طهران تحذر من استهداف «جبل الفأس» مع تصاعد الضربات الأميركية

الجولة الـ11 تشمل منشآت عسكرية في أنحاء إيران… وتفعيل الدفاعات الجوية بالعاصمة

لقطة من مقطع فيديو نشرته القيادة المركزية الأميركية تظهر إقلاع مقاتلات من حاملة طائرات خلال الليلة الحادية عشرة من تجدد الضربات على منشآت عسكرية داخل إيران فجر الأربعاء
لقطة من مقطع فيديو نشرته القيادة المركزية الأميركية تظهر إقلاع مقاتلات من حاملة طائرات خلال الليلة الحادية عشرة من تجدد الضربات على منشآت عسكرية داخل إيران فجر الأربعاء
TT

طهران تحذر من استهداف «جبل الفأس» مع تصاعد الضربات الأميركية

لقطة من مقطع فيديو نشرته القيادة المركزية الأميركية تظهر إقلاع مقاتلات من حاملة طائرات خلال الليلة الحادية عشرة من تجدد الضربات على منشآت عسكرية داخل إيران فجر الأربعاء
لقطة من مقطع فيديو نشرته القيادة المركزية الأميركية تظهر إقلاع مقاتلات من حاملة طائرات خلال الليلة الحادية عشرة من تجدد الضربات على منشآت عسكرية داخل إيران فجر الأربعاء

حذرت إيران، الأربعاء، من أن أي ضربة أميركية تستهدف موقعاً تحت الأرض في «جبل الفأس» قرب منشأة نطنز النووية ستوسع نطاق الحرب، فيما نفت وجود أنشطة نووية في الموقع، وذلك بعدما واصلت القوات الأميركية غاراتها داخل البلاد لليلة الحادية عشرة على التوالي، وسط تبادل للهجمات امتد إلى الأردن والكويت والبحرين.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد قال إن القوات الأميركية قد تستهدف «قريباً جداً» موقعاً تحت الأرض في الجبل، الذي تقول تقارير أميركية إنه يضم منشأة نووية قيد الإنشاء قرب منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم، بينما تنفي طهران وجود أي نشاط نووي هناك.

وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إنه «لا نشاط نووياً» يجري في «جبل الفأس»، المعروف في إيران باسم «كوه كلنغ»، واتهم واشنطن باستخدام الموقع «ذريعة» لتبرير الهجمات. وأضاف أن الأنشطة النووية الإيرانية معلنة للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وفي وقت سابق نقل التلفزيون الرسمي الإيراني عن عمليات هيئة الأركان المسلحة قولها إن استهداف الموقع سيُعد توسيعاً للحرب، متوعدة بضرب مصالح الولايات المتحدة وحلفائها.

وكان ترمب قد قال من المكتب البيضاوي إن واشنطن لم تنه عملياتها في إيران، وإن الانسحاب في المرحلة الحالية سيمنح طهران فرصة لإعادة بناء قدراتها. وأضاف أن إيران قد تحتاج إلى ما بين 20 و25 عاماً للتعافي من الأضرار التي لحقت بها، مؤكداً أن الولايات المتحدة «لن تغادر الآن».

وقالت القيادة المركزية الأميركية إن الجولة الحادية عشرة استهدفت مراكز للعمليات العسكرية، وقدرات بحرية، وحظائر للطائرات، ومنشآت لتخزين المسيّرات، وبنية تحتية لوجستية عسكرية.

وأفادت وسائل إعلام إيرانية بوقوع انفجارات أو غارات في نطاق واسع شمل بوشهر ومعشور وبهبهان والعميدية في محافظة الأحواز، وسيريك وتشابهار وكنارك جنوباً، وتبريز شمال غربي البلاد، ومناطق قرب «كبودرآهنغ» في همدان وآبدانان في إيلام وبانه في كردستان في الغرب، وأعلن التلفزيون الإيراني تفعيل الدفاعات الجوية في غرب طهران وشرقها وشمال شرقها.

وأفادت «إرنا» وسكان في العاصمة بسماع انفجارات وتفعيل الدفاعات الجوية في أجزاء من طهران. كما أفادت وكالة «فارس»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، بأن سكاناً في طهران سمعوا دوي انفجارات خلال الساعات الأولى من الأربعاء، بالتزامن مع نشاط الدفاعات الجوية فوق العاصمة.

ولاحقاً، نفى «الحرس الثوري» في محافظة طهران تقارير متداولة عن تشغيل منظومات دفاعية أو وقوع إصابات في منطقة باكدشت شرق العاصمة.

وقال إحسان جهانيان، نائب محافظ بوشهر للشؤون السياسية والأمنية، إن ثلاث ضربات أميركية في المحافظة لم تسفر عن خسائر بشرية. وأضاف أن مناطق قرب خورموج تعرضت للقصف، فيما استهدفت مدينة بوشهر على مرحلتين، وأصابت إحدى الضربات محطة للكهرباء قرب المنشأة النووية، مما أدى إلى انقطاع التيار عن قرية بندركاه قبل إعادته بالكامل خلال أقل من ساعتين. ولم تعلن السلطات وقوع أضرار في المنشأة النووية.

وقال مسؤول في وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الأميركية منذ استئناف العمليات أسفرت عن مقتل 53 مدنياً وإصابة نحو 500، من دون أن يحدد الفترة الزمنية التي تشملها الحصيلة. ولم يتسن التحقق منها بصورة مستقلة.

هجمات إيرانية إقليمية

في المقابل، أعلنت القوات الإيرانية شن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على مواقع قالت إنها عسكرية أميركية في الأردن والكويت والبحرين.

وقال الجيش الإيراني إنه استهدف مباني ومنشآت لتخزين المعدات في قاعدة الأزرق الجوية بالأردن، ثم هاجم مستودعات وحظائر لصيانة الطائرات في قاعدة الشيخ عيسى الجوية بالبحرين باستخدام طائرات مسيّرة من طراز «آرش».

وأعلن الجيش الكويتي أن دفاعاته الجوية تصدت لهجمات بطائرات مسيّرة مصدرها إيران، فيما قالت البحرين إنها اعترضت هجمات إيرانية بعد انطلاق صفارات الإنذار. وأكد الأردن أيضاً اعتراض صواريخ وطائرات مسيّرة.

ودوت صفارات الإنذار في مدينة العقبة الأردنية، وقال مسؤولون إسرائيليون إن صواريخ إيرانية استهدفت الأردن. وأظهرت تسجيلات مصورة التقطت من مدينة إيلات القريبة أعمدة دخان في الأجواء فوق العقبة. وقال الجيش الأردني إنه اعترض أربعة صواريخ وأربع طائرات مسيّرة، بينما سقط صاروخان في مناطق غير مأهولة قرب العقبة.

وقال الجيش الإيراني إنه استهدف، مباني سكنية ومنشآت لتخزين المعدات داخل قاعدة الأزرق الجوية.

لقطة من مقطع فيديو تُظهر ضربات على مواقع عسكرية داخل إيران خلال الليلة الحادية عشرة من العمليات الأميركية فجر الأربعاء

ونقل الإعلام الرسمي الإيراني بياناً لـ«الحرس الثوري» قال فيه إن الهجمات استهدفت منظومات دفاع جوي ورادارات ومنشآت إدارية، متوعداً بموجات أشد من الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة.

وجاءت الجولة الجديدة بعد مقتل أربعة عسكريين أميركيين في هجمات وقعت خلال الأيام الأخيرة في الأردن والعراق، لترتفع حصيلة قتلى القوات الأميركية منذ بدء الحرب في 28 فبراير (شباط) إلى 18 عسكرياً.

وقال ترمب إن القوات الأميركية اعترضت معظم المقذوفات التي استهدفت مواقعها، لكنه أقر بأن بعضها اخترق الدفاعات في الأردن. وتعهد بأن تدفع إيران «أضعافاً» مقابل كل جندي أميركي يُقتل.

التصعيد في مضيق هرمز

تزامنت الضربات مع استمرار المواجهة في مضيق هرمز، بعدما تعرضت ناقلة لهجوم، الثلاثاء، واضطر طاقمها إلى مغادرتها.

وكانت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية قد قالت إن «مقذوفاً مجهول الهوية» أصاب ناقلة قبالة سواحل سلطنة عمان، فيما أعلن «الحرس الثوري» اعتراض ناقلتي نفط قال إنهما حاولتا عبور المضيق بصورة مخالفة، بعد اندلاع حرائق واسعة على متنهما.

وقالت القيادة المركزية الأميركية إن ضرباتها الأخيرة تستهدف القدرات الإيرانية المستخدمة في تهديد حركة الملاحة، مع تحول السيطرة على المضيق إلى محور رئيسي في الحرب المتجددة.

وقالت «سنتكوم» إن إيران هاجمت أكثر من 30 سفينة تجارية خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وإن ضرباتها تهدف إلى تقليص القدرات المستخدمة في تهديد الملاحة.

وتزامن التصعيد في مضيق هرمز مع تهديد الحوثيين في اليمن بإغلاق مضيق باب المندب واستهداف السفن التي تخالف ما وصفوه بالحصار البحري.

لقطة من مقطع فيديو تُظهر ضربات على مواقع عسكرية داخل إيران خلال الليلة الحادية عشرة من العمليات الأميركية فجر الأربعاء

وحذر ترمب من أن الولايات المتحدة ستتعامل مع الحوثيين إذا حاولوا تنفيذ تهديدهم، وقال إن باب المندب لم يُغلق حتى الآن، وإن واشنطن سترد إذا حدث ذلك.

وأفادت شركات لمراقبة الملاحة بأن عدداً من الناقلات غيّر مساره في البحر الأحمر بعد صدور التهديد، في مؤشر إلى اتساع تأثير الحرب من مضيق هرمز إلى الممر البحري عند مدخل البحر الأحمر.


مقالات ذات صلة

عوائد السندات الألمانية تتجه لتسجيل رابع ارتفاع أسبوعي على التوالي

الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

عوائد السندات الألمانية تتجه لتسجيل رابع ارتفاع أسبوعي على التوالي

تتجه عوائد السندات الألمانية نحو تسجيل ارتفاع أسبوعي رابع على التوالي، في أطول سلسلة مكاسب منذ منتصف يوليو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد صفائح من النحاس المكرر في مصنع داخل منجم (رويترز)

النحاس يرتفع ويتجه لتسجيل مكاسب أسبوعية مدعوماً بتراجع الدولار

ارتفعت أسعار النحاس بشكل طفيف يوم الجمعة، متجهة لإنهاء الأسبوع على مكاسب، مدعومة بالتراجع الحاد للدولار الأميركي خلال الليل.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد صائغ يعرض مجوهرات ذهبية في معرض بكابول - أفغانستان (إ.ب.أ)

الذهب يتجه لتحقيق مكاسب أسبوعية طفيفة ترقباً لبيانات الوظائف الأميركية

استقرت أسعار الذهب يوم الجمعة، متجهة نحو تحقيق مكاسب أسبوعية طفيفة، في وقت تتجه فيه أنظار الأسواق إلى بيانات الوظائف الأميركية المرتقبة بشدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
آسيا أرشيفية لسفن تعبر مضيق هرمز (أ.ف.ب)

كوريا الجنوبية تدرس «خيارات عسكرية» لدعم الملاحة في مضيق هرمز

قال مسؤول ​في البيت الأزرق الرئاسي، اليوم، إن كوريا الجنوبية تدرس ‌الخيارات ‌العملية، بما ​في ‌ذلك ⁠الإجراءات ​العسكرية، لدعم ⁠حرية الملاحة في مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (سيول)
شؤون إقليمية فانس يتحدث إلى الصحافيين في البيت الأبيض الخميس (أ.ب)

فانس: تدفق النفط عبر «هرمز» عاد تقريباً إلى مستويات ما قبل الحرب

قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الخميس، إن تدفق النفط عبر مضيق هرمز عاد «تقريباً» إلى مستوياته السابقة للحرب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

كاتس: سيطرة إسرائيل على مرتفعات علي الطاهر تعزز «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان

دخان يتصاعد بينما تقوم القوات الإسرائيلية بهدم منازل في قرية المنصوري - جنوب لبنان 3 سبتمبر 2026 (أ.ب)
دخان يتصاعد بينما تقوم القوات الإسرائيلية بهدم منازل في قرية المنصوري - جنوب لبنان 3 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

كاتس: سيطرة إسرائيل على مرتفعات علي الطاهر تعزز «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان

دخان يتصاعد بينما تقوم القوات الإسرائيلية بهدم منازل في قرية المنصوري - جنوب لبنان 3 سبتمبر 2026 (أ.ب)
دخان يتصاعد بينما تقوم القوات الإسرائيلية بهدم منازل في قرية المنصوري - جنوب لبنان 3 سبتمبر 2026 (أ.ب)

عدّ وزير الدفاع الإسرائيلي، اليوم (الجمعة)، أن السيطرة على مرتفعات علي الطاهر يعزز «المنطقة الأمنية» للدولة العبرية في جنوب لبنان، مؤكداً أن القوات لن تنسحب من هذا الموقع الاستراتيجي لجماعة «حزب الله».

وقال يسرائيل كاتس، في بيان، إن «السيطرة على مرتفعات علي الطاهر تمثل إتمام مرحلة ضمان السيطرة على المنطقة الأمنية في جنوب لبنان».

وأعلن الجيش الإسرائيلي، مساء أمس (الخميس)، عمله على استكمال تطهير بنى تحتية تحت الأرض تابعة لـ«حزب الله» في منطقة مرتفعات علي الطاهر بجنوب لبنان، مشيراً إلى أن قواته تواصل العمل على تحييد هذه المنشآت. وقال الجيش إن قوات الفرقة 36 عملت خلال الفترة الأخيرة على تطهير مسارين تحت الأرض في منطقة مرتفعات علي الطاهر، الواقعة ضمن ما وصفه بـ«المنطقة الأمنية»، وحققت «سيطرة عملياتية» على منطقة المرتفعات فوق الأرض وتحتها.

وأضاف أن القوات طهّرت المنطقة من عناصر «حزب الله»، إذ قُتل بعضهم، فيما فرّ آخرون من المنطقة.

وبحسب الجيش الإسرائيلي، لا تزال العمليات الرامية إلى تحييد البنى التحتية تحت الأرض، بعد تطهيرها من عناصر «حزب الله»، مستمرة، على أن يعيد الجيش انتشاره دفاعياً بعد انتهاء النشاط، وفقاً لتقييم الوضع.


ترمب يُبقي خياراته تجاه طهران مفتوحة

صورة نشرتها قيادة "سنتكوم" أمس لسفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس بوكسر» خلال عملياتها في المنطقة (سنتكوم)
صورة نشرتها قيادة "سنتكوم" أمس لسفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس بوكسر» خلال عملياتها في المنطقة (سنتكوم)
TT

ترمب يُبقي خياراته تجاه طهران مفتوحة

صورة نشرتها قيادة "سنتكوم" أمس لسفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس بوكسر» خلال عملياتها في المنطقة (سنتكوم)
صورة نشرتها قيادة "سنتكوم" أمس لسفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس بوكسر» خلال عملياتها في المنطقة (سنتكوم)

أبقى الرئيس الأميركي دونالد ترمب خيارات التصعيد مع طهران مفتوحة، مؤكداً أن القوات الأميركية مستعدة لشن ضربات جديدة على إيران «في أي وقت نريده»، فيما ساد هدوء حذر أمس بعد أعنف جولة من الضربات منذ أسابيع.

ورفعت طهران حصيلة العسكريين الذين قُتلوا الأسبوع الحالي إلى 13 على الأقل، بينهم ستة من الجيش النظامي، ثلاثة منهم طيارون، وأربعة من الوحدة الصاروخية لـ«الحرس الثوري»، وثلاثة من «الباسيج».

وأفادت وسائل إعلام إيرانية بأن العسكريين الستة قتلوا في جنوب إيران خلال ضربات الثلاثاء، بينما سقط عناصر «الباسيج» في جزيرة لاوان. وأعلن «الحرس» مقتل أربعة من عناصره في غرب البلاد.

وقالت واشنطن إن الضربات استهدفت منشآت عسكرية وقدرات صاروخية وبحرية مرتبطة بـ«الحرس الثوري» قرب مضيق هرمز.

وشيع مئات الإيرانيين، أمس (الخميس)، أربعة أشخاص قالت السلطات إنهم قُتلوا في ضربة أصابت موقع حفل زفاف في كوهستك، بينهم طفل في الرابعة. وجدّد قائد «الحرس الثوري» أحمد وحيدي، التهديد بالثأر، قائلاً إن دماء قتلى كوهستك «لن تذهب هدراً».

وأفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» بأن «البنتاغون» مدّد انتشار بعض القوات إلى 2027، مع إبقاء نحو 50 ألف جندي و19 سفينة حربية في المنطقة.


التمدد الإسرائيلي في أفريقيا... حضور متصاعد ومخاوف إقليمية

رئيس الكونغو الديمقراطية خلال لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي في القدس المحتلة (رئاسة الكونغو على منصة إكس)
رئيس الكونغو الديمقراطية خلال لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي في القدس المحتلة (رئاسة الكونغو على منصة إكس)
TT

التمدد الإسرائيلي في أفريقيا... حضور متصاعد ومخاوف إقليمية

رئيس الكونغو الديمقراطية خلال لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي في القدس المحتلة (رئاسة الكونغو على منصة إكس)
رئيس الكونغو الديمقراطية خلال لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي في القدس المحتلة (رئاسة الكونغو على منصة إكس)

أعادت زيارة رئيس الكونغو الديمقراطية، فيليكس تشيسكيدي، للقدس المحتلة الأنظار لمحاولات إسرائيل ترسيخ وجودها في أفريقيا، وسط مخاوف إقليمية من توسيع النفوذ والحضور الإسرائيلي.

وغادر تشيسكيدي إسرائيل، الأربعاء، في ختام زيارة عمل استمرت ثلاثة أيام، أجرى خلالها مباحثات في القدس مع الرئيس إسحاق هرتسوغ ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في ثاني زيارة خلال نحو خمسة أعوام بعد زيارة سابقة في 2021.

ويشير خبراء في الشؤون الأفريقية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» إلى محاولات من جانب تل أبيب لتوسيع مصالحها وامتلاك أوراق ضغط لتعظيم نفوذها، وتتحرك في مسار التقارب مع دول مثل الكونغو الديمقراطية وكيانات مثل الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»؛ سعياً لتحقيق مكاسب اقتصادية وأمنية.

وعبَّر أكثر من دولة عربية وإسلامية، منها مصر وتركيا والصومال، عن رفضها للوجود الإسرائيلي في «أرض الصومال»، محذرة من تهديد الاستقرار في المنطقة.

رئيس الكونغو الديمقراطية خلال لقاء مع نظيره الإسرائيلي في القدس المحتلة (رئاسة الكونغو على منصة إكس)

وخلال الزيارة، تركزت مباحثات تشيسكيدي مع نتنياهو على قضايا الأمن والدفاع، إلى جانب مجالات الزراعة والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا المتقدمة، بحسب بيان للرئاسة الكونغولية عبر حسابها بمنصة «إكس».

وجدد الرئيس الكونغولي التزام بلاده بأمن إسرائيل، مع الدعوة في الوقت نفسه إلى حماية المدنيين واحترام القانون الدولي ومواصلة الحوار باعتباره وسيلة لمعالجة الأزمات الإقليمية، بحسب ما نقلته إذاعة «فرنسا الدولية».

وتتقارب الكونغو وإسرائيل بشكل متصاعد، وقد زار هرتسوغ الكونغو الديمقراطية في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2025.

علاقات ومصالح

ويرى خبير الشؤون الأفريقية بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، حسين البحيري، أن الزيارة تُعبِّر عن تطور في العلاقات، لتحقيق كل من الطرفين مصالح عدة؛ فالكونغو تسعى لنيل دعم أمني وعسكري لمواجهة أزماتها الداخلية مع المتمردين، وفي المقابل تنتهج إسرائيل سياسة خارجية تهدف لتوسيع نفوذها في القارة الأفريقية عموماً، ودول حوض النيل خصوصاً، للتغطية على الضغوط الدولية الناتجة عن انتهاكاتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإثبات قدرتها على تنويع شراكاتها الخارجية.

وأضاف في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أن الكونغو الديمقراطية تشكل مصدراً مهماً لإسرائيل للحصول على الموارد الطبيعية والمعادن النفيسة غير المستغلة كالنحاس والألمنيوم والليثيوم والكوبرت، وهي معادن تُستخدم في صناعات استراتيجية كالبطاريات والطائرات المسيرة مما يحقق لإسرائيل مكاسب اقتصادية بارزة أيضاً.

أما المحلل السياسي التشادي المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، فعبَّر لـ«الشرق الأوسط» عن اعتقاده بأن الزيارة تعكس الانتقال نحو شراكة أوسع تشمل الجوانب السياسية والأمنية والاقتصادية والتكنولوجية، في ظل التحديات التي تواجهها الكونغو الديمقراطية في شرق البلاد، والحاجة إلى تطوير قدرات الجيش والأجهزة الأمنية، والاستفادة من الخبرات والتقنيات الإسرائيلية في مجالات الاستخبارات والمراقبة والتدريب والدفاع.

حضور يتصاعد

وتسعى إسرائيل لتوطيد حضورها في أفريقيا. وفي نهاية العام الماضي، اعترفت بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، وسط رفض مصري وصومالي وعربي وتركي لهذا المسار.

وتجمع إسرائيل علاقات مع دول أفريقية مثل إثيوبيا وجنوب السودان وأوغندا، وأعادت افتتاح سفارتها في العاصمة الزامبية لوساكا في أغسطس (آب) 2025. كما أنها ترتبط بعلاقات أمنية وعسكرية وتجارية مع دول مثل تشاد، ونيجيريا، والكاميرون.

وتحافظ إسرائيل كذلك على علاقات تعاون عسكري مع رواندا؛ إذ التقى سفيرها في كيغالي خلال مارس (آذار) الماضي مع وزير الدفاع ورئيس أركان جيش رواندا؛ لبحث سبل تعزيز التعاون بين الجانبين.

ويرى البحيري أن التمدد الإسرائيلي في أفريقيا وحوض النيل، والذي سبقه تثبيت موطئ قدم في القرن الأفريقي والبحر الأحمر عبر الاعتراف بإقليم «أرض الصومال» بالقرب من باب المندب وممرات الملاحة الدولية، «ينعكس بشكل مباشر وغير مباشر على الأمن القومي المصري، نظراً لوجود إسرائيل القوي في منطقة تُعد عمقاً استراتيجياً لمصر، مما يفتح المجال أمام تل أبيب لاستخدام علاقاتها مع دول الحوض كورقة ضغط لتسوية بعض الملفات العالقة بين الطرفين».

رئيس إسرائيل يستقبل رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي خلال زيارة رسمية (رئيس الإقليم عبر منصة إكس)

ويقول عيسى: «يميل تنامي الحضور الإسرائيلي في أفريقيا إلى أن يكون استراتيجية ذات ملامح مشتركة تُنفَّذ بصورة انتقائية وفق خصوصية كل ساحة، أكثر من كونه سلسلة تحركات منفصلة»، لافتاً إلى أن البعد الأمني أصبح عنصراً مركزياً في توسيع العلاقات الإسرائيلية مع الدول الأفريقية، إلى جانب المصالح الاقتصادية والدبلوماسية.

«شبكة شراكات»

وتكشف حالة «أرض الصومال»، بحسب عيسى، «البُعد الجيوسياسي» للسياسة الإسرائيلية؛ فموقع هذه البقعة على خليج عدن وقربها من باب المندب يمنحانها أهمية مباشرة بالنسبة لأمن الملاحة والبحر الأحمر، خصوصاً مع تنامي تهديد الحوثيين.

وأصبحت إسرائيل أول حكومة تعترف رسمياً بـ«أرض الصومال»، في خطوة تحمل أبعاداً تتجاوز العلاقة الثنائية إلى إعادة التموضع الإسرائيلي في منطقة شديدة الحساسية استراتيجياً.

أما الكونغو الديمقراطية، فتبرز فيها مصالح مختلفة نسبياً؛ إذ يرتبط التقارب بدرجة أكبر بالحاجة إلى التعاون الأمني والتكنولوجي، إلى جانب فرص الاستثمار والاستفادة من الموارد المعدنية الضخمة.

وهذا يوضح أن إسرائيل لا تستخدم أداة واحدة في أفريقيا، بل مزيجاً من الأمن والتكنولوجيا والاستثمار والدبلوماسية بحسب طبيعة الدولة وموقعها واحتياجاتها، وفق عيسى. ومن ثم يمكن النظر إلى السياسة الإسرائيلية في أفريقيا بوصفها استراتيجية مرنة وليست خطة موحدة التفاصيل.

ويقول عيسى: «الهدف العام يتمثل في بناء شبكة واسعة من الشراكات، تخدم المصالح الإسرائيلية في الأمن والملاحة والتجارة، ومواجهة النفوذ الإيراني وكسب الدعم السياسي، بينما تختلف الأدوات من بلد إلى آخر».

ويمكن أن يؤدي التمدد الإسرائيلي المتصاعد في أفريقيا إلى إعادة تشكيل بعض التوازنات الإقليمية، خصوصاً في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، عبر انتقال الحضور الإسرائيلي من علاقات دبلوماسية واقتصادية متفرقة إلى حضور يرتبط أكثر بالأمن والموانئ والممرات البحرية والتكنولوجيا.

ويرى عيسى أن وجود شريك إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» قد يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية واستخباراتية جديدة، ويزيد التنافس بين القوى الموجودة أصلاً في المنطقة.