جنسن هوانغ: «الذكاء الاصطناعي العام» وصل... فهل يستطيع العلم إثبات ذلك؟

تساؤلات في ميدان الطب: حوسبة أكبر... أم ذكاء أكبر؟

هل بدأ بزوغ عصر الذكاء الاصطناعي العام؟
هل بدأ بزوغ عصر الذكاء الاصطناعي العام؟
TT

جنسن هوانغ: «الذكاء الاصطناعي العام» وصل... فهل يستطيع العلم إثبات ذلك؟

هل بدأ بزوغ عصر الذكاء الاصطناعي العام؟
هل بدأ بزوغ عصر الذكاء الاصطناعي العام؟

​«لقد وصل الذكاء الاصطناعي العام»... بهذه الكلمات أعاد جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» (NVIDIA)، في السادس من سبتمبر (أيلول) 2026، فتح واحد من أكبر الأسئلة في تاريخ الذكاء الاصطناعي.

فإذا كان «AGI» -أو الذكاء الاصطناعي العام- قد وصل بالفعل، فنحن لا نتحدث عن نموذج أسرع يكتب نصوصاً أفضل أو يحل مسائل أكثر تعقيداً؛ بل عن احتمال عبور الآلة عتبة ظل الباحثون لعقود يتساءلون عما سيحدث بعدها: متى يتوقف الذكاء الاصطناعي عن كونه أداة متخصصة، ويصبح ذكاءً قادراً على التعامل مع طيف واسع من المهام على نحو يقترب من الإنسان أو يتجاوزه؟

لكن هنا تبدأ المفارقة: إعلان الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام أسهل بكثير من إثباته. فحتى اليوم، لا توجد «شهادة علمية» لـ«AGI»، ولا اختبار عالمي متفق عليه يمكن أن نضع أمامه أحدث النماذج، ثم نقول بثقة: نعم، لقد عبرت الآلة الخط الفاصل.

وهنا يصبح السؤال أكثر إثارة: هل وصل الذكاء الاصطناعي العام فعلاً؟ أم أن قدرات الآلة أصبحت تتقدم أسرع من قدرتنا على تعريف ما نسميه «الذكاء»؟

عندما يصبح تعريف الذكاء هو المشكلة

يرمز «AGI» إلى «الذكاء الاصطناعي العام» (Artificial General Intelligence)، ويُستخدم عادة لوصف نظام لا يتفوق في مهمة واحدة فقط؛ بل يستطيع التعلم والاستدلال والتكيف، وإنجاز طيف واسع من المهام بمستوى يقارب الإنسان أو يتجاوزه.

وقد عرَّفت شركة «أوبن أيه آي» (OpenAI) المفهوم سابقاً بأنه أنظمة شديدة الاستقلالية تتفوق على البشر في معظم الأعمال ذات القيمة الاقتصادية.

لكن ما يبدو تعريفاً واضحاً للوهلة الأولى يفتح باباً لأسئلة أصعب: ما المقصود بـ«معظم الأعمال»؟ وهل التفوق على الإنسان في أداء مهمة يعني امتلاك ذكاء يشبه ذكاءه؟ وإذا استطاع نموذج أن يكتب برنامجاً، ويحل مسألة رياضية، ويحلل بيانات، ويستخدم الحاسوب، فكم قدرة إضافية يحتاج إليها قبل أن ننتقل من وصفه بـ«AI» إلى«AGI»؟

هنا لا يعود الخلاف مجرد سباق تقني بين نماذج أكثر قوة؛ بل يصبح معضلة علمية وفلسفية: كيف نثبت وصول شيء لم نتفق بعد على تعريفه؟

حوسبة أكبر... أم ذكاء أكبر؟

حوسبة أكبر... أم ذكاء أكبر؟

وراء القفزات الأخيرة في أداء الذكاء الاصطناعي توسع هائل في القدرة الحاسوبية والبيانات وأساليب التدريب. ومع كل جيل جديد، تستطيع النماذج إنجاز مهام كانت تبدو قبل سنوات قليلة بعيدة المنال.

لكن هنا يظهر سؤال لا يقل أهمية عن إعلان هوانغ نفسه: عندما نمنح النموذج حوسبة أكبر وبيانات أكثر وتدريباً أكثر تطوراً، ثم تتحسن قدراته بصورة مذهلة، فهل يمثل ذلك دليلاً على ظهور «ذكاء عام»، أم على اتساع نطاق المهام التي أصبح قادراً على أدائها؟

إن الفرق جوهري، فقد تتفوق الآلة في الرياضيات والبرمجة والبحث واستخدام الحاسوب، ثم تتعثر أمام سياق جديد، أو استثناء غير متوقع، أو مشكلة مفتوحة تختلف عما واجهته أثناء التدريب.

وتظهر هنا مفارقة لافتة: كلما اجتاز الذكاء الاصطناعي اختباراً كنا نظن أنه يتطلب قدرة بشرية، ارتفع السقف وبدأ البحث عن اختبار أصعب. فهل نحن نقترب من الذكاء العام؟ أم أن تعريفنا للذكاء يبتعد كلما اقتربت منه الآلة؟

ما الذي لا تقيسه الاختبارات؟

الذكاء البشري ليس مجموع درجات في اختبارات. فهو يشمل أيضاً القدرة على نقل ما نتعلمه من موقف إلى آخر، وفهم السياق، والتعامل مع الغموض، والتعلم من خبرات محدودة، واتخاذ القرار عندما لا تكون القواعد مكتوبة سلفاً.

ولهذا، ربما لا يكون السؤال الأهم: كم اختباراً يستطيع النموذج أن يتفوق فيه على البشر؟ بل: ماذا يفعل عندما ينتهي الاختبار ويبدأ العالم الحقيقي؟ فالاختبار يمنح النموذج مشكلة محددة ومعياراً للنجاح، أما العالم الحقيقي فيقدم مواقف متغيرة ومعلومات ناقصة ونتائج قد لا تظهر إلا لاحقاً. وهنا يصبح التفوق في الاختبارات دليلاً مهماً على القدرة، ولكنه ليس بالضرورة، -بمفرده- دليلاً حاسماً على الوصول إلى ذكاء اصطناعي عام.

ومع ذلك، ثمة مفارقة أخرى: ماذا لو لم نكن بحاجة إلى حسم هذا الجدل أصلاً قبل أن يبدأ الذكاء الاصطناعي في تغيير العالم الحقيقي؟

تساؤلات الطب

وفي الطب تحديداً، يبدو هذا السؤال أكثر إلحاحاً. في الطب... هل نسأل السؤال الخطأ؟ هنا يقدم الطب زاوية مختلفة تماماً.

ففي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، ينقل الدكتور أنتوني تشانغ، رئيس الجمعية الأميركية للذكاء الاصطناعي في الطب ورئيس مؤتمر «AIMed26»، النقاش من سؤال: «ما الذكاء؟» إلى سؤال أكثر عملية: ماذا يستطيع أن يفعل؟

يقول تشانغ: «في الذكاء الاصطناعي السريري، لم يكن السؤال المهم سريرياً يوماً: هل هو ذكي بصورة عامة؟ بل: هل أصبح قادراً بما يكفي، ومنخفض التكلفة بما يكفي، وموثوقاً بما يكفي، لكي يغيِّر من يقوم بأي عمل في الرعاية الصحية؟».

ثم يضيف عبارة تختصر تحولاً قد يكون جارياً بالفعل: «هذه العتبة يجري تجاوزها، مهمة بعد أخرى، وبهدوء، بصرف النظر عما نطلقه على الصورة الكلية».

هل تستطيع الآلة أداء المهمة الطبية بصورة جيدة وموثوقة وبتكلفة مقبولة؟

هنا يتغير السؤال كله. فبالنسبة إلى الطبيب أو المستشفى، قد لا يكون السؤال العاجل ما إذا كان النظام يستحق لقب «AGI»، ولا انتظار لحظة تاريخية يعلن فيها العالم وصول الذكاء الاصطناعي العام. السؤال الأكثر عملية هو: هل تستطيع الآلة أداء هذه المهمة بصورة جيدة، وموثوقة، وبتكلفة مقبولة؟

فإذا أصبحت قادرة على تحليل صورة طبية، أو تلخيص ملف مريض، أو إعداد مسودة تقرير، أو دعم قرار سريري، فإن توزيع بعض المهام بين الإنسان والآلة يكون قد بدأ يتغير فعلاً، حتى لو استمر العلماء سنوات أخرى في الاختلاف على تعريف «AGI».

وهنا ربما تكمن المفارقة: قد يستمر العالم في الجدل حول اسم الذكاء الجديد، بينما يكون هذا الذكاء قد بدأ فعلاً في تغيير مَن يفعل ماذا داخل المستشفى.

التعليم يصنع المستقبل

الثورة التي قد تحدث بلا إعلان

وربما تكمن هنا المفارقة الأكبر. لقد تخيلنا طويلاً وصول الذكاء الاصطناعي العام كلحظة تاريخية واضحة: آلة تعبر عتبة فاصلة، ثم يستيقظ العالم في اليوم التالي وقد دخل عصر «AGI»، ولكن التحول الحقيقي قد يحدث بطريقة أكثر هدوءاً.

مهمة كانت تستغرق ساعة تُنجز في دقائق، تحليل كان يتطلب عملاً متخصصاً يصبح مدعوماً بخوارزمية، برنامج كان ينتظر أمراً بعد آخر، يصبح قادراً على تنفيذ سلسلة كاملة من الخطوات، ثم مهمة أخرى... ثم أخرى.

ومع تراكم هذه التحولات الصغيرة، قد تتغير العلاقة بين الإنسان والآلة، من دون لحظة واحدة نستطيع أن نشير إليها ونقول: «هنا بدأ كل شيء». وهنا تكتسب عبارة تشانغ «مهمة بعد أخرى، وبهدوء» معناها الأعمق: قد لا نعرف اللحظة التي وصل فيها الذكاء الاصطناعي العام؛ لأن العالم ربما يكون قد بدأ يتغير قبل أن نتفق على ما نسميه.

من يملك حق إعلان وصول «AGI»؟

قد يثبت التاريخ أن جنسن هوانغ كان محقاً، وأن عام 2026 كان بالفعل بداية عصر الذكاء الاصطناعي العام. وقد يثبت أننا كنا لا نزال أبعد عن تلك العتبة مما تصورنا. ولكن إعلان هوانغ يترك وراءه سؤالاً ربما يكون أهم من الإعلان نفسه: من يملك حق القول إن «AGI» قد وصل؟ هل هي الشركات التي تبني النماذج؟ أم العلماء الذين يختبرونها؟ أم المؤسسات والمجتمعات التي ستعيش آثارها؟ أم أننا لن ندرك أننا عبرنا العتبة إلا عندما ننظر إلى الوراء؟

وفي الطب، قد تكون الإجابة أكثر تعقيداً. فقد لا نحتاج إلى لحظة واحدة تصبح فيها الآلة «ذكية مثل الإنسان» حتى نشهد تحولاً عميقاً في طريقة العمل. يكفي أن تتراكم القدرات، وأن تتغير المهام والأدوار، وأن يصبح ما كان مستحيلاً بالأمس جزءاً من الممارسة اليومية.

وربما لهذا لن يحسم تاريخ الذكاء الاصطناعي سؤال «متى وصل AGI؟» بذكر يوم واحد أو نموذج واحد أو تصريح واحد. فقد نختلف طويلاً حول اللحظة التي أصبحت فيها الآلة «ذكية بما يكفي».

لكننا قد نكتشف، ونحن منشغلون بتعريف تلك اللحظة، أن العالم كان قد عبرها فعلاً.


مقالات ذات صلة

خريطة غير مسبوقة تكشف كيف تتحكم الجينات في المناعة

علوم خريطة غير مسبوقة تكشف كيف تتحكم الجينات في المناعة

خريطة غير مسبوقة تكشف كيف تتحكم الجينات في المناعة

تعطيل الآلاف منها واحداً تلو الآخر في الخلايا التائية البشرية لمراقبة تأثير كل جين على الخلية

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
الاقتصاد إعلانات لشركة «ميسترال إيه آي» معروضة داخل محطة مترو غراند سنترال في مدينة نيويورك (رويترز)

«ميسترال» الفرنسية للذكاء الاصطناعي تجمع 3 مليارات يورو وترفع قيمتها إلى 21 ملياراً

حققت شركة «ميسترال» قفزة جديدة في مسارها التوسعي، بعدما أعلنت جمع 3 مليارات يورو في جولة تمويلية وصفتها بأنها الأكبر من نوعها في قطاع التكنولوجيا الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
خاص يزداد التركيز في السوق التقنية السعودية على تحويل التدريب والشهادات إلى خبرة عملية داخل مشاريع التحول المؤسسي الكبرى (أدوبي)

خاص خبراء: التحول المؤسسي يفتح مساراً جديداً لبناء خبرات تقنية محلية في السعودية

تركز سوق التقنية السعودية بشكل متزايد على تحويل التدريب إلى خبرة عملية داخل المشاريع، بما يعزز نقل المعرفة، وبناء كفاءات محلية مستدامة.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد شعار «أمازون» في رسم توضيحي (رويترز)

«أمازون» تستعين ببنوك لترتيب أول إصدار سندات بالجنيه الإسترليني

استعانت شركة «أمازون»، الثلاثاء، بعدد من البنوك لترتيب أول إصدار لها من السندات المقوّمة بالجنيه الإسترليني.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تكنولوجيا «واتساب» يرفع الحد الأدنى لتشغيله إلى «أندرويد 6 » (أ.ف.ب)

«واتساب» يتوقف عن العمل على هواتف «أندرويد» القديمة ابتداءً من 8 سبتمبر

الأجهزة التي لا تزال تعمل بنظامي «أندرويد 5.0» و«أندرويد 5.1» ستخرج من قائمة الأنظمة المدعومة.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)

خريطة غير مسبوقة تكشف كيف تتحكم الجينات في المناعة

خريطة غير مسبوقة تكشف كيف تتحكم الجينات في المناعة
TT

خريطة غير مسبوقة تكشف كيف تتحكم الجينات في المناعة

خريطة غير مسبوقة تكشف كيف تتحكم الجينات في المناعة

كشفت دراسة ضخمة شملت 22 مليون خلية مناعية بشرية، عن كيفية عمل آلاف الجينات داخل الجهاز المناعي وتفاعلها مع الظروف المختلفة، وذلك في خطوة قد تساعد في تحديد الأسباب الجينية لأمراض متعددة وتطوير علاجات أكثر دقة للسرطان وأمراض المناعة الذاتية.

تأثير الجينات يتغير وفق حالة الخلية

أظهرت الدراسة المنشورة بمجلة «Cell» في 28 أغسطس (آب) 2026، أن تأثير الجينات لا يعمل بصورة ثابتة أو منفردة؛ بل يتغير بحسب حالة الخلية والبيئة المحيطة بها مثلما يحدث عندما تكون الخلايا في حالة سكون، أو أثناء استجابتها لعدوى أو إشارات مناعية. وتمكن الباحثون من تحويل هذه التفاعلات المعقدة إلى خريطة وظيفية عالية الدقة تكشف الدوائر التي تربط الجينات بسلوك الخلايا.

وأجرى الدراسة علماء من معاهد غلادستون وجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو وجامعة ستانفورد، بالتعاون مع «بايوهب» (Biohub) التي تعمل على دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة مع علوم الأحياء لتسريع الاكتشافات العلمية. واستخدم الفريق تقنية متطورة أتاحت تعطيل نحو 12800 جين بشكل منفصل في الخلايا التائية (المناعية) البشرية، ثم رصد التغيرات التي طرأت على الخلايا نتيجة كل تعديل.

ولا تكتفي هذه الخريطة بتحديد الجينات الموجودة في الخلية، بل تكشف ما يحدث فعلياً عند تغييرها، ما يوفر حلقة مفقودة بين المعلومات الوراثية الموجودة في الحمض النووي (دي إن إيه) وصحة الإنسان والمرض. ويرى الباحثون أن هذه البيانات قد تصبح أساساً لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على التنبؤ بكيفية استجابة الخلايا للتغيرات الجينية، وتسريع اكتشاف أهداف علاجية جديدة، خصوصاً في السرطان وأمراض المناعة الذاتية.

من قراءة الجينات إلى اختبار وظائفها

على مدى العقود الماضية، مر علم الوراثة بمراحل متتالية؛ فقد ساعد مشروع الجينوم البشري العلماء في تحديد المخطط الجيني للإنسان، ثم أسهمت مشاريع مثل أطلس الخلايا البشرية في فهم كيفية استخدام أنواع الخلايا المختلفة لهذا المخطط.

أما الدراسة الجديدة فتضيف مرحلة أخرى تتمثل في التدخل بالجينات واختبار تأثير تغييرها مباشرة على الخلايا. وقال ألكسندر مارسون، الباحث في معهد غلادستون لعلم المناعة الجينومي وقسم الطب بجامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو بالولايات المتحدة الأميركية، وأحد كبار مؤلفي الدراسة: «الآن أصبحت لدى العلماء وسيلة لفهم العلاقة بين التسلسل الجيني والحالة الفعلية للخلية».

وللوصول إلى هذه النتائج، استخدم الباحثون تقنية متقدمة تُعرف باسم «Perturb-seq» أتاحت لهم تعطيل نحو 12800 جين واحداً تلو الآخر في الخلايا التائية البشرية، ثم مراقبة تأثير كل جين على الخلية. وتجمع هذه التقنية بين تعديل الجينات باستخدام كريسبر (CRISPR)، وتحليل نشاط الجينات داخل الخلية، ما يساعد العلماء في فهم وظيفة كل جين والتغيرات التي يحدثها بدقة.

وتعدّ الخلايا التائية من أهم مكونات جهاز المناعة؛ إذ تساعد الجسم في التعرف على مسببات الأمراض والخلايا غير الطبيعية ومهاجمتها.

اختبار الجينات في خلايا بشرية حقيقية

من أهم ما يميز الدراسة أن الباحثين لم يعتمدوا فقط على خطوط الخلايا المزروعة في المختبر؛ بل أجروا التجارب على خلايا مناعية أولية مأخوذة من متبرعين بالدم.

وتحتفظ هذه الخلايا بقدرتها الطبيعية على الاستجابة للإشارات التي تنشط جهاز المناعة، ما يسمح للعلماء برؤية تأثير التغيرات الجينية في بيئة أقرب إلى ما يحدث داخل جسم الإنسان. ويقول الباحثون إن هذا النهج قد يساعد في تفسير سبب اختلاف الاستجابة المناعية بين الأشخاص، ولماذا يكون بعض الأفراد أكثر عرضة للإصابة بأمراض معينة.

الجينات لا تعمل منفردة

كشفت الدراسة أيضاً أن وظيفة الجينات لا يمكن فهمها دائماً بالنظر إلى كل جين بشكل منفصل؛ فالجينات تعمل ضمن شبكات أو «دوائر» مترابطة، ويمكن أن تتغير طريقة عمل هذه الدوائر بحسب الظروف المحيطة بالخلية.

فعلى سبيل المثال، قد يكون للجين تأثير مختلف عندما تكون الخلية في حالة سكون مقارنة بحالتها أثناء مواجهة عدوى، أو استجابة لإشارة مناعية. وشبه الباحثون هذه الشبكات بالدوائر الإلكترونية التي تتحكم في أجهزة الكمبيوتر، حيث تتعاون مكونات متعددة لإنتاج استجابة محددة.

وتوفر هذه المعلومات طريقة جديدة لفهم كيفية انتقال تأثير الاختلافات الجينية الطبيعية إلى صفات مرتبطة بالصحة والمرض، بما في ذلك أعداد الخلايا المناعية وقابلية الإصابة بأمراض مرتبطة بالجهاز المناعي.

«مشروع المليار خلية» - قاعدة بيانات للذكاء الاصطناعي

تعدّ البيانات التي أنتجتها الدراسة أكبر مساهمة حتى الآن في «مشروع المليار خلية» (Billion Cells Project)، وهو مشروع يهدف إلى إنشاء قاعدة بيانات مفتوحة تضم مليار خلية بشرية منفردة، وذلك بهدف تعزيز الفهم القائم على الذكاء الاصطناعي للسلوك الخلوي ووظائف الجينات.

ويأمل الباحثون في استخدام هذه البيانات لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي على التنبؤ بكيفية استجابة الخلايا للتغيرات الجينية والظروف المختلفة.

ويؤكد العلماء أن تدريب الذكاء الاصطناعي على نوع واحد من الخلايا أو حالة واحدة، قد لا يكون كافياً للتنبؤ بما يحدث داخل جسم الإنسان، لأن وظيفة الجينات تعتمد بدرجة كبيرة على السياق البيولوجي. وقد تمكن الفريق من فحص 33.4 مليون خلية، وانتهى التحليل النهائي إلى 22 مليون خلية عالية الجودة شكلت أساس الخريطة الجديدة.

الخطوة التالية: السرطان

بعد بناء هذه الخريطة الواسعة للخلايا التائية، بدأ الباحثون بالفعل في المرحلة التالية من المشروع التي ستركز على السرطان.

ويخطط الفريق لاستخدام التقنية نفسها لدراسة كيفية تغير الخلايا التائية وراثياً ووظيفياً عندما تدخل إلى الأورام وتتفاعل مع البيئة المعقدة المحيطة بها.

ويأمل العلماء في أن تتحول الخريطة الجديدة إلى مرجع يستخدمه الباحثون لمعرفة تأثير أي جين تقريباً على الخلايا المناعية البشرية، بما قد يسرّع اكتشاف أهداف علاجية جديدة، ويدعم تطوير الطب الدقيق والعلاجات المناعية في المستقبل.


«القدرة الذاتية»: مقياس لطول العمر ووضوح الرؤية وحِدّة الفكر

«القدرة الذاتية»: مقياس لطول العمر ووضوح الرؤية وحِدّة الفكر
TT

«القدرة الذاتية»: مقياس لطول العمر ووضوح الرؤية وحِدّة الفكر

«القدرة الذاتية»: مقياس لطول العمر ووضوح الرؤية وحِدّة الفكر

ماذا لو كان هناك مقياس واحد يمكنه رصد كل جانب من جوانب صحتك؛ بدءاً من مدى قوتك، ووضوح رؤيتك، ووصولاً إلى حدة تفكيرك؟ هذا هو الهدف من مفهوم «القدرة الذاتية» (Intrinsic Capacity)، وهو مقياس شامل لما يمكن أن ينجزه جسم الإنسان وعقله. (القدرة الذاتية هي مفهوم طبي وصحي عام، تُعرّفه منظمة الصحة العالمية بأنه مجموع جميع القدرات البدنية والعقلية التي يمكن للفرد الاعتماد عليها في أي مرحلة من مراحل حياته - المحرر).

الخصائص الداخلية والأداء

• الخصائص والأداء. يقول الدكتور جون بيرد، أستاذ «الشيخوخة المنتجة» في كلية «ميلمان» للصحة العامة بجامعة كولومبيا الذي ساهم في تطوير هذا المفهوم: «إنه ليس مصطلحاً جذاباً أو مثيراً»، لكنه منطقي من الناحية العلمية. ويضيف موضحاً: «كلمة ’ذاتية‘ (Intrinsic) تشير إلى كل تلك الخصائص التي يمكن نسبتها إلى الفرد من الداخل (أي ما يقع داخل حدود الجسم)، فيما تشير كلمة ’القدرة‘ (Capacity) إلى مستوى أداء الفرد الوظيفي».

لا يمكنك أن تطلب من طبيبك فحص «قدرتك الذاتية» في الوقت الراهن، لكن الخبراء يأملون أن يستخدم الأطباء هذا «المقياس» مستقبلاً مع المرضى كبار السن لمتابعة حالتهم الصحية ورفاهيتهم، وربما مع المرضى الأصغر سناً أيضاً. وعلى المدى القريب، يعتقد العلماء المتخصصون في أبحاث طول العمر أن هذا المقياس قد يكون المفتاح لتحديد ما إذا كان دواء ما أو تغيير في نمط الحياة - يهدف إلى إبطاء الشيخوخة - فعالاً بالفعل.

• كيف تحدد درجات القدرة الذاتية؟ تم تعريف «القدرة الذاتية» رسمياً في عام 2015 من قبل منظمة الصحة العالمية كجزء من مبادرتها للشيخوخة الصحية؛ وهي مبادرة تهدف جزئياً إلى توجيه الأطباء والعلماء للابتعاد عن التركيز على المرض، والتركيز بدلاً من ذلك على تعظيم القدرات الوظيفية لكبار السن والحفاظ عليها.

يستمد الخبراء درجة «القدرة الذاتية» للفرد من أدائه في خمسة «مجالات فرعية»: الإدراك، والحركة (القوة والقدرة على التنقل)، والقدرة الحسية (البصر والسمع)، والرفاه النفسي، والحيوية (مستويات الطاقة العامة والقدرة على الصمود أمام الضغوط البدنية). وتُستخدم بالفعل العديد من الاختبارات التي تقيّم هذه المجالات الفرعية لتقييم صحة كبار السن، مثل اختبار قوة قبضة اليد وسرعة المشي.

وقد أظهر الباحثون وجود ارتباط بين «القدرة الذاتية» ومخاطر الإصابة بالعجز والوفاة لدى كبار السن. لكن الخبراء يشيرون إلى أن القيمة السريرية الحقيقية ستكمن في متابعة «القدرة الذاتية» للشخص بمرور الوقت؛ إذ يمكن أن يتيح ذلك للأطباء رصد أي علامات للتدهور في مرحلة مبكرة واتخاذ خطوات لوقف هذا المسار أو إبطائه.

ويقول بيرد: «حتى عندما يتمتع الأشخاص بصحة قوية ولا يعانون من أي أمراض، لا يزال بإمكاننا رصد تغيرات في القدرة الذاتية». «وهذا يتيح لك البدء في التفكير في العوامل التي تجعل قدرات الناس متفاوتة، وكيف يمكننا التدخل في مرحلة مبكرة جداً لمحاولة الحيلولة دون تدهور هذه القدرات في مراحل لاحقة من العمر».

في الوقت الراهن، تقتصر فائدة العديد من الاختبارات التي تقيّم عناصر «القدرة الذاتية» مثل اختبارات الكشف عن الضعف الإدراكي، على كبار السن؛ نظراً لأن الأشخاص الأصغر سناً والأكثر صحة يحققون عادةً درجات كاملة أو شبه كاملة. غير أن العلماء يدرسون حالياً إمكانية استخدام مقاييس أخرى - تتسم بقدر أكبر من التباين في النتائج عبر مختلف الفئات العمرية - لتقييم القدرة الذاتية لدى الشباب أيضاً.

برامج وأبحاث لاستخدام المقياس

• تجربة فرنسية. تخضع القدرة الذاتية للدراسة في إطار تجارب سريرية، بما في ذلك تجربة عملية تُجرى حالياً في فرنسا. ففي هذه الدراسة، يقوم كبار السن بانتظام بتعبئة استبيان لتقييم قدراتهم الذاتية، ويتلقون توصيات مخصصة بناءً على نتائجهم. وإذا بدأت درجات الفرد في الانخفاض، تتم إحالته بسرعة إلى طبيبه أو إلى ممرض متخصص في رعاية المسنين لإجراء فحوصات متابعة وتلقي العلاج اللازم.

لا تزال هذه الأبحاث في مراحلها الأولية، ولم يتضح للعلماء بعد ما إذا كان التدخل المبكر - استناداً إلى نتائج تقييم القدرة الذاتية - سيساعد في إطالة العمر. وفي هذا الصدد، قال ديفيد فورمان، الأستاذ في «معهد باك لأبحاث الشيخوخة» (Buck Institute for Research on Aging) الذي تعاون مع الباحثين القائمين على الدراسة: «نتوقع أن يحدث ذلك، لكننا لا نملك البيانات الكافية بعد». وتجدر الإشارة إلى أن دراسة مماثلة حول القدرة الذاتية - وهي الأولى من نوعها في الولايات المتحدة - قد بدأت أخيراً في ولاية نيو مكسيكو.

• برنامج بحثي أميركي. كما تُعد «القدرة الذاتية» محوراً لبرنامج بحثي جديد تموله وكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة للصحة (ARPA-H)، وهي وكالة تابعة لوزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأميركية. ويتمثل الهدف النهائي للبرنامج في تمهيد الطريق أمام اعتماد أدوية تزيد من «فترة الصحة» (أي الفترة التي يعيشها الإنسان بصحة جيدة) من قِبَل إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA).

وحتى الآن، لا توجد أدوية معتمدة لإطالة العمر، وذلك لعدة أسباب: أحدها صعوبة تحديد ما إذا كان الدواء يزيد من العمر الافتراضي؛ إذ يتطلب ذلك إجراء تجربة سريرية تمتد لعقود، وهي عملية باهظة التكلفة للغاية. لذا، يبحث العلماء عن مؤشرات بديلة لعملية الشيخوخة يمكن استخدامها لهذا الغرض، ويعتقدون أن «القدرة الذاتية» قد تكون هي المؤشر المناسب.

وثمة عقبة أخرى تتمثل في أن إدارة الغذاء والدواء لا تعتبر الشيخوخة مرضاً، وبالتالي فهي لا تُقيّم الأدوية بناءً على قدرتها على تغيير مسار عملية الشيخوخة. ويرى أندرو براك، الذي يقود برنامج وكالة «ARPA-H»، أن مفهوم «القدرة الذاتية» قد يوفر وسيلة لتجاوز هذه العقبة. وهذه الفكرة ليست جديدة كلياً؛ فبعد جدل طويل حول تصنيف الشيخوخة كمرض، أدرجت منظمة الصحة العالمية في عام 2022 مصطلح «التدهور في القدرة الذاتية المرتبط بالشيخوخة» ضمن الإصدار الحادي عشر من التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11).ومن خلال مشروع وكالة «ARPA-H»، يسعى العلماء لإثبات أمرين رئيسيين: أولاً، أن القدرة الذاتية للفرد ترتبط بكيفية شعوره أو أدائه الوظيفي أو حتى بطول عمره؛ وثانياً، إمكانية تحسين هذه القدرة من خلال تغييرات في نمط الحياة - مثل ممارسة الرياضة - أو باستخدام أدوية موجودة بالفعل يُعتقد أنها تساهم في إطالة العمر، مثل أدوية «GLP-1». وفي حال نجاح هذا المسعى، قد تصبح «القدرة الذاتية» مقياساً لتقييم الأدوية التي تستهدف الشيخوخة، ما قد يفتح الباب أخيراً أمام اعتماد أول دواء لإطالة العمر من قِبَل إدارة الغذاء والدواء.

خدمة «نيويورك تايمز»


تأثير الجينات في القدرات العقلية يتغير مع نمو الطفل

تأثير الجينات في القدرات العقلية يتغير مع نمو الطفل
TT

تأثير الجينات في القدرات العقلية يتغير مع نمو الطفل

تأثير الجينات في القدرات العقلية يتغير مع نمو الطفل

كشفت دراسة بريطانية جديدة أن تأثير الجينات في القدرات العقلية يتغير مع نمو الطفل ولا يبقى ثابتاً طوال مرحلة الطفولة. وأشارت إلى أن التغيرات الجينية النادرة المرتبطة بالقدرات المعرفية تكون أكثر تأثيراً في السنوات الأولى من العمر ثم يتراجع ارتباطها مع تقدم الطفل في السن، بينما يزداد تأثير التغيرات الجينية الشائعة في المراحل اللاحقة من الطفولة.

لغز محيّر في علم الوراثة

وتقدم هذه النتيجة تفسيراً محتملاً لأحد الألغاز المحيرة في علم الوراثة: لماذا يمكن لبعض الأطفال أن يحملوا تغيراً جينياً مرتبطاً بالإعاقة الذهنية أو اضطرابات النمو العصبي في حين يحمل أحد والديهم التغير الجيني نفسه من دون أن تظهر عليه أعراض واضحة؟ وقد تساعد الدراسة الجديدة في فهم الكيفية التي تتغير بها آثار الاختلافات الجينية خلال مراحل النمو ولماذا قد تكون بعض التأثيرات أكثر وضوحاً في الطفولة المبكرة منها في مراحل لاحقة.

وتابعت الدراسة التي أجراها باحثون من معهد ويلكوم سانغر في المملكة المتحدة ونُشرت في مجلة Nature Human Behaviour في 10يوليو (تموز) 2026، العلاقة بين الاختلافات الجينية والقدرات المعرفية عبر مراحل مختلفة من الطفولة.

ويشير مفهوم «القدرة المعرفية» Cognitive ability إلى مجموعة من المهارات العقلية مثل حل المشكلات واكتشاف الأنماط والتذكر والتعلم، وهي قدرات ترتبط لاحقاً بالتحصيل الدراسي بل وببعض النتائج الصحية والاقتصادية في مرحلة البلوغ.

السنوات الأولى مرحلة شديدة الحساسية

كما حلل الباحثون بيانات وراثية لأكثر من 6400 طفل من دراسة بريطانية طويلة الأمد تُعرف باسم «أطفال التسعينيات» (ALSPAC) Avon Longitudinal Study of Parents and Children وكانت قدراتهم المعرفية قد قِيست في أعمار 4 و8 و16 عاماً. كما استخدموا بيانات من دراسات بريطانية أخرى بينها «دراسة الألفية» Millennium Cohort Study و«بنك المملكة المتحدة الحيوي» UK Biobank للتحقق من بعض النتائج.

وركز الفريق على نوعين من الاختلافات في الحمض النووي (دي إن إيه): الأول هو «التغيرات الجينية النادرة» وهي تغيرات لا توجد إلا لدى عدد قليل من الأشخاص ويمكن لبعضها أن يعطل وظيفة الجينات أو يضر بها. والثاني هو «التغيرات الجينية الشائعة» وهي ملايين الاختلافات الصغيرة المنتشرة بين السكان والتي لا تؤدي عادةً إلى تلف مباشر للجينات، لكنها قد تؤثر في طريقة عملها ونشاطها.

وعندما قارن العلماء تأثير هذه الاختلافات عبر الأعمار ظهرت صورة لافتة. فقد كان الارتباط بين التغيرات الجينية النادرة والقدرات المعرفية أقوى عند سن الرابعة ثم أخذ في الانخفاض تدريجياً ليصبح أضعف عند سن السادسة عشرة.

لكن الصورة انعكست بالنسبة إلى التغيرات الجينية الشائعة، إذ أصبح ارتباطها بالقدرات المعرفية أقوى مع تقدم الأطفال في العمر.

لغز «النفاذية غير الكاملة»

قد تساعد هذه النتيجة في تفسير ظاهرة معروفة لدى علماء الوراثة باسم «النفاذية غير الكاملة» incomplete penetrance حيث لا يؤدي وجود تغير جيني مرتبط باضطراب معين بالضرورة إلى ظهور الحالة لدى كل شخص يحمله.

وفي بعض العائلات يمكن لأحد الوالدين أن يحمل تغيراً جينياً نادراً معروفاً بارتباطه بالإعاقة الذهنية أو اضطرابات النمو العصبي من دون أن يبدو متأثراً به، بينما قد تظهر آثار أكثر وضوحاً لدى طفله.

وتشير الدراسة إلى احتمال أن يكون بعض هذه التأثيرات أكثر بروزاً في مرحلة مبكرة من النمو ثم يتراجع مع تقدم الطفل في العمر. لكن الباحثين يؤكدون أن هذه النتيجة تحتاج إلى مزيد من الدراسة ولا تعني أن الأطفال «يتغلبون» بالضرورة على تأثير التغيرات الجينية أو أن خطر الاضطراب يختفي مع العمر.

الجينات في مواجهة البيئة

كما قارن الباحثون التأثيرات الجينية بعوامل بيئية وصحية أخرى يمكن أن تؤثر في القدرات العقلية.

وكانت المفاجأة أن ارتباط الاختلافات الجينية الشائعة بمعدل الذكاء كان على الأقل بقوة الارتباط نفسها بتعليم الوالدين. أما تأثير التغيرات الجينية النادرة الضارة فكان مشابهاً في حجمه لتأثير عوامل مثل الولادة المبكرة أو إصابة الأم بمرض خلال الحمل مع تراجع تأثير التغيرات النادرة مع تقدم الأطفال في العمر.

لكن هذه النتائج لا تعني أن الجينات تحدد مستقبل الطفل العقلي. فالقدرات المعرفية تتشكل من تفاعل معقد بين الوراثة والبيئة والتعليم والصحة وظروف الحمل والتجارب التي يمر بها الطفل. وتكمن أهمية الدراسة في أنها تضيف عاملاً مهماً إلى هذه المعادلة، ألا وهو العمر نفسه، قد يغير الطريقة التي تظهر بها التأثيرات الجينية.

ويرى الباحثون أن السنوات الأولى من الحياة قد تشكل نافذة مهمة لفهم كيفية تأثير بعض الاختلافات الجينية في نمو الدماغ والقدرات المعرفية وأن الجمع بين البيانات الجينية والمتابعة الطويلة للأطفال قد يساعد مستقبلاً في تفسير أسباب بعض اضطرابات النمو العصبي وتحسين فهم الاختلافات الفردية في التعلم والتطور. ويقول دانيال مالاوسكي، الخبير في برنامج الوراثة البشرية معهد «ويلكوم سانجر» بالمملكة المتحدة الباحث الأول في الدراسة، إن النتائج تشير إلى أن تأثير الاختلافات الجينية يمكن أن يتغير بصورة كبيرة خلال الطفولة، بينما يؤكد الباحثون أن توفُّر المزيد من بيانات التسلسل الجيني من الدراسات السكانية طويلة الأمد سيتيح فرصة غير مسبوقة لدراسة كيف تتفاعل الجينات مع النمو والبيئة طوال حياة الإنسان.