«بي دبليو سي»: السعودية توازن بين الانضباط المالي وطموحاتها الاستثمارية الضخمة

كبير خبرائها لـ«الشرق الأوسط»: نتوقع نمواً مستداماً في الخليج بفضل توسع القطاعات غير النفطية

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

«بي دبليو سي»: السعودية توازن بين الانضباط المالي وطموحاتها الاستثمارية الضخمة

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

أشار أحدث تقرير حول المشهد الاقتصادي في الشرق الأوسط لعام 2025، صادر عن شركة «بي دبليو سي (PWC)» العالمية للاستشارات، إلى النمو المستدام الذي تشهده المنطقة بجميع أنحائها، المدفوع في الأساس بالأداء القوي لقطاعها غير النفطي، إذ أدت التقلبات في سوق النفط إلى تجديد التركيز على الانضباط المالي، لا سيما في السعودية التي تعمل على إعادة ضبط أولوياتها لتحقيق التوازن بين الانضباط المالي والأهداف الاستثمارية الطموحة، مع تركيزها على تعزيز القطاع الخاص وتطوير مشروعات البنية التحتية؛ لتعزيز السياحة وتحسين جودة حياة السكان. وفي الوقت نفسه، أضاف التقرير أن دول الخليج تعمل على إصلاح أنظمة ضرائب الشركات لديها، في خطوة تهدف إلى ضمان التوافق والمواءمة مع القواعد العالمية لمكافحة تآكل الوعاء الضريبي، الصادرة عن «منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (OECD)»، ما يؤكد سعي دول المنطقة الحثيث إلى تنويع إيراداتها. ورغم الظروف المعاكسة التي يواجهها قادة الأعمال، فإنهم لا يزالون على يقين بما يتعلق بالآفاق الاقتصادية المستقبلية التي تنتظر المنطقة.

تحقيق التوازن

ويشرح ريتشارد بوكسشال، الشريك وكبير الخبراء الاقتصاديين في «بي دبليو سي - الشرق الأوسط»، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «السعودية تتبنى نهجاً مدروساً من خلال إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، والتركيز على الاستثمارات القائمة على القيمة؛ لتحقيق التوازن بين الانضباط المالي والمشروعات الكبرى للبنية التحتية».

وقال إنه رغم توقُّع الحكومة السعودية عجزاً قدره 27 مليار دولار في عام 2025، فإنها تظل ملتزمةً بتعظيم الأثر الاقتصادي والاجتماعي من خلال الاستثمارات المستهدفة في البنية التحتية والسياحة والقطاعات المدفوعة بالتكنولوجيا، وتحفيز مشاركة القطاع الخاص، ومبادرات الخصخصة لتقاسم تكاليف المشروعات وتقليل الإنفاق العام، واستخدام صندوق الثروة السيادي وصناديق التنمية؛ لتمويل المبادرات الرئيسية دون الاعتماد المفرط على الإنفاق الحكومي. وهو ما يضمن أن تواصل استثمارات «رؤية 2030» دفع التحول الاقتصادي، مع الحفاظ على الاستدامة المالية على المدى الطويل.

وأضاف بوكسشال أن السعودية حققت تقدماً كبيراً في تحولها وفقاً لـ«رؤية 2030»، مع أكثر من 5 آلاف مشروع بقيمة 5 تريليونات دولار قيد التنفيذ حالياً، في البنية التحتية مثل «مترو الرياض»، و«بوابة الدرعية»، و«المربع الجديد»، التي تعزز التنقل الحضري، والاستدامة، وجودة الحياة، إلى جانب السياحة، والطاقة المتجددة، حيث تواصل المملكة الاستثمار في مشروعات الطاقة الشمسية والرياح؛ لتقليل انبعاثات الكربون وتطوير مزيج طاقة أكثر استدامة، من خلال مبادرات مثل محطة «سكاكا» للطاقة الشمسية، ومحطة دومة الجندل لتوليد الطاقة بالرياح.

شعار شركة «بي دبليو سي» في أحد مكاتبها (رويترز)

آفاق النمو

وأظهر التقرير أن قرار مجموعة «أوبك بلس» تأجيل التخفيضات الطوعية التدريجية وتمديدها إلى عام 2026، جاء في سياق دعم الأسعار وسط مؤشرات على تباطؤ نمو الطلب على النفط مقارنةً بالتوقعات السابقة لـ«أوبك»، لا سيما في الصين، إلا أن حالات عدم اليقين التي تعم أرجاء العالم، ومن بينها سياسات الطاقة الأميركية، أدت إلى تفاقم التقلبات التي تشهدها السوق. ومن المتوقع أن يبلغ متوسط سعر خام برنت نحو 70 دولاراً للبرميل، متراجعاً من 80 دولاراً في عام 2024.

ويرى بوكسشال أن هذه الاستراتيجية تؤثر في الاستثمار من جانب تكييف حكومات دول مجلس التعاون الخليجي السياسات المالية والنفقات بناءً على توقعات أسعار النفط، مما يضمن الاستدامة المالية مع الحفاظ على خطط النمو، وتسريع الاستثمار غير النفطي، حيث تضاعف هذه الدول جهودها في تنويع الاقتصاد، مع التركيز على قطاعات اللوجيستيات، والمالية، والسياحة، والتكنولوجيا؛ للحفاظ على نمو الناتج المحلي الإجمالي.

القواعد الضريبية

وتعمل اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي على تنويع إيراداتها من خلال توسيع القواعد الضريبية، واعتماد قواعد الحد الأدنى للضرائب العالمية لـ«منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي» ومجموعة العشرين، الركيزة الثانية للمؤسسات الكبرى متعددة الجنسيات. تعتزم دول مجلس التعاون الخليجي تطبيق القواعد العالمية لمكافحة تآكل الوعاء الضريبي مع بداية عام 2025؛ ما سيؤدي إلى تحصيل إيرادات ضريبية إضافية، وفق التقرير.

وفي هذا الإطار، قال بوكسشال: «توفر كثير من الإصلاحات الضريبية في المنطقة بيئةً ضريبيةً أكثر قابلية للتنبؤ وتنظيماً للشركات، مما يدعم الاستثمارات طويلة الأجل والاستقرار الاقتصادي. في حين يتعين على الشركات التكيُّف مع متطلبات الامتثال الجديدة، فإن المناخ التجاري العام يظل جذاباً، مع معدلات ضريبية تنافسية، وحوافز استراتيجية، وإصلاحات اقتصادية، ونمو قوي في القطاعات غير النفطية، ما يعزز مكانة المنطقة بوصفها مركزاً عالمياً للتجارة والاستثمار».

الرؤساء التنفيذيون

وسلَّطت نتائج المنطقة الواردة في استطلاع «بي دبليو سي» لانطباعات الرؤساء التنفيذيين، الضوء على استمرار التفاؤل بين قادة الأعمال في منطقة الشرق الأوسط، وبدرجة أكبر من نظرائهم العالميين. وما يلفت الانتباه هو أن 90 في المائة منهم في منطقة الخليج يتوقَّعون نمو الإيرادات في عام 2025، بينما يحافظ 71 في المائة منهم على ثقتهم بنمو الاقتصاد المحلي، بينما يتوقَّع 77 في المائة من الرؤساء التنفيذيين في السعودية الأمر ذاته، وهي نسبة تتجاوز نسبة نظرائهم العالميين في هذا الصدد التي تبلغ 57 في المائة.

وأرجع بوكسشال هذه الثقة إلى خطط التحول الوطني، حيث تستثمر الحكومات في البنية التحتية والسياحة والتكنولوجيا؛ لدفع النمو طويل الأجل، بالإضافة إلى المناخ الاستثماري القوي في دول مجلس التعاون الخليجي، مدعوماً بسياسات ملائمة للأعمال وحوافز ضريبية، ونمو الخدمات المالية والعقارات والاقتصاد الرقمي، والصمود أمام الاتجاهات العالمية، مع وجود احتياطات مالية قوية وإصلاحات استباقية.


مقالات ذات صلة

الشركات البريطانية تواصل انتعاشها للشهر الثاني على التوالي

الاقتصاد مشهد عام للحيّ المالي في لندن (رويترز)

الشركات البريطانية تواصل انتعاشها للشهر الثاني على التوالي

أظهر مسحٌ نُشر يوم الجمعة أن الشركات البريطانية واصلت انتعاشها الذي بدأ مطلع عام 2026 للشهر الثاني على التوالي، رغم استمرار تسريح العمال بوتيرة حادة.

«الشرق الأوسط» (لندن )
الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

العقود الآجلة الأميركية تتراجع قبل جرس الافتتاح... والأنظار على «وول مارت»

انخفضت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية بشكل طفيف يوم الخميس منهية بذلك سلسلة مكاسب استمرت ثلاثة أيام لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500»

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي يمسك بالأيدي ويلتقط صوراً مع عدد من رؤساء الدول المشاركين خلال قمة الذكاء الاصطناعي (أ.ب)

وسط طموح عالمي وتحديات تنظيمية... مودي يقدِّم الهند كمركز عالمي للذكاء الاصطناعي

قدَّم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، يوم الخميس، الهند كلاعب محوري في منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد شاشات تعرض صورة رئيس «إنفيديا» جنسن هوانغ وشعار الشركة في تولوز بفرنسا يوم 18 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

«إنفيديا» تقود موجة صعود عالمية بعد اتفاق استراتيجي مع «ميتا»

قادت شركة «إنفيديا» انتعاشةً قويةً في الأسواق العالمية، يوم الخميس، مُسجِّلةً أداءً استثنائياً بعد الإعلان عن صفقة تاريخية مع «ميتا بلاتفورمز».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد يمشي الناس في مقر بورصة كوريا في سيول 12 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

الأسهم الآسيوية ترتفع بدعم من صعود «وول ستريت» بقيادة «إنفيديا»

ارتفعت الأسهم الآسيوية، يوم الخميس، مدفوعةً بالمكاسب التي سجَّلتها «وول ستريت» بقيادة عملاق صناعة رقائق الحاسوب «إنفيديا».

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

حاكم «المركزي اليوناني»: اقتصادنا لم يعد رهينة الشحن والغاز الروسي

حاكم مصرف اليونان المركزي يانيس ستورناراس (رويترز)
حاكم مصرف اليونان المركزي يانيس ستورناراس (رويترز)
TT

حاكم «المركزي اليوناني»: اقتصادنا لم يعد رهينة الشحن والغاز الروسي

حاكم مصرف اليونان المركزي يانيس ستورناراس (رويترز)
حاكم مصرف اليونان المركزي يانيس ستورناراس (رويترز)

أكد حاكم مصرف اليونان المركزي، يانيس ستورناراس، أن الطفرة الاقتصادية التي تشهدها بلاده حالياً لا تعتمد على خدمة قطاع النفط الروسي، موضحاً أن اليونان نجحت في تنويع اقتصادها لدرجة جعلتها غير قابلة للابتزاز بقطاع الشحن أو السياحة، مشدداً على أن «يونان اليوم» تختلف جذرياً عما كانت عليه في الماضي.

وتأتي تصريحات ستورناراس في مقابلة مع «بوليتيكو»، في توقيت حساس؛ حيث يتبادل المفاوضون في بروكسل الاتهامات تجاه اليونان ومالطا بوصفهما «المعطلين الرئيسيين» لمسودة قرار يحظر تقديم الخدمات للسفن التي تنقل النفط الخام الروسي. وردّاً على ذلك، أكد ستورناراس أن النمو الاقتصادي المتسارع لليونان لا يعتمد على تقديم الخدمات لصناعة النفط الروسية.

وأوضح أن قطاع الشحن البحري، رغم أنه يُمثل نحو 7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، فإن عوائده أصبحت تتسم بالتقلب الشديد، ولا يمكن اعتبارها الركيزة الأساسية للنمو.

ودعم قوله ببيانات رسمية تظهر أن إيرادات الشحن تراجعت بنسبة 13 في المائة في عام 2023 بعد طفرة ما بعد الجائحة، وظلت راكدة في 2024، ومن المتوقع أن تنخفض بنسبة 15 في المائة في 2025. وشدد على أن مسار النمو اليوناني العام «ينفصل بوضوح» عن أداء قطاع الملاحة المتذبذب.

«صيدلية أوروبا» الجديدة

واستعرض ستورناراس أدلة التحول الهيكلي في الاقتصاد اليوناني، مشيراً إلى التوسع الهائل في قطاع الصناعات الدوائية؛ حيث أصبحت اليونان اليوم توفر نحو 10 في المائة من احتياجات القارة الأوروبية من الأدوية.

وأكد أن هذا التنويع هو الذي يفسر قدرة الاقتصاد اليوناني على تحقيق معدلات نمو متفوقة تصل إلى 2.1 في المائة هذا العام، متجاوزاً معظم دول منطقة اليورو، في واحدة من أبرز «قصص النجاح» بعد عقد من أزمات الديون الخانقة.

الموقف من العقوبات

بينما تضغط بروكسل لإقرار الحزمة العشرين من العقوبات ضد روسيا مع اقتراب الحرب في أوكرانيا من عامها الرابع، تتبنى أثينا موقفاً حذراً يرى أن فرض حظر كامل على الخدمات البحرية قد يصب في مصلحة قطاعات الشحن في الصين والهند على حساب أوروبا.

ومع ذلك، طمأن ستورناراس الأسواق بأن العقوبات الحالية أو المستقبلية لا تُشكل خطراً جسيماً على الآفاق الاقتصادية الوطنية؛ حيث سيظل الطلب المحلي والاستثمارات الخاصة المحركين الرئيسيين للنمو في السنوات المقبلة.

واختتم حديثه بتأكيد أن اليونان، تحت قيادة رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس، تقف بالكامل خلف دعم بروكسل لأوكرانيا. وتوقع أن يستمر الاقتصاد في التوسع بمعدل صلب يبلغ نحو 2 في المائة حتى عامي 2027 و2028، ما يعزز مكانة أثينا بوصفها واحدة من أكثر الاقتصادات استقراراً وجذباً للاستثمار في منطقة اليورو، مختصراً المشهد بقوله: «لقد تغيرت اليونان كثيراً، ولم نعد نعتمد على ما كان يحركنا في الماضي».


لولا يحث ترمب على معاملة جميع الدول على قدم المساواة

ترمب ولولا خلال لقائهما على هامش قمة «رابطة دول جنوب شرق آسيا» في كوالالمبور... أكتوبر الماضي (رويترز)
ترمب ولولا خلال لقائهما على هامش قمة «رابطة دول جنوب شرق آسيا» في كوالالمبور... أكتوبر الماضي (رويترز)
TT

لولا يحث ترمب على معاملة جميع الدول على قدم المساواة

ترمب ولولا خلال لقائهما على هامش قمة «رابطة دول جنوب شرق آسيا» في كوالالمبور... أكتوبر الماضي (رويترز)
ترمب ولولا خلال لقائهما على هامش قمة «رابطة دول جنوب شرق آسيا» في كوالالمبور... أكتوبر الماضي (رويترز)

حثَّ الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الأحد، على معاملة جميع الدول على قدم المساواة، وذلك بعد أن فرض الرئيس الأميركي تعريفةً جمركيةً بنسبة 15 في المائة على الواردات عقب قرار غير مواتٍ من المحكمة العليا.

وقال لولا للصحافيين في نيودلهي: «أريد أن أقول للرئيس الأميركي دونالد ترمب إننا لا نريد حرباً باردة جديدة. لا نريد تدخلاً في شؤون أي دولة أخرى، نريد أن تُعامل جميع الدول على قدم المساواة».

وقد قضت المحكمة العليا، ذات الأغلبية المحافظة، يوم الجمعة، بأغلبية 6 أصوات مقابل 3، بأن قانوناً صدر عام 1977، استند إليه ترمب لفرض رسوم جمركية مفاجئة على دول بعينها؛ مما أدى إلى اضطراب التجارة العالمية، «لا يُخوّل الرئيس فرض تعريفات جمركية».

وأضاف لولا أنه لا يرغب في التعليق على قرارات المحكمة العليا لدولة أخرى، لكنه أعرب عن أمله في أن «تعود العلاقات البرازيلية مع الولايات المتحدة إلى طبيعتها» قريباً.

ومن المتوقع أن يسافر الزعيم اليساري المخضرم إلى واشنطن الشهر المقبل للقاء ترمب.

وقال لولا، البالغ من العمر 80 عاماً: «أنا على يقين بأن العلاقات البرازيلية - الأميركية ستعود إلى طبيعتها بعد محادثاتنا»، مضيفاً أن البرازيل لا ترغب إلا في «العيش بسلام، وتوفير فرص العمل، وتحسين حياة شعبنا».

يختلف لولا وترمب، البالغ من العمر 79 عاماً، اختلافاً جذرياً في وجهات النظر حول قضايا مثل التعددية، والتجارة الدولية، ومكافحة تغير المناخ.

ومع ذلك، يبدو أن العلاقات بين البرازيل والولايات المتحدة في طريقها إلى التحسُّن بعد أشهر من التوتر بين واشنطن وبرازيليا.

ونتيجة لذلك، أعفت إدارة ترمب صادرات برازيلية رئيسية من الرسوم الجمركية البالغة 40 في المائة التي فُرضت على الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية العام الماضي.

تقارب

وقال لولا، الذي وصل إلى الهند يوم الأربعاء لحضور قمة حول الذكاء الاصطناعي ولقاء ثنائي مع رئيس الوزراء ناريندرا مودي: «العالم لا يحتاج إلى مزيد من الاضطرابات، بل يحتاج إلى السلام».

تدهورت العلاقات بين واشنطن وبرازيليا في الأشهر الأخيرة، حيث أثارت غضب ترمب محاكمةُ وإدانةُ حليفه، الرئيس البرازيلي السابق اليميني المتطرف جايير بولسونارو.

وفرض ترمب عقوبات على عدد من كبار المسؤولين، من بينهم قاضٍ في المحكمة العليا، لمعاقبة البرازيل على ما وصفها بـ«حملة اضطهاد» ضد بولسونارو الذي حُكم عليه بالسجن 27 عاماً لدوره في محاولة انقلاب فاشلة بعد خسارته انتخابات عام 2022 أمام لولا.

وقال لولا، بوصفهما أكبر ديمقراطيتين في الأميركتين، إنه يتطلع إلى علاقة إيجابية مع الولايات المتحدة. وأضاف: «نحن رجلان في الثمانين من العمر، لذا لا يمكننا التهاون بالديمقراطية. علينا أن نأخذ هذا الأمر على محمل الجد. علينا أن نتصافح وجهاً لوجه، ونناقش ما هو الأفضل للولايات المتحدة والبرازيل».

كما أشاد لولا بمودي بعد أن اتفقت الهند والبرازيل على تعزيز التعاون في مجال المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة، ووقَّعتا مجموعةً من الاتفاقات الأخرى يوم السبت. قال: «أكنّ كثيراً من المودة لرئيس الوزراء مودي».


لاغارد لترمب: أوروبا استيقظت... وسنمضي قدماً «بمَن حضر»

لاغارد خلال مشاركتها في منتدى دافوس الشهر الماضي (أ.ف.ب)
لاغارد خلال مشاركتها في منتدى دافوس الشهر الماضي (أ.ف.ب)
TT

لاغارد لترمب: أوروبا استيقظت... وسنمضي قدماً «بمَن حضر»

لاغارد خلال مشاركتها في منتدى دافوس الشهر الماضي (أ.ف.ب)
لاغارد خلال مشاركتها في منتدى دافوس الشهر الماضي (أ.ف.ب)

لم يكن خروج رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، المفاجئ من مأدبة عشاء منتدى دافوس الشهر الماضي مجرد تعبير عن غضب عابر، بل كان رسالةً سياسيةً واضحةً تعكس الضيق الأوروبي من نبرة واشنطن الجديدة، وإعلاناً مبكراً عن ولادة نهج أوروبي جديد لا يقبل التوبيخ ولا ينتظر الإجماع. فبينما كان وزير التجارة الأميركي، هوارد لوتنيك، يشنُّ هجوماً حاداً على سياسات القارة العجوز وطاقتها، قرَّرت رئيسة البنك المركزي الأوروبي أن «الصمت لم يعد خياراً»، فغادرت القاعة متبوعة بشخصيات قيادية أخرى، في مشهد اختصر حالة «الطلاق النفسي» والتوتر المتصاعد بين ضفتَي الأطلسي.

وفي مقابلة موسَّعة مع صحيفة «وول ستريت جورنال»، حوَّلت لاغارد ذلك الموقف الاحتجاجي إلى عقيدة عمل سياسية؛ مؤكدة أن القارة قد استيقظت بالفعل على وقع ضغوط إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وقرَّرت «المضي قدماً بمَن حضر». ومن خلال تبني استراتيجية «تحالفات الراغبين»، تسعى لاغارد إلى تحرير القرار الأوروبي من قيود التبعية والبيروقراطية، لتعلن رسمياً أن أوروبا الجديدة ستبني مستقبلها بعيداً عن الوصاية، أو انتظار الموافقات الجماعية المعطلة.

ففي إطار سعيها لكسر الجمود الاقتصادي، حثت لاغارد الحكومات الأوروبية على الاعتماد على ما أسمتها «تحالفات الراغبين» لدفع الإصلاحات الاقتصادية المتعثرة منذ زمن طويل. وتتبنى لاغارد رؤيةً جريئةً ترى أن الاتحاد الأوروبي لا يحتاج بالضرورة إلى إجماع الدول الـ27 للمضي قدماً؛ بل يمكن لمجموعات أصغر من الدول أن تقود قاطرة التغيير في ملفات حيوية، مثل توحيد أسواق رأس المال.

واستشهدت رئيسة البنك المركزي بتجربة «منطقة اليورو» التي تضم 21 دولة فقط دليلاً قاطعاً على نجاح التكامل العميق دون الحاجة إلى الإجماع الشامل، قائلة بوضوح: «ليس لدينا الـ27 دولة حول الطاولة، ومع ذلك، فإن النظام يعمل بنجاح». وترى لاغارد أن هذا النموذج هو المَخرج الوحيد لتجاوز «عنق الزجاجة» السياسي في بروكسل.

وفي رسالة شديدة اللهجة وجَّهتها للقادة الأوروبيين هذا الشهر، حدَّدت لاغارد 5 إصلاحات عاجلة تحت عنوان «وقت العمل»، شملت توحيد التنظيمات الشركاتية، وتنسيق الإنفاق على البحث والتطوير، مؤكدة أن تنفيذ نصف هذه الإصلاحات فقط كفيل برفع إمكانات النمو الاقتصادي في أوروبا بشكل مذهل.

إرث التغيير

منذ توليها رئاسة البنك المركزي الأوروبي في 2019، خاضت لاغارد معارك داخلية لتغيير ثقافة المؤسسة؛ فكان أول قرار رمزي لها هو استبدال الطاولة البيضاوية لتحل محلها طاولة مستديرة لإلغاء التراتبية بين أعضاء المجلس الـ25. ورغم البدايات الصعبة التي اتسمت ببعض الارتباك في الأسواق، فإنها نجحت في قيادة البنك لخفض التضخم إلى مستويات أدنى من المستهدف البالغ 2 في المائة دون التسبب في أزمات ديون في دول هشة مثل إيطاليا.

وتطمح لاغارد في سنواتها الأخيرة بالمنصب إلى تحويل اليورو إلى «عملة عالمية حقيقية» قادرة على المنافسة بوصفها عملة احتياط دولية، خصوصاً مع ازياد التساؤلات حول دور الدولار في ظل سياسات ترمب. وتؤكد لاغارد أن هذا الأمر «لا يحدث بالخطابات، بل بالعمل الجاد»، مشيرة إلى توسيع مرافق «الريبو» لتشمل البنوك المركزية العالمية، في رسالة ضمان بأن «السيولة باليورو ستكون متاحة دائماً لمَن يتعامل بها».

سيادة رقمية

تعد «السيادة الرقمية» حجر زاوية آخر في إرث لاغارد المرتقب، حيث تدفع بقوة نحو إطلاق «اليورو الرقمي» العام المقبل. والهدف بالنسبة إليها ليس مجرد مواكبة التكنولوجيا، بل تقليل اعتماد أوروبا على الشركات الأميركية الكبرى مثل «فيزا» و«ماستر كارد» في معالجة المعاملات المالية الأوروبية، وضمان استقلالية النظام المالي للقارة.

ومع اقتراب نهاية ولايتها في أبريل (نيسان) 2027، تتردَّد تقارير حول إمكانية استقالتها المبكرة لمنح الرئيس إيمانويل ماكرون فرصة اختيار خليفتها قبل الانتخابات الفرنسية. ورغم رفضها التعليق المباشر، فإنها أكدت أن «مهمتها لم تنتهِ بعد»، مشيرة إلى رغبتها في تعزيز ما أنجزته ليكون «صلباً وموثوقاً». وبينما تلوح في الأفق خيارات مستقبلية مثل قيادة «منتدى الاقتصاد العالمي»، تظل لاغارد حالياً مركز الثقل الذي يراقب العالم من فرانكفورت، محاولةً حماية «قارتها» من رياح التغيير المقبلة من الغرب.