جمال مصطفى: عجزت عن تأمين الرشوة للقاضي فأبقوني محتجزاً 10 سنوات إضافية

صهر صدام حسين وسكرتيره الثاني يروي لـ«الشرق الأوسط» أيام القصر والزنزانات (الأخيرة)

TT

جمال مصطفى: عجزت عن تأمين الرشوة للقاضي فأبقوني محتجزاً 10 سنوات إضافية

جنود أميركيون يُسقطون تمثال صدام حسين في بغداد 7 أبريل 2003 (رويترز)
جنود أميركيون يُسقطون تمثال صدام حسين في بغداد 7 أبريل 2003 (رويترز)

كانت رحلة جمال مصطفى السلطان، صهر الرئيس صدام حسين وسكرتيره الثاني، شاقة. ذهب لإحضار العشائر للدفاع عن بغداد لكن حين عاد إليها كانت قد احتُلت. أمسى مطلوباً وظهرت صورته على ورق اللعب الذي وزعه الأميركيون حاملاً أرقام كبار المطلوبين. توجه سراً إلى الأراضي السورية لكن السلطات هناك رفضت استقباله وأعادته إلى الأراضي العراقية فاعتُقل.

اتُهم جمال خلال وجوده في المعتقل بقيادة المقاومة وتفجير سيارات مفخخة لكن المحكمة لم تستطع العثور على ما يبرر الحكم عليه. في 2011 حدثت مفاجأة غير عادية. أرسل إليه القاضي أن لا شيء يدينه وأنه جاهز للإفراج عنه لكن مقابل مبلغ محترم بالدولار. لم يكن يملك مثل هذا المبلغ فاقترح على القاضي أن يتولى أمر بيع قطعة أرض ورثها عن أجداده وأن يأخذ ثمنها. رفض القاضي وأُبقي جمال في المعتقل عشر سنوات إضافية ثم أُفرج عنه لعدم كفاية الأدلة.

بعد خروجه من المعتقل توجه جمال إلى أربيل. أبلغه صديق له أن الزعيم الكردي مسعود بارزاني يريد أن يراه فذهب إليه. استقبله بارزاني بـ«حفاوة وشهامة» وسأله عما يحتاج إليه، فطلب مساعدته في استخراج جواز سفر. استوقفتني لدى تفريغ التسجيل إشادته ببارزاني. اتصلت به وقلت له إن رئيس المراسم في القصر الدكتور نديم الياسين، قال لي إن صدام تحدث عن مسعود باحترام، وقال: «بارزاني خصم عنيد لكنه خصم شريف». رد جمال: «نعم إنه فارس. ودعني أكشف لك عن أمر. قبل شهور من الغزو بعث بارزاني برسالة إلى الرئيس يؤكد فيها أن بنادق الأكراد لن توجَّه أبداً إلى الجيش العراقي».

العراق منجم حكايات مؤلمة. حكايات موالين وحكايات معارضين. أسباب هذا الحوار صحافية. شعرت أن لدى جمال مصطفى قصة من حق قراء «الشرق الأوسط» أن يعرفوها. خرج عن صمته وتحدث وهنا نص الحلقة الأخيرة:

سألت جمال مصطفى أين كان حين بدأت الحرب وكيف اعتُقل وسأتركه يروي: «كنت آنذاك في بغداد، وكنت قد كُلفت من السيد الرئيس، الله يرحمه ويغفر له، بأن أرجع إلى عملي السابق وهو العشائر. أتذكر، وبطريقة مهذبة، فاتحني بهذا الموضوع، قال لي: كونك أنت كنت على العشائر سترجع إلى عملك. نحن عادةً الوزير نكلفه بوزارة وعنده عمل سابق ونطلب منه أحياناً أن يعود إلى عمله السابق إذا ظهرت حاجة إليه. إن كانت وزارة يرجع إلى الوزارة التي عمل فيها وإن كانت أدنى من ذلك أيضاً يرجع إلى العمل وينجز أعماله. فقلت له: سيدي أنا جندي وحاضر أينما توجهني. فقال لي: كونك عندك علاقات إيجابية مع شيوخ العشائر، تلتقيهم وتنقل إليهم تحياتي. كان له اهتمام كبير بالعشائر وشيوخ العشائر من خلال مناسبات كثيرة إضافةً إلى إجراء لقاءات شخصية معهم أحياناً. قال لي: تلتقيهم. وكانت هناك وثيقة منه كتبها بخط يده لكل شيخ، يوصيهم كيف يتعاملون وكيف يواجهون ويقاتلون المحتل. وقالك تعطيهم خرجية. الخرجية في العراق تعني الفلوس. العراقيون أهل كرم وجود، وعندما تأتي قطاعات العسكرية تكون مجاورة لهم. مؤكَّد أن شيخ العشيرة وأبناءها يساهمون في ضيافتهم. وهكذا نساعدهم ليساعدوا الجيش القريب منهم.

وفعلاً تم الاهتمام بهذا الجانب، واستمررت في هذا العمل. وكُلفت أيضاً بالذهاب إلى الأنبار لتحشيد العشائر وجلبهم إلى بغداد لحمايتها والدفاع عنها.

شغل جمال مصطفى السلطان منصب السكرتير الثاني للرئيس العراقي الراحل صدام حسين

هذا عشية الحرب. وفي أثناء الحرب التقيت أكثر من 4500 أو 5000 شيخ عشيرة في تلك الفترة. في مرحلة الحرب التقيتهم. جاءوا من كل المحافظات والتقيتهم في بغداد. وعندما ذهبت إلى الأنبار اجتمعت بهم على مدى يومين، لكن عندما عدت إلى بغداد وجدت كل شيء مختلفاً والوضع كله منهاراً.

وجدت بغداد وقد احتُلت. عند ذلك رحت أبحث عن جماعتنا لأنني لم أجد أحداً منهم. في 11 أبريل (نيسان) بعثت سائقي إلى منطقة وقلت له ربما تجد أحداً من جماعتنا هناك، وأنا كان لدي شخص قريب مني من أهل الناصرية في بغداد. وفعلاً ذهب الرجل ليبحث عن أحد من جماعتنا، وصدفة التقى أخي الفريق الركن كمال مصطفى الذي سأله: أين جمال؟ فقال له: موجود عند فلان صديقه. جاء إلى المكان الذي كنت فيه، وقال لي: نخرج من بغداد. قلت له: أنا لم أفكر أن أغادرها، فقال: طيب لنكن منطقيين، لو بقينا في بغداد ماذا سنقدم؟ هل نمتلك أسلحة؟ لا. هل لدينا رجال؟ لا. هل نمتلك أموالاً؟ لا. إذاً ربما نُعتقَل، الأفضل أن نغادر.

فعلاً غادرنا بغداد وذهبنا باتجاه الرمادي، وكانت علاقاتي واسعة مع شيوخ العشائر، وإخواننا من العشائر كانوا حقيقة ممتازين، وكانوا يرحبون ويهتمون رغم الظروف الصعبة، وبتنا ليلة لدى أحد الشيوخ واتفقنا على أن نغادر إلى سوريا.

غادرنا إلى سوريا، وهناك في سوريا تفرقنا. الفريق كمال ذهب في جهة، وأنا وخالد نجم (آخر مدير للمخابرات قبل الاحتلال بثلاثة أيام) أصبحنا في جهة. عندما وصلنا إلى سوريا اتصلتُ بأخ، وكان صديقاً لي، هو خميس الخنجر، هو كان في الأردن وقلت له: نحن في سوريا، وقال: سآتي إليك في سوريا لأرتِّب لك وضعك. انتظرته. اتصلت مرة أخرى فأقفل الهاتف إلى يومنا هذا. ثم قال السوريون: ترجعون من حيث أتيتم. فرجعنا. أمضينا في سوريا فترة قصيرة جداً لا تزيد على يومين.

عدت أنا وخالد نجم إلى بغداد، وذهبت إلى صديق وزميل، هو كان صديقي وزميلي وأستاذي في ذات الوقت، الدكتور حافظ الدليمي، وجلسنا عنده ورحَّب بنا وكان إنساناً يحمل مشاعر الأصالة والعروبة. أقول عنه صديقي وأستاذي وزميلي، إذ درست معه في المرحلة الأخيرة في الجامعة.

أقمنا لدى الدكتور حافظ وأعدَّ لنا غداء، يومها لم يكن كل شيء موجوداً، تغدينا بطاطا، وفي أثناء ذلك جاء ابن أخيه واسمه ثائر. وثائر الدليمي أيضاً كانت تربطنا به علاقة إيجابية، وقال: لماذا لا نسلِّم أنفسنا لجماعة أحمد الجلبي. قلنا له: غير ممكن، ولا نقبل مطلقاً. حاول فلم يجد لدينا استجابة فذهب. بعد ذلك بفترة قصيرة، جاء مسلحون ودخلوا علينا ملثمين، مجموعة كبيرة ودبابات، فتم اعتقالنا وأُخذنا إلى نادي الصيد ومنه إلى السجن. هذا يوم لا أنساه، وكان يوم 21/4/2003».

نبأ اعتقال صدام «أنهى آمال التحرير»

سألت السكرتير الثاني عن المعتقل والتحقيقات واعتقال صدام حسين فقال: «عندما وصلنا إلى المعتقل الأميركي كان التحقيق من قبل الأميركيين ومن جهات متعددة فيهم. لم تغب عن التحقيقات ممارسات القسوة والأذى النفسي والجسدي وكل ما يمكن أن يخطر في بالك. انصبت التحقيقات في البداية على موضوع أسلحة الدمار الشامل. هل يمتلك العراق أسلحة دمار شامل؟ وأين هي؟ أياً كان يلتقونه يسألونه هذا السؤال. وكذلك عن الطيار الأميركي (مايكل سكوت سبايكر الذي أُسقطت طائرته إبان حرب الخليج الثانية)، هل تعرف شيئاً عن الطيار الأميركي؟ طيار أميركي أُسقط في العراق وبعد فترة من الزمن خرج الناس يبحثون عنه، ولجنة أميركية أيضاً دخلت بالتعاون مع العراق للبحث عن هذا الطيار، وفعلاً وجدوا أجزاء من رفاته وأصبح معلوماً لدى الأميركيين أنه قُتل في أثناء سقوطه من الطائرة. لكنَّ الأميركيين يعتقدون دوماً أن المؤامرة موجودة وأن الكلام ربما يكون غير صحيح وربما هو مخفي وكذا... وكان هذا السؤال يُطرح حول هذا الجانب. الطيار يهودي الديانة وجنسيته أميركية، للأسف سُميت (قاعدة سبايكر) في العراق باسمه.

في المعتقل كانت هناك قواطع، ومجموعات. في كل قاطع 21 شخصاً، وفي كل بلوك 7 أشخاص. وكانوا يُخرجوننا للرياضة، نتمشى قليلاً ونُمضي نحو نصف ساعة. وأتذكر أن أحمد حسين، رئيس الديوان، كان في قاطعنا ذاته، وكان بلوكهم يخرج للرياضة، ثم بعدها يطلع بلوكنا للرياضة. في أثناء مشيه أمامي، قال لي: للأسف اليوم اعتقلوا السيد الرئيس، جاءنا هكذا خبر. تألمت جداً لأننا كنا نتحدث في بعض الأحيان أنا وبعض والإخوان والزملاء بأن وجود السيد الرئيس خارج السجن هو الأمل الكبير لتحرير العراق. بعدما اعتُقل وجدنا أن العراق احتُلَّ الآن، واستمرارية الاحتلال دائمة.

كنت في هذه الأثناء أرى مقابلنا، حيث يوجد بلوك ثانٍ في نهاية بلوكات السجن، عملاً مستمراً هناك. كان هناك نجارون وحرفيون... وكان العمل دؤوباً ولا نعرف الأسباب، كنا نعتقد أن هناك شيئاً آخر أو أنهم يضيفون شيئاً آخر للسجن، لكنهم أقاموا ستاراً ولم نعد نرى الممر الذي أمامنا. بنوا جداراً خشبياً في هذا المكان».

سألته: هل كان صدام حسين يقود المقاومة قبل اعتقاله؟ فأجاب: «نعم. المقاومة بدأ عملها بعد الحرب. لم يكن موضوع المقاومة معداً سلفاً لأن العمل كان آنذاك عسكرياً بحتاً، قطاعات عسكرية مقابل قطاعات عسكرية. بعد الاحتلال، بدأ عمل آخر، صفحة أخرى، لأن المعركة صفحات. نعم كان السيد الرئيس يقود المقاومة، وكان أمل المقاومة، وأمل العراقيين، وأمل العرب والمسلمين».

رسالة من الأسرة بعد سنتين

سألته: متى تمكَّن من الاتصال بعائلته بعد اعتقاله؟ فروى: «بالنسبة إلى أسرتي، كان مفقوداً التواصل معها، ولم أكن أحمل رقم تليفون لأحد من إخواني أو أصدقائي أو زملائي، وحتى لو كنت أحمل رقم تليفون لربما تغيرت التليفونات أو وضعها تغيّر أو ظرفها، خصوصاً أن البدالات (السنترالات) قُصفت. قُصف الكثير من البدالات وتوقفت اتصالات كثيرة في العراق. أتذكر أن الصليب الأحمر زارني في المعتقل، وفي أثناء زيارتهم، عرضوا عليَّ أن أكتب رسالة، إذ عادةً يَعرض الصليب الأحمر عندما يأتي إلى المعتقلات على المعتقل أن يكتب رسالة لعائلته. حقيقة وجدتُ نفسي في حيرة، لمن أكتب؟ إخواني لا أعرف أين هم، وأسرتي فقدت الاتصال بهم ولا أعرف أين هم، ولا أعرف أي شيء. خطر ببالي شيخ المدربين عمو بابا. عمو بابا معروف في العراق، مدرب كرة القدم. تبادر إلى ذهني أن عمو بابا أفضل سبيل لكي أوصل الرسالة، وربما هو يسهم بإيصال رسالتي إلى إخواني. وفعلاً قررت أن أكتب إلى عمو بابا، وكتبتها. أنا أيضاً لا أعرف عنوان عمو بابا، رغم أنني كنت أزوره في البيت لكنني لا أعرف عنوان البيت. أتذكر عنوان نادي الشرطة كوني كنت رئيس نادي الشرطة آنذاك، فكتبت الرسالة ووضعت عنوان نادي الشرطة وكتبت تُسلَّم باليد إلى شيخ المدربين عمو بابا.

جمال مصطفى السلطان (الشرق الأوسط)

الإخوان في نادي الشرطة، حقيقةً، يقدِّرونني ويحترمونني كثيراً، وهم موجودون ولا يزالون على تواصل معي، أوصلوا الرسالة إلى عمو بابا. عندما وصلت الرسالة، لم أكن بانياً عليها آمالاً كبيرة لأن الظرف صعب. بعد قرابة شهرين ونصف الشهر إلى ثلاثة أشهر، جاءتني رسالة من عمو بابا، يسلم فيها ويهتم ويسأل عن صحتي ووضعي وإلخ. وكان معه أيضاً شخص يعمل مدرباً عندي اسمه ياسين. كتبا الرسالة معاً وأرسلاها إليَّ وبعثا معاً حاجات، مثل ملابس رياضية وشورت وقميص، فصار التواصل مع عمو بابا، ومن خلاله وصلت رسالتي إلى إخواني، وبدأ التواصل مع إخواني، ثم بعد فترة من الزمن، قرابة السنتين، جاءتني الرسالة الأولى من أسرتي. الرسالة الأولى التي وصلت إليّ من أسرتي بعد سنتين من اعتقالي. رسالة من زوجتي حلا».

هل أفهم أنك لم تلتقِ عائلتك على مدى ثمانية عشر عاماً؟ فأجاب: «نعم لم أرهم ولم أرَ أطفالي على مدى 18 سنة ونصف السنة. لم يحصل أي لقاء معهم أو حديث، باستثناء فترة من الزمن عندما كنا عند الأميركيين الذين كانوا يعطوننا وقتاً جيداً بالقياس إلى اعتقالنا في السجون العراقية، كانوا يعطوننا 5 دقائق في الأسبوع للاتصال بعوائلنا. كنت أتصل، وأقسّم الوقت، أتحدث مع والدتي وإخواني دقيقتين ونصف الدقيقة، ودقيقتين ونصف الدقيقة أتحدث مع أسرتي. زوجتي حلا وبناتي أيضاً أتحدث معهم. كان التواصل بين فترة وأخرى، كل أسبوع أتحدث معهم. بعد 2010 عندنا انتقلنا إلى العراقيين تماماً، قطعوا التواصل تماماً ولم يكن هناك أي تواصل لأنهم لم يكونوا يعطوننا أي وقت، فضلاً عن ذلك، كنت أحرص على ألا أتصل من عند العراقيين، إذ ربما هناك أعداء وعملاء لجهات خارجية يمكن أن يسجلوا المكالمات بطريقة أو بأخرى، وإلخ».

خرج جمال مصطفى من المعتقل في يونيو (حزيران) 2021، فماذا فعل؟ يقول: «ذهبت وبت ليلة في بغداد لدى أحد الأصدقاء العراقيين الشرفاء. وكان بيته في الكاظمية. كان الرجل عراقياً أصيلاً شهماً غيوراً صاحب نخوة ووفَّر لي حماية إلى أن أوصلني إلى أربيل. عندما وصلت إلى أربيل سكنت عند أخي وجاءني زوار كثيرون من إخواننا العراقيين، من كل أنحاء العراق وكانت اتصالات أيضاً من كل أنحاء العالم بحكم علاقاتي العشائرية والرياضية مع العراقيين بصورة عامة، فكان يردني كثير من الاتصالات والزيارات، واستمررت على هذه الحال تقريباً نحو عشرين يوماً، ثم جاءني أحد الإخوان الأكراد وكانت تربطني به علاقة رياضية فقال لي: كاكا مسعود (مسعود بارزاني) يريد رؤيتك. نلتقي غداً عند الساعة الفلانية لكي تذهب وتلتقيه. وفعلاً ذهبنا.

في الحقيقة استقبلني الأستاذ مسعود استقبالاً حاراً وبحفاوة واحترام وتقدير وجلسنا وتحدثنا. شكرته لأن كل المواطنين العراقيين الذي هاجروا أو هُجروا من مدن كثيرة من العراق، الأنبار وصلاح الدين وكركوك والموصل، دخلوا أربيل وفتحت لهم الأبواب، في حين أن من كان يذهب إلى بغداد كان حظه جيداً إذا اكتفي بإبعاده، فهناك من اعتُقل وعُذب وهناك من خُطف واختفى، بينما هو فتح الأبواب لكل النازحين الذين دخلوا أربيل. شكرته على الموقف الوطني الكبير. في ذاك الوقت سألني الرجل ماذا أحتاج؟ فقلت له إنني أحتاج إلى شيء واحد هو إنجاز الجواز حتى ألتحق بعائلتي. تجاوب وأرسلوا لي شخصاً إلى البيت صوَّرني وبصّمني وجهّزني لهذا الأمر، وبدأ يتابع في بغداد لإنجاز الجواز، لأن الجواز يصدر من بغداد لا من أربيل. ذهب الشخص ليتابع وبقي شهوراً لكنه لم ينجز شيئاً لأن الحكومة العراقية لم تكن تريد أن تُنجز لي جوازاً وكان يتصرفون كأنهم صُدموا بخروجي.

خرجت من المعتقل بطرق متعددة ومتنوعة. أنا كنت دائماً أوصي أخي عندما كانت هناك فرصة للحديث معاً أيام الأميركيين بألا يوسّط أياً كان حتى لو رأيتني أُعدم مائة مرة. لكن تقدر تعمل بالجانب الآخر وهو الماديات لأن الماديات تعمل عملها في العراق، والمؤسف أن كثيرين يمكن أن يُباعوا ويُشتروا».

العدالة والدولار

سألته: هل صحيح أن قاضياً طلب منك قبل سنوات رشوة مقابل الإفراج عنك؟، فأجاب: «نعم، فعلاً القاضي طلب. هذا في عام 2011، اتُّهمت ظلماً بقضية زرع عبوات ناسفة وأنني التقيت جماعات إرهابية في نيوزيلندا وسوريا وجماعات إرهابية في تركيا. أشياء لا تصدَّق. أنا في السجن فكيف ألتقي جماعات إرهابية في نيوزيلندا وتركيا وسوريا؟ هذه كانت التهم الموجهة إليَّ، وكان اسم القاضي -تحتفظ (الشرق الأوسط) باسم القاضي لأسباب قانونية. فهمت أنه رجل يريد مالاً، وأنا ليست لدي فلوس والقانون معه، وفهمت أنه يريد مقابلاً ليطلق سراحي، أرسل يطلب مني مبلغاً محترماً بالدولار، فأرسلت إليه أنني للأسف ليس لديَّ هذا المبلغ لكن يمكن أن أعطيك شيئاً من أملاكي. أنا لديَّ قطع أرض، قطعة أو قطعتان، ربما أعطيك إياها مقابل المبلغ الذي تريده، فقال: لا، أنا أحتاج إلى أن تعطيني نقداً. تعطيني نقداً أُطلق سراحك، وإلا فلن أفعل. هذا في عام 2011. لم يطلق سراحي فظللت موجوداً في المعتقل والاتهامات مستمرة بين فترة وأخرى كما ذكرت لك، مثل قيادة المقاومة وتنظيم هجمات. وكانت استشارية الأمن الوطني، كما ذكرت لك، قد أكثرت الاتهامات ضدي في فترة من الفترات، وتبيّن أن هناك شخصاً يريد أن يوفّي لنا الدين السابق، وهو فالح الفياض. فالح الفياض رجل كان محكوماً بالإعدام في زماننا، وهو من (حزب الدعوة)، فالسيد الرئيس الله يرحمه ويغفر له أعفى عنه وأطلق سراحه. الرجل أراد أن يوفينا، كيف يوفينا؟ يتهمني يومياً تهمة».

سألته إن كانت لديه كلمة أخيرة، فأعرب عن الشكر والامتنان لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد ووالده والحكومة والشعب القطري «لما قدموه من رعاية واهتمام وحماية لعائلتي وعمتي».

كتب الرئيس إلى قادة العشائر يوصيهم بمقاومة الاحتلال وسلّمتهم خرجية لمساعدة الجنود

جمال مصطفى السلطان


مقالات ذات صلة

الأردن ينفي طرح دور للهاشميين في عراق ما بعد صدام

خاص توني بلير مستقبلاً الملك عبد الله الثاني في لندن قبل لقائهما المذكور في الوثيقة في 25 فبراير 2003 (أ.ف.ب)

الأردن ينفي طرح دور للهاشميين في عراق ما بعد صدام

الأردن ينفي صحة تقارير عن طرح الملك عبد الله الثاني دوراً هاشمياً في عراق ما بعد صدام، مؤكداً أن محاضر لقاء 2003 مع بلير لا تتضمن ذلك.

محمد خير الرواشدة (عمّان)
ثقافة وفنون «الفتى القادم من بغداد»... رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة

رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة

يروي ناظم الزهاوي مسيرة حياته منذ سنواته الأولى في العراق حتى مسيرته السياسية البريطانية حيث تولى عدة مناصب وزارية في حزب «المحافظين»

ميرزا الخويلدي (الدمام)
المشرق العربي موظفو الانتخابات يجمعون أوراق الاقتراع الخاصة بالانتخابات العراقية بعد إغلاق الصناديق في بغداد (أ.ب)

«صدام حسين» يفوز في انتخابات العراق

فاز المرشح صدام حسين بمقعد في البرلمان العراقي الجديد بعد قرار الهيئة القضائية للانتخابات إلغاء قرار سابق للمفوضية كان يقضي باستبعاده.

حمزة مصطفى (بغداد)
العالم العربي رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (رويترز) p-circle 00:55

رئيس وزراء العراق: لا يمكن نزع سلاح الفصائل إلا بانسحاب أميركا

قال رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم (الاثنين)، إن العراق تعهد بوضع جميع الأسلحة تحت سيطرة الدولة.

«الشرق الأوسط» (بغداد )
المشرق العربي الدستور العراقي ينص على حظر نشاط حزب «البعث» منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003 (رويترز)

«فوبيا» حزب «البعث» تسخن الانتخابات العراقية

أعاد رئيس الحكومة العراقية الأسبق، نوري المالكي، ملف حزب «البعث» المنحل إلى الواجهة، في سياق تحضيرات حامية للانتخابات المقررة في نوفمبر المقبل.

حمزة مصطفى (بغداد)

بارو يختتم زيارته بيروت بلقاء مع قائد الجيش

قائد الجيش العماد رودولف هيكل مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (قيادة الجيش)
قائد الجيش العماد رودولف هيكل مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (قيادة الجيش)
TT

بارو يختتم زيارته بيروت بلقاء مع قائد الجيش

قائد الجيش العماد رودولف هيكل مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (قيادة الجيش)
قائد الجيش العماد رودولف هيكل مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (قيادة الجيش)

اختتم وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، السبت، زيارته إلى بيروت، بلقاء مع قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، حمل دلالات سياسية وأمنية تتجاوز طابعه البروتوكولي، في ظل تركيز فرنسي متزايد على دور المؤسسة العسكرية كمرتكز أساسي في مرحلة تثبيت وقف إطلاق النار وحصر السلاح بيد الدولة، بالتوازي مع تحضيرات متقدمة لمؤتمر دعم الجيش اللبناني الذي تستضيفه باريس مطلع مارس (آذار) المقبل.

واستقبل قائد الجيش في مكتبه الوزير الفرنسي والوفد المرافق، بحضور السفير الفرنسي لدى لبنان، هيرفيه ماغرو، حيث تناول البحث الأوضاع العامة والتطورات في لبنان والمنطقة، إضافةً إلى المتطلبات اللازمة لتعزيز قدرات الجيش اللبناني، كما جرى التداول في التحضيرات الجارية لانعقاد مؤتمر دعم الجيش في فرنسا.

وكان بارو قد أكّد، خلال زيارته بيروت التي وصل إليها، الجمعة، التزام بلاده الكامل باتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، مشدّداً على أنّ دعم الجيش اللبناني وحصر السلاح بيد الدولة يشكّلان ركيزتين أساسيتين في رؤية فرنسا للبنان بصفته دولة قوية وذات سيادة، وذلك في إطار سلسلة لقاءات رسمية عقدها في العاصمة اللبنانية.

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال مؤتمر صحافي في دمشق (رويترز)

باريس تواكب وقف النار وحصر السلاح

وفي مؤتمر صحافي عقده في بيروت، الجمعة، شدّد الوزير الفرنسي على أنّ اتفاق وقف إطلاق النار هو «ثمرة جهود مشتركة أميركية - فرنسية»، مؤكّداً أنّ «باريس تتابع تطبيقه ميدانياً وسياسياً، وتقف إلى جانب لبنان في كل القرارات التي تتخذها سلطاته». وأشار إلى أنّ فرنسا تواكب مسار تثبيت وقف النار وملف حصر السلاح بيد الدولة، مشيداً بـ«التقدّم الذي أنجزته السلطات اللبنانية»، مع التشديد في الوقت نفسه على ضرورة «البقاء واعين لحجم الأعمال التي لا تزال مطلوبة» في المرحلة المقبلة، لا سيما على المستوى الأمني والمؤسساتي.

دعم الجيش

وفي تصريحات سابقة نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية» قُبيل توجهه إلى بيروت، الجمعة، قال بارو إنّ «تزويد الجيش اللبناني بالإمكانات اللازمة لمواصلة مهامه، بما في ذلك نزع سلاح (حزب الله)، يشكّل مدخلاً أساسياً لتحقيق رؤية فرنسا للبنان بوصفه دولة قوية وذات سيادة تمتلك احتكار السلاح»، في إشارة إلى الدور المحوري الذي توليه باريس للمؤسسة العسكرية في مقاربة الاستقرار اللبناني.

وكان الوزير الفرنسي قد جال على عدد من المسؤولين اللبنانيين، وشملت جولته لقاءات مع رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ووزير الخارجية يوسف رجّي، حيث نقل إليهم جميعاً موقفاً فرنسياً موحّداً يؤكد دعم لبنان في تثبيت وقف إطلاق النار وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، بوصفه ركيزة الاستقرار في المرحلة المقبلة.


تغييرات بنيوية في هيكل «حزب الله» التنظيمي تعطي قاسم سيطرة إدارية

مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب وفيق صفا متحدثاً إلى الإعلام من موقع اغتيال أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت العام الماضي (وسائل التواصل الاجتماعي)
مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب وفيق صفا متحدثاً إلى الإعلام من موقع اغتيال أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت العام الماضي (وسائل التواصل الاجتماعي)
TT

تغييرات بنيوية في هيكل «حزب الله» التنظيمي تعطي قاسم سيطرة إدارية

مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب وفيق صفا متحدثاً إلى الإعلام من موقع اغتيال أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت العام الماضي (وسائل التواصل الاجتماعي)
مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب وفيق صفا متحدثاً إلى الإعلام من موقع اغتيال أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت العام الماضي (وسائل التواصل الاجتماعي)

تكشف استقالة رئيس «وحدة الارتباط والتنسيق في (حزب الله)»، وفيق صفا، التي أتت بنكهة الإقالة عن رأس قمة جبل الجليد في عملية إعادة هيكلة الجسم التنظيمي للحزب الذي تلقى ضربات غير مسبوقة في حربه الأخيرة مع إسرائيل التي أودت بأمينه العام التاريخيّ حسن نصر الله وخليفته الشيخ هاشم صفي الدين وخليفته الثالث المحتمل نبيل قاووق ومعظم قيادته العسكرية.

وتكشف مصادر لبنانية واسعة الاطلاع لـ«الشرق الأوسط» عن ملامح هذه التغييرات في الجسم التنظيمي والسياسي للحزب، رغم التكتم الكبير، لتخلص إلى أن الأمين عام الجديد للحزب الشيخ نعيم قاسم يحاول أن يمسك بمفاصل الحزب بربط كل المؤسسات الحزبية بالأمانة العامة للحزب، بعد أن كان هذا الموقع سابقاً يتولى القيادة من دون الخوض في التفاصيل التي كانت من مسؤولية الهيئة التنفيذية التي تشبه «الحكومة» داخل الحزب.

أما العلامة الفارقة الثانية في هذه التغييرات فهي دخول العديد من السياسيين إلى مركز القرار بدلاً من رجال الدين الذين سيطروا في المرحلة السابقة على المشهد القيادي في الحزب، مع دخول شخصيات جديدة إلى مركز القرار من الذين رافقوا قاسم في حزب الدعوة واللجان الإسلامية قبل دخولهم الحزب بعد تأسيسه.

رعد... نائباً للأمين العام

وتتضح الصورة هذه مع دخول رئيس كتلة الحزب النيابية «الوفاء للمقاومة» إلى مركز القرار، مع الاتجاه الواضح لتعيينه نائباً للأمين العام، وهو من الذين رافقوا قاسم في حزب الدعوة. غير أن قرار التعيين لن يصدر على الأرجح قبل الانتخابات البرلمانية، ومن المقرر أن يتولى النائب حسن فضل الله رئاسة الكتلة بعد الانتخابات الأخيرة.

رئيس كتلة «حزب الله» النائب محمد رعد مجتمعاً مع الرئيس جوزيف عون الأسبوع الماضي (الرئاسة اللبنانية)

فنيش...يقود «حكومة» الحزب

وتتكشف الصورة أكثر مع المعلومات التي توفرت لـ«الشرق الأوسط» عن تسلم الوزير والنائب السابق محمد فنيش مسؤولية الهيئة التنفيذية للحزب، حيث يخوض في مهمة إعادة تنظيم الجسم الإداري والمؤسساتي للحزب، فيما يتولى الشيخ علي دعموش مسؤوليات تنظيمية عملانية في الهيئة.

الوزير السابق محمد فنيش (الوكالة الوطنية للإعلام)

معطيات تنظيمية داخلية

وتفيد مصادر معارضة مطّلعة على الشؤون الداخلية في «حزب الله»، لـ«الشرق الأوسط»، بأنّ صفا «كان من أوائل المسؤولين الذين شملتهم قرارات تنظيمية داخلية قلّصت هامش تحرّكهم الإعلامي؛ إذ صدر قرار عن الأمانة العامة يقضي بمنعه من الإدلاء بأي تصريح من دون موافقة مسبقة من دائرة العلاقات الإعلامية في الحزب».

وتضيف المصادر نفسها أن هذه الإجراءات «لم تقتصر على الجانب الإعلامي، بل ترافقت مع تقلّص ملحوظ في الدور السياسي الذي كان يؤدّيه صفا في مراحل سابقة، سواء في التواصل مع القوى السياسية أو في ملفات الانتخابات والترشيحات». ووفق هذه الرواية، «لم يُسجَّل له خلال الفترة الماضية أي حضور علني بصفته موفداً سياسياً للحزب، لا إلى الحلفاء ولا إلى الخصوم».

إعادة توزيع المهام

ويشرح المصدر أن «هذه الوحدة، التي كانت تُعرف عملياً في مراحل سابقة بـ(اللجنة الأمنية)، تولّت إدارة الإشكالات الأمنية والميدانية داخل بيئة الحزب أو في حالات التوتر مع أطراف أخرى، عبر التدخل المباشر، ثم التنسيق مع القوى المعنية، ولاحقاً مع مؤسسات الدولة اللبنانية، بما يشمل الأجهزة الأمنية والقضائية، إضافة إلى متابعة ملفات موقوفين، وإنجاز مصالحات»، مضيفاً: «استفاد المسؤول عن هذه الوحدة من نفوذ متنامٍ داخل الحزب، خصوصاً في مراحل لاحقة، حين جرى دفعه إلى الواجهة في ملفات حساسة، أبرزها التفاوض غير المباشر وتبادل الأسرى، ما أتاح له بناء شبكة علاقات سياسية ودولية، شملت قنوات خارجية».

حصر الصلاحيات السياسية

وتشير مصادر متابعة للملف التنظيمي إلى «أن توسّع هذا الدور أدّى، في مرحلة معينة، إلى تجاوز الوحدة لوظيفتها الأمنية البحتة، بحيث بدأت، وفق توصيف هذه المصادر، بأداء أدوار سياسية لم تكن ضمن صلاحياتها الأصلية، عبر استقبال وفود وتمرير رسائل».

وبحسب هذه المصادر، «صدرت مع تولّي القيادة الحالية زمام القرار توجيهات واضحة بإعادة حصر دور )لجنة الارتباط والتنسيق( بالارتباط الأمني والتقني حصراً، ومنعها من أي دور سياسي أو تفاوضي أو إعلامي».

وتؤكد المصادر «أن أي قرار سياسي أو تواصل سياسي بات محصوراً بالقيادة السياسية للحزب، وتحديداً بالأمين العام نعيم قاسم، أو برئيس (كتلة الوفاء للمقاومة) النيابية، النائب محمد رعد، أو بالمعاون السياسي للأمين العام حسين خليل، فيما يقتصر دور الوحدة الأمنية على التنسيق التقني مع الأجهزة الأمنية اللبنانية».

تحوّلات بنيوية أوسع

تربط مصادر متابعة هذه التغييرات بتحوّلات أوسع داخل «حزب الله» منذ تولّي نعيم قاسم الأمانة العامة، مشيرةً إلى أن «المرحلة السابقة شهدت حضوراً وازناً لشخصيات دينية في الصفين الثاني والثالث، كهاشم صفي الدين ونبيل قاووق اللذين اغتالتهما إسرائيل في الحرب الأخيرة، فيما تبدّل المشهد راهناً مع تصدّر شخصيات سياسية غير دينية المشهد، أبرزها محمد رعد ومحمود قماطي وإبراهيم الموسوي، في مؤشر إلى تحوّل تدريجي نحو تعزيز الطابع السياسي للحزب».

وتكشف عن أن «الشق الإعلامي بات مُركّزاً ضمن إدارة مركزية واحدة، تخضع لإشراف النائب إبراهيم الموسوي، وبتكليف وتنسيق مباشر مع القيادة، في إطار سياسة تهدف إلى توحيد الخطاب وضبط الظهور الإعلامي وحصر التصريحات بالمراجع المخوّلة».

ترددات الحرب أطاحت بصفا

ويقول المحلل السياسي علي الأمين، لـ«الشرق الأوسط»، إن استبعاد صفا «يأتي في سياق تردّدات الحرب وتداعياتها المباشرة على (حزب الله)، إلى جانب تأثيرات الانكفاء الإيراني ومسار التفاوض القائم بين الولايات المتحدة وإيران»، معتبراً أن الحزب بات يدرك أن ما كان ممكناً في السابق لم يعد قابلاً للاستمرار».

وفيق صفا (أ.ب)

وأوضح الأمين أن القرار «يطال جهازاً يحمل بعدين، شخصياً وموضوعياً، ولا سيما أنه مدرج على لوائح العقوبات الأميركية، وهو بذلك رسالة واضحة مفادها أن الحزب لم يعد يمتلك السيطرة ذاتها على الأجهزة الأمنية في ظل مطلب أميركي وضغط من الدولة باتجاه تفكيك هذا الجهاز».

ورأى أن «الحزب يحاول التأقلم مع معطيات جديدة تفرض نفسها». وأشار إلى أن «قبول هذا المسار من عدمه يبقى مرتبطاً بكيفية تعاطي الحزب لاحقاً مع تنفيذ مبدأ حصرية السلاح».

واعتبر أن مواقف رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد عكست نبرة قد تبدو إيجابية حيال حصرية السلاح، لكنها لم تصل إلى مستوى الوضوح الكامل، معتبراً أن الخطوة الحالية «تشكّل إجراءً عملياً أولياً، على أن يُقاس صداها لاحقاً، سواء على المستوى الرسمي اللبناني أو على المستوى الأميركي المعني مباشرة بمتابعة الملف اللبناني».

ولفت أن الحزب سيواصل، كلما أُتيحت الفرصة، «السعي إلى الظهور بمظهر الحزب السياسي، ولو شكلياً، في إطار محاولة لإبراز طابعه السلمي والمدني وإظهار تناغمه مع مؤسسات الدولة». وأوضح أن أي تقدّم أو حتى اضطراب في مسار المفاوضات الإيرانية - الأميركية سيعكس ليونة أكبر في السلوك الداخلي للحزب»، مشيراً إلى أن «هذا المسار يبقى مرجّحاً ما لم يصدر قرار دولي حاسم بإنهاء وضع الحزب القائم».

وفي الإطار، يمكن أن يوضع ما تردد عن تكليف حسين العبد الله بمهام مسؤول «وحدة الارتباط والتنسيق» داخل الحزب، وهو الذي شغل سابقاً منصب المسؤول الأمني في جنوب لبنان، ويُعد من المقرّبين من الشيخ نعيم قاسم، فيما أُسندت مهمة التواصل مع الدولة والخارج إلى نائبه أحمد مهنا.

رواية مقرّبة من الحزب

في المقابل، ينقل مصدر مقرّب من «حزب الله» لـ«الشرق الأوسط» رواية مغايرة لما يُتداول، مؤكداً أن الإجراءات المتخذة بحق وفيق صفا «لا تتعدّى حدود إعادة الهيكلة التنظيمية التي انتهجها الحزب منذ نهاية الحرب وحتى اليوم، في إطار مراجعة داخلية شاملة طالت أكثر من موقع ومسؤول».

ويشدّد المصدر على أن صفا «لا يزال ضمن الجسم التنظيمي للحزب».

في المقابل، أفادت قناة «الجديد» بأن صفا قدّم استقالته من رئاسة «وحدة الارتباط والتنسيق» في «حزب الله» بموافقة داخلية، على خلفية خلافات عميقة مع الأمين العام للحزب نعيم قاسم وعضو مجلس الشورى ورئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» محمد رعد، إضافة إلى تقليص صلاحياته.


محافظ الحسكة السورية يباشر مهامه متعهداً حماية «التنوع»

محافظ الحسكة نور الدين عيسى أحمد يباشر مهامه السبت ا(المكتب الصحافي لمحافظة الحسكة)
محافظ الحسكة نور الدين عيسى أحمد يباشر مهامه السبت ا(المكتب الصحافي لمحافظة الحسكة)
TT

محافظ الحسكة السورية يباشر مهامه متعهداً حماية «التنوع»

محافظ الحسكة نور الدين عيسى أحمد يباشر مهامه السبت ا(المكتب الصحافي لمحافظة الحسكة)
محافظ الحسكة نور الدين عيسى أحمد يباشر مهامه السبت ا(المكتب الصحافي لمحافظة الحسكة)

في اليوم الأول لمباشرة مهامه محافظاً للحسكة، شمال شرقي سوريا، تعهد نور الدين عيسى أحمد، بحماية «التنوع الذي يميز المحافظة» محذراً من «الفتنة»، وذلك بالتزامن مع زيارة وفد حكومي برئاسة قائد الأمن الداخلي، مروان العلي، لمبنى المحافظة في اطار تنفيذ دمج المؤسسات الرسمية.

ووجَّه المحافظ الجديد خطاباً إلى أهالي المحافظة قال فيه إنه سيكون «لكل مكونات أبناء المحافظة، ولكل امرأة وطفل وعامل وفلاح على هذه الأرض»، مؤكداً على أن الأولوية هي فرض «الأمن والأمان والاستقرار»، وأضاف مشدداً على أن «الخدمات وكرامة المواطن فوق أي اعتبار، لن نسمح بالفتنة، وسنحمي التنوع الذي يميز محافظتنا»، داعياً الجميع للتعاون. مضيفاً: «بدعمكم ستحول الأيام القادمة إلى بداية استقرار حقيقي يلمسه كل بيت» وفق نص الخطاب الذي نشره المكتب الصحافي في المحافظة.

وفد حكومي بقيادة العميد مروان العلي في مبنى محافظة الحسكة السبت (فيسبوك)

ونور الدين عيسى أحمد، الملقب بـ«أحمد خانيكا» كان مسؤول العلاقات في قوات «قسد» وأحد القياديين البارزين في الإدارة الذاتية منذ نشأتها عام 2014، وأدى دوراً بارزاً في إدارة العلاقات مع العشائر العربية، في شمال وشرق سوريا. وقد تم ترشيحه من قبل «قسد» لتولي منصب محافظ الحسكة في إطار الاتفاق المبرم مع دمشق.

وبدأ الحافظ عمله، السبت، بعد استكمال التجهيزات اللازمة لمبنى المحافظة، ورفع العلم السوري، في إشارة إلى بدء مرحلة إدارية جديدة وإنهاء حالة «المربعات الأمنية»، وتقاسم السيطرة بين مناطق تتبع للحكومة وأخرى تبع للإدارة الذاتية.

وشهد مبنى المحافظة بحضور وسائل الإعلام أول اجتماع مع وفد حكومي برئاسة قائد الأمن الداخلي في الحسكة، مروان العلي، حيث جرى بحث آليات التنسيق الإداري وتنظيم الشؤون المدنية والأمنية في المحافظة.

وقال العلي إن عملية الدمج تسير بشكل إيجابي، وإن جميع المعابر ستعود لإدارة الدولة السورية، وقريباً ستدخل قوى الأمن إلى عين العربي «كوباني». وذلك بينما تواصل القوات الأميركية إخلاء قاعدة الشدادي العسكرية.

العميد مروان العلي مع محافظ الحسكة الجديد (صفحة مرصد الحسكة)

وقال العميد العلي في تصريح لوسائل الإعلام عقب الاجتماع إن «عملية الدمج تجري على قدم وساق والأجواء إيجابية جداً» نافياً فرض حصار على مدينة عين العرب (كوباني). وأكد أن موضوع عين العرب (كوباني) مرتبط بموضوع القامشلي والحسكة، وقوى الأمن السوري دخلت إلى منطقة الشيوخ وقريباً ستدخل إلى عين العرب (كوباني)، حيث ستقوم قوات «قسد» بالانسحاب من الحسكة ومن عين العرب، مضيفاً أن النازحين من جميع الأطراف سيعودون إلى مناطقهم والتأخيرات التي تحصل تتعلق بأمور لوجيستية وتقنية، وسيعود الأمر إلى ما كان عليه، داعياً إلى «تخفيف حدة اللهجة».

وفيما يخص المعابر، أكد العميد مروان العلي أنها ستعود إلى سلطة الدولة بما فيها معبر سيمالكا على نهر دجلة، في أقصى شمال شرقي الحسكة على الحدود مع العراق.

وكانت وسائل إعلام كردية أفادت بمحاصرة القوات الحكومية لمدينة عين العرب، وتدهور الأوضاع الإنسانية. نتيجة النقص الحاد في المستلزمات الأساسية.

وكان وفد من وزارة الدفاع السورية، ترأسه رئيس هيئة العمليات في الجيش العربي السوري، العميد حمزة الحميدي، زار محافظة الحسكة، الجمعة، وقام بجولة ميدانية على عدد من المواقع العسكرية يرافقه ممثلون عن «قسد»، من أجل تثبيت نقاط الانتشار للوحدات ومتابعة تطبيق الاتفاق. وقالت «قسد» في بيان لها الجمعة إن «المناقشات لا تزال مستمرة» بخصوص استكمال تنفيذ بنود اتفاقية (29 كانون الثاني)، وعملية الاندماج.

وفد عسكري من وزارة الدفاع يزور الحسكة الجمعة (مديرية إعلام الحسكة التابعة لوزارة الإعلام)

انسحاب أم إعادة تموضع أميركي؟

يأتي ذلك فيما تم رصد تحركات في قاعدة الشدادي العسكرية التابعة، لقوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة. وأفادت تقارير إعلامية بإخلاء هذه القاعدة التي تعد ثاني أكبر قاعدة بعد قاعدة التنف في البادية الشامية، فيما عده مراقبون إعادة تموضع لقوات التحالف بعد التغييرات التي تشهدها مناطق الجزيرة السورية، وانضمام سوريا للتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب.

وبحسب الباحث المختص بالشؤون العسكرية، رشيد حوراني، فإن انسحاب القوات الأميركية من سوريا له عدة دلالات، بينها «الوثوق بالحكومة السورية والتعاون معها فيما يتعلق بتنظيم (داعش) وانضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب».

وقال حوراني لـ«الشرق الأوسط» إن الانسحاب يدل أيضاً من جانب آخر على «أن أميركا تقدم الدعم للحكومة السورية من خلال حلفائها في المنطقة، من خلال دعم تركيا مثلاً وتقديمها التدريب أو التسليح للجيش السوري»، وأيضاً يدل على التخلي عن «التعاون مع تنظيمات ما دون الدولة، خاصة أن القاعدة كان يوجد فيها عناصر تقدم الاستشارة والتدريب لـ(قسد)»، إضافة إلى دلالة معنوية تتمثل في أن «الحكومة السورية وأجهزتها المعنية تطورت بشكل ملحوظ، خاصة بعد عملية السيطرة على مناطق سيطرة (قسد) دون انتهاكات، وهو ما شجع أميركا للانسحاب».