اعتقال إمام أوغلو يضع تركيا في مواجهة تحديات داخلية وضغوط أوروبية

غضب واسع في أوساط المعارضة واتهامات بـ«تسييس القضاء»

أنصار رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو يحملون صورة له أثناء تظاهرهم خارج مبنى بلدية إسطنبول ضد اعتقاله بسبب تحقيق فساد في 19 مارس (أ.ف.ب)
أنصار رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو يحملون صورة له أثناء تظاهرهم خارج مبنى بلدية إسطنبول ضد اعتقاله بسبب تحقيق فساد في 19 مارس (أ.ف.ب)
TT

اعتقال إمام أوغلو يضع تركيا في مواجهة تحديات داخلية وضغوط أوروبية

أنصار رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو يحملون صورة له أثناء تظاهرهم خارج مبنى بلدية إسطنبول ضد اعتقاله بسبب تحقيق فساد في 19 مارس (أ.ف.ب)
أنصار رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو يحملون صورة له أثناء تظاهرهم خارج مبنى بلدية إسطنبول ضد اعتقاله بسبب تحقيق فساد في 19 مارس (أ.ف.ب)

فجّر اعتقال السلطات التركية رئيس بلدية إسطنبول المعارض، أكرم إمام أوغلو، غضباً واسعاً في الأوساط السياسية، وعلى مستوى الشارع التركي، ووصف بأنه «انقلاب على الديمقراطية» سيُخلّف تداعيات ثقيلة على دولة القانون، واستقلال القضاء، وصورة تركيا في العالم، إلى جانب مزيد من تدهور الاقتصاد.

واعتُقل إمام أوغلو، الذي يُعدّ أبرز منافسي الرئيس رجب طيب إردوغان على رئاسة تركيا، والذي كان أطلق بالفعل حملة مبكرة للترشح للرئاسة عن حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة التركية، في مداهمة على منزله في إسطنبول فجر الأربعاء. وجاء اعتقال إمام أوغلو (54 عاماً)، والذي ينظر إليه قطاع عريض جداً من الشعب التركي على أنه الأمل في التغيير، بعد ساعات من إعلان جامعة إسطنبول إلغاء شهادته الجامعية الحاصل عليها من جامعة إسطنبول، بسبب خطأ في النقل إليها من جامعة أميركية في شمال قبرص.

وبالإضافة إلى إمام أوغلو، وهو رئيس اتحاد بلديات تركيا المنتخب، أصدر المدعي العام في إسطنبول أوامر اعتقال بحق 105 آخرين من رؤساء ونواب رؤساء البلديات التابعة لبلدية إسطنبول، والمسؤولين والمديرين التنفيذيين فيها، على خلفية اتهامات بالفساد فيما يتعلق بنشاط «المصالحة الحضرية»، ومقاطع فيديو وصور تسرّبت عبر منصّات التواصل الاجتماعي لعملية عدّ نقود في حزب الشعب الجمهوري عام 2023.

وبحسب بيان لمكتب المدعي العام لإسطنبول، اعتُقل إمام أوغلو في إطار تحقيقين منفصلين أجراهما مكتب تحقيقات جرائم الإرهاب ومكتب تحقيقات الجرائم المنظمة.

اتهامات بالإرهاب والفساد

وجّهت نيابة إسطنبول إلى 7 مشتبه بهم، من بينهم إمام أوغلو، ونائب الأمين العام لبلدية إسطنبول ماهر بولاط، ورئيس بلدية شيشلي رسول إمره شاهان، اتّهامات بمساعدة «اتحاد المجتمعات الكردستانية» التابع لـ«حزب العمال الكردستاني»، المصنّف منظمة إرهابية، ورئاسة وعضوية تنظيم إجرامي، فضلاً عن الابتزاز والرشوة والاحتيال والتلاعب بالعطاءات، والحصول على بيانات شخصية بشكل غير قانوني.

وأعلنت ولاية إسطنبول فرض حظر شامل على التجمعات والمظاهرات في المدينة بدءاً من الأربعاء، ولمدة 4 أيام حتى منتصف ليل يوم الأحد المقبل، حيث سيشهد حزب الشعب الجمهوري انتخابات تمهيدية لتحديد المرشح الرئاسي للحزب لم يتقدّم إليها سوى إمام أوغلو.

كما فرضت السلطات قيوداً صارمة على عمل الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، وعطلت خطوط النقل ومترو الأنفاق المؤدية إلى ميدان تقسيم وفي بعض مناطق المدينة، في خطوة تهدف إلى منع أي تحركات احتجاجية محتملة.

احتجاجات رغم الحظر

وعلى الرغم من منع المسيرات والمنظمات، خرج الآلاف إلى الشوارع في إسطنبول، حيث شهد محيط مديرية أمن إسطنبول تجمعاً حاشداً للمواطنين وأعضاء حزب الشعب الجمهوري، الذين أكّدوا أن القبض على إمام أوغلو هو «انقلاب على الديمقراطية». كما تجمّع المئات أمام مجمع محاكم «تشاغلايان»، حيث مقر نيابة إسطنبول أثناء التحقيق معه، فضلاً عن تجمع الآلاف أمام مبنى بلدية إسطنبول.

طلاب جامعة إسطنبول يحتجون على اعتقال إمام أوغلو رافعين لافتة تطالب باستقالة الحكومة (أ.ف.ب)

ووقعت صدامات بين المحتجين والشرطة التي قامت بإغلاق الشوارع بالحواجز، واستخدمت غاز الفلفل لتفريقهم، لكنّهم أكّدوا أنهم لن يغادروا إلا وإمام أوغلو معهم، وردّدوا هتافات «إردوغان ديكتاتور» و«لا بد أن تستقيل الحكومة».

وشهدت جامعة إسطنبول احتجاجات حاشدة وقعت خلالها أعمال عنف من جانب الشرطة، التي حاولت منع مسيرة الطلاب، وانضمت جامعات «بوغازيتشي» و«إسطنبول التقنية» و«يلدز التقنية» إلى الاحتجاجات على اعتقال إمام أوغلو. كما خرجت مظاهرات في كثير من المدن التركية تنديداً باعتقال إمام أوغلو، ومحاولة «تسييس القضاء» في تركيا، وكان الشعار الأبرز في هذه المظاهرات، هو «الحق... القانون... العدالة».

تنديد بالاعتقال «السياسي»

وندّد حزب الشعب الجمهوري، الذي ينتمي إليه إمام أوغلو والمسؤولون المعتقلون، بهذه الإجراءات. ووصف الاعتقالات بأنها «سياسية، وتُمثّل انقلاباً على الديمقراطية». ووصف رئيس الحزب، أوزغور أوزال، خلال كلمة في تجمع حاشد أمام بلدية إسطنبول، إلقاء القبض على إمام أوغلو بأنه «محاولة انقلاب لمنع تحديد الرئيس المقبل للبلاد»، مؤكداً أن اعتقال إمام أوغلو سببه استياء الرئيس رجب طيب إردوغان من عملية اختيار مرشح للرئاسة من جانب حزب الشعب الجمهوري في انتخابات تمهيدية. وأكد أنه وقيادات الحزب سيواصلون الاعتصام أمام البلدية، حتى يتم إطلاق سراح إمام أوغلو والمعتقلين معه، وأن الانتخابات التمهيدية لتحديد المرشح لانتخابات الرئاسة القادمة ستستمر.

اشتباكات بين قوات الأمن ومحتجّين على اعتقال إمام أوغلو أمام مديرية أمن إسطنبول (أ.ف.ب)

وقوبل اعتقال إمام أوغلو باستهجان واسع من جانب جميع أحزاب المعارضة التركية، ودعوات إلى توحيد الصفوف للفوز بأغلبية البرلمان في الانتخابات المقبلة، ومقاطعة الانتخابات الرئاسية وممارسة الضغط التشريعي على السلطة الحاكمة.

وأصبح إمام أوغلو، أحد أبرز وجوه المعارضة التركية منذ انتخابه رئيساً لبلدية إسطنبول للمرة الأولى عام 2019، وبات منافساً محتملاً للرئيس رجب طيب إردوغان، وأثار جدلاً واسعاً في السنوات الأخيرة بسبب نجاحاته الانتخابية ومواقفه المناهضة لسياسات الحكومة. ورأى مراقبون وخبراء أنّ تحرّك الحكومة ضد إمام أوغلو يعكس شعوراً بالخوف من الشعبية الجارفة التي بات يتمتع بها، وأن إلغاء شهادته الجامعية، ثم اعتقاله، هما خطوتان استهدفتا إسقاط حقّه في الترشح للرئاسة، ومنعه من الترشح وتغييبه من الساحة السياسية.

تداعيات داخلية وموقف أوروبي

تسبّب اعتقال إمام أوغلو في تداعيات حادّة على الاقتصاد التركي، وأدّى إلى انهيار غير مسبوق لليرة التركية التي فقدت 12 في المائة من قيمتها أمام الدولار، وهبوط حادّ لمؤشر البورصة التركية أدّى إلى وقف مؤقت للتعاملات وارتفاع أسعار الذهب، مع تحذيرات من خبراء أجانب من أن سياسة الاعتقالات التي لا تتوقف فقط عند السياسيين، بل امتدت إلى عالم رجال الأعمال، من شأنها أن تعيد الأوضاع في تركيا إلى الفوضى التي كانت عليها في عام 2023 وما قبله.

ولم تتوقف تداعيات اعتقال إمام أوغلو عند حدود السياسة الداخلية أو التداعيات الاقتصادية في تركيا، فقد أثارت الحملة انتقادات من جانب أوروبا وحلفاء تركيا في الغرب، ولا سيّما فيما يتعلق باستقلال القضاء وتراجع الديمقراطية وحقوق الإنسان. وندّد مجلس أوروبا، بشدة، باعتقال تركيا أكرم إمام أوغلو، ووصفه بأنه تحرك ضد إرادة الشعب. وقال مؤتمر السّلطات المحلية والإقليمية لمجلس أوروبا، في بيان الأربعاء، إن هذه الخطوة «تتّسم بكل سمات الضغط على شخصية سياسية»، وإن «المؤتمر سيثير القضية في اجتماع الأسبوع المقبل». كما عبّر نواب البرلمان الأوروبي عن دعمهم لإمام أوغلو ورفضهم انتهاك إرادة الشعب والديمقراطية في البلاد.

أكرم إمام أوغلو (أ.ف.ب)

ويشكّل اعتقال إمام أوغلو الذروة في سلسلة اعتقالات لرؤساء بلديات من المعارضة، فضلاً عن اعتقال سياسيين وصحافيين معارضين في الفترة الأخيرة، أبرزهم رئيس حزب «النصر» القومي أوميت أوزداع، المحتجز منذ شهرين دون محاكمة، بسبب بعض تدوينات تعود لخمس سنوات سابقة، عدتها السلطات تحريضا على الكراهية والعداء بسبب رفضه وجود اللاجئين السوريين والمهاجرين الأفغان بالبلاد.

وجمّد الاتحاد الأوروبي، منذ أكثر من عقد، مفاوضات انضمام تركيا إلى عضويته، وأكد في تقاريره المتعاقبة قلقه بسبب عدم التزام تركيا، كدولة مرشحة للعضوية، بالديمقراطية واستقلال القضاء وحرية التعبير وحقوق الإنسان. كما ندّد، مراراً، باعتقالات السياسيين والصحافيين المعارضين للرئيس رجب طيب إردوغان.

دفاع من الحكومة

وتنفي الحكومة التركية ملاحقة معارضي إردوغان، وتقول إن القضاء مستقل. ودافع وزير العدل التركي، يلماظ تونتش، عن قرار اعتقال إمام أوغلو و105 آخرين من رؤساء البلديات ونوابهم والمسؤولين في بلدية إسطنبول، بأن التحقيقات تجرى بدقة متناهية، رافضاً استخدام مصطلح «الانقلاب على الديمقراطية»، والدعوة إلى الاحتجاجات، مؤكداً أنها «أمور غير مقبولة».

وأضاف أن نشر معلومات مضللة حول التحقيقات، التي تجرى بشكل سري، من خلال جولات ميدانية وإصدار بيانات تهدف إلى تضليل الرأي العام «أمر مرفوض تماماً»، وينبغي على الجميع أن يعرفوا ذلك. وتابع بأنه «في دولة القانون، إذا كان هناك ادعاء بارتكاب جريمة؛ فالمكان الذي يجب أن يتم فيه الدفاع هو المحاكم، وليس الشوارع».

لحظات عصيبة

وروت زوجة رئيس بلدية إسطنبول، ديليك إمام أوغلو، وابنه سليم إمام أوغلو، اللحظات العصيبة لاعتقال إمام أوغلو من منزله في ساعات الصباح. وقالت ديليك إمام أوغلو: «لقد جاءوا بعد السحور مباشرة، كانت ابنتي البالغة من العمر 13 عاماً موجودة. ورغم كل شيء، لم أستطع إبقاءها في المنزل، قالت سأذهب إلى المدرسة وأواصل حياتي يا أمي، جهزتها وأرسلتها إلى المدرسة».

وأضافت: «في هذا الوقت قام السيد أكرم أيضا بتحضيراته من أجل الذهاب مع عناصر الأمن، وأود أن أشكر من جاءوا إلى هنا، لقد قاموا جميعاً بأداء واجباتهم بكل أدب ولياقة، وأنهوا واجباتهم وغادروا المنزل في حوالي الساعة 7.30 صباحاً (تغ+3)».

وتابعت زوجة إمام أوغلو، في مقابلة تلفزيونية: «لقد اعتدنا على كل شيء، بالأمس، أُلغيت شهادته الجامعية، نُفِّذت إجراءات غير قانونية، نمر بأيام عصيبة، إنه أمرٌ مُخيفٌ للغاية، هل توقعنا شيئاً كهذا؟ تقول على الورق إننا ما زلنا دولة قانون، مهما ساءت الأمور، وتقول: (هذا مستحيل). لكنك بعد ذلك تكتشف أنك تعيش ذلك، ما حدث هذا الصباح هو أحد هذه الأمور. أولًا، يحتجزونك، ثم يُحاولون تقديم أدلة لإدانتك».

وكان إمام أوغلو نشر فيديو على حسابه على «إكس»، وهو يرتدي ملابسه ويستعد للذهاب مع عناصر الشرطة، مؤكداً أن كل ما يجري هو «عملية غير قانونية»، كما نشر حسابه ورقة كتبها بخط يده يقول فيها إنه يستودع نفسه أمانة لدى الله أولاً، ثم لدى الأمة.


مقالات ذات صلة

إردوغان وشهباز شريف يبحثان سبل إنهاء حرب إيران

شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مصافحاً رئيس وزراء باكستان شهباز شريف في مستهل لقائهما في أنطاليا جنوب تركيا الجمعة (الرئاسة التركية)

إردوغان وشهباز شريف يبحثان سبل إنهاء حرب إيران

أكد إردوغان أن الطريق الوحيد للسلام هو الحوار، مشدداً على ضرورة بقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام السفن التجارية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة )
العالم السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)

سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

عبّر السفير الأميركي لدى تركيا، توم براك، عن اعتقاده بحل الخلاف حول اقتناء تركيا منظومة الدفاع الروسية «إس - 400» قريباً

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
آسيا تظاهر آلاف المعلمين في أنقرة الخميس مطالبين بوضع حد للعنف في المدارس واستقالة وزير التعليم التركي (أ.ف.ب)

تركيا: هجمات المدارس غير المسبوقة تفجر الحزن والغضب والاحتجاجات

وسط مشاعر مختلطة بين الحزن والغضب، شيعت تركيا جنازة ضحايا هجوم مسلح نفذه طالب يبلغ من العمر 14 عاماً داخل مدرسة إعدادية في كهرمان ماراش بجنوب البلاد.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية مسعفون ينقلون القتلى والمصابين في هجوم على مدرسة في كهرمان ماراش بجنوب تركيا وسط انتشار للشرطة (إعلام تركي)

تركيا: مقتل وإصابة 24 شخصاً في هجوم على مدرسة إعدادية 

قتل 4 أشخاص وأصيب 20 آخرون على الأقل في هجوم مسلح على مدرسة إعدادية في ولاية كهرمان ماراش في جنوب تركيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان متحدثاً في البرلمان التركي يوم 15 أبريل (الرئاسة التركية)

إردوغان: تركيا تعمل على استمرار مفاوضات أميركا وإيران

قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، إن بلاده تعمل على تمديد وقف إطلاق النار المؤقت بين إيران والولايات المتحدة، ومواصلة المحادثات بينهما.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

هل يمكن نقل مخزون اليورانيوم الإيراني إلى دولة ثالثة؟

صورة التقطها قمر اصطناعي يوم 17 يونيو 2025 تُظهر مبنى مُدمّراً في موقع نطنز النووي بإيران (بلانيت لابز - رويترز)
صورة التقطها قمر اصطناعي يوم 17 يونيو 2025 تُظهر مبنى مُدمّراً في موقع نطنز النووي بإيران (بلانيت لابز - رويترز)
TT

هل يمكن نقل مخزون اليورانيوم الإيراني إلى دولة ثالثة؟

صورة التقطها قمر اصطناعي يوم 17 يونيو 2025 تُظهر مبنى مُدمّراً في موقع نطنز النووي بإيران (بلانيت لابز - رويترز)
صورة التقطها قمر اصطناعي يوم 17 يونيو 2025 تُظهر مبنى مُدمّراً في موقع نطنز النووي بإيران (بلانيت لابز - رويترز)

لا يمكن وضع حد دائم للحرب على إيران إلا باتفاق حول برنامجها النووي، وتالياً حول مصير مخزونها من اليورانيوم، الذي يلف الغموض مكانه والدرجة الدقيقة لتخصيبه.

والسؤال: هل يمكن نقل هذا المخزون إلى دولة ثالثة، وتخفيف تخصيبه إلى درجات غير ضارة؟

فيما يأتي بعض النقاط الأساسية.

ماذا عن مخزون اليورانيوم الإيراني؟

صدرت آخر معلومات الوكالة الدولية للطاقة الذرية قبيل اندلاع حرب يونيو (حزيران) 2025 التي استمرت اثني عشر يوماً.

وأفاد مفتشو الهيئة الأممية بأن إيران كانت تملك يومها 441 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، ما يجعله قريباً من نسبة 90 في المائة التي تتيح صنع قنبلة نووية، فضلاً عن 180 كلغ تبلغ نسبة تخصيبها 20 في المائة، وأكثر من 6 آلاف كلغ مخصّبة بنسبة 5 في المائة. وكان مخزون 60 في المائة موزعاً بين مواقع فوردو ونطنز وأصفهان.

ومنذ الضربات الإسرائيلية-الأميركية في يونيو 2025 ثم هذا العام، يلفّ الغموض ما آل إليه هذا المخزون في ظل عدم قيام الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعمليات تفتيش. فهل لا يزال مطموراً، كما تؤكد طهران، أم أن قسماً منه نُقل أو دُمّر؟

وثمة تساؤل آخر تطرحه مصادر غربية عدة: هل تمكنت إيران من إقامة مواقع سرية قبل حرب 2025، خصوصاً أن بعض المفتشين منعوا من زيارة مواقع محددة قبل يونيو 2025؟

ترى مصادر دبلوماسية أوروبية أنه لا بد من أن تعاود الوكالة الذرية عملها لتبديد هذا الغموض، علماً أن هذا الأمر شرط ضروري مسبق لأي تفاوض، وخصوصاً أن قاعدة البيانات الاستخباراتية الأميركية والإسرائيلية تشير إلى 1200 كلغ من اليورانيوم المخصب بنسبة 20 في المائة، بعيداً من 180 كلغ أشارت إليها الهيئة الأممية قبل اندلاع الحربين.

وذكّرت الباحثة إلوييز فاييه من مركز «إيفري» الفرنسي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن «لا استخدام مدنياً لليورانيوم المخصب فوق 20 في المائة»، فاستخدامه لأغراض مدنية على غرار محطات توليد الكهرباء يتطلب نسبة تراوح بين 4 و5 في المائة.

لهذا السبب، يشتبه الأوروبيون والأميركيون والإسرائيليون منذ أمد بعيد بسعي الإيرانيين لحيازة السلاح النووي، الأمر الذي واظبت طهران على نفيه، مدافعة عن حقها في التخصيب للاستخدام المدني.

خيار نقل اليورانيوم

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، أن الإيرانيين وافقوا على تسليم واشنطن «الغبار النووي»، في إشارة إلى مخزون اليورانيوم، متحدثاً عن «فرص جيدة جداً لنتوصل إلى اتفاق». وفي حال تحقق ذلك بين واشنطن وطهران، فقد يكون أحد الخيارات إخراج كامل اليورانيوم العالي التخصيب من إيران أو قسم منه.

وقالت فاييه: «سجلت سابقة في 2015 حين نقل قسم من اليورانيوم العالي التخصيب إلى روسيا»، في إشارة إلى ما تضمنه اتفاق دولي سابق شكل إطاراً للبرنامج النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة) ورفضه دونالد ترمب بشدة في 2018.

وتداركت: «لكن ذلك لا يمت بصلة إلى مستوى التخصيب الراهن. وسيكون الأمر أكثر تعقيداً كون العلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا اليوم تختلف عما كانت عليه عام 2015، إضافة إلى أن المخزون الإيراني بات أكبر بكثير».

أبدت روسيا استعدادها للمبادرة إلى هذه الخطوة. وصرح المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الأسبوع الماضي، بأن «الرئيس (فلاديمير) بوتين عرض هذا الاقتراح»، لافتاً إلى أن «العرض لا يزال سارياً ولكن أي تحرك لم يتم في ضوئه».

خيار خفض نسبة التخصيب

قال مصدر دبلوماسي إيراني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لقد اقترحنا خفض نسبة التخصيب داخل البلاد»، من دون أن يحدد تفاصيل ذلك.

والسؤال ما إذا كانت هذه العملية ستتم بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية أم تحت أنظار خبراء أميركيين. وتعتبر باريس أن من إيجابيات القيام بهذه العملية بإشراف الوكالة الذرية أنها ستحيي عمل مفتشيها وتعاود إضفاء طابع من الشفافية على العملية برمتها.

ومن شأن خفض نسبة التخصيب إلى ما دون 5 في المائة أن يحدّ إلى حد بعيد خطر التخصيب لأهداف عسكرية.

لكن إيلوييز فاييه لاحظت أنه لا يوجد تفاهم حول تفاصيل تنفيذ ذلك ودرجة الخفض المطلوبة، مضيفة: «الأمر كله يظل رهناً بموافقة أميركية على السماح لإيران بأن تخصّب على أراضيها».

تجاوز «الخط الأحمر»

كذلك، لا بدّ من تجاوز الخط الأحمر الذي رسمته كل من واشنطن وطهران. فالأولى تصر على تراجع كامل عن التخصيب، والثانية ترفض ذلك بشدة.

في رأي الأوروبيين أنه مهما كان الخيار الذي سيعمل عليه الأميركيون والإيرانيون، فلن يشكل سوى نقطة بداية لمفاوضات طويلة بهدف تحديد وسيلة لفرض قيود شديدة وطويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني. فرغم الانتكاسة المؤكدة التي أصيب بها البرنامج الإيراني، يتفق الخبراء على أن المعرفة العلمية لا تزال قائمة وإن كانت جزئية.

وفي هذا السياق، أوردت فاييه: «يبقى إجبار إيران على التخلي عن برنامجها النووي أمراً مستحيلاً، انطلاقاً مما راكمته من معارف وأقامته من منشآت. ولكن يمكن مراقبته ووضع سقف له». وتلك كانت بالضبط الغاية من الاتفاق الذي وقِّعَ عام 2015، بعد مفاوضات كثيفة استمرت نحو عامين.


واشنطن تدرس الإفراج عن 20 مليار دولار من أموال إيران المجمدة مقابل تسليم اليورانيوم

مجمع نطنز النووي في إيران بتاريخ 7 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ب)
مجمع نطنز النووي في إيران بتاريخ 7 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ب)
TT

واشنطن تدرس الإفراج عن 20 مليار دولار من أموال إيران المجمدة مقابل تسليم اليورانيوم

مجمع نطنز النووي في إيران بتاريخ 7 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ب)
مجمع نطنز النووي في إيران بتاريخ 7 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ب)

كشف موقع «أكسيوس» الإخباري الأميركي، اليوم (السبت)، عن إجراء مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بشأن خطة من ثلاث صفحات لإنهاء الحرب بين الجانبين.

ونقل «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين اثنين، ومصدرين آخرين مطلعين على المباحثات، القول إن هناك عنصراً من الخطة يخضع للمناقشة حالياً يتعلق بإفراج الولايات المتحدة عن 20 مليار دولار من أرصدة إيران المجمدة، مقابل تسليم طهران مخزونها من اليورانيوم المخصب.

ومنذ الضربات الإسرائيلية-الأميركية في يونيو (حزيران) 2025 ثم هذا العام، يلفّ الغموض ما آل إليه هذا المخزون في ظل عدم قيام الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعمليات تفتيش.


وزير خارجية تركيا يتهم إسرائيل بالسعي «لاحتلال مزيد من الأراضي»

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يلقي كلمة خلال حفل افتتاح منتدى أنطاليا للدبلوماسية (رويترز)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يلقي كلمة خلال حفل افتتاح منتدى أنطاليا للدبلوماسية (رويترز)
TT

وزير خارجية تركيا يتهم إسرائيل بالسعي «لاحتلال مزيد من الأراضي»

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يلقي كلمة خلال حفل افتتاح منتدى أنطاليا للدبلوماسية (رويترز)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يلقي كلمة خلال حفل افتتاح منتدى أنطاليا للدبلوماسية (رويترز)

اتهم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إسرائيل اليوم (السبت) باستغلال الحرب في الشرق الأوسط ذريعة «لاحتلال مزيد من الأراضي».

وقال فيدان خلال منتدى دبلوماسي في أنطاليا بجنوب تركيا: «إسرائيل لا تسعى إلى ضمان أمنها، بل تريد مزيداً من الأراضي. وتستخدم حكومة (بنيامين) نتنياهو الأمن ذريعة لاحتلال مزيد من الأراضي»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

واعتبر وزير الخارجية التركي أن إسرائيل، بالإضافة إلى الأراضي الفلسطينية التي تحتلها (في قطاع غزة، والضفة الغربية، والقدس الشرقية)، باتت تسعى إلى بسط سيطرتها على أراضٍ تابعة للبنان، وسوريا.

وأضاف فيدان: «هذا احتلال، وتوسع مستمر... يجب أن يتوقف»، مؤكداً أن «إسرائيل زرعت في أذهان العالم وهماً من خلال إظهار أنها تسعى فقط لحفظ أمنها».