بعد توسّع الاحتجاجات في تركيا... هل ارتكب إردوغان أكبر خطأ في مسيرته السياسية؟

رفاقه القدامى حذروه من تكرار ما تعرضوا له في الماضي... والأكراد قلقون

متظاهر يقف أمام صف من قوات الأمن خلال مظاهرات في أنقرة 21 مارس (أ.ف.ب)
متظاهر يقف أمام صف من قوات الأمن خلال مظاهرات في أنقرة 21 مارس (أ.ف.ب)
TT

بعد توسّع الاحتجاجات في تركيا... هل ارتكب إردوغان أكبر خطأ في مسيرته السياسية؟

متظاهر يقف أمام صف من قوات الأمن خلال مظاهرات في أنقرة 21 مارس (أ.ف.ب)
متظاهر يقف أمام صف من قوات الأمن خلال مظاهرات في أنقرة 21 مارس (أ.ف.ب)

أشعل اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو ناراً كانت كامنة تحت الرماد، وتسبّب في غليان سياسي شجّع على اتّساع الاحتجاجات من إسطنبول إلى أنقرة وإزمير، وتوالياً إلى العديد من الولايات التركية شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً.

وبعدما كان العنوان الأول للاحتجاجات هو الاعتقال «المتوقع» لإمام أوغلو بعد سلسلة ملاحقات قضائية وتحقيقات بدأت عقب فوزه برئاسة بلدية إسطنبول للمرة الأولى في عام 2019، منهياً عقوداً من سيطرة الأحزاب ذات الجذور الإسلامية، أصبحت هتافات المحتجين تدور حول «الحقوق والقانون والعدالة».

تواصلت الاحتجاجات لليوم الرابع بعد اعتقال أكرم إمام أوغلو 21 مارس (أ.ب)

وانتشرت الاحتجاجات التي بدأت من ساراتشهانه، الميدان الذي يتوسط إسطنبول التاريخية ويقع به مبنى بلديتها، وجامعة إسطنبول إلى مدن وجامعات وشوارع مختلفة.

منحى جديد للاحتجاجات

لفت العديد من المشاركين في الاحتجاجات، الذين جاءوا من أجيال متعددة مع ظهور واضح للشباب الذي وُلد وكبر في ظل حكم العدالة والتنمية، إلى أن العدالة باتت المطلب الأساسي.

وحاول الكثيرون من الطلاب إلى العمال إيصال رسائلهم حول الوضع الاقتصادي ومستوى المعيشة المتردي وغياب الخدمات الطلابية والمطاعم الرخيصة التي نجح إمام أوغلو في تقديمها لهم، منتزعاً دوراً اجتماعياً عُرف به الإسلاميون تقليدياً.

حذّر بعض مؤسسي حزب العدالة والتنمية حكومة إردوغان من تداعيات اعتقال رئيس بلدية إسطنبول بعد اتّساع المظاهرات (أ.ف.ب)

وأخذت هذه الرسائل الاحتجاجات بعيداً عن السردية التقليدية في تركيا عن الصراع بين العلمانيين والإسلاميين، لأن مَن ظهروا في الاحتجاجات جاءوا من خلفيات مختلفة، وفئات كانت معروفة بتأييدها السابق لحزب العدالة والتنمية الحاكم، بل إنهم حرصوا على إظهار وجودهم وإصرارهم على المضي قدماً حتى رحيل إردوغان وحكومته.

يرى سياسيون ومحللون أن تحرّك الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ضدّ إمام أوغلو، وهو أحد أبرز منافسيه على الرئاسة، يمكن أن يكون أكبر خطأ يرتكبه إردوغان على مدى مسيرة حكم استمرت لما يقرب من ربع قرن، وأن نظامه القوي ربما لا يصمد أمام طوفان الغضب الذي فجّره اعتقال رئيس بلدية إسطنبول، وأنه ربما يكون «دبّر انقلاباً ضد نفسه».

ويذهب البعض إلى أن إردوغان ربما يفتح طريق إمام أوغلو لرئاسة البلاد، عبر تكرار نموذج «المظلومية» الذي صعد به هو نفسه إلى الحكم بعد اعتقاله أثناء رئاسته بلدية إسطنبول في تسعينات القرن الماضي، بسبب بعض أبيات شعر اعتُبرت مناهضة لمبادئ الجمهورية العلمانية.

تحذيرات من رفاق الأمس

وفي مقابل استنفار حكومة إردوغان، وحليفه رئيس حزب الحركة القومية، دولت بهشلي، وتلويحهما بفرض وصاية على حزب الشعب الجمهوري وبلدية إسطنبول، ومحاولتهما دمغ إمام أوغلو بتهم الفساد والإرهاب حتى قبل مثوله أمام المحكمة، صدرت تحذيرات من شخصيات وازنة لها تاريخ في مثل هذه الصراعات، وكانوا من مؤسسي حزب العدالة والتنمية وحملوا على أكتافهم عبء تجربته الوليدة التي واجهت حملات مماثلة لما يتعرض له إمام أوغلو اليوم.

وذكّر الرئيس السابق عبد الله غل، أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية الذي واجه ترشيحه للرئاسة في عام 2007 احتجاجات غاضبة من العلمانيين ونخبة الجيش، إردوغان وحكومته بالمتاعب التي واجهها الحزب في الماضي. وقال غل، في بيان نقله الكاتب في صحيفة «قرار» محمد أوجاكتان: «دعونا نتذكر كيف لم يتقبل الضمير العام الظلم الذي لحق بالرئيس رجب طيب إردوغان وبشخصي. لا ينبغي أن تُرتكب أخطاء مماثلة بحق أكرم إمام أوغلو، الذي انتُخب رئيساً للبلدية بإرادة الشعب، لا ينبغي أن نفقد سيادة القانون والعدالة، وإلا ستخسر تركيا».

إردوغان يدلي بصوته خلال انتخاب عبد الله غل رئيساً للجمهورية في عام 2007 (أرشيفية - إعلام تركي)

وأضاف أنه تابع بقلق العملية التي بدأت باعتقال رئيس بلدية إسطنبول وآخرين معه في الأيام الأخيرة، ورأى أنه «من المحزن حقاً أن نصل إلى هذه العملية، التي حظيت بتغطية واسعة، داخل تركيا وفي الصحافة الأجنبية، بينما كانت البلاد تتقدم بخطوات ناجحة على الصعيد الداخلي وفي السياسة الخارجية وفي علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي».

وشدد غل على أنه «لا ينبغي إغفال القانون والعدالة، وإلا فإن تركيا سوف تخسر وستصبح مشاكل اليوم عبئاً في الغد»، لافتاً إلى أنه «لا فائدة من تصعيد التوتر بين الحكومة والمعارضة، واتّباع سياسة تهيمن عليها لغة الصراع».

ولفت وزير التعليم الأسبق وأحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية، حسين تشيليك، إلى أنه «لا ينبغي أن ننسى أن حزب العدالة والتنمية وصل إلى السلطة عبر مسارات مماثلة». وقال إن «إلغاء الشهادة الجامعية لرئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو واحتجازه مع العديد من زملائه، لاحقاً، لم يكونا صحيحين، وإن حرمان الشعب من حق الاحتجاج فتح جروحاً لا تلتئم في ديمقراطيتنا وسيادة القانون الهشة أصلاً، وإن اتّخاذ تدابير وقرارات استثنائية دون إعلان حالة الطوارئ هو في الواقع تطبيق للأحكام العرفية»، مضيفاً: «لا يُمكنك العبث بإرادة الشعب».

عناصر مكافحة الشغب يستخدمون الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين في إسطنبول 21 مارس (أ.ف.ب)

وعدّ تشيليك أن الممارسات السابقة بحق إردوغان كانت «خطأ»، وأن «ما يتم فعله حيال إمام أوغلو وحزب الشعب الجمهوري اليوم خطأ أيضاً»، داعياً الحكومة إلى «حماية حقوق معارضيها السياسيين، حتى يتم احترامها في نظر الشعب والعالم أجمع». ونبّه إلى أن هذه الأحداث تسبّبت في أضرار كبيرة لاقتصاد تركيا، الهشّ أصلاً، قائلاً إن ما يحدث للمواطنين ذوي الدخل المنخفض الذين بالكاد يستطيعون تلبية احتياجاتهم «أمر مخزٍ، بل خطيئة».

وتوجّه نائب حزب العدالة والتنمية السابق في إزمير، حسين كوجابيك، بسؤال إلى الرئيس إردوغان، قائلاً: «رجب طيب إردوغان، هل هذا هو أصلك؟ هل حاربنا من أجل هذا؟ هل جررنا أنفسنا إلى المحاكم لسنوات بسببه؟ في الواقع، دبرت انقلاباً ضد نفسك وأنت لا تدري!». ونتيجة هذا الانتقاد، أُحيل كوجابيك إلى لجنة التأديب بالحزب، السبت، مع طلب فصله.

استعراض قوة

وعلى الجانب الآخر من النقاش، برزت أصوات من داخل حزب الشعب الجمهوري انتقدت خطوة إعلان ترشيح إمام أوغلو للرئاسة مبكّراً، وإجراء انتخابات تمهيدية داخل الحزب لهذا الغرض. وكان رئيس بلدية أنقرة، منصور ياواش، الذي امتنع عن الترشح في الانتخابات التمهيدية، بين المنتقدين، معتبراً أن إعلان المرشح مبكّراً سيؤدي إلى استنزافه، وتعرضه للملاحقة لمنعه من منافسة إردوغان، الذي يبحث عن مخرج يضمن له الترشح بعد استنفاد حقّه في ذلك.

ورأى الكاتب مراد يتكين أنه ينبغي قراءة الاعتقال الجماعي لإمام أوغلو وزملائه في عملية 19 مارس (آذار) على أنه ليس استعراضاً سياسياً فحسب، بل هو استعراض قانوني للقوة. «فعندما يتعلق الأمر بسياسة القوة، يدخل قانون الأقوياء إلى حيز التنفيذ، ويريد الأقوياء إظهار قوة قانونهم الخاص».

جانب من الاشتباكات بين الشرطة والمتظاهرين في أنقرة 21 مارس (أ.ف.ب)

ولفت يتكين إلى التناقض بين تجاهل الادعاء العام النظر في 100 شكوى فساد تقدم بها رئيس بلدية أنقرة منصور ياواش، ضد سلفه مليح جوكتشيك (من حزب العدالة والتنمية)، من جهة، وملاحقة إمام أوغلو من جهة أخرى، معتبراً ذلك «ضرباً من ضروب قانون الأقوياء». كما رأى أن توقيت عملية اعتقال إمام أوغلو وزملائه، في الصباح الباكر بينما الناس يستعدون للتوجه إلى أعمالهم، بتهمتي الفساد ومساعدة حزب العمال الكردستاني (المصنّف إرهابياً)، هو بدوره استعراض سياسي للقانون من جانب الأقوياء، استهدف خلق تصور عام بأن رئيس البلدية وفريقه مذنبون.

أما عن تهديد فرض الوصاية على بلدية إسطنبول فأوضح يتكين أن الاتهام بالفساد وحده لا يعطي المبرر القانوني للحكومة لتعيين وصي على البلدية، ففي هذه الحالة يتم إسناد رئاسة البلدية إلى أحد أعضاء مجلسها الذي يشكل حزب الشعب الجمهوري أغلبيته، إلا أن الاتهام بالإرهاب يكفل بالفعل تعيين وصي.

مخاوف الأكراد

لم تقتصر تداعيات التطورات الأخيرة على حزب الشعب الجمهوري المعارض، وشعبية حكومة إردوغان، بل تجاوزتها إلى قضية أكراد تركيا، ولا سيّما بعد التقارب الأخير بين حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» والحكومة، الذي أفضى إلى دعوة الزعيم الكردي السجين أوجلان لحلّ حزب «العمال الكردستاني».

وتكتسي أصوات حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» في البرلمان أهمية خاصة بالنسبة لإردوغان، الذي يسعى لتعديل الدستور.

إلا أن اعتقال إمام أوغلو وما أثاره من مخاوف بشأن الديمقراطية والحقوق والعدالة واستقلال القضاء، فجّر مخاوف من احتمال تقويض التحرك من جانب حكومة إردوغان لإنهاء مشكلة حزب العمال الكردستاني المزمنة. إذ يعتمد هذا التحرك بالأساس على التعاون الناشئ بين الحكومة و«الديمقراطية والمساواة للشعوب»، الذي رفض صراحة اعتقال إمام أوغلو وتضامن صراحة مع حزب «الشعب الجمهوري».

ويراود الأكراد قلق كبير من أن اعتقال إمام أوغلو، المنافس الرئيسي لإردوغان، قد يشير إلى تحول يغلق المجال أمام مصالحة تاريخية، ويفشل عملية انتقال حزب «العمال الكردستاني» من وضع حرب إلى السلام، ويهدد مستقبل الديمقراطية في تركيا.

وفي هذا الصدد، اتّهم إردوغان وحليفه بهشلي المعارضة بمحاولة إحداث فوضى من أجل تخريب مبادرة حل «مشكلة الإرهاب المستمرة لأكثر من 40 عاماً».


مقالات ذات صلة

تركيا: إمام أوغلو ينتظر قراراً في الطعن على إلغاء شهادته الجامعية

شؤون إقليمية تجمع لأنصار حزب «الشعب الجمهوري» في حي بيشكتاش في إسطنبول ليل الأربعاء - الخميس دعماً لإمام أوغلو (حزب الشعب الجمهوري - إكس)

تركيا: إمام أوغلو ينتظر قراراً في الطعن على إلغاء شهادته الجامعية

قال رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو إن قضية إلغاء شهادته الجامعية هدفها الأساسي منعه من خوض الانتخابات الرئاسية

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية أنصار رئيس بلدية إسطنبول إمام أوغلو في أحد التجمعات لدعمه عقب اعتقاله في مارس 2025 (حزب الشعب الجمهوري - «إكس»)

تركيا: إمام أوغلو يحصل على جائزة دولية للديمقراطية

حصل رئيس بلدية إسطنبول المحتجز، أكرم إمام أوغلو، على جائزة باويل أداموفيتش الدولية، التي تعدّ رمزاً للديمقراطية والكرامة الإنسانية والرغبة في العيش المشترك.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية عناصر من قوات مكافحة الإرهاب في يالوفا في أثناء نقل موقوفين من «داعش» إلى المحكمة (الداخلية التركية)

تركيا توقف عناصر من «داعش» على خلفية «اشتباك يالوفا»

أوقفت السلطات التركية العشرات من عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي والمشتبه بانتمائهم إلى التنظيم على خلفية اشتباك دامٍ وقع في مدينة يالوفا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية انتشار مدرعات وعناصر من القوات الخاصة التركية في شوارع يالوفا خلال اشتباك مع أعضاء من «داعش» يوم 29 ديسمبر (رويترز)

تأهّب أمني في تركيا عقب حملة اعتقالات واسعة ضد «داعش»

ألقت قوات الأمن التركية القبض على 125 من المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» الإرهابي في إطار حملة أمنية موسعة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية زعيم المعارضة التركية أوزغور أوزيل متحدثاً خلال المؤتمر العام لحزب الشعب الجمهوري الذي أعيد فيه انتخابه رئيساً للحزب 29 نوفمبر الماضي (حساب الحزب في إكس)

تركيا: زعيم المعارضة يؤكد استمرار الاحتجاجات في 2026 بأساليب جديدة

أكد زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوغور أوزيل استمرار المسيرات التي انطلقت عقب اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو 19 مارس الماضي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

استجواب رئيس القضاء الإيراني لمحتجين يثير مخاوف من «اعترافات قسرية»

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
TT

استجواب رئيس القضاء الإيراني لمحتجين يثير مخاوف من «اعترافات قسرية»

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)

ظهر رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي وهو يستجوب بشكل مباشر موقوفين على هامش الاحتجاجات الأخيرة في إيران، ما يعزّز مخاوف منظمات حقوقية من استخدام سلطات طهران «الاعترافات القسرية».

وعرض التلفزيون الرسمي، الخميس، لقطات تظهر غلام حسين محسني إجئي، صاحب المسيرة الطويلة في الجهاز القضائي، والذي صدرت في حقه عقوبات من الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، مستجوباً عدداً من الأشخاص الذين تتهمهم السلطات بأنهم «مثيرو شغب».

بثّ التلفزيون مشاهد تبيّن إجئي، وهو وزير سابق للاستخبارات وكبير المدعين العامين في طهران، مستجوباً امرأتين محتجزتين جرى إخفاء وجهيهما، وقد انهارتا بالبكاء أثناء الاستجواب، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

في اليوم السابق، أمضى إجئي خمس ساعات داخل أحد سجون طهران لتفحّص قضايا سجناء جرى توقيفهم خلال الاحتجاجات، وفق ما ذكر التلفزيون الرسمي الذي عرض لقطات له وهو يستجوب بعض المحتجزين.

وبحسب منظمات حقوقية، بثّ التلفزيون الرسمي العشرات من هذه «الاعترافات» لأفراد متهمين بالاعتداء على قوات الأمن، وأعمال عنف أخرى خلال المظاهرات.

وقالت منظمة «حقوق الإنسان في إيران» (إيران هيومن رايتس) ومقرها النرويج إن «وسائل الإعلام الحكومية بدأت ببثّ اعترافات قسرية للمتظاهرين في غضون أيام من اندلاع الاحتجاجات».

وأضافت: «إنّ بثّ اعترافات انتُزعت تحت الإكراه، والتعذيب قبل بدء الإجراءات القانونية يُعدّ انتهاكاً لحقّ المتهمين في مبدأ قرينة البراءة»، أي إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.

في مثال آخر، ذكرت منظمة «هرانا» (HRANA) الحقوقية، ومقرها في الولايات المتحدة أن فتاتين مراهقتين اعتُقلتا في مدينة أصفهان بوسط البلاد ظهرتا في «اعترافات قسرية» قالتا فيهما إنهما تلقّتا أموالاً من أحد الأشخاص للمشاركة في الاحتجاجات.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يؤدي القسم إلى جانب رئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي (التلفزيون الرسمي)

ويأتي استخدام هذه الاعترافات في ظلّ حملة قمع الاحتجاجات التي تقول منظمات حقوقية إنها خلّفت آلاف القتلى في مسيرات بدأت احتجاجاً على الوضع المعيشي، وتحوّلت لترفع شعارات سياسية مناهضة للنظام والمرشد الإيراني علي خامنئي.

التحرك «بسرعة»

في أحدث اللقطات، ظهر إجئي جالساً في غرفة محاطاً بمسؤولين آخرين وخلفهم صورة لخامنئي، والمرشد الإيراني الأول الخميني، فيما كانت المعتقلة جالسة على كرسي مقابل.

يتواصل مشهد الاعترافات المصوّرة بعرض لقطات تظهر هذه المرأة المتهمة بتوجيه رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهي تقول: «لقد فعلتُ شيئاً لا أستطيع أن أغفره لنفسي». يسألها إجئي بصوت خافت وهو يضم يديه: «لماذا... ومن أجل من؟».

كذلك تظهر الاعترافات امرأة أخرى متهمة بإلقاء كتل خرسانية على قوات الأمن في طهران من شرفة منزلها.

ورداً على إلحاح إجئي بالسؤال عن «اليوم» الذي قامت فيه بالفعلة المنسوبة إليها، و«كيف عرفت أنهم ضباط؟»، تجيب المرأة: «لا أعرف ما حدث، لماذا فعلتُ هذه الحماقة؟». ولم يُقدَّم أي دليل إضافي على تورطهما بالأفعال المفترضة المنسوبة إليهما.

في العام 2024، وصفت منظمة «متحدون ضد إيران النووية» التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً، إجئي الذي تعهّد بـ«محاكمات سريعة» للمعتقلين، بأنه «منفذ قاسٍ لأحكام إيران، ولا يكترث لحقوق الإنسان».

كما تتهمه جماعات معارضة بالتورط في الإعدام الجماعي للسجناء السياسيين في إيران عام 1988.

وقالت منظمة «مراسلون بلا حدود» غير الحكومية المعنية بحرية الإعلام، إن إجئي «لطخ يديه بدماء الصحافيين»، مشيرة إلى أنه في عام 2004 عضّ صحافياً من كتفه أثناء مناظرة.

وقال إجئي، الأربعاء، «إذا قام أحد بحرق شخص أو قطع رأسه ثم حرق جسده، علينا أن نقوم بعملنا بسرعة». وأضاف: «مع أي تأخير، لن يكون للأمر التأثير نفسه».


عراقجي يقود تحركاً دبلوماسياً متعدد المسارات في مواجهة الضغوط الغربية

صورة نشرها حساب عراقجي على شبكة «تلغرام» من حضوره في مراسم تشييع عناصر قوات الأمن في طهران الأربعاء
صورة نشرها حساب عراقجي على شبكة «تلغرام» من حضوره في مراسم تشييع عناصر قوات الأمن في طهران الأربعاء
TT

عراقجي يقود تحركاً دبلوماسياً متعدد المسارات في مواجهة الضغوط الغربية

صورة نشرها حساب عراقجي على شبكة «تلغرام» من حضوره في مراسم تشييع عناصر قوات الأمن في طهران الأربعاء
صورة نشرها حساب عراقجي على شبكة «تلغرام» من حضوره في مراسم تشييع عناصر قوات الأمن في طهران الأربعاء

واصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تحركاته الدبلوماسية على أكثر من مسار، مكثفاً الاتصالات مع نظرائه الإقليميين والدوليين لشرح موقف طهران من التطورات الداخلية والتوترات المحيطة بها، والتأكيد على التزام طهران بـ«ضمان أمن مواطنيها ورفض أي تدخل خارجي»، في وقت تتسع فيه التحذيرات الدولية من انعكاسات إقليمية للأزمة.

وفي هذا السياق، بحث عراقجي في اتصال هاتفي مع وزير الخارجية الصيني وانغ يي، آخر التطورات في إيران، مشيراً إلى أن طهران «ملتزمة بحماية أمن مواطنيها» في مواجهة ما وصفه بـ«تصاعد العنف المرتبط بالاحتجاجات»، وفق بيان للخارجية الإيرانية.

وقال إن طهران ستواصل التعامل بحزم مع «الإرهاب الداعشي المدعوم من النظام الإسرائيلي والولايات المتحدة»، معرباً عن تقديره لموقف بكين الداعم لإدانة الإرهاب، ورفض التدخلات الخارجية في الشؤون الإيرانية.

كما انتقد عراقجي، خلال الاتصال، استخدام الولايات المتحدة للأدوات الاقتصادية والتعريفات التجارية للضغط على الدول النامية، داعياً إلى تعزيز التعاون بين دول «الجنوب - الجنوب» لحماية مصالح شعوبها في مواجهة الضغوط الغربية.

من جانبه، أكد وانغ يي أن الصين، «بوصفها دولة صديقة لإيران»، تدعم سيادتها الوطنية وأمنها، وستواصل الدفاع عن «المواقف المشروعة والمنطقية لإيران» في المحافل الدولية، بما في ذلك مجلس الأمن.

وعلى المسار الإقليمي، أجرى عراقجي اتصالاً هاتفياً مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، شدد خلاله على أن إيران «ستدافع بقوة عن سيادتها الوطنية في مواجهة أي تدخل خارجي»، وأدان ما وصفه بـ«التصريحات الاستفزازية والتدخلية للمسؤولين الأميركيين».

وفي موقف إقليمي آخر، أعلنت تركيا معارضتها لأي عمل عسكري ضد إيران. وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن أنقرة «تعارض أي عملية عسكرية على الإطلاق»، معتبراً أن الاحتجاجات في إيران «ليست انتفاضة ضد النظام» بل مظاهرات مرتبطة بالأزمة الاقتصادية، ومحذراً من أن زعزعة استقرار إيران «ستؤثر على المنطقة بأسرها».

وأكد فيدان، في مؤتمر صحافي، استمرار الجهود الدبلوماسية لحث واشنطن وطهران على حل الخلافات عبر الحوار أو الوساطة.

كما شملت اتصالات عراقجي الجانب المصري؛ إذ بحث مع وزير الخارجية بدر عبد العاطي التطورات الإقليمية والدولية، وأوضح خلال الاتصال أن الاحتجاجات «دفعت نحو العنف بفعل عناصر مرتبطة بالخارج»، وأدان «التصريحات التحريضية الأميركية»، بوصفها تدخلاً في الشؤون الداخلية. وأعرب الجانب المصري عن أسفه للأحداث، مؤكداً أهمية التنسيق الإقليمي لتعزيز الاستقرار، وفق بيان للخارجية الإيرانية، مساء الأربعاء.

وفي موازاة ذلك، تواصلت تحركات دبلوماسية أوسع شملت اتصالاً بين مستشار الأمن القومي السويسري غابرييل لوشينغر ونظيره الإيراني علي لاريجاني، إضافة إلى اتصالات مصرية مكثفة مع أطراف إقليمية ودولية لخفض التصعيد.

وجاءت هذه الجهود فيما دعت دول عدة رعاياها إلى مغادرة إيران، وأوصت سلطات طيران أوروبية بتجنب أجوائها مؤقتاً، وسط أجواء إقليمية مشحونة وعدم يقين بشأن المسار المقبل للأزمة.

وتتواصل الضغوط الأميركية والأوروبية على طهران، وسط مزيج من التلويح بالعقوبات والتحذير من خيارات أشد قسوة إذا استمرت حملة القمع في الداخل. وتؤكد واشنطن أنها تراقب التطورات «عن كثب» مع إبقاء جميع الخيارات مطروحة.

وبالتوازي، كثفت عواصم أوروبية تحركاتها الدبلوماسية، من استدعاء سفراء وإغلاق بعثات مؤقتاً، إلى دعوات صريحة لمواطنيها بمغادرة إيران.

وعكست التحركات الغربية سعياً لزيادة الكلفة السياسية على طهران دولياً، في وقت تحاول فيه الإدارة الأميركية والدول الأوروبية موازنة الضغوط مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تمتد تداعياتها إلى الإقليم بأكمله.


اتصالات مصرية لخفض التصعيد «الأميركي - الإيراني»

القاهرة سبق أن نجحت في التوصل إلى اتفاق بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قبل أن تعدّه طهران لاغياً (الخارجية المصرية)
القاهرة سبق أن نجحت في التوصل إلى اتفاق بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قبل أن تعدّه طهران لاغياً (الخارجية المصرية)
TT

اتصالات مصرية لخفض التصعيد «الأميركي - الإيراني»

القاهرة سبق أن نجحت في التوصل إلى اتفاق بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قبل أن تعدّه طهران لاغياً (الخارجية المصرية)
القاهرة سبق أن نجحت في التوصل إلى اتفاق بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قبل أن تعدّه طهران لاغياً (الخارجية المصرية)

دخلت مصر على خط المساعي الإقليمية لخفض التصعيد «الأميركي - الإيراني»، بعد أن وصل إلى ذروته خلال الأيام الماضية، قبل أن يتحدث الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عن تبني موقف «الانتظار»، بعد أن كان قد هدد في وقت سابق بالتدخل دعماً للمحتجين، لكن من دون أن يستبعد صراحة خيار العمل العسكري الأميركي.

جاء التدخل المصري عبر اتصالات أجراها وزير الخارجية بدر عبد العاطي مع نظرائه الإيراني عباس عراقجي، والعماني بدر البوسعيدي، والفرنسي جان نويل بارو، والمبعوث الأميركي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف لخفض التصعيد في المنطقة.

وذكرت «الخارجية المصرية»، في بيان صدر الخميس، أن هذه الاتصالات جاءت بتوجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وشهدت «تأكيد ضرورة العمل على خفض التصعيد وحدّة التوتر، وتحقيق التهدئة، تفادياً لانزلاق المنطقة إلى حالة من عدم الاستقرار والفوضى».

وشددت أيضاً على «أهمية تهيئة المناخ الملائم لتغليب الحلول الدبلوماسية، والتوصل إلى تسويات سياسية تدعم الأمن والاستقرار الإقليمي»، كما تناولت الاتصالات التطورات في قطاع غزة، والانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«كنا خلال الأيام الماضية أمام مشهد شديد التعقيد، كادت فيه المواجهة تقع، ما استلزم إجراء اتصالات رفيعة المستوى قامت بها وزارة الخارجية المصرية بالتنسيق مع عدد من دول المنطقة، أبرزها السعودية وقطر وسلطنة عُمان، إلى جانب اتصالات أخرى أجرتها القيادة السياسية مع الشركاء الدوليين والولايات المتحدة الأميركية، لفرملة مشهد كان قد اقترب من الانفجار خلال الساعات الماضية»، وفق عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير محمد حجازي.

وأضاف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الدبلوماسية المصرية أمامها عمل طويل خلال الأيام المقبلة لتجنيب المنطقة تداعيات محتملة في حال اندلاع حرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. وأكد أن مصر تركز على ضرورة تفعيل العمل العربي المشترك للحفاظ على أمن وسلامة دول المنطقة، ورفض اللجوء إلى الحلول العسكرية، مع إتاحة الفرصة للحوار واستئناف المفاوضات.

ولا تركز التحركات المصرية على إيجاد سبل نحو استئناف المفاوضات النووية مع إيران، لكن السفير محمد حجازي أشار إلى ضرورة العمل على إيجاد مفاوضات سياسية بدلاً من اللجوء إلى استخدام القوة، مشيراً إلى أن مصر لن تكون منفردة في تحركاتها، وستعمل، من خلال التكاتف مع دول الإقليم، على تشكيل منظومة أمنية يتم فيها التعامل مع كل القضايا الشائكة، بما فيها الملف النووي الإيراني.

وأوضح أن نتائج التصعيد العسكري لن تكون وخيمة فقط على إيران، لكن أيضاً على دول المنطقة، مشيراً إلى أن مصر تُدرك أن قرار توجيه الضربة لإيران أميركي وليس إسرائيلياً، وتسعى لاستثمار علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة لتجنب أي تصعيد.

وكانت القاهرة قد أعلنت في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي عن توصل إيران والوكالة الدولية إلى اتفاق لاستئناف التعاون بينهما الذي توقف في يونيو (حزيران) 2025، وذلك عقب وساطة مصرية، لكن في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أعلنت طهران أن «اتفاق القاهرة» أصبح لاغياً بعد قرار مجلس محافظي الوكالة الذي أدان برنامج إيران النووي، وطالبها بإتاحة وصول فوري للمفتشين إلى مواقع متضررة.

وعدّت إيران أن القرار «غير قانوني»، ويُمثل «تشويهاً خبيثاً للحقائق»، كما اتهمت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا بدفع المجلس نحو مزيد من التصعيد.

لقاء سابق بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الإيراني عباس عراقجي (الخارجية المصرية)

وقال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير جمال بيومي، إن مصر تُعوّل على الحلول السياسية تجاه التصعيد «الأميركي - الإيراني»، وتعمل مع الدول العربية الصديقة على التوصل إلى تفاهمات من شأنها الوصول إلى نقاط التقاء مشتركة بين الجانبين، وتسعى لتجنب أي تصعيد قد تكون تأثيراته وخيمة على استقرار الأوضاع الإقليمية، وكذلك على الاقتصاد الداخلي، خصوصاً مع احتمال تأثر حركة الملاحة في «قناة السويس» بأي تصعيد.

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن التحالف بين مصر والسعودية في هذا الإطار يكتسب أهمية لضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر، وكذلك حماية المنطقة من ارتدادات التصعيد العسكري.

ومساء الأربعاء، أفادت «هيئة البث العبرية» الرسمية بوجود تقديرات في إسرائيل تُشير إلى أن الولايات المتحدة ستشن هجوماً على إيران «خلال الأيام المقبلة»، في حين أعلن الجيش الإسرائيلي عن رفع حالة التأهب تحسباً لهجوم إيراني انتقامي.

وتتصاعد ضغوط من الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل على طهران منذ انطلاق مظاهرات شعبية في إيران في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، احتجاجاً على تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.