حوّل نادي لينكولن سيتي الإنجليزي الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات إلى أحد أبرز أسلحته التنافسية، في تجربة ساهمت في صعوده إلى دوري الدرجة الأولى «تشامبيونشيب» للمرة الأولى منذ 65 عاماً، رغم امتلاكه واحدة من أصغر الميزانيات مقارنة بمنافسيه.
وفي الموسم الماضي، وبينما كان أرسنال يحظى باهتمام واسع بسبب فعاليته الكبيرة في الكرات الثابتة، كان لينكولن، بعيداً عن الأضواء، يسجل أهدافاً من الكرات الثابتة أكثر من الفريق اللندني، في طريقه إلى التتويج بلقب «ليغ وان».
وبحسب «التلغراف»، لم يكن توجه لينكولن نحو التكنولوجيا مجرد محاولة لمواكبة التطور، بل جاء نتيجة الفارق المالي الكبير الذي يفصله عن منافسيه. واحتل النادي المركز الـ17 من حيث حجم الميزانية في «ليغ وان» الموسم الماضي، ما دفع إدارته إلى البحث عن وسائل مختلفة تمنحه أفضلية تنافسية لا تعتمد على الإنفاق.
وقال الرئيس التنفيذي ليام سكالي إن «الذكاء الاصطناعي هو الخيط الذهبي الذي يمر عبر الكثير من الأشياء التي نقوم بها من أجل تطوير الأداء».
وأوضح سكالي أن وضع النادي تغير بعد صعوده من «ليغ تو» عام 2019، إذ انتقل من فريق قادر على التفوق مالياً على بعض منافسيه إلى أحد الأندية الأصغر في «ليغ وان»، ما فرض عليه تغيير طريقة التفكير. وشبّه الفارق بين لينكولن وبعض منافسيه بمواجهة «قارب صغير لغواصات نووية»، مؤكداً أن قبول هذا الواقع دفع النادي إلى الابتكار وبناء استراتيجيته وفق إمكاناته.
وحافظ لينكولن على هوية تعتمد على القوة البدنية واللعب المباشر. ورغم احتلاله المركز الأخير في نسبة الاستحواذ الموسم الماضي، سجل ثاني أكبر عدد من الأهداف، وتصدر المسابقة من حيث الفرص التي صنعها وحوّلها إلى أهداف.
ورأى المدير الرياضي جيز جورج أن الكرات الثابتة يمكن أن تصبح عنصراً حاسماً في محاولة قلب موازين المنافسة، خصوصاً في مواجهة أندية تملك موارد مالية أكبر. وقال إن النادي أدرك مبكراً أن تعظيم الاستفادة من الكرات الثابتة سيكون جزءاً أساسياً من محاولته التفوق على التوقعات.

وقبل نحو عامين ونصف العام، بدأ النادي التعاون مع كريس هاورث، مؤسس منصة «انسايت سبورت» المتخصصة في البيانات والذكاء الاصطناعي. وكان المعدل العام يشير إلى تسجيل هدف من كل 33 ركلة ركنية تقريباً، لكن هاورث اعتقد أن بإمكانه تحسين هذه النسبة.
وحللت المنصة أكثر من 10 ملايين ركلة ركنية ومثلها من الركلات الحرة، بحثاً عن أنماط يمكن أن ترفع فرص التسجيل. وشملت التحليلات المناطق الأفضل لاستهدافها، وسرعة تنفيذ الركلة، وعدد اللاعبين المطلوب وجودهم داخل منطقة الست ياردات، وما إذا كان من الأفضل إرسال الكرة مقوسة نحو المرمى أو بعيداً عنه.
وقبل كل مباراة، كان الجهاز الفني يحصل على تقرير يحدد توجهات المنافس ونقاط ضعفه، ليقوم المدربون بعد ذلك بتصميم الكرات الثابتة بهدف استغلالها. ونجح لينكولن نتيجة ذلك في رفع معدل نجاحه إلى نحو هدف واحد من كل 16 ركلة ركنية.
ورغم الاعتماد الكبير على الأرقام، يؤكد مسؤولو النادي أن التكنولوجيا لا تلغي أهمية الجانب الفني، إذ تبقى جودة التنفيذ والقوة في الكرات الهوائية والتحركات والحجب داخل منطقة الجزاء عناصر أساسية، بينما تساعد البيانات في منح الفريق أفضل فرصة ممكنة للتسجيل.
وامتد التحليل إلى ما هو أبعد من الركنيات والركلات الحرة، ليشمل الرميات الجانبية وركلات البداية وجميع حالات استئناف اللعب. ويتعامل النادي مع كل مرة تتوقف فيها الكرة باعتبارها موقفاً يمكن دراسة مخاطره ومكاسبه واستخدام نموذج يمنح الفريق فرصة أكبر للوصول إلى المرمى.
واستمر المشروع رغم رحيل بعض العناصر التي ساهمت في تأسيسه. فبعد انتقال مدرب الكرات الثابتة سكوت فراي إلى رينجرز، وانتقال هاورث للعمل مع مجموعة فريدكين المالكة لإيفرتون بعد استحواذها على شركته، تولى عالم البيانات في لينكولن متين ياريجي تطوير نماذج خاصة بالنادي تعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي.
وظهرت بصمة هذه الاستراتيجية سريعاً مع بداية الموسم الجديد، إذ جاء أول أهداف لينكولن من ركلة ركنية أجبرت ماثيو كلارك، لاعب ديربي كاونتي، على تسجيل الكرة بالخطأ في مرماه في الدقيقة الثالثة من مواجهة كأس الرابطة.
ولم يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي على أرض الملعب، بل أصبح جزءاً أساسياً من استراتيجية التعاقدات. ويبحث لينكولن عن لاعبين لا تعكس أسعارهم قيمتهم الحقيقية، خصوصاً في الأسواق الأقل متابعة، مستخدماً منصات تحليلية لتصفية أعداد كبيرة من اللاعبين وفق مؤشرات تتناسب مع أسلوب الفريق.
وأصبحت أدوار اللاعبين في الكرات الثابتة جزءاً من معايير التعاقد أيضاً. ويحرص النادي على امتلاك لاعب واحد على الأقل، ويفضل اثنين، قادرين على تنفيذ الرميات الجانبية الطويلة، إضافة إلى لاعبين يجيدون تنفيذ الكرات بالقدمين اليمنى واليسرى.
وساهمت هذه الطريقة في اكتشاف لاعبين من أسواق مختلفة، من بينهم لاعب الوسط الأوكراني إيفان فارفولومييف، الذي لفت أنظار النادي بعدما أظهرت بياناته في الدوري التشيكي أرقاماً استثنائية في الضغط على المنافس، وهي إحدى الصفات التي يبحث عنها لينكولن في لاعبي خط الوسط.
وينظر النادي إلى تجربتي برايتون وبرنتفورد باعتبارهما دليلاً على ما يمكن أن تحققه الأندية ذات الميزانيات الأصغر من خلال الاستفادة القصوى من الرياضيات والبيانات والتكنولوجيا.
ويعقد لينكولن اجتماعات دورية طوال العام تحت اسم «مركز الابتكار»، لمناقشة الأفكار والأساليب والتقنيات الجديدة. كما يستخدم النادي نفسه كساحة اختبار لبعض المنتجات التكنولوجية الجديدة، وفي بعض الحالات يحصل على حصص في الشركات التي يعمل معها.
وانعكست هذه الاستراتيجية على الجانب المالي أيضاً، إذ حقق لينكولن الصعود الموسم الماضي بخسائر بلغت نحو مليوني جنيه إسترليني (2.7 مليون دولار) فقط، وهي الأدنى للنادي منذ عقد على الأقل. وفي المقابل، يبلغ متوسط خسائر الأندية الصاعدة من «ليغ وان» نحو 15 مليون جنيه إسترليني (20.2 مليون دولار)، وقد يصل لدى بعضها إلى 35 مليون جنيه إسترليني (47.2 مليون دولار).
ويؤكد مسؤولو النادي أنهم لا يعتزمون تعريض استقراره المالي للخطر من أجل محاولة البقاء في التشامبيونشيب، بل يسعون إلى بناء نموذج مستدام لا يعتمد بصورة كاملة على القوة الشرائية، خصوصاً أن الفوارق المالية تصبح أكبر بعد الصعود إلى الدرجة الثانية.
ومع ذلك، حطم لينكولن هذا الصيف رقمه القياسي في سوق الانتقالات، بعدما دفع نحو ثلاثة ملايين جنيه إسترليني (4 ملايين دولار) للتعاقد مع المدافع أندري كوبيس من يونيفيرسيتاتيا كلوج الروماني.
ويبلغ طول كوبيس نحو 1.96 متر ويتمتع بقوة بدنية كبيرة، لكنه يمتلك أيضاً ميزة تتناسب تماماً مع فلسفة لينكولن في استغلال كل كرة ثابتة ممكنة: القدرة على تنفيذ الرميات الجانبية الطويلة.


