«جبل الفأس»... أعمق منشآت إيران النووية في دائرة الاستهداف

صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر مركبات عند مدخل أنفاق «جبل الفأس» في 21 يونيو 2026 (رويترز)
صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر مركبات عند مدخل أنفاق «جبل الفأس» في 21 يونيو 2026 (رويترز)
TT

«جبل الفأس»... أعمق منشآت إيران النووية في دائرة الاستهداف

صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر مركبات عند مدخل أنفاق «جبل الفأس» في 21 يونيو 2026 (رويترز)
صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر مركبات عند مدخل أنفاق «جبل الفأس» في 21 يونيو 2026 (رويترز)

هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بمهاجمة موقع إيراني شديد التحصين يعرف باسم «جبل الفأس»، وهو مجمع قيد الإنشاء مدفون على عمق كبير تحت الأرض قرب منشأة نطنز، أحد أبرز مواقع البرنامج النووي الإيراني.

وقال ترمب في مقابلة أُجريت معه في 13 يوليو (تموز): «سندمر جبل الفأس. أخبروا الإيرانيين أن يستعدوا».

وأضاف أن الولايات المتحدة تراقب الموقع من كثب، قائلاً: «لا نرى أي نشاط هناك. إنهم لا يبلون بلاءً حسناً في وضعهم النووي. في كل مرة نسمع عن ذلك، نفجره. لذلك لا يحبون الحديث عنه. لكننا على الأرجح سنوجه ضربة إلى جبل الفأس في وقت قريب نسبياً».

ويأتي التهديد في ظل تصاعد الضربات المتبادلة بين واشنطن وطهران، وتعثر الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب، فيما أعاد الموقع إلى الواجهة باعتباره واحداً من أكثر المنشآت المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني تحصيناً وغموضاً.

وفيما يلي ما نعرفه عن «جبل الفأس»:

أين يقع؟

يقع «جبل الفأس» على بعد نحو 220 كيلومتراً جنوب طهران، وعلى مسافة كيلومترين فقط من مجمع نطنز النووي، كما يبعد نحو 145 كيلومتراً جنوب منشأة «فوردو» لتخصيب اليورانيوم.

وترتفع قمة الجبل إلى نحو 1600 متر فوق مستوى سطح البحر، فيما تفصل بينه وبين منشأة نطنز دقائق قليلة.

ويضم مجمع نطنز اثنتين من منشآت تخصيب اليورانيوم الإيرانية، إحداهما فوق الأرض والأخرى تحتها. وقد تعرض المجمع للقصف خلال الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير (شباط)، وكذلك خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً العام الماضي.

وقالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن منشأة التخصيب الواقعة فوق الأرض دُمرت، بينما يرجح أن تكون المنشأة الأخرى المدفونة تحت الأرض قد تعرضت لأضرار جسيمة على الأقل.

لكن معهد العلوم والأمن الدولي، وهو مركز أبحاث أميركي يركز على منع انتشار الأسلحة النووية، قال إن المنشأة التي لا تزال قيد الإنشاء داخل «جبل الفأس» لم تُستهدف في أي من الحربين.

ومنذ العام الماضي، أشارت تقارير صحافية، نقلاً عن خبراء في البرنامج النووي الإيراني، إلى أن الموقع قد يكون مناسباً لإخفاء أجزاء حساسة من البرنامج، وتوسيع قدرات إيران على إنتاج اليورانيوم المخصب داخل منشأة أكثر عمقاً وحماية.

وذكرت صحيفة «التلغراف» أن الموقع قد يكون مخصصاً لنقل أجزاء حساسة من البرنامج النووي إلى منشآت محصنة بدرجة أكبر، مع احتمال استخدامه مستقبلاً في تخصيب اليورانيوم. غير أن طهران لم تعلن رسمياً طبيعة الأنشطة المخطط لتنفيذها داخله.

تُظهر هذه الصورة الملتقَطة بواسطة القمر الاصطناعي «بلياديس نيو» التابع لشركة «إيرباص للدفاع والفضاء» شاحنة محمَّلة بـ18 حاوية زرقاء تنقل يورانيوم عالي التخصيب تدخل إلى نفق داخل مجمع «مركز التكنولوجيا النووية» في أصفهان 9 يونيو 2025 (أ.ب)

ما تاريخ الموقع؟

بدأت إيران بناء المنشأة داخل «جبل الفأس» عام 2020، بعد انفجار قالت السلطات الإيرانية في حينه إنه نجم عن عمل تخريبي استهدف منشأة نطنز.

وقالت إيران إن التخريب ألحق أضراراً جسيمة بالموقع، وربما أدى إلى إبطاء تطوير أجهزة الطرد المركزي المتطورة المستخدمة في تخصيب اليورانيوم.

وفي سبتمبر (أيلول) من العام نفسه، أعلن رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية آنذاك علي أكبر صالحي أن بلاده بدأت بناء «قاعة أكثر حداثة وأكبر حجماً وأكثر شمولاً من جميع النواحي في قلب الجبل بالقرب من نطنز»، بهدف تصنيع أجهزة الطرد المركزي المتطورة.

وقال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، في مقابلة مع شبكة «بي بي إس» في مارس (آذار)، إن إيران كانت قد أعلنت سابقاً نيتها تنفيذ أنشطة نووية في الموقع.

وأضاف غروسي: «كان ذلك جزءاً من توجههم المنهجي تماماً لوضع منشآتهم الأكثر حساسية تحت الأرض».

وتقول الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنها طلبت من إيران معلومات أكثر وضوحاً عن طبيعة الأنشطة المخطط لها داخل الجبل.

وأوضح غروسي أن الموقع يقع في منطقة تشهد أنشطة مهمة عدة مرتبطة بالبرنامج النووي، مضيفاً أن الوكالة سألت طهران: «ماذا يحدث هناك بالضبط؟»، لكن الرد الإيراني كان مقتضباً، ومفاده بأن الأمر «ليس من شأنكم».

وأبقى غياب الإفصاح الإيراني الموقع موضع اهتمام الوكالة والدول الغربية، التي تشتبه في احتمال استخدامه مستقبلاً لأنشطة نووية لم تعلنها طهران.

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ماذا بنت إيران؟

يقول معهد العلوم والأمن الدولي، الذي حلل صوراً التقطتها الأقمار الصناعية، إن الموقع يضم مجمعين رئيسيين من الأنفاق العميقة داخل الجبل.

وتظهر الصور وجود أربعة مداخل على الأقل، اثنين على الجانب الشرقي واثنين على الجانب الغربي. ويفترض أن تقود هذه المداخل إلى منشأة واحدة أو إلى مجمعين مترابطين تحت الأرض.

ويقدر المعهد أن أجزاء من المنشأة تقع على عمق لا يقل عن 100 متر تحت الجبل، مما يجعلها واحدة من أكثر المواقع النووية الإيرانية تحصيناً.

وقال المعهد في تقرير صدر في 14 يوليو إن التدابير الدفاعية المادية تتكون أساساً من نطاق أمني واسع وتعزيزات كبيرة حول مداخل الأنفاق.

وأضاف أن مدخلي النفق الشرقيين رُدما جزئياً منذ الحربين، بما يعرقل وصول المركبات البرية إليهما، لكنهما لم يُغلقا بالكامل.

وقال سام لير، الباحث في معهد أبحاث السياسة الخارجية، بعد مراجعته صوراً حديثة للموقع التقطتها الأقمار الصناعية، إن تعزيز مداخل الأنفاق من شأنه تعقيد استهدافها بذخائر خارقة للتحصينات.

وأشار لير إلى أن التحصينات الجديدة تظهر أن إيران لا تزال قلقة من احتمال تعرض الموقع لهجوم، حتى مع استمرار أعمال البناء.

وقال: «يمكننا أن نستنتج أن هناك أنشطة جارية في جبل الفأس يرغب الإيرانيون في مواصلتها، لكنهم ما زالوا قلقين بما يكفي من احتمال وقوع هجوم، إلى درجة أنهم يتخذون خطوات لتعزيز دفاعاتهم».

هل دخل الموقع الخدمة؟

لا توجد أدلة معلنة على أن المنشأة بدأت العمل فعلياً. وقال ترمب إن واشنطن لا ترصد نشاطاً داخل الموقع، رغم استمرار مراقبته عن كثب.

وخلص معهد العلوم والأمن الدولي، استناداً إلى صور الأقمار الصناعية، إلى أن المنشأة «لم تبدأ العمل بعد، لكن أعمال البناء مستمرة»، مضيفاً أنه لا يمكن تحديد موعد بدء تشغيلها اعتماداً على الصور وحدها.

ولا يزال الغرض النهائي من المنشأة غير محسوم.

وقالت إيران عند بدء المشروع إنها تريد إنشاء منشأة جديدة لتجميع وتصنيع أجهزة الطرد المركزي المتطورة، بدلاً من الموقع الذي تعرض للتخريب في نطنز.

لكن المعهد قال إنه من غير الواضح ما إذا كانت إيران لا تزال تخطط لإنشاء منشأة تجميع واسعة النطاق، في ضوء الأضرار التي لحقت ببرنامج أجهزة الطرد المركزي، بما في ذلك قدرتها على تصنيع المكونات اللازمة لتجميعها.

وأضاف أنه إذا بدأت إيران إعادة بناء قدراتها على تصنيع أجهزة الطرد المركزي، فقد تنشئ داخل «جبل الفأس» منشأة أصغر لتجميعها، تكون قادرة على خدمة برنامج للأسلحة النووية.

وتنفي إيران سعيها إلى امتلاك قنبلة ذرية، وتقول إن برنامجها النووي مخصص لأغراض سلمية.

وتشتبه جهات غربية في أن الموقع قد يُستخدم مستقبلاً لتخصيب اليورانيوم أو نقل أجزاء أكثر حساسية من البرنامج النووي إلى منشآت محمية بعمق أكبر، لكن لم يُعلن عن أدلة تثبت دخوله الخدمة أو استخدامه في التخصيب.

تظهر صورة ملتقطة بالأقمار الصناعية في 1 فبراير 2026 سقفاً جديداً فوق مبنى كان قد دمر سابقاً في موقع أصفهان النووي بإيران (بلانت لبس - رويترز)

كيف يمكن مهاجمته؟

يرى خبراء أن عمق المنشأة قد يضعها خارج القدرة المباشرة لأقوى القنابل الخارقة للتحصينات في الترسانة الأميركية.

ويقول معهد العلوم والأمن الدولي إن الموقع قد يكون «أكثر ملاءمة للهجوم أو التخريب من جانب قوات برية»، بالنظر إلى عمق الأنفاق والتحصينات التي تحيط بمداخلها.

ومع ذلك، لم يستبعد المعهد وجود نقاط ضعف يمكن استغلالها بواسطة أسلحة تخترق أعماق الأرض في هجمات جوية.

وقد تشمل الأهداف المحتملة مداخل الأنفاق ومرافق التهوية والطاقة والاتصالات والمنشآت السطحية التي تدعم المجمع، بدلاً من محاولة اختراق الجبل والوصول مباشرة إلى المنشأة المدفونة تحته.

لكن تعزيز مداخل الأنفاق وردم بعضها جزئياً يزيد صعوبة الوصول إليها أو تدميرها، سواء بواسطة الذخائر الخارقة للتحصينات أو من خلال عملية برية.

ولم يوضح ترمب الوسائل التي قد تستخدمها الولايات المتحدة في حال تنفيذ تهديده، كما لم يحدد ما إذا كان الهدف سيكون تدمير المنشأة نفسها أو تعطيل مداخلها ومنشآتها المساندة.

ويظل الموقع، حتى الآن، منشأة غامضة قيد البناء، لم تعلن إيران طبيعة الأنشطة التي ستجري فيها، ولم تؤكد الوكالة الدولية للطاقة الذرية أنه دخل الخدمة. لكن موقعه قرب نطنز وعمقه الكبير واستمرار تحصينه جعله أحد أبرز الأهداف المحتملة في أي مرحلة جديدة من المواجهة حول البرنامج النووي الإيراني.


مقالات ذات صلة

هل فقدت إسرائيل حصانتها السياسية في واشنطن؟

الولايات المتحدة​ مظاهرة داعمة للفلسطينيين في واشنطن في 4 يوليو 2026 (رويترز)

هل فقدت إسرائيل حصانتها السياسية في واشنطن؟

الانقسامات الحزبية أمر ليس جديداً في المشهد السياسي الأميركي، لكن الجديد هذه المرة هو سبب الانقسام: دعم إسرائيل.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 14 يوليو 2026 (إ.ب.أ)

ترمب يتأخر في إقرار مساعدات الكوارث... ويوافق عليها بدرجة أكبر للولايات الجمهورية

يتأخر ترمب في إقرار مساعدات الكوارث، ويوافق على طلبات الولايات الجمهورية أكثر من الديمقراطية، في حين يُثير إصلاح وكالة الطوارئ مخاوف من تقليص الدعم الفيدرالي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية جي دي فانس قبيل انطلاق الاجتماع الرباعي بين الولايات المتحدة وإيران وقطر وباكستان في منتجع بورغنشتوك بسويسرا 21 يونيو الماضي (أ.ف.ب) p-circle

فانس: مسار التفاهم مع إيران لا يزال «إيجابياً» رغم تصاعد الضربات

قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن المسار العام للتفاهم مع طهران لا يزال «إيجابياً» رغم تصاعد الضربات بين الجانبين.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)

إسرائيل: نتنياهو لن يزور أميركا الأسبوع المقبل

أعلن مكتب رئيس الوزراء ‌الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الخميس، أن ⁠نتنياهو ​لن ⁠يسافر إلى ⁠الولايات ‌المتحدة الأسبوع ‌المقبل.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
رياضة عالمية دونالد ترمب (أ.ب)

دونالد ترمب يسجل حضوره الأول في المونديال عبر بوابة النهائي

يستعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتسجيل ظهوره الأول في كأس العالم 2026 بحضور المباراة النهائية، يوم الأحد المقبل، بين الأرجنتين وإسبانيا، في نيوجيرسي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )

تقرير: إيران طلبت من الحوثيين إغلاق باب المندب إذا قصفت أميركا شبكة الكهرباء

قوارب يمنية تطفو قرب ساحل باب المندب (رويترز)
قوارب يمنية تطفو قرب ساحل باب المندب (رويترز)
TT

تقرير: إيران طلبت من الحوثيين إغلاق باب المندب إذا قصفت أميركا شبكة الكهرباء

قوارب يمنية تطفو قرب ساحل باب المندب (رويترز)
قوارب يمنية تطفو قرب ساحل باب المندب (رويترز)

قالت ثلاثة مصادر لـ«رويترز»، اليوم (الخميس)، إن إيران طلبت من الحوثيين في اليمن الاستعداد لإغلاق مضيق باب المندب في البحر الأحمر، إذا شنَّت الولايات المتحدة هجوماً على البنية التحتية للطاقة في إيران، وهو ما يشكل تهديداً جديداً خطيراً لإمدادات الطاقة العالمية.

وقال مصدران إيرانيان كبيران ومصدر مطلع من إحدى دول المنطقة، طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم، إن الفكرة نوقشت داخل قيادة إيران، وتم إبلاغ الحوثيين المتحالفين مع إيران.

وأضافت المصادر أنه تم إبلاغ الحوثيين بطلب طهران في الآونة الأخيرة، وهو ما لم تُشِر إليه أي تقارير سابقاً.

ولم تقدم المصادر مزيداً من التفاصيل بشأن كيفية إيصال الطلب، أو ما إذا كان ذلك بعد تهديد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بمهاجمة البنية التحتية للطاقة الإيرانية، أمس (الثلاثاء)، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ولم يتسنَّ الحصول على تعليق بعد من وزارة الخارجية الإيرانية أو متحدث باسم الحوثيين.


تقرير بريطاني: معركة العراق ضد الفساد تتحول إلى «ضرورة دولية»

صورة وزَّعها القضاء العراقي لمَبالغ نقدية ضُبطت داخل صناديق وأكياس مقيَّدة بختم «البنك المركزي»
صورة وزَّعها القضاء العراقي لمَبالغ نقدية ضُبطت داخل صناديق وأكياس مقيَّدة بختم «البنك المركزي»
TT

تقرير بريطاني: معركة العراق ضد الفساد تتحول إلى «ضرورة دولية»

صورة وزَّعها القضاء العراقي لمَبالغ نقدية ضُبطت داخل صناديق وأكياس مقيَّدة بختم «البنك المركزي»
صورة وزَّعها القضاء العراقي لمَبالغ نقدية ضُبطت داخل صناديق وأكياس مقيَّدة بختم «البنك المركزي»

قال تقرير بحثي بريطاني حديث، الخميس، إن مكافحة الفساد في العراق «دخلت منعطفاً بنيوياً حاسماً، مدفوعةً بضغوط دولية ومخاوف إقليمية متصاعدة»، لتتحول من مجرد ورقة مناكفة انتخابية أو تصفية حسابات محلية إلى «ضرورة استراتيجية عابرة للحدود» تحظى بتنسيق بين السلطتين القضائية والتنفيذية.

وأفاد «المركز الدولي لدراسات التنمية»، ومقره لندن، في تقرير استراتيجي مفصل، بأن هذا التحول يرجع أساساً إلى استشعار العواصم الغربية التهديد الوجودي الذي تشكله شبكات الفساد والتدفقات المالية غير المشروعة المهربة من العراق، على استقرار وأمن منطقة الشرق الأوسط برمتها، ناهيك بتعطيلها إمكانات البلد الغني بالنفط وفرص ربطه الإقليمي والخدمي.

ويمثل هذا التوجه، وفق التقرير، محاولة جادة من بغداد لإرسال «إشارات طمأنة واضحة» للمستثمرين الأجانب والشركات متعددة الجنسية بوجود مظلة قانونية قوية تحمي التعاقدات والفرص الاستثمارية الكبرى، بعيداً عن تقلبات المشهد السياسي والمناكفات الطائفية.

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي مستقبلاً رئيس «مجلس القضاء» فائق زيدان في بغداد (إعلام حكومي)

«سرقة القرن»

وقال «المركز» إن قرارات قضائية عراقية أخيراً خلصت إلى عدم ثبوت أي مسؤولية على رئيس الوزراء الأسبق، مصطفى الكاظمي، وإدارته السابقة، في قضية «الأمانات الضريبية»، كما أشارت إلى أن حكومته كانت قد باشرت التحقيقات في القضية، وأوقفت المتهم الرئيسي.

جاءت هذه القرارات في وقت سعت فيه قوى وشخصيات سياسية إلى ربط الكاظمي بالقضية واتهامه بالتواطؤ، وهي اتهامات لم تثبتها التحقيقات القضائية.

وتُعدّ قضية «الأمانات الضريبية»، المعروفة إعلامياً باسم «سرقة القرن»، من أكبر قضايا الفساد المالي في العراق؛ إذ تتعلق باختلاس نحو 2.5 مليار دولار من أموال «الهيئة العامة للضرائب» عبر شبكة من الشركات والكيانات الوهمية، وفق السلطات العراقية.

وشبّه «المركز» البريطاني تحركات رئيس «مجلس القضاء الأعلى»، فائق زيدان، بمحاكاة تاريخية للمواجهة الإيطالية الشهيرة ضد شبكات المافيا في تسعينات القرن الماضي بقيادة القاضي المغتال جيوفاني فالكوني.

ووفق تقرير «المركز»، فإن هذه المقاربة القضائية الجديدة في العراق ترتكز على تفكيك إمبراطوريات المال الحزبي، وتحجيم الفاعلين غير الحكوميين المسلحين الذين عاثوا فساداً لعقود.

لقطة مأخوذة من فيديو وثقه ناشطون لدبابة عراقية داخل «المنطقة الخضراء» بالتزامن مع اعتقال مسؤولين بتهم فساد

ملايين الدولارات

في غضون ذلك، يسير المسار القضائي جنباً إلى جنب مع حراك تنفيذي تقوده حكومة رئيس الوزراء الحالي، علي الزيدي، عبر حملة «صَولات الفجر» الأمنية والرقابية.

واستهدفت الضربات الأولى للحملة شبكات فساد معقدة تسيطر على المنافذ والجمارك وقطاع الطاقة والضرائب، محققة نتائج فورية تجسدت في استرداد وتجميد أصول تجاوزت قيمتها مئات الملايين من الدولارات وإعادتها فوراً إلى الخزينة العامة للدولة.

وتعدّ «صَولات الفجر» العملية التنفيذية الأوسع التي تطلقها بغداد مستهدفة ضرب مفاصل الفساد في المواقع الأعمق تغلغلاً وحساسية. وهي تمثل تجسيداً لـ«التوأمة (التنفيذية القضائية)»، حيث يمنح القضاء غطاءً ومذكرات قبض فورية لفرق التحقيق والأجهزة الأمنية لمداهمة شبكات التلاعب المالي في المنافذ الحدودية والجمارك، وهي مفاصل لطالما خضعت لمحاصصة حزبية وفصائلية ضيقة منذ عام 2003.

وفي تطور متصل، أعلنت محكمة الكرخ، الخميس، ضبط نحو 20 مليوناً و200 ألف دولار أميركي، و4 كيلوغرامات من المصوغات الذهبية؛ معظمها كان مخبأ في جدران دور تابعة للمتهم الموقوف عدنان الجميلي، وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية.

حصار مالي

أشار «المركز الدولي» إلى سعي بغداد الجاد لفرض «حصار قانوني خارجي» على الأموال المهربة، عبر تفعيل قنوات تبادل الاستخبارات المالية مع الشركاء الغربيين، وتعزيز آليات ترحيل المطلوبين الهاربين المتهمين بنهب المال العام الذين يتخذون من عواصم أوروبية ملاذاً آمناً لهم.

وخلص التقرير إلى أن حزمة الإصلاحات الهيكلية الجارية، والمدعومة بالتحول الشامل نحو الحوكمة الإلكترونية وأتمتة المعاملات، من شأنها تحسين التصنيف الائتماني السيادي للعراق لدى وكالات التصنيف الكبرى مثل «فيتش» و«موديز»، و«صندوق النقد الدولي»، فضلاً عن تهيئة بيئة اقتصادية مستقرة وجاذبة للاستثمارات العابرة للحدود.


فانس: مسار التفاهم مع إيران لا يزال «إيجابياً» رغم تصاعد الضربات

جي دي فانس قبيل انطلاق الاجتماع الرباعي بين الولايات المتحدة وإيران وقطر وباكستان في منتجع بورغنشتوك بسويسرا 21 يونيو الماضي (أ.ف.ب)
جي دي فانس قبيل انطلاق الاجتماع الرباعي بين الولايات المتحدة وإيران وقطر وباكستان في منتجع بورغنشتوك بسويسرا 21 يونيو الماضي (أ.ف.ب)
TT

فانس: مسار التفاهم مع إيران لا يزال «إيجابياً» رغم تصاعد الضربات

جي دي فانس قبيل انطلاق الاجتماع الرباعي بين الولايات المتحدة وإيران وقطر وباكستان في منتجع بورغنشتوك بسويسرا 21 يونيو الماضي (أ.ف.ب)
جي دي فانس قبيل انطلاق الاجتماع الرباعي بين الولايات المتحدة وإيران وقطر وباكستان في منتجع بورغنشتوك بسويسرا 21 يونيو الماضي (أ.ف.ب)

قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن المسار العام للتفاهم مع طهران لا يزال «إيجابياً» رغم تصاعد الضربات بين الجانبين، متهماً بعض أعضاء الحكومة الإسرائيلية بمحاولة التأثير على الرأي العام الأميركي لدفعه إلى معارضة الاتفاق الذي أبرمته الولايات المتحدة لإنهاء الحرب مع إيران.

وجاءت تصريحات فانس خلال حلقة من بودكاست المذيع جو روغان، نُشرت الأربعاء، وجددت انتقادات سبق أن وجهها نائب الرئيس، الذي ينظر إليه كثيرون بوصفه مرشحاً محتملاً للرئاسة مستقبلاً، إلى سياسات الحكومة الإسرائيلية، في ظل اتساع الخلاف العلني بين الجانبين.

ودافع فانس عن الاتفاق الذي جرى التوصل إليه الشهر الماضي لإنهاء الحرب مع إيران، رغم تعرضه لانتقادات في الولايات المتحدة وإسرائيل، بدعوى أنه لم ينجح في كبح برنامج الصواريخ الإيراني، ولم يُقدم مساراً واضحاً لتفكيك المنشآت النووية الإيرانية، فضلاً عن فرضه قيوداً على إسرائيل في حربها ضد «حزب الله» في لبنان.

وقال فانس: «أعلم يقيناً أن هناك أشخاصاً داخل الحكومة الإسرائيلية كانوا يُحاولون فعلياً إبعادنا عن هذه السياسة لأنهم أرادوا مواصلة الحملة العسكرية»، حسبما أوردت وكالة «رويترز».

وأضاف أن لديه «علاقات جيدة» مع بعض أعضاء الحكومة الإسرائيلية، لكنه قال: «هناك أشخاص داخل مؤسساتها نعلم يقيناً أنهم يحاولون التلاعب بالرأي العام الأميركي والتأثير فيه بهدف إبقاء الحرب مستمرة إلى أجل غير مسمى».

وأشار فانس إلى أن كثيراً من الدول، سواء أكانت حليفة أم معادية، تسعى إلى التأثير في السياسة الأميركية، مضيفاً: «لا يزعجني أن تحاول إسرائيل القيام بذلك، وبصراحة لا يزعجني أيضاً أن تُحاول روسيا أو بعض الدول الأخرى فعل الشيء نفسه».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في المكتب البيضاوي بحضور نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو في البيت الأبيض بواشنطن (رويترز)

وتابع أن ذلك «جزء من طبيعة العمل السياسي والقيادة في عام 2026»، لكنه أضاف: «ما يزعجني هو عندما تؤثر تلك العمليات وحملات النفوذ فعلياً في الحكم السياسي الأميركي».

وكان فانس قد هاجم في يونيو (حزيران) منتقدي الاتفاق مع إيران داخل إسرائيل، قائلاً إن الرئيس دونالد ترمب هو «الحليف الوحيد لإسرائيل»، في انتقاد حاد أشار فيه إلى مليارات الدولارات من المساعدات الدفاعية الأميركية التي تتلقاها إسرائيل.

وقال مسؤولون إسرائيليون كبار، طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم، إن شروط الاتفاق كانت سيئة بالنسبة إلى إسرائيل؛ لأنها لم تعالج المخاوف المتعلقة بالبرنامجين النووي والصاروخي الإيراني، وهو موقف قالوا إنه يحظى بتأييد واسع داخل القيادة الإسرائيلية.

قرار الحرب

وعندما سُئل فانس عمّا إذا كان يعتقد أن الولايات المتحدة كانت ستنخرط في أحدث حرب مع إيران لولا النفوذ الإسرائيلي، أجاب: «نعم، نعم أعتقد ذلك».

وأضاف: «أعتقد أن الرئيس -بمعزل تماماً عن أي تأثير إسرائيلي- يؤمن بقوة، وأنا أتفق معه في ذلك، بأن إيران يجب ألا تمتلك سلاحاً نووياً».

وأقر فانس بأنه كان «أقل حماسة» للتدخل العسكري في إيران عند بدء الحرب، مشيراً إلى أن ترمب استخدم هذا الوصف علناً عند الحديث عن موقفه. لكنه قال إن دوره، بصفته نائباً للرئيس، لا يتمثل في أن يكون «معلقاً علنياً» على قرارات الإدارة.

وأضاف أنه سيدعم أي قرار يتخذه الرئيس ما دام يراه «قانونياً وأخلاقياً»، عادّاً أن الحرب تندرج ضمن ذلك، وأنه عمل على «جعلها ناجحة قدر الإمكان».

وقال فانس إن «الهدف جيد بالتأكيد»، موضحاً أنه يتمثل في منع إيران من الحصول على سلاح نووي، رغم إقراره بأن كثيراً من معارفه، إلى جانب روغان، يعارضون الحرب بشدة.

«رقصة دبلوماسية»

وفيما يتعلق بمستقبل الاتفاق، قال فانس إن المسار العام لمذكرة التفاهم مع إيران لا يزال «إيجابياً»، رغم تصاعد التوترات والضربات المتبادلة.

وزعم أن القيادة الإيرانية منقسمة بين «براغماتيين» يريدون مواصلة التفاوض والتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، و«متشددين» يعارضون ذلك.

وقال إن المتشددين «أصيبوا بالذعر» بعد التوصل إلى الاتفاق، عندما شاهدوا حجم النفط الذي تمكنت الولايات المتحدة من تمريره عبر مضيق هرمز، وبدأوا نتيجة ذلك استهداف السفن في الممر المائي.

وأضاف أن هؤلاء قالوا عملياً: «سنحاول إغلاق هذا المسار. نحن نخشى فقدان ورقة الضغط»، في حين يرى البراغماتيون، حسب فانس، أن استهداف السفن «كان خطأ»، وأن المحادثات يجب أن تستمر.

ووصف فانس السياسة الأميركية تجاه طهران بأنها «رقصة دبلوماسية دقيقة»، قائلاً إن واشنطن تستخدم أدوات الضغط الاقتصادي و«العصا والجزرة»، وتُحاول التحدث إلى من وصفهم بالبراغماتيين داخل النظام الإيراني، بالتزامن مع الرد على أعمال العنف.

وأضاف: «هل أعرف كيف سينتهي هذا الأمر في نهاية المطاف؟ بالطبع لا، لكن ما نفعله هو رقصة دبلوماسية دقيقة، نستخدم فيها نقاط الضغط الاقتصادي، ونستخدم الحوافز والعقوبات، ونحاول التحدث إلى البراغماتيين، وبالطبع عندما يرتكبون أعمال عنف، نرد عليها».

جي دي فانس ينظر إلى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أثناء مصافحته رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بحضور جاريد كوشنر قبيل انطلاق الاجتماع الرباعي في منتجع بورغنشتوك 21 يونيو الماضي (رويترز)

وقال إن المفاوضات والضغوط الاقتصادية والعمليات العسكرية تجري جميعاً في وقت واحد لدفع العلاقات إلى «مسار أفضل». وأضاف: «نعم، هم يطلقون النار الآن، لكن رغم ذلك، هل لا يزال برنامجهم النووي مدمراً؟ نعم. وفي سياق المفاوضات الأوسع، تحدث هذه الأمور كلها في وقت واحد لوضعنا على مسار أفضل».

وتقول الولايات المتحدة إن البرنامج النووي الإيراني دمر، لكن طهران لا تزال تحتفظ بمخزونات من اليورانيوم عالي التخصيب، فضلاً عن مواقع تخصيب أخرى لم تستهدفها القوات الأميركية.

وقال فانس أيضاً إن كمية أكبر من النفط أصبحت تعبر مضيق هرمز مقارنة بما كان عليه الوضع خلال الحرب، من دون تقديم أرقام.

وانتقد نائب الرئيس المحافظين في الولايات المتحدة الذين قال إن حلهم الوحيد يقوم على «قصف إيران حتى الفناء».

وأضاف أن هؤلاء يدعون إلى إسقاط النظام الإيراني، رغم أن تجارب الولايات المتحدة السابقة في تغيير الأنظمة لم تكن إيجابية، وأن مثل هذه العملية ستتطلب انتشاراً ضخماً للقوات البرية.