولا مريض قلق يضيف تفاصيل ويغفل أخرى. هناك نص مكتمل... وإجابة محسوبة. وفي هذا الإطار المنضبط، تُقاس الكفاءة بالقدرة على استدعاء المعلومة الصحيحة من بين احتمالات محددة سلفاً.

* خارج القاعة: حين يبدأ التعقيد الإنساني، ندرك أن الطب لا يُمارَس في قاعات الامتحان. فعندما نُخرج الذكاء الاصطناعي من بيئته المنظمة، ونضعه أمام إنسان قلق أو متردد أو غير قادر على التعبير الدقيق عن معاناته، يتغير المشهد بالكامل. المريض لا يقدم بيانات مرتبة؛ بل رواية إنسانية قد تكون ناقصة أو مشبعة بالخوف أو التأويل، وقد يخلط بين الأعراض أو يُغفل ما يراه غير مهم.

هنا لا يعود السؤال اختياراً من اختيارات متعددة؛ بل يكون حواراً مفتوحاً. والقرار لا يُبنى على معطيات مكتملة؛ بل على تقدير سريري يوازن بين الاحتمالات والسياق والشخص ذاته. في هذه المساحة الرمادية، يظهر الفارق بين القدرة على الإجابة الصحيحة في اختبار، والقدرة على الإرشاد المسؤول في واقع معقَّد.

الذكاء الاصطناعي يعزز العلوم الطبية

اختبار الذكاء الاصطناعي في الواقع

* دراسة حديثة: في دراسة حديثة نُشرت في مجلة «نيتشر ميدسن» (Nature Medicine) في 3 فبراير (شباط) 2025، قادها الباحث أندرو إم. بين (Andrew M. Bean) من جامعة أكسفورد، سعى فريق بحثي إلى اختبار قدرة ما تُعرَف بـ«نماذج اللغة الكبيرة» على مساعدة عامة الناس في تقييم سيناريوهات طبية افتراضية، واتخاذ القرار المناسب بشأنها. لم يكن الهدف قياس دقة التشخيص فحسب؛ بل تقييم أثر توصيات النموذج في سلوك المتلقي وطريقة اتخاذه للقرار الصحي.

شارك في التجربة 1298 متطوعاً من المملكة المتحدة، وُزِّعوا عشوائياً على مجموعات مختلفة. وطُلب من كل مشارك قراءة سيناريو طبي -مثل صداع مفاجئ شديد أو ألم صدري حاد- ثم تحديد الإجراء الأنسب: هل تستدعي الحالة طلب الإسعاف فوراً؟ أم مراجعة طبيب خلال وقت قصير؟ أم الاكتفاء بالمراقبة المنزلية؟ كما طُلب منهم ذكر التشخيصات المحتملة التي استندوا إليها في قرارهم.

أظهرت النتائج مفارقة مهمة؛ إذ لم يتحسن اتخاذ القرار دائماً عند استخدام النموذج الذكي مقارنة بالتقدير الشخصي. ففي بعض الحالات، أثَّرت نبرة الإجابة وثقتها اللغوية في اختيار المشاركين، حتى عندما لم تكن التوصية الأكثر أماناً سريرياً.

بمعنى آخر: لم تكن المشكلة في نقص المعلومات بقدر ما كانت في أثر الأسلوب على الإدراك. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يمكن للثقة اللغوية أن تُضلِّل الحكم، حتى حين تبدو الإجابة منطقية ومتماسكة؟

• ما هي نماذج اللغة الكبيرة؟ نماذج اللغة الكبيرة هي أنظمة ذكاء اصطناعي تُدرَّب على كميات هائلة من النصوص الطبية والعلمية والعامة، بهدف تعلُّم الأنماط اللغوية والعلاقات بين المفاهيم، واستنتاج الروابط المحتملة بينها. وهي لا تمتلك وعياً ولا خبرة سريرية، ولا تفحص المريض أو تقيس علاماته الحيوية؛ بل تُحلِّل النص المُدخَل إليها، وتولِّد استجابة مبنية على احتمالات إحصائية مستخلصة من بيانات سابقة. ومن أمثلتها نماذج معروفة طُرحت تجارياً، مثل «ChatGPT» (تشات جي بي تي) أو «Copilot» (كوبايلوت) التي تعتمد على البنية ذاتها لنماذج اللغة الكبيرة.

تعتمد هذه النماذج على بنى حسابية معقدة تُعرف بالشبكات العصبية العميقة، تمكِّنها من التنبؤ بالكلمة التالية في سياق معين بدقة عالية، وهو ما يمنحها قدرة ملحوظة على صياغة إجابات تبدو مترابطة ومقنعة. غير أن هذا الترابط اللغوي لا يعني بالضرورة فهماً سريرياً حقيقياً، ولا تقديراً للسياق الإنساني الكامل.

وتكمن قوتها في سلاسة التعبير وسرعة الاستدعاء، وتلخيص كم هائل من المعرفة في ثوانٍ. ولكن هذه السلاسة نفسها قد تمنح انطباعاً بثقة تتجاوز حدود الدقة الفعلية. فاللغة المقنعة قد توحي بصلابة القرار، حتى عندما يتطلب الواقع قدراً أكبر من التحفظ، أو طرح أسئلة إضافية، أو إحالة الأمر إلى تقييم طبي مباشر. وهنا يظهر الفرق بين توليد إجابة محتملة، وتحمل مسؤولية قرار حقيقي.

بين الإجابة والحكمة

السؤال الجوهري ليس: هل يعرف الذكاء الاصطناعي التشخيص؟ بل: هل يدرك أثر التوصية حين تنتقل من شاشة إلى إنسان؟ فالقرار الصحي لا يُختزل في اختيار إجابة صحيحة ضمن اختبار منضبط؛ بل هو عملية موازنة دقيقة بين احتمالات، وسياقات، ومخاطر، ومسؤوليات. وما يبدو رقماً أو احتمالاً في نموذج حسابي، قد يكون في الواقع قلقاً حقيقياً أو حياة معلَّقة على تقدير لحظة.

الطبيب لا يزن الأعراض فحسب؛ بل يقرأ الشخص أمامه. يلاحظ التردد في الصوت، والقلق في النظرة، والتاريخ غير المكتمل الذي يحتاج إلى سؤال إضافي. يقدِّر القدرة على المتابعة، ويأخذ في الحسبان الدعم الأسري والظروف الاجتماعية. هنا تتجاوز الممارسة الطبية حدود الحساب الإحصائي لتصبح فعلاً أخلاقياً يتحمل نتائجه من يتخذه، لا من يقترحه.

حين ينجح الذكاء الاصطناعي في الامتحان، فهذا إنجاز تقني يعكس تقدُّماً في معالجة اللغة وتحليل البيانات. ولكنه حين يتعثر في الحوار، فإنه يذكِّرنا بأن الطب علاقة قبل أن يكون معلومة، ومسؤولية قبل أن يكون خوارزمية.

إذن، قد تساعدنا النماذج الحسابية على توسيع دائرة الرؤية، ولكنها لا تستطيع أن تتحمل العبء الأخلاقي للقرار، ولا أن تعيش تبعاته. فالذكاء قد يُحسِّن الإجابة، أما الحكمة فتبقى - في جوهرها - إنسانية.


أنابيب طافية لاستخلاص الطاقة من المحيطات

أنبوب ألمنيوم طافٍ لـ«حصد» التموجات البحرية
أنبوب ألمنيوم طافٍ لـ«حصد» التموجات البحرية
TT

أنابيب طافية لاستخلاص الطاقة من المحيطات

أنبوب ألمنيوم طافٍ لـ«حصد» التموجات البحرية
أنبوب ألمنيوم طافٍ لـ«حصد» التموجات البحرية

طور باحثون من جامعة روتشستر هياكل من أنابيب الألمنيوم تحبس فقاعات الهواء، ما يُمكّنها من الطفو باستمرار حتى في أقسى الظروف.

وقد استلهم العلماء التصميم من شعيرات «عناكب الجرس bell spiders» الغاطسة، و«نمل النار fire ants» التي تطرد الماء، فاستغلوا خاصية النفور الشديد من الماء لصنع أنابيب ألمنيوم صغيرة غير قابلة للغرق.

وقال العلماء إنه يمكن استخدام مجموعة الأنابيب لبناء سفن كبيرة، وقوارب، ومنصات عائمة، وعوامات للتطبيقات البحرية. واستعرضوا -كمثال- إمكاناتها لتكون مولد طاقة كهربائية عائم لحصد طاقة المد والجزر في المحيط.

صورة لخلاصة البحث المنشور

منصات لأنابيب طافية

يبلغ قطر الأنابيب نحو 0.5 ملم، ولكن عند تكديسها معاً، يمكن تجميعها في هياكل أكبر تُستخدم منصات عائمة، أو أجهزة لاستخلاص الطاقة من تموجات أمواج المحيط.

وقال تشونلي غو Chunlei Guo أستاذ البصريات والفيزياء بجامعة روتشستر، الذي قاد البحث المنشور الشهر الماضي في مجلة «المواد الوظيفية المتقدمة» Advanced Functional Materials: «أعتقد أن المحيط لا يزال مورداً هائلاً غير مستغل».

وأضاف الدكتور غو: «ستظل الأنابيب طافية. لقد أجرينا اختبارات بيئية قاسية وشاملة. وحتى عند تعرض الأنابيب للرمي، أو التلف الشديد، فإنها تبقى طافية... أو ربما تُمكّنك هذه التقنية من صنع كرسي عائم أنيق لحمام السباحة».

وعلق أندرياس أوستندورف، أستاذ تكنولوجيا الليزر التطبيقية بجامعة روهر بوخوم في ألمانيا، الذي لم يشارك في البحث، على هذا التطوير، ووصفه بأنه «مثير للاهتمام حقاً». وقال: «بصفة أننا باحثون، وخاصة في مجال الهندسة، نبحث دائماً عن أفكار ثورية. قد تكون هذه التقنية بمثابة خريطة طريق لاختراق العديد من التطبيقات».

الألمنيوم غير قابل للغرق

يُعدّ الألومنيوم من أخف المعادن، ولكنه مع ذلك أكثر كثافة من الماء بمقدار 2.7 مرة. ولكن إن أسقطت قطعة من هذا المعدن في المحيط، فإنها ستغرق.

بالطبع، تطفو الأجسام المعدنية كالسفن وعلب المشروبات الغازية الفارغة لأن الهواء بداخلها أخف من الماء. ولكن إذا ثُقب الغلاف الخارجي، يندفع الماء إلى الداخل، وتغرق الأجسام التي كانت تطفو في الأعماق.

ولصنع أنابيب ألمنيوم غير قابلة للغرق، قام علماء روتشستر بنقش حفر مجهرية على أسطحها كيميائياً. وبسبب التوتر السطحي للماء، لا تستطيع قطرات الماء التدفق إلى داخل هذه الحفر، بل تتدحرج عنها فوراً تقريباً، ويبقى السطح جافاً.

«النفور الفائق من الماء»

تُعرف هذه الخاصية باسم «النفور الفائق من الماء superhydrophobicity »، وتستفيد منها بعض الكائنات في الطبيعة. فمثل الحفر الصغيرة في أنابيب الألمنيوم، تصدّ شعيرات عناكب الجرس الغاطسة ونمل النار الماء أيضاً. تستخدم العناكب النفور الشديد من الماء لحبس الهواء، ما يسمح لها بالتنفس تحت الماء. أما نمل النار، فينجو من الفيضانات بالترابط معاً لتكوين طوافات مقاومة للماء.

أسطح فائقة الكراهية للماء

تُعرف الأسطح فائقة الكراهية للماء منذ عقود، لكن استخدامها العملي لا يزال محدوداً. وتحتوي بعض الغرسات الطبية مثلاً على طبقة طاردة للماء لمنع التآكل والعدوى البكتيرية.

وقال الدكتور غو إنه أراد ابتكار تطبيقات للأسطح فائقة الكراهية للماء أكثر تميّزاً. وقبل بضع سنوات، نشر فريقه العلمي ورقة بحثية تصف بنية عائمة تتكون من قرصين متوازيين من الألمنيوم فائق الكراهية للماء، متصلين بعمود بلاستيكي. وقد منعت الأسطح فائقة الكراهية للماء تدفق الماء إلى الفجوة الضيقة، ما حافظ على طبقة من الهواء بين القرصين.

نجحت هذه الطريقة، ولكن عند إمالة القرصين ودفعهما للأسفل، كان الهواء يُدفع للخارج. لذلك بدأ العلماء بالتفكير في أشكال هندسية أخرى، واتضح أن الأنابيب أكثر متانة من الأقراص، خاصةً مع وجود جدار فاصل داخل الأنبوب. من شأن ذلك أن يمنع الماء من التدفق من أحد طرفي الأنبوب إلى الطرف الآخر، وبالتالي يمنع خروج فقاعة الهواء. ومنعت الأسطح فائقة الكراهية للماء داخل الأنبوب دخول الماء، ومنعت تسرب الهواء.

حزمة الأنابيب الطافية

أنابيب متينة

وقال الدكتور غو: «هذا نظام مستقر للغاية». واختبر الباحثون متانة الأنابيب بتعريضها لأوزان في كل من الماء المالح، والماء الذي تنمو فيه الطحالب. ولأن الأنابيب كانت طاردة للماء، فلم تتآكل الأجزاء الداخلية للأنابيب، كمان أن الطحالب لم تتمكن من النمو فيها... حتى أن حفر ثقوب في الأنابيب لم يؤثر في قدرتها على الطفو.

طوافات لأقسى ظروف المحيط

يمكن دمج الأنابيب لتشكيل طوافات، وأوضح الدكتور غو أن التحليل العددي أظهر أن تكديس عدة طبقات من الأنابيب يُنتج بنية قادرة على تحمل أقسى ظروف المحيط، لذا فان الهياكل المصنوعة من أكوام من الطوافات قادرة على الصمود فيها.

إلا أن الدكتور أندرياس أوستندورف علق بالقول إن هناك حاجة إلى مزيد من العمل لإثبات فعالية هذه الأنابيب في ظروف واقعية. وقال: «هناك بعض التساؤلات التي لم تُجب عليها الدراسات، لكن المبدأ رائع وبسيط للغاية، وربما يُمكن توسيعه».

تصاميم لأنماط مجهرية على سطح المواد

أمضى الدكتور غو وزملاؤه عقوداً في تغيير خصائص المواد عن طريق وضع أنماط مجهرية على سطحها. ففي عام 2008، استخدم الدكتور غو، بالتعاون مع أناتولي ي. فوروبييف، وهو باحث آخر من جامعة روتشستر، أشعة الليزر لعمل ثقوب دقيقة على أسطح المعادن بطريقة تُحافظ على ملمسها الأملس، مع تغيير كيفية امتصاص الضوء، وانعكاسه. وكانت النتيجة الحصول على معدن ألمنيوم بلون الذهب، ومعدن تيتانيوم بلون أزرق داكن.

ولاحقاً، قام العلماء بنحت قنوات دقيقة في السيليكون لإنشاء أسطح تجذب الماء بدلاً من صدّه. واقترحوا إمكانية استخدام هذه الأسطح، المعروفة باسم الأسطح فائقة المحبة للماء -أي شديدة الانجذاب للماء- لتبريد رقائق الكمبيوتر.

كما استكشف الدكتور غو أيضاً إمكانية دمج المعادن الملونة مع الأسطح الجاذبة للماء، فعلى سبيل المثال، استخدم معدناً أسود اللون لصنع جهاز يُعرف باسم «المولد الكهروحراري»، الذي يمتص الحرارة من ضوء الشمس ومصادر أخرى لتوليد الكهرباء، ويمكنه استغلال أي حرارة مهدرة، حتى من جوار كاتم الصوت أسفل السيارة.

* خدمة «نيويورك تايمز»


3 طرق مدعمة علمياً لقياس النزاهة

3 طرق مدعمة علمياً لقياس النزاهة
TT

3 طرق مدعمة علمياً لقياس النزاهة

3 طرق مدعمة علمياً لقياس النزاهة

تُعدّ النزاهة، التي تُفهم على أنها ميلٌ للتصرف بطرق اجتماعية وأخلاقية ومبدئية بدلاً من الطرق الفاسدة أو الأنانية، من أقوى المؤشرات وأكثرها ثباتاً في التأثير على الأداء الوظيفي وعلى فاعلية القيادة. والسبب في ذلك واضحٌ تماماً، كما كتب توماس تشامورو-بريموزيك(*).

القيادة جهد جماعي لا فردي

إن القيادة، مهما كان سياقها، جهدٌ جماعي، إذ لم يتحقق أي هدف ذي قيمة، من بناء الإمبراطوريات إلى إدارة الشركات... بشكلٍ فردي.

وعلى مرّ التاريخ اعتمد التعاون على الثقة أكثر من اعتماده على القوة الغاشمة.

السمعة تقيد السلوك

وازدهرت المجتمعات التجارية القديمة تحديداً لأن السمعة كانت تُقيّد السلوك: فقد اعتمد التجار في المدن الفينيقية، والنقابات في العصور الوسطى، وشبكات طريق الحرير على التفاعلات المتكررة وآليات الإنفاذ غير الرسمية لضمان وفاء الشركاء بالتزاماتهم. أما مَن غشّ، فقد تم استبعاده، وليس مجرد إدانته. وكانت الثقة، في الواقع، بمنزلة آلية مبكرة للتنسيق والتنفيذ.

وينطبق المنطق نفسه على المنظمات الحديثة، إذ يتحسن أداء الفرق عندما يثق أعضاؤها بأن القادة سيتصرفون بنزاهة، ويوفون بوعودهم، ويتجنبون استغلال اختلالات المعلومات أو السلطة، أو عندما يكون تركيزهم منصبّاً على مكاسبهم الشخصية لدرجة أنهم لا يكترثون كثيراً بالإضرار بالمجموعة.

طريقا الحقيقة والكذب متمايزان

القادة غير النزيهين لا يستقطبون المواهب

وبناءً على ذلك، تُظهر الأبحاث أن القادة الذين يُنظر إليهم على أنهم يفتقرون إلى النزاهة يجدون صعوبة في استقطاب المواهب، أو تحفيز الجهود الإضافية، أو الحفاظ على التعاون على المدى الطويل. في المقابل، يستفيد القادة المعروفون بالتزامهم الأخلاقي من تنسيق أسرع، وتكاليف مراقبة أقل، واستعداد أكبر لدى الآخرين لتحمل المخاطر نيابةً عنهم.

تكلفة انعدام الثقة

إذا أُتيحت للناس الفرصة، فإنهم يُفضلون التعاون مع من يثقون بهم، ليس لأنهم ساذجون، بل لأن انعدام الثقة مكلف. فالعمل مع شركاء غير موثوقين أو غير أخلاقيين يزيد من احتمالية الفشل والصراع والإضرار بالسمعة. في مجال الأعمال، قد يعني هذا دعم قادة يُضللون بشأن الأداء أو يُلقون باللوم على غيرهم. وفي السياسة، قد يعني تمكين من يُقوّضون المؤسسات لتحقيق مكاسب شخصية. وفي كلتا الحالتين، لا يتحمل الأتباع وحدهم التكاليف، بل يتحملها النظام ككل.

الفساد المزمن... مؤشر انهيار المؤسسات

لهذا السبب يُعدّ الفساد المزمن أحد أكثر المؤشرات موثوقيةً على انهيار المؤسسات. وكما وثّقت منظمة الشفافية الدولية عاماً بعد عام في مؤشر الفساد، فإن الدول التي تُسجّل أدنى الدرجات في النزاهة والثقة تميل إلى تشاركها بمشكلات شائعة: ضعف سيادة القانون، وتسييس المؤسسات، وهروب رؤوس الأموال، ونقص الاستثمار المستمر، الذي ينتج عادةً عن حكومات طفيلية وقيادة هدّامة.

حوافز لمكافأة السلوك الأخلاقي

في المقابل، تستفيد الدول التي تحتل باستمرار مراكز متقدمة في مقاييس النزاهة والثقة من مؤسسات أقوى، وحوكمة أكثر استقراراً، ومستويات أعلى من التعاون الاجتماعي والاقتصادي. ومن المؤكد أن هذه المجتمعات لا تخلو من المصالح الذاتية أو الطموح؛ بل نجحت في مواءمة الحوافز بحيث يُكافأ السلوك الأخلاقي بينما يتحمل التكلفة اصحاب الفساد، مما يُقيّد المكاسب الفردية الأنانية قصيرة الأجل لصالح المنافع الجماعية طويلة الأجل.

قياس النزاهة

إذن، كيف لنا أن نعرف ما إذا كان الشخص يتمتع بالنزاهة، أو نقيس مدى موثوقيته او جدارته الأخلاقية؟ يكتسب هذا السؤال أهمية بالغة، لا سيما عند تطبيقه على القادة، الذين تُشكّل قراراتهم نجاح الآخرين ورفاهيتهم وآفاقهم المستقبلية. ولحسن الحظ، يُقدّم علم السلوك العديد من الرؤى المفيدة، وإن لم يصل إلى حدّ اليقين التام.

أولاً- لا يُمكن ملاحظة النزاهة بشكل مباشر: فعلى عكس الصفات الجسدية كالطول أو لون الشعر، لا يُمكن رؤيتها أو قياسها بنظرة خاطفة. بل تُستنتج من أنماط السلوك، ومدى ثبات تلك الأنماط مع مرور الوقت، وتوافق الأقوال مع الأفعال. لذا، تُعدّ النزاهة سمةً نسبية وليست صفة يُمكن ملاحظتها مباشرة، مما يجعل تقييمها احتمالياً بطبيعته، وليس قطعياً.

المظهر الأخلاقي يحقق فوائد واضحة

ثانياً- غالباً ما تكون التفاعلات قصيرة الأجل مُضلّلة: فبما أن الظهور بمظهر أخلاقي يُحقق فوائد واضحة (كالثقة والنفوذ وتقليل التدقيق والوصول إلى الموارد)، فإن الناس يُحفّزون على إظهار النزاهة حتى وإن كانوا يفتقرون إليها. وهذا يُفسّر جزئياً لماذا قد تجذب البيئات التي تبدو أخلاقية ظاهرياً أحياناً جهات انتهازية تستغل حسن نية الآخرين وافتراضاتهم.

السمات المظلمة: النرجسية والاعتلال النفسي والمكيافيلية

في المقابل، في البيئات التي يسودها الفساد، يصبح انعدام الثقة هو السائد، حتى إن الأفراد ذوي النيّات الحسنة يُعاملون بشك. فالسياق يُؤثر في السلوك والإدراك على حد سواء.

ويأتي خطٌّ موازٍ ومتزايد القوة من الأدلة من الأبحاث التي تتناول ما تسمى السمات المظلمة: النرجسية، والاعتلال النفسي، والمكيافيلية.

يُقدّم البحث فيما تُسمى السمات المظلمة، كالنرجسية والاعتلال النفسي والمكيافيلية، دليلاً موازياً ومتزايد القوة. ورغم اختلافها المفاهيمي، تشترك هذه السمات في جوهرها المتمثل في ضعف التعاطف، والبرود العاطفي، والميل إلى استغلال الآخرين.

حقيقة أم تزوير؟

مزيج سامّ

ومن منظور النزاهة، يُعدّ هذا المزيج ساماً. فالأفراد الذين يتسمون بهذه السمات أقل تقيداً بالشعور بالذنب أو الاهتمام بالآخرين، وأكثر استعداداً لتجاوز القواعد أو تجاهلها، وأكثر ميلاً لتبرير السلوك غير الأخلاقي بوصفه ضرورياً أو مستحقاً أو ذكياً بدلاً من كونه خاطئاً.

القسوة والخداع والشعور بالاستحقاق

- الاعتلال النفسي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالقسوة وعدم الخوف، مما يقلل من الحساسية للعقاب والعاطفة الأخلاقية.

- المكيافيلية تتنبأ بالخداع الاستراتيجي، والتشاؤم بشأن الدوافع الإنسانية، والاعتقاد بأن الغاية تبرر الوسيلة.

- النرجسية، لا سيما في أشكالها الأكثر تضخماً، تضيف شعوراً بالاستحقاق والاستثناء الأخلاقي، أي الاعتقاد بأن القواعد العادية تنطبق على الآخرين دون الذات.

تُنبئ هذه السمات مجتمعةً، وبشكلٍ موثوق، بسلوكيات عملٍ غير مُنتجة، وتجاوزاتٍ أخلاقية، واختلالاتٍ في النزاهة، لا سيما في المناصب التي تُمنح السلطة، والصلاحيات التقديرية، والرقابة الضعيفة. والأهم من ذلك، أن هذا لا يعود إلى افتقار هؤلاء الأفراد للذكاء أو ضبط النفس، بل إلى عدم توافق دوافعهم مع المعايير الاجتماعية الإيجابية. فبينما تعتمد النزاهة على التعاطف، واحترام السلطة، والاهتمام المُتأصل بالنتائج الجماعية، تُوجه السمات السلبية عملية صنع القرار نحو المصلحة الذاتية، والهيمنة، والمكاسب قصيرة الأجل، مما يجعلها من أقوى المؤشرات الشخصية التي تُنذر بمخاطر النزاهة في بيئة العمل.

تقييم الأقران

ثالثاً- على الرغم من استحالة قياس النزاهة بدقةٍ تامة فإنه يُمكن تقييمها بشكلٍ فعّال: تُشير الأبحاث إلى أن تقييمات الأقران تُعد من بين أكثر المؤشرات موثوقية، وذلك تحديداً لأن النزاهة مرتبطة بالسمعة؛ فهي تتجلى في كيفية تصرف الأفراد عندما يعتمد عليهم الآخرون. وتُعد البيانات الطولية، مثل التقييم الشامل 360 درجة، ذات فائدةٍ خاصة.

الضمير الحيّ والإيثار

كما تُنبئ سمات الشخصية، مثل الضمير الحي، والإيثار، وضبط النفس (بما في ذلك القدرة على مراجعة الذات)، بالسلوك الأخلاقي، وكذلك السلوك السابق. غالباً ما تُهمل التقارير الذاتية، لكن المقاييس المصممة جيداً لا تزال قادرة على التمييز بدقة بين الأفراد ذوي النزاهة العالية والمنخفضة.

بناء السمعة يستغرق عمراً بينما لا يتطلب هدمها سوى لحظة

وللسجلات أهمية بالغة، حتى وإن لم تجعل أحداً محصناً ضد الإغراء. وكما لاحظ وارن بافيت الملياردير الشهير، فإن بناء السمعة يستغرق عمراً، بينما لا يتطلب هدمها سوى لحظة.

النزاهة شرط أساسي للتقدم

وأخيراً، للبيئة دورٌ مهم. فالإخفاقات الأخلاقية ليست نتاجاً لأفراد فاسدين فحسب، بل هي أيضاً نتيجة لبيئة فاسدة. يمكن لضعف الحوكمة، واختلال الحوافز، والتسامح مع التجاوزات الصغيرة أن تُضعف النزاهة حتى بين الأفراد ذوي الأخلاق الحميدة، بينما يمكن للأنظمة المصمَّمة جيداً أن تُعزز السلوك الأخلاقي بجعل سوء السلوك مكلفاً والشفافية أمراً لا مفر منه.

يُشير هذان العاملان مجتمعَين إلى أن النزاهة ليست غامضة ولا مضمونة. فسواء في الحكومات أو الشركات أو الفرق، تُعد النزاهة شرطاً أساسياً للتنسيق والتقدم. فعندما تتآكل الثقة، يُكرس الفاعلون جهداً أكبر للمراقبة والتحوط وحماية الذات، مما يُقلل من الطاقة المتاحة للابتكار أو النمو. وبهذا المعنى، لا تُعدّ النزاهة مجرد مثال أخلاقي، بل هي شكل من أشكال البنية التحتية الاجتماعية: غير مرئية إلى حد كبير عندما تكون فعّالة، وواضحة وضوح الشمس عندما تكون غائبة.

* مجلة «فاست كومباني».