«جنرال موتورز» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يغيّر علاقة السائق بالسيارة في السعودية

من التحديثات عن بُعد إلى «جيميناي»... كيف تتحول السيارة إلى منصة رقمية؟

تتحول السيارة تدريجياً إلى منصة رقمية تتطور بعد مغادرتها الوكالة مع التحديثات عبر الأثير والاتصال بالجيل الخامس والخدمات المتصلة (أدوبي)
تتحول السيارة تدريجياً إلى منصة رقمية تتطور بعد مغادرتها الوكالة مع التحديثات عبر الأثير والاتصال بالجيل الخامس والخدمات المتصلة (أدوبي)
TT

«جنرال موتورز» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يغيّر علاقة السائق بالسيارة في السعودية

تتحول السيارة تدريجياً إلى منصة رقمية تتطور بعد مغادرتها الوكالة مع التحديثات عبر الأثير والاتصال بالجيل الخامس والخدمات المتصلة (أدوبي)
تتحول السيارة تدريجياً إلى منصة رقمية تتطور بعد مغادرتها الوكالة مع التحديثات عبر الأثير والاتصال بالجيل الخامس والخدمات المتصلة (أدوبي)

تتغير العلاقة بين السائق والسيارة مع انتقال جزء متزايد من وظائف المركبة من المكونات الميكانيكية التقليدية إلى البرمجيات والاتصال والذكاء الاصطناعي. وتقول «جنرال موتورز» إن أكثر من 10 آلاف مركبة مؤهلة في السعودية والإمارات والكويت والبحرين حصلت على تحديثات برمجية أو مرتبطة بالأمن السيبراني عن بُعد خلال النصف الأول من 2026، في مؤشر على تغير طبيعة السيارة نفسها، من منتج يخرج من الوكالة بخصائص شبه ثابتة إلى منصة رقمية يمكن أن تتطور قدراتها خلال فترة الاستخدام.

هذا التحول لا يقتصر على تحديث البرمجيات، وإنما يمتد إلى الاتصال عبر شبكات الجيل الخامس، والخدمات الرقمية داخل المركبة، والذكاء الاصطناعي التوليدي، وأنظمة مساعدة السائق المتقدمة.

وفي السوق السعودية تحديداً، تضيف هذه التطورات متطلبات أخرى تتعلق باللغة العربية، وظروف المناخ والطرق، وحماية البيانات، وفهم المستخدم للحدود الفعلية للتقنيات التي يستخدمها.

يشرح المدير الإداري للخدمات والتجارب الرقمية لدى «جنرال موتورز» في أفريقيا والشرق الأوسط، لويس دي لا كروز، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر «ليب 2026» الذي عُقد في الرياض الأسبوع الماضي، أن «المركبة لا تتوقف عن التحسن بعدما تترك الوكالة». ويوضح أن هذا النموذج يسمح للوكالات بالتركيز بدرجة أقل على الأعمال البرمجية الروتينية، وتوجيه موارد أكبر إلى الخدمات التي تتطلّب دعماً مباشراً للعملاء وبناء العلاقة معهم.

المدير الإداري للخدمات والتجارب الرقمية لدى «جنرال موتورز» في أفريقيا والشرق الأوسط لويس دي لا كروز (الشركة)

السيارة بوصفها منصة برمجية

تضع «جنرال موتورز» هذه التغييرات ضمن استراتيجيتها للمركبات المعرّفة برمجياً، التي تشمل علامات «شيفروليه» و«جي إم سي» و«كاديلاك». ويذكر دي لا كروز أن المركبة المتصلة لم تعد تُقاس فقط بقدرتها على نقل السائق من مكان إلى آخر، وإنما بما تستطيع إضافته إلى تجربة الاستخدام بمرور الوقت. وتشمل الأمثلة التي أشار إليها التحديثات عبر الأثير، والخدمات المعلوماتية والترفيهية مثل بث الفيديو، إلى جانب خدمات تعتمد على اتصال أسرع عبر شبكات الجيل الخامس.

ويتزامن هذا التوجه مع تغير في توقعات العملاء أنفسهم. فالمستخدم الذي اعتاد أن تتطور تطبيقاته وخدماته الرقمية باستمرار أصبح ينتظر قدراً مشابهاً من السيارة، سواء من حيث الوصول إلى الخدمات أو سهولة التحكم أو استمرار إضافة مزايا جديدة. ومن هنا، تتوسع وظيفة «أونستار» من مجرد الاتصال بالمركبة إلى توفير خدمات مثل الوصول إليها عن بُعد، والدعم في الوقت الفعلي، والخدمات المتصلة، بالإضافة إلى مساعد قائم على الذكاء الاصطناعي يتجاوز تنفيذ الأوامر الصوتية البسيطة. ويشير دي لا كروز إلى أن السيارة تتحول تدريجياً إلى «رفيق أكثر ذكاءً على الطريق»، مع تغير نظرة السائق إليها من آلة منفصلة إلى جزء من تجربته الرقمية اليومية.

«جيميناي» والانتقال إلى المحادثة

أحد أبرز التغييرات التي تدخل المقصورة يرتبط بتوفير «جيميناي» من «غوغل» في مجموعة من مركبات «جنرال موتورز» المؤهلة في دول مجلس التعاون الخليجي.

ويتمثل الفارق الأساسي، وفق دي لا كروز، في الانتقال من نمط يقوم على تنفيذ أوامر صوتية محددة إلى تفاعل أقرب إلى المحادثة. ففي الأنظمة التقليدية يحتاج السائق عادة إلى معرفة صيغة الأمر الصحيحة، في حين يسمح الذكاء الاصطناعي التوليدي باستخدام لغة أكثر طبيعية للاستفسار عن خصائص المركبة أو طلب المساعدة في تخطيط مسار أو تعديل بعض الإعدادات. ويضيف أن هذه المسألة تكتسب أهمية أكبر بالنسبة إلى المتحدثين بالعربية، لأن المطلوب لا يقتصر على دعم اللغة شكلياً، بل يمتد إلى فهم السياق وأنماط الحديث اليومية. ويقول: «على التقنية فهم اللغة المحلية والسياق وأنماط الحديث اليومي، بدل توقع أن يتكيف السائقون مع النظام». وبالنسبة إلى الشركة، فإن نجاح هذه الأنظمة يرتبط بقدرتها على جعل التفاعل أقل تعقيداً، لا بإضافة المزيد من الوظائف لمجرد زيادة عددها.

يتطلّب توسيع المركبات المتصلة في السعودية تكييف التقنيات مع المناخ والطرق واللغة والأنظمة المحلية إلى جانب حماية البيانات وخصوصية المستخدم (أدوبي)

عندما تصبح كثرة الوظائف مشكلة

زيادة القدرات الرقمية داخل السيارة تفتح في المقابل سؤالاً حول تشتت الانتباه، خصوصاً عندما تتنافس الشاشات والتنبيهات والتطبيقات على انتباه السائق. ويفيد دي لا كروز بأن فلسفة التصميم تبدأ من السلامة، وأن الهدف ليس إضافة المزيد من الشاشات أو «التلقين أو التعقيد الرقمي»، بل تقديم المعلومة المطلوبة بأبسط طريقة ممكنة. فالذكاء الاصطناعي الصوتي، مثلاً، يمكن أن يتيح للسائق الحصول على مساعدة في الملاحة أو معرفة حالة المركبة أو طلب الدعم دون البحث داخل قوائم متعددة، فيما يمكن للتنبيهات الاستباقية أن تعرض المعلومة في اللحظة التي تصبح فيها ذات صلة.

ويتابع: «عليها أن تكون بديهية، هادفة ومصممة لدعم السائق، وليس المنافسة لكسب انتباهه». وبذلك يصبح معيار نجاح التقنية مرتبطاً بدرجة تقليلها للحاجة إلى التفاعل اليدوي مع الأنظمة، وليس فقط بقدرتها على تقديم مزيد من المحتوى أو الوظائف.

مليار ميل دون استخدام اليدين

في مجال مساعدة السائق، تستعد «جنرال موتورز» لتوسيع حضور تقنية «سوبر كروز» في المنطقة، بعد قيامها برسم خرائط لآلاف الكيلومترات من الطرق استعداداً لاستخدام النظام. وعالمياً، قطع مستخدمو «سوبر كروز» حتى الآن أكثر من مليار ميل بالقيادة من دون استخدام اليدين، وفق دي لا كروز. لكن نقل هذه التقنية إلى السعودية لا يعتمد على جاهزية السيارة وحدها. ويقول إن الشركة تعمل مع الجهات المحلية لضمان توافق البنية التحتية والأطر التنظيمية مع متطلبات النظام قبل التوسع في استخدامه. وفي الوقت نفسه، تحرص الشركة على الفصل بين «القيادة دون استخدام اليدين» و«القيادة الذاتية».

ويشدد دي لا كروز على أن «التثقيف بذات أهمية الهندسة»، وأن «سوبر كروز» يبقى نظاماً لمساعدة السائق، وليس تقنية تعفيه من المسؤولية. ولهذا تستخدم الشركة أنظمة مراقبة مدمجة، للتأكد من بقاء السائق منتبهاً ومستعداً للتدخل. ويبرز هذا الجانب مع زيادة قدرات أنظمة المساعدة، إذ يمكن أن يؤدي تطورها إلى اعتقاد بعض المستخدمين أنها أكثر استقلالية مما هي عليه فعلياً.

قطعت مركبات تستخدم «سوبر كروز» أكثر من مليار ميل عالمياً دون استخدام اليدين مع بقاء السائق مسؤولاً ومطالباً بالانتباه (أدوبي)

سيارة تعرف أكثر عن سائقها

كلما زادت درجة اتصال المركبة، زاد حجم البيانات التي يمكن أن تنتج عنها. وتشمل هذه البيانات الموقع، والمعلومات التشخيصية، وبعض أنماط الاستخدام والسلوك، وهي عناصر تصبح أكثر أهمية مع إدخال خدمات تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتخصيص. ويلفت دي لا كروز إلى أن «الثقة عنصر أساسي في بناء المركبات التي يحبها العملاء»، موضحاً أن الشركة تعمل وفق بروتوكولات مرتبطة بخصوصية البيانات وموافقة المستخدم، إلى جانب المتطلبات التنظيمية المعمول بها في المملكة. ويضيف أن ذلك يشمل حماية بيانات العملاء وتطبيق عمليات التوطين المناسبة، مع استخدام البيانات في إطار تعزيز تجربة القيادة.

وتتداخل هذه القضية مباشرة مع التوسع في الذكاء الاصطناعي داخل المركبة، لأن الأنظمة الأكثر تخصيصاً تحتاج إلى فهم أكبر للسياق والاحتياجات والتفضيلات، ما يجعل إدارة البيانات وموافقة المستخدم جزءاً من تصميم التجربة وليس مسألة منفصلة عنها.

حدود التقنية

تعمل «جنرال موتورز» في نحو 60 دولة، لكن دي لا كروز يرى أن الاعتماد على نموذج موحّد لكل الأسواق «لا ينطبق فعلياً». وفي السعودية، تدخل مجموعة من العوامل في تكييف التقنيات، منها المناخ، واللغة، وظروف القيادة، وطبيعة الطرق، والمتطلبات التنظيمية. ولهذا تُجري الشركة، وفقاً له، اختبارات وعمليات تعديل على التقنيات التي تتراوح من أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى تقنيات مساعدة السائق قبل تكييفها في السوق المحلية. ويضع ذلك أمام صناعة السيارات معادلة مختلفة عن تلك التي حكمتها لعقود. فالتنافس لم يعد مرتبطاً فقط بالمحرك، أو التصميم، أو التجهيزات الميكانيكية، بل بمدى قدرة المركبة على الاتصال والتحديث وفهم المستخدم والتكيف مع البيئة المحلية.

ومع انتقال مزيد من وظائف السيارة إلى البرمجيات والذكاء الاصطناعي، يبقى السؤال الأكثر حساسية هو مقدار الاستقلالية التي يمكن منحها لهذه الأنظمة، ومتى يجب أن يبقى السائق الطرف الذي يحتفظ بالقرار النهائي، سواء تعلّق الأمر بالمعلومات التي تقدمها السيارة، أو البيانات التي تستخدمها، أو الوظائف التي يمكن أن تنفذها نيابة عنه.


مقالات ذات صلة

باحث في «أنثروبيك» يستقيل بسبب مخاوف من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة

تكنولوجيا شركة «أنثروبيك» هي إحدى الشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي (رويترز)

باحث في «أنثروبيك» يستقيل بسبب مخاوف من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة

أعلن باحث بريطاني استقالته من شركة «أنثروبيك» محذراً من أن شركات التكنولوجيا تتسابق لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على تحسين نفسها بصورة مُقلقة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تكنولوجيا اتهم مسؤولون أميركيون 6 شركات صينية بالاستفادة من متغيّرات لنماذج الذكاء الاصطناعي أميركية الصنع لتدريب منتجاتها في مجال الذكاء الاصطناعي بسرعة أكبر (رويترز)

أميركا تتهم شركات صينية بنسخ «غير مشروع» لتقنيات ذكاء اصطناعي

اتهمت الحكومة الأميركية، الثلاثاء، شركات صينية متخصصة في الذكاء الاصطناعي، بنسخ تقنيات بشكل غير مشروع من شركات أميركية متخصصة في نفس المجال.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص جانب من إقبال الزوار على جناح الشركة في «ليب 26» (الشرق الأوسط)

خاص «الوطنية للإسكان» تستثمر نحو 880 مليون دولار بمركز بيانات بالرياض

تتوسع الشركة الوطنية لخدمات الإسكان في استثماراتها التقنية منتقلة من تطوير المنصات والخدمات الرقمية إلى بناء بنية تحتية وممكنات تقنية أعمق للقطاع العقاري.

ساره بن شمران (الرياض)
خاص يزداد التركيز في السوق التقنية السعودية على تحويل التدريب والشهادات إلى خبرة عملية داخل مشاريع التحول المؤسسي الكبرى (أدوبي)

خاص خبراء: التحول المؤسسي يفتح مساراً جديداً لبناء خبرات تقنية محلية في السعودية

تركز سوق التقنية السعودية بشكل متزايد على تحويل التدريب إلى خبرة عملية داخل المشاريع، بما يعزز نقل المعرفة، وبناء كفاءات محلية مستدامة.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد فني يعمل في مركز بيانات للذكاء الاصطناعي تابع لـ«أمازون ويب سيرفيسز» في نيو كارلايل بولاية إنديانا الأميركية يوم 2 أكتوبر 2025 (رويترز)

الإنفاق على مراكز البيانات قد يصل إلى 31.6 تريليون دولار حتى 2050

الذكاء الاصطناعي يدفع استثمارات مراكز البيانات عالمياً إلى 31.6 تريليون دولار حتى 2050، مع تصاعد الطلب على الرقائق والطاقة والتبريد.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

باحث في «أنثروبيك» يستقيل بسبب مخاوف من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة

شركة «أنثروبيك» هي إحدى الشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي (رويترز)
شركة «أنثروبيك» هي إحدى الشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي (رويترز)
TT

باحث في «أنثروبيك» يستقيل بسبب مخاوف من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة

شركة «أنثروبيك» هي إحدى الشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي (رويترز)
شركة «أنثروبيك» هي إحدى الشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي (رويترز)

أعلن باحث بريطاني استقالته من شركة «أنثروبيك»، إحدى الشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، محذّراً من أن شركات التكنولوجيا تتسابق لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على تحسين نفسها بصورة قد تجعل السيطرة عليها مستحيلة.

ووفق صحيفة «وول ستريت جورنال»، فقد صرح الباحث جاكوب كوكسون (27 عاماً)، المتخصص في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي من خلال تزويدها بكميات هائلة من البيانات، يوم الثلاثاء، بأنه سيغادر الشركة؛ لأنه لا يريد المشاركة في سباق محموم على مستوى القطاع لبناء أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على تطوير نفسها، مُعرباً عن قلقه من أن هذه الأنظمة قد تخرج عن السيطرة وتدمر البشرية.

وقال كوكسون: «نحن نسير نحو عدد من أكثر هذه السيناريوهات خطورة، وبحلول نهاية العام المقبل قد تكون الأمور خرجت عن السيطرة، بالفعل»، مشيراً إلى أن المنافسة بين الشركات الأميركية والشركات الصينية الناشئة الصاعدة تجعل التنازلات المتعلقة بالسلامة أمراً شبه حتمي.

ولفت إلى أن عدداً من زملائه في هذا المجال يستخدمون عبارات مثل «مرحلة الحسم» (crunchtime)، و«المرحلة النهائية» (endgame) لوصف المسار نحو تطوير نماذج قادرة على تحسين نفسها.

كان كوكسون قد غادر شركة «أوبن إيه آي»، في وقت سابق من العام، للانضمام إلى «أنثروبيك»، بسبب سمعتها الطيبة في مجال جهود سلامة نماذج ذكاء الاصطناعي. إلا أنه يعتقد، الآن، أنه لا توجد شركة قادرة بمفردها على تطوير ذكاء اصطناعي يتفوق على البشر في مجموعة متنوعة من المهام - وهو ما يُعرف أحياناً بالذكاء الاصطناعي العام - بشكل مسؤول، وذلك في غياب تدخُّل حكومي أو تباطؤ منسق في وتيرة التطوير داخل القطاع.

وتأتي استقالته في وقت تزداد فيه التحذيرات من قدرات النماذج الحديثة، بعدما أظهرت حالات اختراق أو سلوكيات غير متوقعة مؤخراً من نماذج تابعة لشركتيْ «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» قدرة بعض الأنظمة على تبنّي أهداف ضارة ومحاولة إخفائها عن البشر.

ويرى كوكسون أن الخطر الأكبر سيظهر عندما تبدأ هذه الأنظمة تطوير قدراتها ذاتياً، بما قد يدفعها إلى رفض أوامر البشر.

ولم تكن استقالته الأولى من نوعها، فقد غادر باحث متخصص في السلامة شركة «أنثروبيك»، في وقت سابق من العام، للتفرغ لدراسة الشعر، محذراً من أن «العالم في خطر». كما غادر باحثون آخرون شركات ذكاء اصطناعي كبرى، خلال السنوات الأخيرة، بسبب مخاوف مماثلة.

في السياق نفسه، حذّر الرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي»، سام ألتمان، من تداعيات التطور السريع للذكاء الاصطناعي، قائلاً: «أعتقد أن بعض الأمور ستسير بشكل سيئ للغاية فيما يتعلق بالأمن السيبراني ما لم يتحرك الناس على وجه السرعة».

كما كتب كبير العلماء في «أوبن إيه آي»، جاكوب باتشوكي، في تدوينة، الأحد: «هذا وقت يستدعي أقصى درجات الحذر. أشعر بالقلق من أنه لا أحد مستعد لعواقب الارتفاع المستمر والسريع في ذكاء الآلات»، داعياً إلى تباطؤ منسق في تطوير الذكاء الاصطناعي وتدخل حكومي.

يأتي ذلك بالتزامن مع توقيع أكثر من ألف باحث في مجال الذكاء الاصطناعي بياناً يدعو الحكومات حول العالم إلى التنسيق لوضع آلية تتيح إبطاء تطوير الأنظمة القادرة على تحسين نفسها، إذا أصبح ذلك ضرورياً للحفاظ على السيطرة عليها.


أميركا تتهم شركات صينية بنسخ «غير مشروع» لتقنيات ذكاء اصطناعي

اتهم مسؤولون أميركيون 6 شركات صينية بالاستفادة من متغيّرات لنماذج الذكاء الاصطناعي أميركية الصنع لتدريب منتجاتها في مجال الذكاء الاصطناعي بسرعة أكبر (رويترز)
اتهم مسؤولون أميركيون 6 شركات صينية بالاستفادة من متغيّرات لنماذج الذكاء الاصطناعي أميركية الصنع لتدريب منتجاتها في مجال الذكاء الاصطناعي بسرعة أكبر (رويترز)
TT

أميركا تتهم شركات صينية بنسخ «غير مشروع» لتقنيات ذكاء اصطناعي

اتهم مسؤولون أميركيون 6 شركات صينية بالاستفادة من متغيّرات لنماذج الذكاء الاصطناعي أميركية الصنع لتدريب منتجاتها في مجال الذكاء الاصطناعي بسرعة أكبر (رويترز)
اتهم مسؤولون أميركيون 6 شركات صينية بالاستفادة من متغيّرات لنماذج الذكاء الاصطناعي أميركية الصنع لتدريب منتجاتها في مجال الذكاء الاصطناعي بسرعة أكبر (رويترز)

اتهمت الحكومة الأميركية، الثلاثاء، شركات صينية متخصصة في الذكاء الاصطناعي بنسخ تقنيات بشكل غير مشروع من شركات أميركية متخصصة في المجال نفسه، ما قد يؤدي إلى تعقيد العلاقات قبل الاجتماع المزمع بين قادة أكبر اقتصادين في العالم في وقت لاحق من الشهر الجاري، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وذكر بيان صادر عن مسؤولين من جهات إنفاذ القانون ومن المخابرات في أميركا أن الشركات الصينية تمكنت من نسخ الملكية الفكرية لمختبرات أميركية متخصصة في الذكاء الاصطناعي من خلال تقنية تُعرف باسم التقطير. والتقطير هي عملية تدريب نماذج ذكاء اصطناعي أصغر حجماً بالاعتماد على مخرجات نماذج أكبر حجماً وأكثر تكلفة، وذلك في إطار الجهود الرامية إلى خفض تكاليف تدريب الأدوات الجديدة للذكاء الاصطناعي.

واتهم مسؤولون أميركيون ست شركات صينية، من بينها «ديب سيك» و«مون شوت إيه آي» و«علي بابا»، بالاستفادة من متغيرات لنماذج الذكاء الاصطناعي أميركية الصنع لتدريب منتجاتها في مجال الذكاء الاصطناعي بسرعة أكبر. وأضاف بيان المسؤولين الأميركيين أن هذه الشركات أقدمت على ذلك «على الأرجح بعلم الحكومة الصينية». وذكر المسؤولون أن الشركات الصينية استهدفت نماذج ذكاء اصطناعي تابعة لشركات «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» و«غوغل» التابعة لشركة «ألفابت» وشركة «سبيس إكس».

وقال المسؤولون: «تنخرط شركات متخصصة في الذكاء الاصطناعي تتخذ من الصين مقراً في أنشطة تقطير عدوانية وخبيثة وموجهة على نطاق صناعي».

وجاءت اتهامات المسؤولين الأميركيين في وقت تستعد فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لاستقبال الرئيس الصيني شي جينبينغ في الولايات المتحدة في أواخر سبتمبر (أيلول).

وأفادت «رويترز» في وقت سابق بأن واشنطن وبكين تستعدّان أيضاً لمناقشة مخاطر سلامة الذكاء الاصطناعي خلال حوار مقرر عقده في منتصف سبتمبر.

وكانت الولايات المتحدة وجّهت اتهاماً مماثلاً في أبريل (نيسان) قبل زيارة ترمب إلى بكين.

وذكرت «رويترز» في 31 يوليو (تموز)، أن باحثين عسكريين صينيين استخدموا مخرجات نماذج ذكاء اصطناعي أميركية رائدة لتدريب أنظمة ذكاء اصطناعي صينية محلية وتعزيز قدرات بكين الدفاعية.


خبراء: التحول المؤسسي يفتح مساراً جديداً لبناء خبرات تقنية محلية في السعودية

يزداد التركيز في السوق التقنية السعودية على تحويل التدريب والشهادات إلى خبرة عملية داخل مشاريع التحول المؤسسي الكبرى (أدوبي)
يزداد التركيز في السوق التقنية السعودية على تحويل التدريب والشهادات إلى خبرة عملية داخل مشاريع التحول المؤسسي الكبرى (أدوبي)
TT

خبراء: التحول المؤسسي يفتح مساراً جديداً لبناء خبرات تقنية محلية في السعودية

يزداد التركيز في السوق التقنية السعودية على تحويل التدريب والشهادات إلى خبرة عملية داخل مشاريع التحول المؤسسي الكبرى (أدوبي)
يزداد التركيز في السوق التقنية السعودية على تحويل التدريب والشهادات إلى خبرة عملية داخل مشاريع التحول المؤسسي الكبرى (أدوبي)

بعد أكثر من عقد من التوسع في برامج التعليم، والتدريب التقني، ينتقل النقاش في السعودية إلى مرحلة أكثر ارتباطاً بالخبرة العملية: كيف تتحول الشهادات والبرامج التدريبية إلى كفاءات قادرة على العمل داخل مشاريع التحول الكبرى، واتخاذ قرارات تقنية وتشغيلية في بيئات معقدة؟

هذا السؤال يكتسب أهمية إضافية مع توسع مشروعات التحديث في القطاعين العام، والخاص، ومع انتقال مؤسسات عديدة من أنظمة «SAP ECC» إلى «S/4HANA»، وهي عملية ترفع الطلب على متخصصين يمتلكون خبرة فعلية في التنفيذ، وليس فقط معرفة نظرية، أو شهادات مهنية.

ويقول مسؤولو «Workforce Staffing» إن السعودية وبقية دول الخليج استثمرت بصورة كبيرة في التعليم والتدريب خلال السنوات العشر إلى الاثنتي عشرة الماضية، لكن بناء خبرات متخصصة في الأنظمة المؤسسية يحتاج إلى وقت، ومشاركة مباشرة في مشروعات حقيقية. ومع تسارع جداول تحديث الأنظمة، أصبحت الحاجة أكبر إلى ربط التدريب بالممارسة الفعلية داخل المؤسسات.

من الشهادة إلى المشروع

أحد أبرز التحديات التي تطرحها سوق العمل اليوم هو الفرق بين امتلاك المهارات الأساسية والقدرة على العمل داخل مشروع كبير. وبحسب بادماكومار ألانغاتو فيجاياكومار، مدير «Workforce Staffing» في السعودية، تنتج الجامعات وجهات التدريب خريجين يتمتعون بمهارات تأسيسية، ومتوسطة، لكن الانتقال إلى مشروعات التحول المؤسسي واسعة النطاق يحتاج إلى خبرة إضافية في بيئات حقيقية.

فالمشروعات الكبرى لا تعتمد فقط على معرفة البرامج، أو الأنظمة، بل تتطلب التعامل مع قرارات تصميم وتشغيل، وضغوط زمنية، وتكامل بين أقسام متعددة، ومشكلات تظهر أثناء التنفيذ، ولا يمكن محاكاتها بالكامل داخل قاعات التدريب. ويشير خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» إلى أن الخريجين غالباً ما يحتاجون إلى مرحلة من الخبرة العملية قبل أن يصبحوا قادرين على العمل بفاعلية في بيئات التحول عالية الضغط.

بادماكومار ألانغاتو فيجاياكومار مدير «Workforce Staffing» في السعودية (الشركة)

الطلب يتوسع عبر قطاعات عدة

لا يتركز الطلب على هذه المهارات في قطاع واحد، حيث يذكر فيرين سوخون، المدير الإداري لدى «Workforce Staffing» في أفريقيا والشرق الأوسط، أن الحاجة تمتد إلى الجهات الحكومية، والنفط والغاز، والمرافق، والبناء، والمشروعات الكبرى، إلى جانب الخدمات المالية، والرعاية الصحية، واللوجستيات.

ويعود ذلك إلى اعتماد هذه القطاعات على أنظمة مؤسسية تدير عمليات أساسية، مثل الموارد، والمالية، وسلاسل الإمداد، والخدمات التشغيلية، ما يجعل توفر الكفاءات القادرة على تشغيل هذه الأنظمة وتطويرها عاملاً مهماً في استمرارية برامج التحول. ويضيف سوخون أن نمو الطلب جاء أسرع من قدرة برامج التدريب وحدها على توفير خبرات جاهزة للمشروعات، خصوصاً مع وجود حاجة إلى متخصصين في أدوار تتطلب سنوات من الخبرة، مثل تصميم الحلول، وإدارة البرامج، وبناء الأنظمة المؤسسية.

الخبرة الدولية جزء من بناء القدرات

في هذه المرحلة لا ترى الشركة تعارضاً بين الاستفادة من الخبرات الدولية وأهداف التوطين، بل تعتبر أن الجمع بين الطرفين هو المسار الأكثر عملية لبناء كفاءات محلية قوية. ويقول سوخون إن الخبرات الدولية لا تزال مهمة في بعض المشروعات المعقدة، لكن القيمة الكبرى تتحقق عندما تعمل هذه الخبرات مباشرة إلى جانب الكفاءات السعودية خلال التنفيذ، بحيث تنتقل المعرفة في الوقت الفعلي. ويضيف أن التوطين لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد الموظفين، بل بمدى انتقال المعرفة، والقدرة على تولي مسؤوليات أكبر داخل المشروعات. ويوضح أن «المفتاح هو التأكد من ألا يكون ذلك مجرد امتثال عددي»، بل أن يركز على تطوير مهارات فعلية، وقدرات يمكن البناء عليها في المشروعات اللاحقة.

فيرين سوخون المدير الإداري لدى «Workforce Staffing» في أفريقيا والشرق الأوسط (الشركة)

فرق مختلطة داخل المشروعات

من الأساليب التي تطرحها الشركة لتسريع هذا الانتقال تشكيل فرق تضم خبرات دولية ومحلية معاً، بدلاً من الفصل بين التنفيذ والتدريب. ويؤكد فيجاياكومار أن الإرشاد المنظم داخل المشروعات الفعلية هو من أكثر الأدوات فاعلية، لأن المهنيين الأصغر سناً يمكنهم التعلم مباشرة من متخصصين سبق لهم تنفيذ مشروعات مشابهة. ويتضمن ذلك المشاركة في الاجتماعات الفنية، وفهم قرارات التصميم، ومتابعة مراحل التنفيذ، والمساهمة في حل المشكلات التي تظهر أثناء العمل. ويقول إن هذا النوع من الخبرة يتيح اكتساب مهارات يصعب الوصول إليها من خلال التدريب النظري وحده، لكنه يتطلب من المؤسسات الاستثمار في الإشراف، والإرشاد، ومنح الكفاءات المحلية دوراً حقيقياً داخل فرق التنفيذ.

نقل المعرفة يحتاج إلى إطار واضح

لكن وجود الكفاءات المحلية داخل المشروع لا يكفي وحده لضمان انتقال المعرفة. فبحسب فيجاياكومار، يجب أن تبدأ برامج نقل المعرفة بأهداف واضحة، تشمل تحديد المهارات المطلوب نقلها، والفترة الزمنية، والنتائج التي يمكن قياسها، مع متابعة تقدم المشاركين بصورة منتظمة. كما ينبغي أن يتجاوز نقل المعرفة الشرح النظري ليشمل العمل المشترك، وحل المشكلات، وتوثيق حالات حقيقية من المشروع. ويشير إلى أهمية إنشاء ما وصفه بـ«محفظة أدلة» توثق ما تم تعلمه، وتطبيقه، بحيث لا تضيع الخبرة بمجرد انتهاء المشروع، أو مغادرة أحد المتخصصين.

التوطين التقني لا يقتصر على زيادة أعداد الموظفين السعوديين بل يعتمد على بناء مهارات قابلة للقياس وتمكين الكفاءات من تحمل مسؤوليات أكبر (أدوبي)

دور الجامعات والشركات والحكومة

يحتاج بناء قاعدة مهارات مستدامة، وفق مسؤولَي «Workforce Staffing»، إلى أدوار متكاملة بين أصحاب العمل، والجامعات، والجهات الحكومية، وشركات التقنية. فالشركات برأيهما مطالبة بتوفير التدريب العملي والفرص داخل المشروعات، بينما تحتاج الجامعات إلى مواءمة المناهج بصورة مستمرة مع الاحتياجات الفعلية لسوق العمل.

أما الجهات الحكومية، فإن دورها يتمثل في سياسات التوطين، والحوافز، وبرامج تطوير المهارات، فيما تساعد شركات التقنية وشركاؤها في توفير مسارات تدريب تطبيقية تربط بين الشهادات والقدرة على تنفيذ المهام الفعلية. ويفسّر سوخون أن السبب في استمرار تفضيل الخبرات الطويلة في بعض المشروعات يعود إلى طبيعة المخاطر نفسها، إذ تتعامل المؤسسات مع أنظمة تمس عمليات مالية وتشغيلية واسعة، ما يجعل التجربة السابقة عاملاً مهماً في قرارات التوظيف. لكن معالجة هذه الفجوة لا تتم، باعتقاده، بإبعاد الكفاءات الجديدة عن المشروعات، بل بإدخالها بصورة مدروسة ضمن فرق ذات خبرة، حتى تكتسب القدرة على تحمل مسؤوليات أكبر بالتدريج.

السنوات الخمس المقبلة

خلال السنوات الخمس المقبلة، تفيد «Workforce Staffing» بأن الأولوية ستكون الانتقال من التركيز على عدد البرامج التدريبية إلى قياس الخبرة التي يكتسبها الأفراد داخل المشروعات الفعلية.

وتشمل هذه المرحلة استمرار التعلم، والحصول على الشهادات، لكن مع دمجها بصورة أوثق مع التجربة العملية، وبرامج تطوير القيادات، ونقل المعرفة. ويقول فيجاياكومار إن الاستدامة تتحقق عندما يصبح دور الخبرات الدولية جزءاً من عملية تطوير الكفاءات المحلية، وليس بديلاً عنها، بحيث تتولى فرق سعودية مع مرور الوقت مسؤوليات أكبر في قيادة الأنظمة والمشروعات المعقدة.