انقلابيو اليمن يعبثون بالشهادات الجامعية ويتاجرون بها

حصول قيادي حوثي على الماجستير أثار سخريةً واسعةً

بوابة جامعة صنعاء الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية (فيسبوك)
بوابة جامعة صنعاء الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية (فيسبوك)
TT

انقلابيو اليمن يعبثون بالشهادات الجامعية ويتاجرون بها

بوابة جامعة صنعاء الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية (فيسبوك)
بوابة جامعة صنعاء الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية (فيسبوك)

تلقى اليمنيون خبر حصول مهدي المشاط، رئيس مجلس الحكم الحوثي الانقلابي، على درجة الماجستير، بتهكم واستنكار بسبب العبث بالتعليم العالي والإساءة للجامعات اليمنية، بينما كشفت مصادر أكاديمية عن تزوير الجماعة مئات الشهادات الجامعية لقياداتها وأتباعها واستخدام التزوير مصدر إيرادات من خلال بيع الشهادات داخل وخارج البلاد.

وأعلنت الجماعة الحوثية عن منح القيادي مهدي المشاط، رئيس ما يسمى المجلس السياسي، درجة الماجستير بامتياز مع مرتبة الشرف في العلوم السياسية، في تخصص النظم السياسية من كلية التجارة والاقتصاد بجامعة صنعاء، بعد مناقشتها في القصر الجمهوري الذي تسيطر عليه، مع التوصية بطباعة الرسالة وتداولها بين الجامعات العربية.

وأثارت الواقعة غضب اليمنيين، خصوصاً في الأوساط الأكاديمية، التي عدّتها إساءة بالغة للبحث العلمي ولتاريخ جامعة صنعاء، خصوصاً وأن الرسالة حول انقلاب الجماعة في 21 سبتمبر (أيلول) 2014، وتأثيراته على اليمن والمنطقة العربية، ما يوحي بنيات الجماعة الحوثية تصدير تجربتها الانقلابية إلى خارج مناطق سيطرتها.

وقال أكاديمي في جامعة صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «إن ما يثير السخرية والغضب في الوقت نفسه أن الأكاديميين الذين منحوا درجة الماجستير هذه، هم ممن درسوا وترقوا في تعليمهم ومعرفتهم بسبب الثورة اليمنية التي لطالما استهزأ المشاط وانتقص منها».

مهدي المشاط خلال منحه درجة الماجستير المزعومة في القصر الجمهوري الذي يسيطر عليه (إعلام حوثي)

وتابع الأكاديمي، الذي طلب التحفظ على بياناته حفاظاً على سلامته: «من المؤسف القول إن الكثير من الأكاديميين ارتضوا الواقع الذي فرضته الجماعة الحوثية، وقبلوا بهذا العبث الذي بموجبه يجري منح العديد من الشخصيات الحوثية التي لم تتلقَ من التعليم إلا النزر اليسير، شهادات جامعية عليا، مقابل رضاها عنهم فقط».

ونفى أن يكون هؤلاء يحصلون على امتيازات أو مكافآت مالية من الجماعة الحوثية مقابل هذا الخضوع، باستثناء من ينتمون سلالياً لها، فهم مثل الغالبية بدون رواتب أو مستحقات مالية، ويعانون من ظروف معيشية صعبة، وبعضهم لا يتمكن من دفع إيجار سكنه.

قرارات سياسية

يصف أكاديمي آخر ما ورد في الرسالة المزعومة للمشاط بالقرارات السياسية للجماعة الحوثية، خصوصاً وأن صاحبها يعدّ، شكلياً، صاحب أعلى سلطة في مؤسسات الحكم الانقلابي.

الهيئات القيادية الحوثية تسيطر على الجامعات اليمنية وتتحكم بأنشطتها وأدائها (إعلام حوثي)

وأشار الأكاديمي، الذي طلب بدوره التحفظ على بياناته، إلى أن الرسالة المزعومة للمشاط تضمنت مديحاً طويلاً للانقلاب الحوثي، واعتباره تعبيراً عن إرادة اليمنيين، وأوصت بتقديمه في المناهج الدراسية، وإلزام الجامعات والمؤسسات البحثية بتبني الدراسات حوله، وتشكيل هيئات رقابية لضمان تنفيذ أهدافه، وتنظيم فعاليات «علمية» حوله في مختلف المجالات.

من جانبه، يرى الأكاديمي اليمني علي الحاوري مناقشة رسالة ماجستير في القصر الجمهوري سابقة في العمل الأكاديمي حول العالم، متسائلاً عن أسباب ذلك، وما إذا كان مجلس القسم الأكاديمي ومجلس الكلية ومجلس الدراسات العليا قد وافقت على ذلك.

وفي حسابه على «فيس بوك»، أكد الحاوري أن مجلس قسم العلوم السياسية لم يناقش الأمر برغم أنه المعني الأول به، بافتراض أن صاحب الرسالة أحد طلاب قسم السياسة، ومشرفه ورئيس لجنة المناقشة عضوان بالقسم، نافياً أن تقبل أي جامعة في العالم هذا الإجراء، فالقصر الجمهوري لا علاقة له لا بالعلم ولا العلمية ولا البحث ولا الباحثين.

سيطرة حوثية تامة على كل مفاصل التعليم العالي في مناطق سيطرة الجماعة (إعلام حوثي)

ورأى أن الإجراءات التي تمت توصل رسالة «مفادها أن جامعة صنعاء تخضع للطالب المناقَش (المشاط)، وليس هو الذي يخضع لها ولقوانينها وقواعدها».

تجارة أكاديمية

كشفت مصادر أكاديمية لـ«الشرق الأوسط» عن تصاعد كبير في عمليات تزوير الشهادات الجامعية من قبل الجماعة الحوثية التي تسيطر على التعليم العالي في مناطق سيطرتها، وتحويل الجامعات إلى مصادر للإيرادات، أحدها عن طريق بيع الشهادات المزورة.

وبينت المصادر أنه، وبينما يجري الحديث عن منح قرابة 400 شهادة جامعية عليا من جامعة صنعاء وحدها لقيادات حوثية في مختلف التخصصات، بغرض تبرير ترقيهم في المناصب التي استولوا عليها بقوة الانقلاب، فإن هناك المئات، وربما الآلاف من شهادات البكالوريوس يجري بيعها للراغبين، خصوصاً من المهاجرين خارج البلاد أو طالبي اللجوء لتسهيل حصولهم على وظائف.

مضامين طائفية تغلب على رسائل الشهادات العليا في جامعة صنعاء تحت سيطرة الحوثيين (إكس)

وأوضحت المصادر أن فكرة بيع الشهادات الجامعية للمهاجرين، جاءت عندما طلب عدد من ناشطي الجماعة الحوثية المقيمين، كلاجئين، في دول الغرب، منحهم شهادات جامعية لتسهيل ترتيب أوضاعهم في بلدان اللجوء، مقابل ما يقدمونه من خدمات للجماعة الحوثية في أروقة المنظمات الدولية والمؤسسات الإعلامية وأمام الرأي العام الغربي.

وبادرت الجماعة بمنح هؤلاء الناشطين شهادات البكالوريوس وإرسالها مع مسافرين إلى تلك الدول، أو من خلال لقائهم بهم في دول الجوار في المنطقة، وبمرور الوقت تحول هؤلاء الناشطون إلى وسطاء بين القيادات الحوثية المسيطرة على الجامعات اليمنية والراغبين في الحصول على الشهادات الجامعية، مقابل آلاف الدولارات.

وحسب المصادر، فإن ثمن الشهادة الجامعية يتراوح ما بين 3 و10 آلاف دولار، وقد يزيد المبلغ عن ذلك حسب التخصصات.

تزوير الشهادات الجامعية أضر كثيراً بسمعة الجامعات اليمنية ومكانتها (فيسبوك)

وتحرص القيادات الحوثية المسيطرة على الجامعات اليمنية على منح شهادات البكالوريوس في تخصصات لا يمكن كشف التزوير فيها، من أجل استمرارها في هذا النشاط المشبوه، فمثلاً، لا تمنح شهادة بكالوريوس في الطب أو الهندسة إلا إذا كان الراغب في الحصول على تلك الشهادة قد تلقى تعليماً في المجال في أي جامعة، ولم يتسنَ له إكمال دراسته.

كما تحرص هذه القيادات على بيع الشهادات المزورة في مجالات وتخصصات يصعب كشف التزوير فيها، مثل المحاسبة والإدارة والاقتصاد والعلوم الاجتماعية.

كما يجري بيع الشهادات للراغبين في الحصول عليها من جنسيات عربية يقيمون في اليمن أو يسافرون إليها لقضاء مدد زمنية متفاوتة بزعم الدراسة، ويعودون إلى بلدانهم بمزاعم حصولهم على شهادات جامعية في اليمن. ويصعب كشف عمليات التزوير هذه لأن الشهادات تصدر بشكل رسمي عن الجامعات التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية.


مقالات ذات صلة

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

العالم العربي جانب من لقاء المكونات الوطنية ورجال المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) (الشرق الأوسط)

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

دعا عدد من القوى الوطنية وقيادات المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) إلى توحيد الجهود السياسية والعسكرية، والعمل الجاد من أجل استعادة العاصمة اليمنية صنعاء.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص قوات تابعة لـ«حماية حضرموت» بمدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

خاص حضرموت: دعوات لإدراج أبو علي الحضرمي في قوائم الإنتربول

تصاعدت في حضرموت مطالب قبلية وميدانية بملاحقة قائد «لواء الدعم الأمني»، صالح بن الشيخ أبو بكر، المعروف بـ«أبو علي الحضرمي»، وجلبه عبر الإنتربول الدولي.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
العالم العربي سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)

لجنة يمنية تختتم توثيق ومعاينة مراكز اعتقال وانتهاكات في سقطرى

اختتمت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان نزولها الميداني إلى محافظة أرخبيل سقطرى، ضمن إطار ولايتها القانونية للتحقيق في…

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي القطاع الصحي في مناطق سيطرة الحوثيين يزداد انهياراً بعد تراجع التمويل الأممي (الأمم المتحدة)

القطاع الصحي الخاضع للحوثيين مهدد بالانهيار الشامل

تعيش مناطق سيطرة الحوثيين كارثة صحية بعد اضطرار الأطباء للإضراب احتجاجاً على انقطاع الرواتب في ظل انسحاب الدعم الدولي وتسارع انهيار القطاع الصحي.

وضاح الجليل (عدن)
الخليج جانب من اجتماع دولي في الرياض لتعزيز دعم قوات خفر السواحل اليمني (سبأ)

اجتماع دولي في الرياض لتعزيز دعم خفر السواحل اليمني

اجتماع دولي في الرياض يؤكد دعم خفر السواحل اليمني وتعزيز قدراته في حماية المواني والملاحة الدولية، ومواجهة التهديدات البحرية، بالتعاون مع شركاء إقليميين ودوليين

«الشرق الأوسط» (عدن)

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربةً نقل كانت تقل نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».

وقالت الشبكة إن العربة كانت تقل نازحين فارّين من ولاية جنوب كردفان، وتم استهدافها أثناء وصولها إلى مدينة الرهد، ما أسفر عن مقتل 24 شخصاً، من بينهم طفلان رضيعان، إضافة إلى إصابة آخرين جرى إسعافهم إلى مستشفيات المدينة لتلقي العلاج.

وأضافت أن الهجوم يأتي في ظل أوضاع صحية وإنسانية بالغة التعقيد، تعاني فيها المنطقة من نقص حاد في الإمكانات الطبية، ما يزيد من معاناة المصابين والنازحين.


العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».