تعسف الانقلابيين يضرب التكافل الاجتماعي في اليمن

نهب منظم... ومنع للمبادرات الخيرية

حوثيون يشرفون على توزيع مساعدات غذائية خصصتها الجماعة لأنصارها دون غيرهم (أ.ف.ب)
حوثيون يشرفون على توزيع مساعدات غذائية خصصتها الجماعة لأنصارها دون غيرهم (أ.ف.ب)
TT

تعسف الانقلابيين يضرب التكافل الاجتماعي في اليمن

حوثيون يشرفون على توزيع مساعدات غذائية خصصتها الجماعة لأنصارها دون غيرهم (أ.ف.ب)
حوثيون يشرفون على توزيع مساعدات غذائية خصصتها الجماعة لأنصارها دون غيرهم (أ.ف.ب)

اضطر محمد، وهو أحد المحامين العاملين في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، للسفر قبل بدء شهر رمضان؛ بسبب عجزه عن إقامة مائدة الإفطار التي تعوَّد سابقاً أن يدعو إليها يومياً كثيراً من معارفه وأصدقائه الذين يقيمون في المدينة بعيداً عن عائلاتهم.

ويقول المحامي الذي اضطر لقضاء رمضان بعيداً عن عائلته لأول مرة منذ سنوات طويلة لـ«الشرق الأوسط» إنه لم يعد بإمكانه تدبير تكاليف المائدة الرمضانية اليومية، بعد أن وصل إلى درجة العجز عن الالتزام لعائلته ببعض المتطلبات.

وينوه المحامي اليمني إلى أن الأوضاع المعيشية المتردية الناجمة عن الحرب والممارسات الحوثية تسببت في تراجع التكافل الاجتماعي، وتوقف كثير من المقتدرين عن تقديم المساعدات للمحتاجين وذوي الدخل المحدود.

ويعاني أكثر من 6.5 مليون يمني من إمكانية الحصول على وجبة واحدة يومياً بحسب تقارير الأمم المتحدة، بينما يحاصر انعدام الأمن الغذائي أكثر من 17 مليون إنسان وفقاً للبنك الدولي.

تحذيرات أممية من زيادة كبيرة في أعداد اليمنيين المحتاجين للمساعدات الغذائية (غيتي)

وبدوره يقول أيمن، وهو طالب جامعي، لـ«الشرق الأوسط» إنه لم يكن يعرف المطاعم خلال شهر رمضان لتنافس أصدقائه ومعارفه على دعوته للإفطار والسحور في منازلهم، إلا أنه لم يعد يتلقى تلك الدعوات هذا العام إلا فيما ندر.

وتبدي عواطف، وهي معلمة وربة منزل، أسفها لعدم مقدرتها على إقامة المأدبة الرمضانية اليومية المعتادة في السابق، ودفعت الظروف الصعبة زوجها إلى دعوة بعض الأشخاص مرة واحدة في الأسبوع للإفطار، بعد أن كان منزلهما ملاذاً للعشرات ممن يقيمون بعيداً عن عائلاتهم.

ويعد شهر رمضان إحدى أهم المناسبات في اليمن للتعبير عن التكافل الاجتماعي من خلال إقامة موائد الإفطار والسحور وتوزيع المساعدات الغذائية والنقدية للمحتاجين، وشراء الملابس لأطفالهم في نهايته لارتدائها في عيد الفطر.

حظر المبادرات الخيرية

مع دخول شهر رمضان، أعلن مكتب الأمم المتحدة الإقليمي لتنسيق الشؤون الإنسانية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (أوتشا)، أن معدلات الجوع في اليمن تشهد ارتفاعاً؛ نتيجة تقلص وانقطاع المساعدات الغذائية، والتراجع الاقتصادي المستمر، والصراع، والصدمات المناخية، ما يجعل أكثر من نصف سكان اليمن بحاجة إلى المساعدات خلال العام الحالي.

الممارسات الحوثية تتسبب في اتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية (إ.ب.أ)

وأدت ممارسات الجماعة الحوثية تجاه المساعدات إلى الإضرار بالعمل الإغاثي والخيري، ومنع حصول السكان على المساعدات، وتقليص مساحة التكافل الاجتماعي.

وشهد رمضان الحالي تنفيذ الجماعة حملات حوثية غير مسبوقة للاستيلاء على المساعدات العينية والنقدية التي يقدمها التجار ورجال الأعمال سواء بأنفسهم أو عبر مبادرات شبابية تطوعية، وذلك بعد أن تمكَّنت خلال سنوات سيطرتها من إغلاق عشرات الجمعيات الخيرية والسيطرة على أنشطتها.

وتصف مصادر مطلعة في صنعاء العمل في المبادرات الخيرية بـ«المخاطرة» الشبيهة بالأنشطة السياسية، المناهضة لسيطرة الجماعة الحوثية التي دفعت مخبريها وناشطيها للإبلاغ عن أي أعمال خيرية تُقدم دون إشراف أو إذن منها.

اتهامات للجماعة الحوثية باستخدام المساعدات في استقطاب المقاتلين خصوصاً من الأطفال (رويترز)

وأجبرت الجماعة عشرات المتطوعين في المبادرات الخيرية على حضور لقاءات جرى فيها تحذيرهم من مزاولة الأنشطة التي كانوا يزمعون القيام بها، وطلبت ممَّن يرغب منهم بالعمل معها وفي المؤسسات التابعة لها، على سبيل الاستفادة من خبراتهم، أو الوصول إلى مصادر المساعدات التي كانوا يحصلون عليها.

نهب منظم

كشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» عن أن الجماعة الحوثية انتبهت خلال العامين الأخيرين إلى أن مناطق التماس الخاضعة لها كانت تتلقى كثيراً من المساعدات الإغاثية التي تصل من مناطق الحكومة الشرعية، فعمدت إلى الاستيلاء عليها ونهبها، وهو ما دفع مقدميها إلى إيقافها.

ووفقاً للمصادر؛ فإن النهب يطال حتى المواد الغذائية المرسَلة من عائلات مقيمة في المناطق المُحرَّرة إلى أقاربها في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.

وطبقاً للمصادر، يضطر كثير من سائقي سيارات الأجرة المتنقلة بين مناطق التماس أو المسافرين عليها إلى حمل فواتير ووثائق تثبت قيامهم بشراء ما يحملون معهم من مواد غذائية حتى لا يتم نهبها بحجة أنها مساعدات.

فعالية حوثية لتوزيع المساعدات على أنصار الجماعة خلال شهر رمضان (إعلام حوثي)

ويشير عبد القادر، وهو عامل إغاثة مقيم في صنعاء، إلى أن التراجع الكبير في الأعمال والمبادرات الخيرية التي كان يتم تقديمها خلال شهر رمضان أو غيره من الأوقات، يعود من ناحية إلى زيادة أعداد المحتاجين بشكل دائم؛ بسبب التدهور المعيشي، ومن ناحية أخرى إلى سيطرة الجماعة الحوثية على غالبية تلك الأعمال والمبادرات.

ويوضح عبد القادر لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية اشترطت على مَن يرغب من التجار ورجال الأعمال في تقديم المساعدات الغذائية أو النقدية للمحتاجين باسمه أو من خلال مؤسسات تابعة له أن يدفع إتاوات مقابل ذلك، وهي مبالغ يقدرها القادة الحوثيون المسؤولون عن السيطرة على المساعدات.

وبحسب ما أفاد به عبد القادر فإن هذه الإجراءات تضطر مقدمي المساعدات إلى تقليصها بعد خصم ما استولت عليه الجماعة منها، في حين يضطر بعضهم إلى التعويض من خلال رفع أسعار السلع والمنتجات التي يبيعونها، وفي كلتا الحالتين يتأثر السكان، سواء كانوا يتلقون المساعدات أو يشترون السلع والمنتجات من الأسواق.


مقالات ذات صلة

جيبوتي تحت ضغوط «اضطرابات الجوار»

العالم العربي وزير خارجية جيبوتي عبد القادر عمر يلقي كلمة بالجمعية العامة للأمم المتحدة (وكالة أنباء جيبوتي)

جيبوتي تحت ضغوط «اضطرابات الجوار»

وجدت جيبوتي نفسها تحت وطأة تدفق آلاف الفارين من جحيم النزاعات وسط تصاعد الأزمات في دول الجوار، لا سيما في إثيوبيا واليمن.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي يتحدث في خطاب للشعب بمناسبة ذكرى ثورة 26 سبتمبر (سبأ)

العليمي يدعو الشعب اليمني إلى التعبئة العامة والنفير لمواجهة الحوثيين

دعا رئيس مجلس القيادة اليمني، رشاد العليمي، أبناء الشعب إلى التعبئة العامة والنفير الوطني والالتفاف حول القوات المسلحة والأمن، والالتحاق بصفوفها.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي العقوبات الأميركية تضرب شبكات إيران المغذية للحوثيين (إ.ب.أ)

دبلوماسي أميركي: العقوبات تضرب شبكات إيران المغذية للحوثيين

تعمل الولايات المتحدة مع السعودية ودول أخرى على تعزيز التعاون الإقليمي والدولي؛ لوقف التدفقات غير المشروعة لمكونات الأسلحة وأنظمة التوجيه المتطورة للحوثيين...

عبد الهادي حبتور (الرياض)
تحليل إخباري بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس) p-circle

تحليل إخباري «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

يرى محللون أن التحرك الإيراني عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني؛ لكونه يخالف نصوصه وروحه التي قامت على بناء الثقة».

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص قالت الأمم المتحدة إن الأحداث الأخيرة أدت إلى نزوح أكثر من 100 ألف شخص منذ مطلع الشهر (أ.ب) p-circle

خاص الأمم المتحدة: الوضع في اليمن سريع التغير... وقيود تعرقل الوصول إلى الساحل الغربي

قالت الأمم المتحدة إن وتيرة النزوح في اليمن تصاعدت بشكل ملحوظ منذ بداية الشهر الحالي، كاشفةً عن نزوح أكثر من 100 ألف شخص، توجّه معظمهم إلى محافظتي تعز ولحج.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

إسرائيل تمحو الذاكرة السياسية لجنوب لبنان بتدمير البيوت الأثرية

دارة يوسف بك الزين في كفر رمان (أرشيف سعد الزين)
دارة يوسف بك الزين في كفر رمان (أرشيف سعد الزين)
TT

إسرائيل تمحو الذاكرة السياسية لجنوب لبنان بتدمير البيوت الأثرية

دارة يوسف بك الزين في كفر رمان (أرشيف سعد الزين)
دارة يوسف بك الزين في كفر رمان (أرشيف سعد الزين)

لم يمنع القصف اليومي لمحيط مدينة النبطية وبلدة كفر رمان من أن تطلق عائلة آل الزين ورشة لترميم «ما تستطيع ترميمه» من منزل يوسف بك الزين الذي تضرر بفعل غارات إسرائيلية مكثفة قبل أشهر. يرى أحفاد أشهر عائلة سياسية في النبطية أن الحفاظ على الإرث هو فعل تحدٍّ لإسرائيل التي تمحو الآثار والذكرى من الأرض، وتسعى للقضاء على المنازل التاريخية ذات العمارة الخاصة والبيوت السياسية والمعالم الحضرية والتاريخية في جنوب لبنان بكافة أشكالها.

منزل عبد العزيز الزين قبل تدميره (أرشيف سعد الزين)

وخلال الحربين الواسعتين اللتين شنتهما إسرائيل على جنوب لبنان، قضت الغارات والتفجيرات على عشرات المعالم التراثية، وطالت البيوت السياسية التي توثق بعمارتها ومكتباتها حقبات من تاريخ جبل عامل السياسي في القرنين الماضيين. ففي مدينة النبطية وحدها، دمر القصف الإسرائيلي 147 منزلاً يتراوح عمرها بين 80 سنة و110 سنوات، وبعضها توسع من منازل بُنيت قبل 200 عام، وهي ممتلكات تراثية عائدة لزعامات محلية، ووزراء ونواب مروا في النبطية ومحيطها خلال العقود الماضية. كما شمل التدمير بيوتاً سياسية في محيط النبطية، من بينها دارة آل الأسعد في بلدة الطيبة، وجُرِفَ معها الكثير من البيوت القديمة، بحسب ما يقول ناشطون محليون، منها مثلاً دارة خليل العبدالله في الخيام، أحد أبرز القيادات التاريخيّة في المنطقة، والتي شُيدت عام 1862.

منزل عبد العزيز الزين: دور ثقافي

منزل يوسف بك الزين، الذي أصيب بأضرار كبيرة جداً بفعل القصف الإسرائيلي، يكاد يكون من آخر المعالم التراثية والشواهد العمرانية المتبقية في منطقة النبطية، بعد تدمير دارة عبد العزيز الزين التي تحولت في السنوات الماضية إلى حاضرة ثقافية في المنطقة، ووسّعها نجله الدكتور سعد الزين لإحياء النشاطات الثقافية والشعبية.

يقول الدكتور سعد الزين لـ«الشرق الأوسط»: «منزل عائلتي (دارة عبد العزيز الزين) يتجاوز عمره الثمانين عاماً. دمرت غارة إسرائيلية المنزل بشكل كامل، وقضت على كل معالمه ليست العمرانية فقط، بل على دور المنزل الثقافي». وشرح الطبيب أن المنزل كان مساحة لاستضافة وإقامة نشاطات ثقافية واجتماعية منذ عام 2000 على الأقل، وكان أنشأ فيه متحفاً صغيراً يوثق تاريخ جبل عامل، وقد «صار مقصداً ثقافياً في المنطقة»، ثم خضعت الدارة لتوسعة لجهة الحدائق والديوانية، وهي من جوهر البناء الجنوبي في لبنان، وباتت معروفة في السنوات الأخيرة بـ«منزل سعد الزين».

منزل عبد العزيز الزين بعد تدميره (أرشيف سعد الزين)

وإثر قصف المنزل الكبير أصيبت «دارة آل الزين» الملاصقة بأضرار بدورها. تلك الدارة كانت مركز زعامة سياسية واجتماعية تمتد لأكثر من مائة عام، وأُنشئت (الدارة) قبل 150 عاماً، وسكنها الوالي العثماني في القرن التاسع عشر قبل أن تنتقل ملكيتها إلى آل الزين، ويسكنها يوسف بك الزين.

المدافن لم تسلم

كان الزين دخل الندوة البرلمانية بعد إعلان لبنان الكبير في عام 1924، وباتت عائلته إحدى أبرز العائلات السياسية في جبل عامل في القرن الماضي، ولم ينقطع تمثيلها في البرلمان حتى عام 2018.

يقول الدكتور سعد الزين: «دارة يوسف بك الزين تضررت بشكل فادح، وطالت الأضرار السقف والساحة ومدافن العيلة، بما فيها مدفن يوسف بك. الآن نعمل على ترميم المنزل بشكل حثيث وسريع، ليعود صالحاً ويبقى شاهداً على حقبة سياسية، بالنظر إلى أن العائلة هي من العائلات المؤسسة في جبل عامل، وحاضرة على المستوى الثقافي والتنموي والمجتمعي، وهو دور متواصل ومستمر معي ومع عمي». ويرى الزين أن القضاء على البيوت السياسية والمعالم الحضرية والتاريخية «يستهدف محو الآثار والذكرى من الأرض كي يقطع اللبناني العلاقة ببيته وأرضه وإرثه».

دارة آل العبدالله في الخيام قبل تدميرها... وشُيدت في الداخل ضمن طراز حجر «العقد» (متداولة)

تدمير متعمَّد وممنهج

تجمع الفعاليات الثقافية والاجتماعية في مدينة النبطية على أن ما جرى خلال حربَي 2024 و2026 هو عملية «تدمير ممنهج للذاكرة من دون أي مبرر فعلي»؛ فالقصف والتدمير المركّز لبيوت عريقة تقف تاريخياً على النقيض السياسي مع «حزب الله»، ينفي ما يزعمه الجيش الإسرائيلي من أن القصف يطول منشآت الحزب ومقراته فقط.

وكان لافتاً جداً في هذا السياق تدمير منزل مؤسس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي» النائب السابق حبيب صادق في بلدة الكفور، الواقعة غرب النبطية.

ويعدّ صادق من أشهر الناشطين السياسيين والثقافيين في الجنوب، وكان عضواً في البرلمان في دورة عام 1992، وكان من أبرز المؤرخين للانتهاكات الإسرائيلية بحق الجنوب منذ أربعينيات القرن الماضي، وشجع على إصدار مؤلفات تبناها «المجلس الثقافي»، وجمع في مسيرته تجربة سياسية، إضافة إلى كونه أديباً وشاعراً ومفكراً.

منزل عدنان الشريف في النبطية قبل تدميره (أرشيف كامل جابر)

مخطوطات توثق الانتهاكات

يقول رئيس فرع النبطية في «المجلس الثقافي» كامل جابر لـ«الشرق الأوسط»: «بعد تدمير منزل حبيب صادق في مدينة الخيام في عام 1977، ووقوع المنطقة تحت الاحتلال حتى عام 2000، واضطرار العائلة للإقامة بين بيروت ومدينة النبطية، كان هناك إصرار لدى العائلة على بناء منزل خارج المدينة يشبه منازل الجنوبيين؛ بمعنى أن يكون فيه حديقة تحيط بها أشجار الصنوبر، وتزهر فيها الورود».

منزل حبيب صادق بعد تدميره بغارة إسرائيلية في أغسطس 2026 (متداولة)

ويضيف جابر: «اهتم صادق بديوانية في أسفل المنزل، أودع فيها الكثير من مخطوطاته التي كان يقدمها عبر برامج إذاعية متعددة، وكتابات من الستينيات والسبعينيات، وأنشأ مكتبات ضخمة في الديوانية تتضمن كتباً ومخطوطات وسائر الإرث الثقافي»، مشيراً إلى أن صادق «كان من أبرز الفعاليات الثقافية التي ألّفت ونشرت إصدارات وكتباً عن الجنوب، تؤرخ الانتهاكات وأشكال الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، سواء من المطامع بالمياه أو الجغرافيا أو غيرهما، وأصدر دراسات تظهر الإساءة للجنوب عبر الاحتلال».

صورة غير مؤرخة لحبيب صادق في جلسة مع أصدقائه (متداولة)

ومن هذا الجانب، يرى جابر أن استهداف المنزل «هو استهداف لحبيب صادق ودوره وإرثه ومسيرته»، مستبعداً أي أبعاد أمنية لاستهداف المنزل «المغلق والذي يتفقده حارس بشكل يومي».

محو إرث معماري وسياسي

يمثل هذا التدمير جزءاً من خطة القضاء على الإرث الحضري والعمراني والسياسي في مدينة النبطية. بعد حرب عام 2024 نشأت مبادرة من فعاليات المدينة الثقافية، شاركت فيها جمعيات أهلية بالتعاون مع البلدية، لتوثيق المباني التراثية التي دمّرها القصف الإسرائيلي، وتم تحديثها قبل أسبوعين فقط من الكتابة. وتوصل الإحصاء إلى تدمير 147 منزلاً تدميراً كاملاً بحيث لم يبقَ إلا عدد قليل جداً من تلك المنازل.

قصر محمد الفضل في حي الراهبات بالنبطية (أرشيف كامل جابر)

وفي حرب عام 2026 تم تدمير ما تبقى من منزل فضل الفضل في منطقة المنشية، وهو منزل يعود بناؤه إلى أواخر القرن الماضي، وأشرف على تصميمه مهندس مصري، وزاره الجنرال غورو في عشرينيات القرن الماضي إثر زيارته إلى الجنوب عندما كان المفوض السامي الفرنسي في لبنان.

أما منزل النائب السابق محمد بك الفضل، فقد دمرت الغارات التي أصابت محيطه أجزاء كثيرة منه في 2024، وهو منزل يبلغ من العمر مائة وسنتين. ويقول كامل جابر، الذي يوثق الذاكرة عبر جمعية أهلية في النبطية، إن من اشترى المنزل اتخذ قراراً بإعادة ترميمه.

دارة الطبيب بهجت الميرزا في النبطية (أرشيف كامل جابر)

القضاء على الذاكرة الثقافية

ينظر أبناء النبطية إلى أن التدمير يستهدف العمارة التي تؤشر إلى الإرث الثقافي والذاكرة الاجتماعية والسياسية والحضرية للمكان. في النبطية مثلاً، دمرت الغارات الإسرائيلية بشكل كامل دارة الوزير والنائب الراحل رفيق شاهين، كذلك منزل سعيد شاهين والد النائبين والوزيرين غالب وفهمي شاهين. إضافة إلى ذلك، تبرز منازل كانت تعتبر تحفة عمرانية، مثل قصر الدكتور بهجت الميرزا الذي كان يُصنف من أجمل البيوت؛ كون واجهاته كانت تحتوي على منحوتات بالحجر الصخري، وكان الميرزا من أوائل الأطباء في النبطية في القرن العشرين الذين فتحوا منازلهم لتقديم الطبابة للسكان.

دارة سعيد شاهين والد غالب وفهمي شاهين التي دُمرت بالكامل في مدينة النبطية (أرشيف كامل جابر)

كذلك، دُمر منزل محمود شاهين في عام 2026. وهذا المنزل كان بمنزلة مدرسة في القرن الماضي، وهو من البيوت التي بُنيت على آثار بيوت قديمة كانت بُنيت قبل مائتَي عام.

وفي 6 سبتمبر (أيلول) 2026 قضت غارة إسرائيلية على منزل الدكتور عدنان الشريف، وهو تحفة عمرانية شُيّدت قبل مائة عام، كما تم تدمير منزل النائب السابق أنور الصباح، والد مدير شركة «الصباح للإنتاج التلفزيوني» صادق الصباح، وهو منزل بُني على تلة مدينة النبطية مطلع التسعينيات، في حين بقيت دارة العائلة في مدينة النبطية صامدة. كما دمرت الغارات «مستشفى غندور»، أحد أبرز المستشفيات التي قدمت خدمات طبية لمنطقة النبطية خلال فترة الاحتلال منذ الثمانينيات.

حرب على التاريخ

لم تكتفِ الغارات الإسرائيلية بتدمير المنازل والقصور، بل شملت المعالم الأثرية في الجنوب؛ فقد تعرضت سوقٌ تعود إلى العصر المملوكي في مدينة النبطية لقصفٍ عنيف أدى إلى تدمير جزء منها. واقتُلِع تاجٌ من أعلى عمود أثري في موقع مُدرَج على قائمة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) في مدينة صور الساحلية في جنوب لبنان. كما دُمِّر موقع ديني يحمل اسم «شمعون الصفا»، يرتاده المسلمون والمسيحيون على حد سواء في بلدة شمع الجنوبية، كما تم تدمير قلعة شمع الصليبية.

إضافة إلى ذلك، تغيب أي معلومات عن «العين الفوقا» في بلدة الطيبة التي دُمر محيطها في ساحة البلدة، وهي عين لتجميع الماء بُنيت على شكل حلزوني، وتتضمن عناصر معماريّة تتقاطع مع نماذج تعود إلى الحقبتين الرومانيّة والبيزنطيّة، وخضعت لترميم في الحقبة العثمانية.

العين الأثرية في بلدة الطيبة (متداولة)

وقال وزير الثقافة غسان سلامة في تصريح لـ«رويترز» في الشهر الماضي، إن بلدات تاريخية خارج نطاق المنطقة المذكورة تعرضت لغارات جوية مكثفة، من بينها صور والنبطية. وأوضح أن القصف العنيف طال بلدة تبنين، ما أثار مخاوف من أن تكون أضرار لحقت بالقلعة الصليبية هناك. وتابع: «التراث ليس فقط الآثار الرومانية والفينيقية، التراث هو أيضاً الأبنية التراثية، الأماكن الأثرية، الأبنية ذات الوظيفة الثقافية». وأعرب سلامة عن خشيته من أن تمحو الحملة الإسرائيلية تماماً قروناً من التاريخ اللبناني.

وعبَّرت «اليونيسكو» في بيان عن قلقها إزاء وضع مدينة صور، المدرجة على قائمة التراث العالمي والخاضعة للحماية المعززة من قبل المنظمة. وقالت أيضاً إنها «تشعر بقلق بالغ» حيال تقارير تفيد بدمار لحق بقلعة شمع بجنوب لبنان، ووقوع معارك قرب قلعة الشقيف، منددة بما وصفته بـ«هجمات غير قانونية على الممتلكات الثقافية».


العراق يتسلّم المقر الرئيسي للقوات الأميركية في مطار بغداد

أحد عناصر الشرطة العراقية في بغداد (إ.ب.أ)
أحد عناصر الشرطة العراقية في بغداد (إ.ب.أ)
TT

العراق يتسلّم المقر الرئيسي للقوات الأميركية في مطار بغداد

أحد عناصر الشرطة العراقية في بغداد (إ.ب.أ)
أحد عناصر الشرطة العراقية في بغداد (إ.ب.أ)

صرح الناطق الرسمي رئيس خلية الإعلام الأمني بالعراق الفريق سعد معن، بأن تسلم العراق المقر الرئيسي للقوات الأميركية في مطار بغداد الدولي، والاتفاق مع تركيا على انسحاب القوات العسكرية التركية من قاعدة بعشيقة في محافظة نينوى، يؤكدان إمكانية استمرار التعاون الأمني مع الشركاء الدوليين على أساس الاحترام المتبادل وبما يحفظ استقلال القرار العراقي.

وقال معن، في تصريحات لوسائل إعلام حكومية، اليوم (الاثنين): «إن الحكومة باتت صاحبة الكلمة العليا والقرار الخالص في تحديد طبيعة الوجود العسكري والأمني على أراضي البلاد».

وأضاف أن «تعزيز سيادة العراق ووحدة أراضيه إلى جانب إدارته المستقلة لملفه الأمني يشكلان الدعامة الأساسية لاستقرار البلاد ودفع عجلة علاقتها الإقليمية والدولية نحو آفاق أرحب من التعاون المثمر»، وفقاً لما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

ومن المنتظر أن يطوي العراق في الـ30 من الشهر الحالي، صفحة التعاون مع التحالف الدولي لدعم العراق في محاربة «داعش»، وإنهاء هذا الوجود للقوات القتالية، والانتقال إلى علاقات ثنائية تقوم على أساس اتفاقيات ثنائية مع بعض دول التحالف، لدعم برامج التسليح وتدريب القوات الأمنية ورفع جاهزيتها في مواجهة التحديات.


تحذير أميركي «جدّي» لبغداد من خرق الحظر الجوي

مركبة تابعة لقافلة عسكرية أميركية تسير في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق (أرشيفية - أ.ف.ب)
مركبة تابعة لقافلة عسكرية أميركية تسير في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

تحذير أميركي «جدّي» لبغداد من خرق الحظر الجوي

مركبة تابعة لقافلة عسكرية أميركية تسير في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق (أرشيفية - أ.ف.ب)
مركبة تابعة لقافلة عسكرية أميركية تسير في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق (أرشيفية - أ.ف.ب)

أكد مصدر حكومي مسؤول أمس أن بغداد «تلقّت تحذيراً أميركياً جدياً ومباشراً» من خرق الحظر الجوي المفروض على إيران، مشيراً إلى أن العراق كان قد طلب استثناء «مطار النجف» من هذا الحظر «لأسباب إنسانية».

وقال المصدر إن «الجانب الأميركي أوضح أن الإجراءات العقابية لن تقتصر على شركات الطيران الإيرانية فحسب، وإنما قد تطال أي جهة أو مطار يقدّم خدمات لهذه الشركات أو يسهّل تشغيل رحلاتها».وأضاف أن «هذا التحذير وضع الحكومة أمام خيار وحيد، هو تجنّب تعريض المطارات العراقية وقطاع الطيران والجهات العاملة فيه للعقوبات».إلى ذلك، وفيما تستعد الحكومة الاتحادية في بغداد للاحتفال الأربعاء المقبل، بما تصفه «يوم السيادة» الذي يصادف انسحاب قوات «التحالف الدولي» تبدي غالبية الزعامات الكردية مخاوف شديدة من هذا الانسحاب.

وقال رئيس حكومة الإقليم، مسرور بارزاني في بيان لمكتبه، إن «ترك إقليم كردستان مكشوفاً دون توفير أي منظومات دفاعية تحميه أمرٌ يبعث على القلق».