«كتاب العراق الأسود»... خوارزمية اقتصاديات الأحزاب

3 مراحل لتدوير المال القذر... وحصة إيران تموّل «حماس» و«الحوثي»

رجل يعدّ أوراقاً نقدية من فئة الدولار الأميركي في سوق الكفاح ببغداد في 27 ديسمبر 2022 (أ.ف.ب)
رجل يعدّ أوراقاً نقدية من فئة الدولار الأميركي في سوق الكفاح ببغداد في 27 ديسمبر 2022 (أ.ف.ب)
TT

«كتاب العراق الأسود»... خوارزمية اقتصاديات الأحزاب

رجل يعدّ أوراقاً نقدية من فئة الدولار الأميركي في سوق الكفاح ببغداد في 27 ديسمبر 2022 (أ.ف.ب)
رجل يعدّ أوراقاً نقدية من فئة الدولار الأميركي في سوق الكفاح ببغداد في 27 ديسمبر 2022 (أ.ف.ب)

بغداد صيف 2010. بعد ساعات من الاستجواب لا يزال المتهم بقضية اختلاس متماسكاً. يضع ساقاً على ساق. ينتظر النهاية حتى يغادر، فيما المحقق في حيرة.

سأل المتهم: «متى ينتهي كل هذا؟». رد المحقق: «عندما تجيب عن كل الأسئلة».

المحقق مدقق مالي مخضرم، يحسب نفسه قادراً على إدانة «مختلس محاصر بالأدلة». وكانت السرقات يومها تنبت مثل «ورد النيل»؛ عشبة ضارة تبدأ بقعةً صغيرة، لا تلبث أن تغطي النهر كله.

ضغط المحقق بالأسئلة، عرض أدلة على الطاولة، وقال المتهم: «عزيزي... لماذا تتعب نفسك؟ لدي مليون دولار احتياطياً لإخراجي من هذه الغرفة».

قال المحقق: «لا أقبل الرشوة». رد المتهم مندهشاً: «من قال إنها لك؟».

ساد صمت لدقائق. وقال المتهم: «استرح عزيزي».

انتهى الاستجواب.

يقول المحقق الذي تقاعد عام 2012، إن «القضية لا تزال مفتوحة»، ويأمل اليوم أن تفضي حملة اعتقالات بدأت منتصف يونيو (حزيران) الماضي، وطالت مسؤولين وسياسيين، إلى مصير مختلف.

لم يكن ذلك الاستجواب سوى نافذة على منظومة معقدة بمليارات الدولارات. تبين أن «مليون دولار» ليس مخصصاً لحماية أفراد، بل كيانات ظِل طورت نفسها، وباتت جزءاً مما يسميه مسؤول سابق «كتاب العراق الأسود».

على مدى سنوات، أنشأت أحزاب عراقية، ومعها فصائل مسلحة موالية لإيران، ما يعرف بـ«المكاتب الاقتصادية»، وظيفتها ابتلاع حصة من ريع النفط، تنقلها عقود وعمولات إلى محافِظ مالية غير رسمية. كان تجريمها قانونياً صعباً، ويُخشى من دفع ثمنها السياسي.

دولة المكاتب الاقتصادية

للمرة الأولى، يكشف تحقيق «الشرق الأوسط» عن خوارزمية «المكاتب الاقتصادية»، ينسج خيوطها أشخاص بمواصفات خاصة، وتنمو من حولهم خلايا من موظفين، وجيش مقاولين ورجال أعمال، داخل العراق وخارجه.

أظهرت شهادات خاصة لمسؤولين ومحققين سابقين ومحاسبين ونواب، أن الطريقة التي صممت بها تلك المكاتب سمحت لها، مع الوقت، بإنشاء نظام ذاتي يولد المزيد من المكاتب الفرعية، يستمد قوته من جماعات مسلحة ومن الانتخابات أيضاً، التي يصادف أنها تشكل السلطات في البلاد.

وشرحت إفادة نادرة لمستشار مطلع على هياكل حكومية، كيف تطورت «الاقتصاديات»، من نموذج بدائي بدأ يتشكل عام 2006 وصولاً اليوم إلى خوارزمية معقدة، مرت بثلاث مرحل من النمو والتكيف.

خلف هذا النظام، تجني إيران مكاسب من نفوذ الكيانات المالية الموازية، لتمويل «محور المقاومة» دون أن يعني ذلك أنها تحتكر الأرباح، لكن أهميتها تكمن في التغطية على أنشطة التهرب من العقوبات الأميركية.

تكشف الإفادة ذاتها عن مستويين من المكاتب، يمكن وصف الأولى بدرجة «كبار الشخصيات»، وتضم قادة أحزاب شيعية وسنية، يقتصر دورها على توقيع العقود وتحصيل نسب من الأرباح، تاركة مراحل التنفيذ للمستوى الثاني من المكاتب، ويمكن وصفه بـ«الدرجة السياحية»، الأوسع والأكثر تشعباً.

يسود اعتقاد بأن المتهمين الذين يخضعون للتحقيق منذ أسابيع، والأموال التي يعلن عن ضبطها، ينحصرون ضمن نطاق المستوى الثاني. ولا يزال الوقت مبكراً للقول إن السلطات تقترب من وكر الدرجة الأولى.

في 28 يونيو 2026، قدمت السلطات عرضاً مثيراً للقوة، باستخدام دبابات ومدرعات في المنطقة الخضراء، لمداهمة مقرات سياسيين في بغداد، واعتقلت العشرات.

العرض الذي وصفه سياسيون عراقيون بـ«الانقلاب» نال تسمية تمنح العملية طابعاً هجومياً ودرامياً: «صولة الفجر». بعد ذلك الفجر، نُفذت الاعتقالات اللاحقة بصمت، ودون استعراض.

وتتركز الاعتقالات على اثنين من كبار المسؤولين في قطاع الطاقة العراقي، هما وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية عدنان الجميلي، ووكيل وزارة النفط لشؤون التوزيع علي معارج. ويعتقد أنهما - أو أحدهما - حلقتان مفصليتان في برنامج إيراني لتهريب النفط والالتفاف على العقوبات الأميركية، إلى جانب تمويل جماعات مسلحة وحملات انتخابية للاعبين مختلفين.

الفساد ليس عاراً

لم يسبق أن نجحت حملات أطلقتها الحكومات المتعاقبة لمكافحة اختلاس الأموال، وفق صحافيين وسياسيين. غالباً ما تبدأ بإعلانات ضخمة عن الاعتقالات، ولا تنتهي بالمحاسبة أو إصلاح لوائح العمل في الإدارة الحكومية، ما عزز الانطباع بأن الحملات غطاء لتصفية حسابات بين أقطاب السلطة، أو لمعالجة أزمة داخلية.

يقول مسؤول حكومي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الأمر مختلف الآن، إلى الحد الذي دفع جهات دولية لمصارحتنا حين نتحدث عن أزمتنا المالية بسبب القيود الأميركية وإغلاق هرمز: الأموال حولكم، في كل مكان (...) ورائحتها قذرة».

منذ نحو عقدين، بدا أن الفساد لا يوصم أصحابه بالعار الاجتماعي، بل إن أثرياء تحوم حولهم الشبهات يعاملون كنجوم مجتمع، بينما وجد منتقدو أحزاب «الإسلام السياسي» أن التطبيع مع هذه الجرائم يعود إلى ما يُعتقد أنها فتاوى لا تحرم الاستحواذ على أموال الدولة أو مصارفها باعتبارها «مجهولة المالك».

يتداول سياسيون على نطاق واسع تقديرات متباينة لحجم الأموال التي يعتقد أنها اختُلست خلال العقود الماضية، بين عشرات ومئات المليارات من الدولارات. في الوقت نفسه، لا تبادر السلطات في كثير من الحالات إلى دحض أو تأكيد الأرقام المتداولة.

يقدر صادق الركابي، وهو خبير اقتصادي مقيم في لندن، حجم المبالغ التي استولت عليها «الاقتصاديات» بنحو 15.3 مليار دولار سنوياً من الموازنة. يقول إن عشرات الوسطاء والشركات شغلوا استثمارات لأصول الدولة بمئات مليارات الدولارات.

كانت الحكومة السابقة، برئاسة محمد شياع السوداني، شغلت منذ 2023، موازنة تغطي ثلاثة أعوام بنحو 450 مليار دولار، لكن رئيس الحكومة الحالي علي الزيدي يقول إنه تسلم الخزينة العامة وفيها نحو مليار دولار.

وجبة من الأموال النقدية ضُبِطت في أحد المنازل تعود لقضية الموقوف عدنان الجميلي (مجلس القضاء)

أشباح الوزارة

تبدو الفكرة التي هندست مكاتب الأحزاب شديدة التبسيط، لكن هذه البساطة هي أيضاً سر التعقيد؛ يصطفي الحزب أفراداً موثوقين، يمكن السيطرة عليهم، يديرون عمليات مالية تتطلب الحضور والتأثير في أماكن رسمية بوصفهم أشباحاً «لا يوقعون على أي وثيقة رسمية».

يقول محقق سابق، خرج من الخدمة قبل نحو عشر سنوات بسبب تهديدات، إن «أعضاء الاقتصاديات أشخاص يسهل توقعهم، مثل الدائرة العائلية الصغيرة لرئيس الحزب، لكن هناك أيضاً أولئك الذين لا يخطرون على البال (.....) زوجة السائق، ابن عم أحد أفراد الحماية، أو هذا المراهق الذي يثير الفوضى في الحي؛ شخص اختير لطيشه وقابليته للإغراء، لا لنفوذه».

مع الوقت، راكمت الأحزاب موارد بشرية بمهارات فريدة؛ فن التفاوض، معرفة بدهاليز البيروقراطية وحاجات السوق، قنوات خاصة إلى المصارف ومكاتب الصيرفة، وفنون النجاة من الرقابة والعقوبات.

غريزة النجاة ليست الصفة الوحيدة التي يجب أن يضمنها مسؤول «الاقتصادية». يقول زياد الهاشمي، وهو خبير اقتصادي مقيم في بغداد، إن «عليه أن يتمتع بعلاقات سياسية ورسمية واسعة، تشمل الشركات والوزارات والمديرين العامين. يمكنه أن يطرق باب الكبار في أي وقت حاملاً صفقة دسمة».

تتنافس الأحزاب للظفر بأفضل شخص يدير شبكتها المالية. يقول المستشار السياسي إن «مسؤول الاقتصادية هو اسم ينمو في الظل (...) قوة لا يستهان بها، لكنه يبقى في معظم الحالات تحت عباءة زعيم الحزب، والعلاقة بينهما شديدة الحساسية والغموض».

للمكتب الاقتصادي نفوذ ضارب بلا مسمّى رسمي. «قد يكون الوزير موظفاً لديهم»، كما يقول عضوان قياديان في تحالف «الإطار التنسيقي»، المظلة الشيعية للحكومة.

وبعد كل انتخابات في البلاد، تخوض الأحزاب مفاوضات لتشكيل الحكومة يبدو ظاهرها سياسي وعقائدي، لكنها في الجوهر ترسم حدود المكاتب الاقتصادية، وحصص أربع سنوات مقبلة، وفق نظام عرفي يحوّل المقاعد البرلمانية إلى نقاط تُستخدم لتوزيع الحقائب.

يقول مسؤول سابق طلب عدم ذكر اسمه: «منذ الأسبوع الأول لوصول الوزير (أو الوكيل أو المدير العام) إلى مكتبه، يتولى فريق من مكتب الحزب الاقتصادي التفاوض على عقود الوزارة (...) إذا سارت الأمور كما خطط لها، يقولون للوزير: وقع هنا». يضيف: «من النادر أن تتمكن مؤسسة حكومية من توقيع عقود بعيداً عن سطوة المكاتب».

«يمكن لمسؤول المكتب الاقتصادي طرق باب أي مسؤول، مهما كان، حاملاً صفقة دسمة»

يُفهم من هذا النظام أن الانتخابات لا تشكل الحكومات فقط، بل تعيد توزيع السوق بين الأحزاب. كما يفهم ضمنياً أن الوزير ومئات الدرجات الخاصة يشبه حارس مصرف يترك مفتاح الخزنة تحت الباب.

يفضل صادق الركابي وصف الاقتصاديات بأنها «المركز المالي غير المعلن» للمحاصصة السياسية. ومن وجهة نظره، فإن «خطورتها لا تكمن في سرقة المال العام بل في تشكيلها للدولة العراقية».

يقدر الركابي عدد «المكاتب الاقتصادية المرتبطة بالأحزاب بنحو 40 شبكة لديها قرابة 200 خلية نفوذ داخل الوزارات ومجالس المحافظات والبلديات والمصارف وغيرها من المؤسسات». ويقول، إن هذه الخلايا أنشأت أكثر من 1000 شركة واجهة أو مقاول مرتبطين بها».

حسب تجار شاركوا في هذا التحقيق، فإن شركات منخرطة مع مكاتب الأحزاب لديها «تجارة حقيقية، نظيفة أيضاً، لكنهم لا يعثرون على فرص حقيقية من دون مصافحة الذين يديرون تجارة قذرة».

ويقول نائب سابق لـ«الشرق الأوسط» إن «بعض الأحزاب خلقت رجال أعمالها. صنعتهم من بطانة الحزب تجاراً أصحاب نفوذ. بينما تمكن زعماء أحزاب من فرض شراكاتهم على رجال أعمال ناشطين أساساً في السوق». يضيف، «في مرحلة مبكرة كان العمل يزدهر بالتهديد».

لكن ثمة نوعين من رجال الأعمال كانا حصيلة سنوات من المكاتب الاقتصادية؛ الأول «جماعة رئيس الحزب»، وهم معفيون من الضرائب بامتيازات استثنائية وتسهيلات نادرة مع دوائر الحكومة، لكنهم يدفعون لتمويل مرشحي انتخابات وشركات ومحطات تلفزيون تقدم خدمات سياسية، بينما يعاني النوع الثاني، ويضم تجار القطاع الخاص، في الحصول على مستحقاتهم، التي وصلت حتى عام 2025 نحو 28 مليون دولار، حسب اتحاد المقاولين العراقيين.

الحال، أن عشرات المكاتب تستحوذ على نحو 10 في المائة من موازنة الدولة (نحو 15 مليار دولار سنوياً)، عبر مقاولين يوجهون العقود الحكومية، وأفراد يتحركون بين الدولة والأحزاب. دون أن يشمل ذلك حصتها من التهريب والاستيلاء على أصول القطاع الخاص.

موظفون بمصرف بغداد في حي الكرادة بالعاصمة يقومون بعدّ الأموال في يونيو 2004 (غيتي)

دورة المال... من الصيد إلى المأسسة

على مدى عقدين، مرت حركة أموال «الاقتصاديات» بثلاث مراحل تضمنت تقلبات وأساليب عمل مختلفة تكيفت معها الأحزاب. يقول صادق الركابي إن «عائدات الاختلاس في المرحلة الأولى، بين 2004 و2008، كانت تهرَّب إلى الخارج، لشراء عقارات أو أراضٍ أو فنادق». وفي المرحلة الثانية، بين 2010 و2014، اضطرت المكاتب إلى إنشاء مصارف محلية لإيداع أموالها المسروقة، دون أن توقف تهريبها إلى الخارج.

حسب الركابي، لعبت المصارف في تلك المرحلة دور «الوعاء الآمن» الذي يسمح بسحب الأموال بطريقة شبه رسمية، والاستفادة من فرق السعر في نافذة بيع العملة.

وبدأت المرحلة الثالثة منذ أن كشفت وزارة الخزانة الأميركية عن طرق غسل الأموال وتهريبها، وضُيِّق على المصارف وعلى خروج الأموال. يقول الركابي إن «المكاتب لجأت حينها إلى إنشاء شركات استجابت لحاجة السوق، مثل الشركات العقارية، والمولات التجارية، ومؤخراً أنشأوا مصانع صغيرة».

الحال، أن المصادر تتفق على أن «الاقتصاديات» نشأت أول مرة مع اندلاع أعمال العنف بين المجموعات المذهبية، حين أدركت أطراف النزاع أهمية مصادر التمويل في الحرب.

يقول ضابط سابق في الجيش الأميركي خدم في بغداد بين عامي 2004 و2007، إن «الأمر كان أشبه بصراع على الموارد بين أمراء حرب. يسطون على البضائع لشراء الأسلحة وتجنيد مقاتلين (...) أتذكر من مشاهدات تعود إلى ذلك الوقت، أن معمل مياه غازية - مثلاً - كان يمول فصيلاً سنياً. في الجهة الأخرى، كانت ميليشيا شيعية تتاجر في الأدوية». تطور الأمر لاحقاً إلى «الخطف من أجل الفدية».

أول نموذج واضح لهذه المكاتب ترسخ مع حكومتي إبراهيم الجعفري القصيرة ونوري المالكي الأولى بين عامي 2006 - 2010. كان بدائياً يلبي حاجات لا تختلف كثيراً عن تاجر مبتدئ في سوق كبيرة.

في هذا النموذج، يستحوذ الحزب على عقود الوزارة، يبيعها مباشرة إلى شركات تقوم بتنفيذها مقابل نسبة من الأرباح، قد تكون 30 في المائة.

قبل أن يتولوا مناصبهم، كانت الكوادر الحزبية أمضت سنوات طويلة في معارضة صدام حسين قبل عام 2003. وعندما دخلوا مؤسسات الدولة للمرة الأولى، تعاملوا مع لوائح إدارية لم يسمعوا عنها من قبل، وحضروا جلسات مع أشخاص يتفاعلون بلغة لم يألفوها طيلة مسيرتهم.

يضرب مسؤول سابق مثالاً بشخص كان يشغل موقعاً محورياً في مكتب رئيس حكومة قبل نحو عشرين عاماً، إنه سياسي قليل الحيلة الإدارية، صادف أن يجد نفسه في قلب مفاوضات تأسيسية لـ«العراق الجديد».

يقول المسؤول: «إن ممثل شركة النفط الأميركية (إكسون موبيل) كان لديه موعد مع رئيس الحكومة. قبل ساعة أخبرهم الشخص، وهو قيادي في الحزب الحاكم أيضاً، أن اللقاء حدث بالفعل في اليوم السابق، فلماذا تريد (أكسون موبيل) لقاء الرئيس مرة أخرى!».

حدثت فوضى وقلق في مكتب الرئيس؛ لماذا لشخصين يمثلان الشركة نفسها أن يكونا داخل المنطقة الخضراء، وقد يكون أحدهما منتحلاً للصفة؟

في النهاية، تبين أن رئيس الحكومة كان اجتمع مع ممثل إحدى شركات «الموبايل» أي الهاتف الخلوي. اختلط الأمر على موظف مكتبه، ظناً أن «إكسون موبيل» تعمل في الهواتف أيضاً، وليس النفط.

صحيح أن النموذج البدائي يبدو من الخارج متصدعاً، لكنه أنشأ نموذجاً للتقاسم في داخل النظام. كان من الصعب على حزب وزارة الصحة، على سبيل المثال، أن يقترب من عقود «الكهرباء». في السنوات اللاحقة تداخلت المكاتب والأحزاب.

 

مسؤول سابق خلط بين شركة «موبايل» و«إكسون موبيل» خلال ترتيب لقاء مع رئيس الحكومة

يشبه هذا النموذج «أسلوب الصيد»؛ لا يعرف الصياد أهمية الفريسة. يقول المسؤول السابق: «كانت المكاتب ساذجة في بدايتها، تبيع عقوداً دون أن تعرف مضمونها، كما أن بعضاً منها لا يُنفذ».

«كان لدينا أعمدة إنارة في مدينة الشعلة (غرب بغداد). محولات كهربائية في مدينة الصدر (شرق بغداد). حدائق عامة في الحلة (جنوب بغداد). شبكات مجارٍ في الموصل (شمال)، وأمثلة أخرى لمشاريع منفذة على الورق فقط». يقول مسؤول رقابي في وزارة التخطيط.

سيتطور هذا النموذج مع حصول الأحزاب على معرفة أكبر بدهاليز البيروقراطية. ليظهر الشكل الثاني من المكاتب وتزداد الأرباح.

يقول المستشار إن «قادة الأحزاب توصلوا إلى قناعة بأن بيع العقود للشركات يحرمهم من أرباح أكبر. أسسوا شركاتهم. تراكمت الخبرة. وارتفعت النسبة من 30 في المائة إلى 50 أو 60 في المائة».

وعندما بدأت الشركات الجديدة تنفيذ الأعمال، ظهرت مشكلات تتعلق بالتدقيق والحسابات والجودة، وتعثرت عقود أو لم يكتمل تنفيذها، بسبب سرقات أو فشل أو تلكؤ، وفق المستشار.

أظهر بحث في المصادر المفتوحة أن عدد المشاريع المتعثرة بين عامي 2008 وحتى دخول «داعش» إلى البلاد منتصف 2014، بلغ نحو 6 آلاف مشروع. وهي الفترة التي نضج فيها النموذجان الأول والثاني من «الاقتصاديات».

بعد انتهاء المعارك ضد «داعش»، وصعود نفوذ الفصائل، تنبهت جماعات متنفذة إلى أن مكاتبها تواجه مشكلات مع العقود التي أحالتها إلى شركاتها. تبين أن بيروقراطية الدولة المتجذرة منذ نحو قرن ليست سهلة، وأن الرقابة والتدقيق يستنزفان الوقت والمال.

خوارزمية الأرباح والكلف

على الفور، ابتكرت الأحزاب نمطاً لتكييف الاقتصاديات. ولِد الشكل الثالث من التطور. يقول المستشار: «جرى الاستغناء عن خيار بيع العقود مباشرة مقابل نسبة من الأرباح، وكذلك عن خيار تأسيس شركات تتولى التنفيذ بنفسها، والاتجاه إلى تأسيس شركات وهمية وسيطة. تتولى تسلم العقد من الحكومة، ثم تتفاوض مع المنفذ الحقيقي، وهو شركة متخصصة، للحصول على أفضل سعر».

بدلاً من الاكتفاء بالحصول على العقد وبيعه، أو إحالته إلى شركة تابعة قد لا تمتلك الخبرة أو الاختصاص أو المعرفة بإجراءات الدولة، تُنشأ شركة وهمية (مسجلة رسمياً)؛ تتسلم العقود، تحتفظ بها، وتدخل في مفاوضات تشبه المزايدة لاختيار شركة تدفع أفضل مقابل لقاء إحالة العقد إليها.

تعتمد هذه الآلية على اقتطاع نسبة من الربح المتوقع، وليس من القيمة الإجمالية للعقد. يجري احتساب الربح من الفرق بين الكلفة التخمينية وقيمة العرض الذي تقدمه الشركة. فإذا كانت الكلفة المقدرة للتنفيذ تبلغ 6 ملايين دولار، بينما قدمت شركة عرضاً بقيمة 16 مليون دولار، فإن هامش الربح المتوقع يبلغ 10 ملايين دولار.

ثم تبدأ المساومات بين الأطراف لتحديد حجم الربح النهائي؛ إذ قد يُعاد تقديره ليصبح 9 ملايين دولار أو 8.5 مليون بدلاً من 10 ملايين، وفقاً للتفاهمات.

بعد تثبيت الرقم النهائي للربح، تُحدد النسبة التي سيجري اقتطاعها منه. على سبيل المثال، إذا تم الاتفاق على اقتطاع 35 في المائة من ربح قدره 9 ملايين دولار، فإن المبلغ المقتطع يبلغ 3.15 مليون دولار.

يقول المحقق السابق إن «غالبية أوراق قضايا الفساد سليمة. لا أثر يربطها بأعضاء المكاتب الاقتصادية؛ لأنهم يبرمون عقوداً أصولية دون توقيع يدينهم».

ويرى أن «القضاء اليوم بحاجة إلى خبراء لتفكيك رموز الكلف التخمينية».

يمكن القول إن هذه الآلية معتمدة في مستوى «كبار الشخصيات» ضمن مرحلة توقيع العقود. بينما ثمة مكاسب في العمولات، وهي حصص متناثرة بين مقاولين ومكاتب حكومية تنتظر العقود عند مرحلة التنفيذ لـ«تسمين قطط جائعة».

يقول المستشار: «ثمة طرف في المستوى الأول يشعر دائماً بأنه أكبر الخاسرين. الوزير أو وكيل الوزارة الذي يوقع العقود، دون حصة ترضيه».

من هذا الوزير أو الوكيل تنشأ شبكة مصرفيين ووسطاء يبنون نفوذهم من مرحلة تنفيذ العقود. يقول المستشار، إن عدنان الجميلي الموقوف على ذمة اختلاس يمثل حلقة هامشية في المستوى الأول من مكاتب قادة الأحزاب، لكنه تحول إلى محطة أساسية لإنتاج مكاتب فرعية في المستوى الثاني».

ويظهر لاعبون جدد يؤمّنون حصصاً من شركات اشترت العقود من المستوى الأول للمكاتب، تنوي تنفيذها تحت رحمة المستوى الثاني.

يشرح المستشار السياسي الصفقة: «سيقول وسيط صغير للمسؤول: سنمنحك 1 في المائة أو 2 في المائة، أو مبلغاً مقطوعاً، أو ملياراً، بحسب الاتفاق، مقابل إكمال تنفيذ العقود».

صورة وزعها القضاء العراقي في 9 يوليو 2026 بعد ضبط نحو 12 مليون دولار تعود لقضية الموقوف عدنان الجميلي كانت مُخبَّأة في قناة لتصريف الامطار

كيف تجري العملية؟

تودع الشركة مبلغاً أو صكاً في مكتب صيرفة، لن تُصرف للمسؤول إلا بعد انتهاء تنفيذ العقد، الذي يمر عادة بمراحل إدارية عديدة تستوجب صرف سلف تنفيذية من الدولة.

في العادة، يبلغ مكتب الصرافة بأن الصرف يتوجب حضور أشخاص محددين. يقول وسطاء إن «الودائع قد تكون أيضاً على شكل صكوك، أو عجلات «تاهو شوفروليه» أو شقق في مجمعات سكنية فارهة».

يلعب الوسطاء دوراً محورياً بين المسؤول والشركات؛ إذ يتولون تسلم الأموال والاحتفاظ بها حتى تحقق شروط الرشوة، وفي بعض الحالات يكون الوسيط هو نفسه صاحب مكتب الصيرفة. إنهم حلقة وصل تجنب الاتصال المباشر بين الجهة الرسمية والشركة، لكنها مع الوقت تضخمت إلى حد إنتاج «أثرياء جدد».

في السنوات الأخيرة، برز لاعبون ماليون في ظلال المستوى الثاني من المكاتب الاقتصادية، يمكن تسميتهم بـ«أمين صندوق الرشاوى».

وذاع صيت «أمناء» في السوق المحلية، رغم أنهم جاؤوا من المجهول. من بينهم، كما تشير مصادر متقاطعة، الأخوان حسن ومحمد الكردي. يشاع على نطاق واسع أنهما غادرا البلاد ومعهما نحو 500 مليون دولار ترتبط بقضية عدنان الجميلي.

لم يصدر القضاء العراقي أي تعليقات بخصوص الأخوين الكردي، رغم أساطير حاكتها وسائل إعلام دون أدلة، حتى الآن. وقيل إنهما كانا يتحركان في العراق رفقة عشرات المسلحين لحمايتهما خلال توزيع الأموال. أما اليوم، فهما يتنقلان بين اليونان وفرنسا، حسب أنباء غير مؤكدة.

صورة وزعها الإعلام الحكومي في 2 يناير 2025 تُظهر رئيس الوزراء السابق محمد السوداني خلال افتتاح الوحدتين الرابعة والخامسة في مصفاة بيجي وإلى يساره عدنان الجميلي الموقوف على ذمة التحقيق وإلى يمينه وزير النفط السابق حيان عبد الغني (أ.ف.ب)

«الطفرة الوراثية»

تتفق مصادر حكومية على أن الجميلي وشبكته الواسعة يشكلان «طفرة وراثية» في مسار الاقتصاديات. بدأ الرجل حياته المهنية موظفاً عادياً في وزارة النفط، قبل أن يتدرج في مصفاة بيجي (شمال بغداد)، التي ستصبح لاحقاً ملعبه المفضل.

عام 2023، فاوض حزب سني متنفذ حلفاء شيعة في «الإطار التنسيقي» على منصب مدير مصافي الشمال، الذي يشرف على بيجي، وأصبح من نصيب الجميلي الذي كان «شق طريقه قبل ذلك تحت عباءة فصيل شيعي متنفذ»، على ما تقول مصادر متقاطعة.

خلال عام واحد، أصبح وكيلاً لوزارة النفط، وخلال عامين حصل على تخويل مطلق بالعقود. ومن يومها، عثر الجميلي على منجم في بيجي.

كان الجميلي واحداً من خمسة مسؤولين، بينهم شخص يوفر الحماية الأمنية للجميع، يشكلون ما يشبه مجلس إدارة «اقتصاديات» المصافي، على حد وصف مسؤول سابق.

تحول هذا المكتب سريعاً، بقيادة الجميلي، إلى «موزع خدمات متعددة الأطراف». ومع الوقت، تجاوزت ممارساته الحدود، فأُحيلت عقود إلى جهات متعددة، وصُرفت أموال من دون تنفيذ المشاريع، وكان معظم ذلك يتعلق بمصفاة بيجي.

بهذا المعنى، أصبح الجميلي رجل الجميع، القوى الشيعية والسنية. ثم حدثت «فظائع لا تصدق» على حد وصف مسؤول نفطي سابق.

تنتج منشأة بيجي النفطية نحو 150 ألف برميل من المشتقات يومياً، وهو نحو نصف طاقتها، بسبب أضرار طالتها خلال سيطرة «داعش». وبعد استعادتها عام 2017، تحولت إلى ساحة صراع بين الفصائل الشيعية التي تقول إنها شاركت في معارك التحرير، كما نشأت حولها جهات محلية لعبت دوراً في تهريب الوقود، والاستحواذ على عقود الإنتاج.

 

وكيل الوزارة الموقوف، عدنان الجميلي، واحد من 5 شخصيات تدير «اقتصادية» لتهريب النفط

في واحدة من العقود التي أدارتها شبكة الجميلي، وبحسب شهادة عناصر أمن ومسؤولين سابقين، نفذت المنشأة عقداً لشراء مضخات وكابسات من رومانيا تضم «مضخات وكابسات» بنحو 450 مليون دولار، رغم أنها لم تكن متوافقة مع البنية الإنشائية في بيجي.

يقول مسؤول سابق في النفط: «وصلت المعدات إلى بيجي وهي خارج الخدمة، بسبب التقادم. كان من المفترض أن تساعد في إنتاج البنزين الأبيض الذي تبين أنه غير مطابق للمواصفات».

يقول موظفون إن «المعدات أدخلت في ورشة لطلائها وإخراجها على أنها جديدة». ويضيف أحدهم: «ركنت جانباً لأنها لم تكن تعمل».

وبعد تزايد الشبهات، صادف أن تتعرض منشأة بيجي إلى قصف بطائرات مسيرة، دمرت موقعاً كان يضم المعدات نفسها. يعتقد أن الهجوم نفذ خلال يوليو (تموز) 2025، دون تسجيل إصابات بشرية، حسب السلطات المحلية.

لم نحصل على تأكيدات من وزارة النفط، أو إدارة المصفاة بشأن العقد الروماني، أو المسيرة التي دمرت المضخات، لكن مسؤولين في قطاع الطاقة، طلبوا التحفظ على هوياتهم، أكدوا إبرام العقد، وكشف أحدهم عن أن «شراء المعدات كان أساساً لتعويض وحدات إنتاجية تم تهريبها في ظروف غامضة بعد معارك (داعش)، ونقلت لاحقاً إلى موقع مجهول».

دفتر الجميلي الأزرق

يقول مسؤول نفطي سابق إن «الجميلي تمكن خلال فترة قياسية منذ عام 2023 من تمرير عقود لمصافي الشمال بنحو 4 مليارات دولار، تضمنت شراء معدات لا تطابق مواصفات المنشآت النفطية العراقية».

تشير هذه الوقائع إلى أن «الطفرة الوراثية» في طريقة عمل الجميلي تعود أساساً إلى تغييرات كبرى في موازين القوى السياسية. يقول المستشار المطلع إن «الجميلي تحول إلى مكتب اقتصادي بديل لتحالف سياسي كان صاعداً بقوة خلال الانتخابات الأخيرة، لم تكن لديه خبرة سابقة في مجال المكاتب الاقتصادية، قبل تشكيل حكومة محمد شياع السوداني».

نقل سياسيون أخيراً أن عدنان الجميلي كان يتلقى طلبات مكتوبة بخط اليد من زعيم التحالف السياسي لدفع تمويل حملات انتخابية لمرشحيه. وقال أحدهم إن «طلبات التمويل تصل أحياناً إلى 150 مليون دينار، بينما تذكر روايات أرقاماً مختلفة، مثل 200 أو 500 مليون».

يقول مصدر موثوق إن الجميلي كان يسجل هذه الطلبات في «دفتر أزرق»، ويؤكد مصدر قضائي أنه «بات الآن دليلاً لتعقب الأموال والأسماء والشبكات».

صورة جوية وزعها الإعلام الحكومي في يناير 2025 تُظهر مصفاة بيجي النفطية شمال بغداد (أ.ف.ب)

حيتان العراق في بركة النفط

لا يملك العراق سوى بحر النفط. ولم تعرف الجماعات العراقية غير السباحة فيه. مع عشرات الفصائل، وميزانيات مليارية، تحول السباحون إلى تماسيح في بركة سوداء.

يقول وزير سابق، لـ«الشرق الأوسط»، إن «العراق يبيع النفط مرتين، بشكل رسمي. ومرة عبر شبكات التهريب».

لكن تهريب وقود «النفط الأسود» هو تجارة الظل التي تربط شبكات متداخلة من الاقتصاديات. يستخدم هذا الوقود مباشرة في محطات توليد الكهرباء والأفران الصناعية، كما يعاد تكريره أو معالجته لإنتاج مشتقات أبرزها الديزل.

تخصص الحكومة كميات من النفط الأسود لبيعه إلى السوق لتأمين حاجة محلية، لا سيما معامل الأسفلت. ويتراوح سعر الطن من هذا الوقود بين 100 دولار و250 دولاراً، حسب تسعيرة تغيرت مع تعاقب الإدارات.

حسب شهادات موثقة، تقوم شبكة مهربين يشرف عليها تحالف من مكاتب اقتصادية لفصائل وأحزاب في «الإطار التنسيقي» وقوى في «المجلس السياسي» السني، بتهريب جزء من «النفط الأسود» إلى موانئ إقليمية عبر وسطاء، ومزج الجزء الثاني مع زيت وقود إيراني لتصديره بأوراق عراقية.

يقول مصدران، ومسؤول سابق في وزارة النفط، إن «التهريب المزدوج» حقق لـ«الاقتصاديات» أرباحاً تقدر بنحو 2 مليار و600 مليون دولار سنوياً، بين 2023 و2025.

خلال هذه الفترة، وفق المصادر، تعاظمت تراخيص معامل الأسفلت، بالتزامن مع تخفيض السلطات سعر طن «النفط الأوسط» من 250 دولاراً إلى 100 دولار.

وتواصلت «الشرق الأوسط» مع مسؤولين تولوا مناصب خلال تلك الفترة، إلا أنهم امتنعوا عن التعليق حتى يوم النشر.

الحال، أن «الاقتصاديات» تقوم بعمليتين متزامنتين في تجارة «النفط الأسود»؛ تضخيم حاجة معامل أسفلت موجود فعلية للحصول على الفائض، وشراء زيت الوقود من الدولة لصالح معامل وهمية على الورق فقط.

وحسب 3 مصادر، فإن «النفط الأسود المهرب الذي لا يجد طريقه إلى المعامل المحلية، ينقل عبر وسطاء وشركات إلى موانئ العراق لتحميله». يقول أحد المصادر إن ميناءً إقليمياً خصص مصفاة لتلقي شحنات مهربة من النفط الأسود العراقي.

وفشلت مساعي السلطات على مدى سنوات في كبح نشاط تهريب النفط الأسود، سوى محاولات يتيمة لوزراء سابقين من خلال رفع السعر الحكومي.

معركة النفط الطاحنة

يقول سياسي في تحالف «الإطار التنسيقي» إن تداخل مصالح الاقتصاديات كان ينعكس على المفاوضات السياسية بعد الانتخابات، من خلال هندسة مناصب معنية بملف النفط، وتوزيع وسطاء وتدويرهم داخل المؤسسة، وهو ما يفسر المعركة الطاحنة على الوزارة»، كما يقول قيادي في «الإطار التنسيقي».

ولا تقتصر شبكات المصالح المرتبطة بالطاقة على تجارة المشتقات النفطية، مثل زيت الوقود، بل امتدت أيضاً إلى تعاملات مرتبطة بالنفط الخام. تشير مصادر مطلعة إلى علاقات عمل شركات مرتبطة بـ«خاتم الأنبياء»، الذراع الهندسية التابعة لـ«الحرس الثوري» ومسؤولين عراقيين لتسهيل تهريب النفط الإيراني بأوراق رسمية عراقية.

كانت الولايات المتحدة قد فرضت، في مايو (أيار) 2026، عقوبات على علي معارج، وكيل وزارة النفط، إلى جانب قيادات في «عصائب أهل الحق»، على خلفية استغلال منصبه، لتسهيل تحويل مسار النفط العراقي وبيعه لصالح إيران، مشيرة إلى أنه مكّن من خلط النفط الإيراني مع العراقي وتقديم وثائق ساعدت على تسويق المزيج.

معارج هو أحد الذين شملتهم اعتقالات نفذتها القوات العراقية، وفق مذكرة قبض في يونيو 2026. يعتقد أن الرجل أحد من تعتمد عليهم إيران في الالتفاف على العقوبات الأميركية.

لكن كيف تحصل إيران على أموالها من مبيعات النفط العراقي؟ لقد ظل هذا السؤال واحداً من الثقوب السوداء. يزعم محقق سابق ومحاسب متقاعد عملا في وزارتي التخطيط والمالية، إنهما ظلا يشكّان لسنوات في أوامر صرف أصولية تستند إلى الموازنة العامة لكن الأموال تختفي. يعتقدان أنها تنقل سراً إلى إيران.

لم تظهر أدلة على ذلك، ويقول مسؤولون عراقيون إن «العثور عليها صعب للغاية».

لقطة مأخوذة من فيديو وثَّقه ناشطون لدبابة عراقية داخل المنطقة الخضراء بالتزامن مع اعتقال مسؤولين بتهم فساد

«بعض المقاومين أميركان في طباعهم»

من المستبعد أن يسيطر «الحرس الثوري» تماماً على تشكيل الاقتصاديات، لكنه ليس بريئاً حين يستثمر معها في العراق مستغلاً نفوذه.

يقول سياسيان شيعيان إن «لإيران مكاتبها الاقتصادية الخاصة». في السنوات الأخيرة تدفق رجال أعمال وشركات تعمل لصالح «الحرس الثوري» إلى السوق العراقية، وحصلوا على عقود بامتيازات كبيرة. ينطبق الأمر ذاته على رجال أعمال لبنانيين شغلوا مصالح في قطاع الفنادق والصحة لصالح «حزب الله».

يقول عضو سابق في التحالف الشيعي، إن الحزب اللبناني كان «يحدد من هم التجار الذين يحق لهم العمل في العراق، بناءً على الولاءات والعمولات».

وفق الشهادة، فإن إيران «تطمئن إلى أن استثمارات (حزب الله) في العراق ستنتهي لصالح محور المقاومة، بينما لا تستطيع مواكبة جشع حلفائها في العراق»، على حد تعبيره.

ويقول إن «قادة (الحرس الثوري) يشبِّهون مسؤولي الفصائل العراقية الذين حققوا طفرات هائلة على المستوى المالي، بأنهم أميركيون في طباعهم».

مع ذلك، أعجب بعض رجالات «الحرس» بالتجربة العراقية.، وأنشأوا شبكات مالية، ونسجوا علاقات مع مكاتب الأحزاب، لتختلط أدوار «المقاومة» بتجارة تزدهر في ظلالها، حسب تعبير العضو الشيعي.

لكن إيران الرسمية تحقق أرباحاً من العلاقة الوثيقة مع العراق؛ حيث قفزت صادراتها بين عامي 2018 و2025 من نحو 4.5 مليار دولار إلى 11.2 مليار دولار، وفق بيانات إدارة الجمارك، قسم من هذه المبالغ يشمل صادرات الكهرباء والغاز إلى العراق.

 

«حزب الله» اللبناني كان يحدد التجار الذين يحق لهم العمل في العراق «بناءً على الولاءات والعمولات»

مع ذلك، ثمة فوائد تجنيها إيران من مكاتب الظل في العراق. يقول نائب سابق إن «الإيرانيين يستقطعون مبالغ من قادة الأحزاب كما لو أنها جباية لدعم أشخاص محور المقاومة».

وحسب النائب الذي طلب عدم ذكر اسمه، فإن «مسؤولين في (الحرس) كانوا يتصلون بقادة أحزاب عراقية يطلبون تجهيز ملايين الدولارات وتسليمها إلى ممثلين عن حركة (حماس) أو جماعة الحوثي».

يقول النائب: «كان يأتي اتصال يقول: يا حاج... جهز خمسة ملايين دولار. سيأتي شخص إلى مكتبك يأخذها».

ويستخدم «الحرس الثوري» نفوذه لتحسين حظوظ مرشحين عراقيين مقربين في الانتخابات. وخلال مقاطعة المصادر والشهادات، تبين أن «ضباطاً إيرانيين سحبوا نحو 15 مليون دولار من المكاتب الاقتصادية ما بين أغسطس (آب) ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025 لدعم حملات انتخابية لمرشحين بعينهم». يقول النائب السابق إن «قادة الأحزاب لا يردون في الغالب هذه الطلبات».

خلال الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، طرح العراقيون أسئلة حول مستقبلهم الاقتصادي بعدما وجدوا أنفسهم أمام ضائقة مالية حادة، لم يكن إغلاق مضيق هرمز سببها الوحيد، بل الأدوار المركبة التي لعبها النفوذ الإيراني والمكاتب الاقتصادية.

يقول مسؤول سابق في «جهاز الرقابة»، غادر البلاد عام 2018 بسبب تهديدات، إن «الأمر كان يشبه حيتاناً صغيرة تأكل من بطن حوت كبير... الحوت الكبير أصبح مريضاً اليوم».

صورة وزعها القضاء العراقي للقاضي فائق زيدان (الثاني من اليسار) وهو يعاين سبائك ذهبية تم ضبطها في قضية الموقوف عدنان الجميلي

«صولة فجر» لإعادة تركيب العراق

تفيض وسائل الإعلام بصور لأموال نقدية «كاش» مخبأة في منازل ومزارع، بعضها مخبأ تحت الأرض، بل وحتى في قنوات تصريف المياه.

يقول محقق سابق: «كل ما نراه الآن لم يكن ذا قيمة بالنسبة للموقوفين (...) هذه الأموال فشلت في أن تدخل السوق وتتحول إلى أصول». ويعتقد أن «هذه الأموال استعادت قيمتها حين استعادتها الدولة».

ويُرجع الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي احتفاظ المتهمين الذين تم اعتقالهم بهذه الأموال نقداً إلى «صعوبة كشفها أو إظهارها بطريقة رسمية بسبب المتابعة والرصد، مع تعذر الحصول على أوراق رسمية يمكن من خلالها تبييض هذه الأموال».

السبب الأكثر منطقية لوجود هذه الكتلة النقدية، من وجهة نظر الهاشمي، هو حاجة الاقتصاديات إلى السيولة لدفع الرشاوى والعمولات، وربما دفع حتى الإتاوات، والتنسيق مع أطراف محلية وإقليمية ومكاتب منافسة.

يقول الهاشمي: «وجود الكاش (النقد) يسهل كثيراً من إنجاز المهام التي تتطلب عمليات دفع سريعة ومباشرة لإنجاز الأعمال».

ورغم المبالغ الطائلة التي استعادتها السلطات، يبدي النائب السابق سجاد، الذي قضى سنوات في معارضة نفوذ الفصائل، شكوكاً في أن عملية «صولة الفجر» ستبلغ حدوداً أكبر.

يشكك كثيرون في أن اعتقال الوسطاء يشكل فارقاً، نظراً لسعة المكاتب وتعقيدها. يقول قاضي تحقيق سابق: «مع هذه الطبقات المتعددة والمتراكمة من صيغ التكيف والاحتيال، كان بعض المتهمين لا يعرف موقعه ودوره في الصورة الكبرى (...) إنهم كأفراد فاعلون في سلسلة معقدة تنتهي إلى زعيم حزب أو مجموعة زعماء».

ويقول سالم: «الاعتقالات التي شنتها السلطات أخيراً تطارد أدوات المكاتب الاقتصادية، بينما سيتطلب الأمر تفكيك البنى التحتية للمكاتب الاقتصادية».

لكن مصدراً، طلب التحفظ على اسمه، قال إن «المحققين يتعاملون مع قضية معقدة، سيكون حلها وتتبع أطرافها ممكناً؛ لأن الوسطاء، رغم أنهم ليسوا الحلقة النهائية، يحملون مفاتيح الوصول إلى الطبقات العليا في الشبكة».

وبالنظر إلى خريطة المكاتب، فإن الاعتقالات المعلنة حتى اليوم تتركز على المستوى الثاني، دون أن تقترب من مستوى الكبار. ما يفسر توقعات مسؤولين بأن العملية تستهدف «إعادة تجميع للكتلة النقدية لمعالجة أزمة مالية، وسداد التزامات حكومية مثل الرواتب».

لكن ثمة مؤشرات قد تغير مسار العملية؛ ففي 12 يوليو 2026، قالت وسائل إعلام محلية إن قوة أمنية داهمت منزل وزير العمل والشؤون الاجتماعية السابق أحمد الأسدي في العاصمة بغداد، مؤكدة أنه لم يكن موجوداً داخل المنزل في أثناء تنفيذ العملية.

لم يرد أي تعليق من مجلس القضاء الأعلى بشأن الأسدي، لكن اعتقاله يقرب العملية من مستوى أكبر من النفوذ، لا سيما أنه يقود فصيل «جند الإمام» في «الحشد الشعبي»، كما أنه أحد أعضاء «الإطار التنسيقي» الحاكم.

 

«المحققون العراقيون يتعاملون مع قضية معقدة سيكون حلُّها ممكناً، لأن الوسطاء يحملون مفاتيح الطبقات العليا في الشبكة»

ولا يفضل صادق الركابي التركيز على الأفراد وحسب، وإنما على النظام المالي والإداري للتدفقات وإعادة هندسة مسار الإيرادات المالية. وحتى مع الضغط الأقصى الذي تمارسه الولايات المتحدة الأميركية أو أي جهة أخرى، لا يمكن إسقاط المكاتب الاقتصادية بشكل مباشر.

لقد حمل رئيس الحكومة علي الزيدي وعوداً كبيرة إلى واشنطن حين زارها منتصف يوليو، بينما تنظر الإدارة الأميركية من بغداد إلى «فصل المكاتب الاقتصادية عن الدولة، بالقدر الذي يحرم إيران من الموارد العراقية»، كما يقول المستشار العراقي.

قد يجيب هذا التفسير عن سؤال: أي فساد تستهدفه الحكومة؟ الآن، تكمن صعوبة الموقف علي الزيدي في الكيفية التي يريد فيها إنهاء العملية. يقول الركابي إن «الأمر يتطلب دعماً دولياً، وهو ما يحصل عليه، كما يستلزم زخماً من القضاء وقد حصل عليه. لكن ضرب البنية يحتاج إلى جرأة وحنكة حتى لا يكون الاستهداف مباشراً للجميع دفعة واحدة».

لكن، بالنظر إلى تركيبة المكاتب الاقتصادية، التي طوّرت آلياتها مستفيدة من ظروف وحاجات مختلفة، تتحرك «صولة الفجر» في «أذناب» الشبكة دون أن تصل حتى الآن إلى الخوارزمية. سيبدو القضاء عليها دفعة واحدة بمثابة صدمة تحدث تغييرات جوهرية في النظام السياسي. وبدلاً من ذلك، تمضي داخلياً نحو ميزان قوى جديد بديناميكيات جديدة من خارج «الإطار التنسيقي». أما بالنسبة إلى الإدارة الأميركية، فإنها ستحصل، غالباً، على هامش أوسع لرسم حدود النفوذ الإيراني، بإخلاء مساحة آمنة لاستثمارات واعدة.

 


مقالات ذات صلة

«فاتف» تُبقي لبنان على «القائمة الرمادية» وتطالبه باستكمال إصلاحاته

الاقتصاد اجتماع الهيئة العامة لمجموعة العمل المالي في باريس (المجموعة)

«فاتف» تُبقي لبنان على «القائمة الرمادية» وتطالبه باستكمال إصلاحاته

أبقت مجموعة العمل المالي «فاتف» لبنان على قائمتها الرمادية للدول الخاضعة للمتابعة المعززة، رغم إقرارها بالخطوات التي اتخذتها السلطات اللبنانية منذ أكتوبر 2024.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبِلاً رئيس الحكومة الإسبانية في 20 يوليو الماضي (الرئاسة الجزائرية)

فصل جديد من التوتر يطغى على علاقات الجزائر بمدريد

النيابة العامة لدى المحكمة الوطنية الإسبانية ترفض طلب السلطات الجزائرية تسليم رجل الأعمال والمعارض الجزائري أيوب عيسيو.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الاقتصاد أحد الاجتماعات السابقة لمجموعة العمل المالي (المجموعة)

«فاتف»: تحسن ملحوظ في مكافحة غسل الأموال بتركيا

قالت مجموعة العمل المالي إن تركيا عززت حربها ضد غسل الأموال وتمويل الإرهاب، لكنها تحتاج إلى بذل المزيد من الجهد لتتبع العائدات الإجرامية عبر الحدود.

«الشرق الأوسط» (غدانسك (شمال بولندا))
شمال افريقيا محافظ المصرف المركزي الليبي ناجي عيسى خلال اجتماع سابق مع اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال (المصرف المركزي)

انتشار الفوضى ينعش جرائم «غسل الأموال» في ليبيا

تسلط تحويلات وإيداعات مصرفية مشبوهة تجاوزت قيمتها 24 مليون دينار ليبي الضوء مجدداً على اتساع مخاطر غسل الأموال في ليبيا.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا وفدا وزارتي العدل الجزائرية والفرنسية بحثا بالجزائر تسليم أعضاء «مافيا دي زاد» في مايو الماضي (وزارة العدل الجزائرية)

الجزائر تلاحق بارونين من شبكة «مافيا دي زاد» بتهم ثقيلة

وجَّه الادعاء الجزائري ثلاث تهم يشملها قانون العقوبات لعضوين قياديين من شبكة «مافيا دي زاد»، وأودعهما الحبس الاحتياطي في انتظار استكمال التحقيق.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

أثر الدومينو في احتجاجات أوروبا... انتفاضات قد تغير وجه الاتحاد

متظاهر يرفع إشارة النصر على خلفية من نيران ودخان متصاعد خلال احتجاجات في مدينة نانت الفرنسية (أ.ف.ب)
متظاهر يرفع إشارة النصر على خلفية من نيران ودخان متصاعد خلال احتجاجات في مدينة نانت الفرنسية (أ.ف.ب)
TT

أثر الدومينو في احتجاجات أوروبا... انتفاضات قد تغير وجه الاتحاد

متظاهر يرفع إشارة النصر على خلفية من نيران ودخان متصاعد خلال احتجاجات في مدينة نانت الفرنسية (أ.ف.ب)
متظاهر يرفع إشارة النصر على خلفية من نيران ودخان متصاعد خلال احتجاجات في مدينة نانت الفرنسية (أ.ف.ب)

عندما كان غوستاف فلوبير على فراش نزاعه الأخير يستعرض ما أحدثته الثورة الصناعية من تداعيات اجتماعية وسياسية أدّت إلى ظهور الحركات والنقابات العمالية والأحزاب الاشتراكية، واتساع المد الإمبريالي والاستعماري في أفريقيا وآسيا، في حين كانت تتشكّل التحالفات العسكرية التي تسببت لاحقاً في نشوب الحرب العالمية الأولى، قال كاتب «المراسلات» (1863) الذي عرف برفضه «الهوس باستخلاص أحكام نهائية»: «يتعرّض العالم، بين فترة وأخرى، لسيل جارف من الأحداث يقوّض الدعائم الراسخة منذ عقود ويهزّ المسلّمات التي تركن إليها المجتمعات في استقرارها».

الأحداث التي تتدفق سيولها في معظم بلدان العالم الغربي، خصوصاً في أوروبا منذ مطالع هذا القرن، بالتزامن مع مخاض جيوسياسي وإعادة تشكيل للتحالفات والمحاور الدولية، تنذر باهتزازات قوية في أكثر من اتجاه وعلى غير صعيد، وتؤشر إلى عصر جديد يقوم على أنقاض التوازنات التي استقرّ عليها العالم منذ نهاية الحرب العالمية إلى اليوم.

زجاج مكسور بفرانكفورت بعد احتجاجات شهدت عنفاً نظَّمتها مجموعات شبابية تحمل اسم «الجيل زد قادر» في ألمانيا (أ.ف.ب)

غضب واحد بأسماء كثيرة

تحمل تلك الأحداث أسماء متعددة، بلا روابط أو قواسم مشتركة هيكلية ظاهرة بينها، مثل الإصلاحات الهيكلية وتقليص الخدمات الاجتماعية واتساع الفجوة بين الفقراء والأغنياء وانسداد الأفق أمام الشبّان، وتزايد المخاوف من تدفقات الهجرة، واتساع دائرة القلق من تداعيات الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن انتفاخ الإنفاق العسكري والأمني وضمور المال العام المخصص للخدمات الصحية والتعليم، وتضع المشروع الأوروبي الذي قام على الرخاء والأمن والاستقرار أمام أصعب اختبار في تاريخه الحديث.

من فرنسا إلى بلجيكا وصربيا وألبانيا، ومن إسبانيا إلى إيطاليا والبرتغال واليونان، تتزامن الاحتجاجات الغاضبة في المدن، لكن تتباين دوافعها من غير أن تشكّل حتى الآن حركة موحدة على امتداد الاتحاد. طلاب ومزارعون وعمّال، إلى جانب مواطنين عاديين ومنظمات بيئية ونسائية، ومراهقين دون الخامسة عشرة من العمر، يتدفقون في الشوارع للإعراب عن سخطهم إزاء الإجحاف الذي يلحق بهم جراء التفاوت الصارخ في توزيع تكلفة التحولات الاقتصادية والسياسية وتحمّلهم القسط الأكبر من تداعياتها.

وقد أظهرت «الجولات» الأولى من هذه الاحتجاجات، في مدريد وباريس وميلانو وتيرانا، أنها قابلة لأن تتحول بسرعة ومن غير دوافع واضحة، موجاتٍ من العنف تؤججها أجندات سياسية متطرفة ومناخ سياسي شديد التوتر، وتدفعها نحو مواجهات يمكن أن تخرج بسهولة عن السيطرة.

منذ أشهر حذّر «المرصد الاجتماعي» التابع للمفوضية الأوروبية من أن ثمة مؤشرات متراكمة تدلّ على وجود أرضية خصبة في بلدان الاتحاد لاندلاع موجات احتجاجية بسبب ظروف اقتصادية ومعيشية شتى، وأن جهات داخلية وخارجية متعددة قد تستغلها للتعبئة على أبواب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، أو لزعزعة الاستقرار في الدول الأعضاء وتقويض الثقة بالمشروع الأوروبي الذي يمرّ في أحرج المراحل منذ تأسيسه.

متظاهر يرتدي قناعاً في مسيرة احتجاجية بمرسيليا تزامنت مع احتفالات «هالوين» ضمن موجة تظاهرات صاخبة عمَّت أرجاء فرنسا (أ.ف.ب)

«عدوى» الاحتجاجات والانتخابات

أضواء الإعلام الكاشفة بقيت خافتة إلى أن بدأت موجة الاعتصامات في إسبانيا احتجاجاً على أزمة المسكن، واندلعت بعدها المظاهرات العنيفة في المدن الفرنسية الكبرى، بالتزامن مع احتجاجات غير مسبوقة في ميلانو وبروكسل ولشبونة وتيرانا. لكن بلداناً أوروبية عدة كانت تشهد منذ أشهر احتجاجات متفرقة يقطع فيها المزارعون بجراراتهم الطرق المؤدية إلى المدن، وتعلن النقابات العمالية إضرابات عامة، ويخرج المواطنون إلى الشوارع ضد ارتفاع الإيجار وغلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وتدني الخدمات الاجتماعية. تحركات قد تبدو في ظاهرها فروعاً من تيّار واحد، لكن في الواقع لكل منها دوافع وأسباب مختلفة، وأحياناً متضاربة.

الغضب الذي انفجر في شوارع المدن الفرنسية الكبرى كان جمراً يتقد تحت الرماد منذ فترة طويلة، وكان اندلاع شرارته متوقَعاً مع اقتراب موعد استحقاق الانتخابات الرئاسية التي قد تغيّر وجه فرنسا التي تشكل الاحتجاجات العنيفة سمة رئيسية في حراكها الاجتماعي منذ عقود، وغالباً ما تنتقل عدواها بسرعة إلى الجوار، كما حصل في بلجيكا، حيث كان الاستياء الطلابي يغلي على نار خفيفة منذ أشهر، إلى أن انفجر بعد إقرار الموازنة العامة الأخيرة التي تضمنت دفعة جديدة من المساعدات المالية والعسكرية لأوكرانيا، مُقتطَعة في معظمها من باب الخدمات التعليمية والاجتماعية. في إسبانيا، لم يكن انفجار أزمة المسكن وما رافقها من اعتصامات، سوى امتداد طبيعي للاحتقان الشديد الذي يشهده المناخ السياسي الإسباني منذ فترة طويلة، واحتدامه بعد الإعلان عن إجراء انتخابات مسبقة أواخر الشهر الحالي، وهو مناخ كان توتر إلى أقصى الحدود إثر أزمة تدفق عشرات آلاف المهاجرين غير الشرعيين من المغرب الصيف الماضي.

متظاهر ضد غلاء المعيشة في ليون الفرنسية مرتدياً زي الملكة ماري أنطوانيت ورافعاً لافتة تحمل عبارتها الشهيرة «اعطوهم البسكويت» (أ.ف.ب)

وفي إيطاليا الموعودة بانتخابات أخرى حاسمة في الربيع المقبل، ترتفع حرارة المواجهة السياسية يوماً غبّ اليوم بعد التنامي السريع للحزب اليميني الجديد الذي ينافس، في التطرف، الحكومة الحالية التي تقودها زعيمة حزب «إخوان إيطاليا» اليميني المتطرف جورجيا ميلوني، وبعد أن استشعرت القوى والأحزاب اليسارية إمكانية الفوز في الانتخابات المقبلة، فقررت تصعيد المواجهة الشعبية وتأجيج الاحتجاجات التي خلّفت أضراراً جسيمة في ميلانو منذ أسبوع، ثم عادت وعمّت معظم المدن الإيطالية، الجمعة الماضي، الذي كانت النقابات العمالية أعلنت فيه الإضراب العام، وتخللته اضطرابات كانت أعنفها تلك التي شهدتها العاصمة روما.

احتفالات في وسط بلغراد بعد فوز الحزب التقدمي الصربي و«لائحة الطلاب» بالانتخابات إثر حركة احتجاجية سلمية دامت قرابة سنتين (رويترز)

صربيا... ومثابرة الطلاب

وبينما كانت المظاهرات والاحتجاجات تتوالى في البرتغال واليونان وألبانيا ضد تراجع الخدمات الاجتماعية وغلاء المعيشة وأزمة السكن، كانت المفاجأة الكبرى تعتمل في صربيا التي كان طلابها يواصلون احتجاجاتهم السلمية وتعبئتهم في جميع أنحاء البلاد بإصرار لافت منذ نحو السنتين، عندما أجبروا رئيس الجمهورية ألكسندر فوفيتش على الاستقالة والدعوة لإجراء انتخابات مسبقة. لكن المفاجأة لم تقتصر على ذلك فحسب، بل تحولت رسالةً وإنذاراً إلى دول البلقان الأخرى، وإلى الاتحاد الأوروبي، عندما قرر الطلاب خوض تلك الانتخابات بلائحة لا تحمل أي شعار سياسي، ضمّت مرشحين لم يسبق لهم أن خاضوا المعترك السياسي ومعظمهم من الأشخاص غير المعروفين في الأوساط الاجتماعية، واستطاعوا أن يحققوا فوزاً واضحاً على حزب فوفيتش الذي كان ترشح على رأس لائحته لمنصب رئيس الوزراء؛ لأن الدستور الصربي يمنع ترشحه لولاية رئاسية ثالثة.

وكانت احتجاجات الطلاب الصربيين بدأت، واستمرت حتى نهايتها، تحت شعار مكافحة الفساد المستشري على عهد فوفيتش منذ نحو عقدين، وسيادة القانون، ومحاسبة المسـؤولين الذين تربط كثيرين منهم علاقات بالجريمة المنظمة. ورغم القمع الذي تعرّض له الطلاب على يد الأجهزة الأمنية والتنظيمات الموالية للحزب الحاكم، والاتهامات التي وجهت إليهم بأنهم مرتزقة يعملون لحساب دول أجنبية، واعتقال العديد منهم، أصرّوا على سلمية الاحتجاجات والاعتصامات، وانتشروا في الأرياف التي يشكّل سكانها الخزان الانتخابي لفوفيتش، وقاموا بحملات متواصلة للتوعية وتعبئة المواطنين البعيدين عادة عن مسرح الأحداث السياسية ولا يتابعون مجرياتها، وحصدوا فيها نتائج لم تكن في حسابات الحزب الحاكم الذي اعترف زعيمه بالهزيمة بعد ساعات من إغلاق صناديق الاقتراع.

ورغم أن فوز لائحة الطلاب في الانتخابات الصربية لا يكفي وحده لطي صفحة النظام الذي حكم البلاد طيلة عشرين عاماً توطن فيها الفساد وانتشر على كل المستويات، خاصة بعد ما شهدته بلغراد مؤخراً من التكريم العسكري الرسمي في جنازة راتكو ملاديش المحكوم بجرائم ضد الإنسانية لمسؤوليته في الفظائع التي شهدتها حرب يوغوسلافيا.

احتفالات في وسط بلغراد بعد فوز الحزب التقدمي الصربي و«لائحة الطلاب» بالانتخابات إثر حركة احتجاجية سلمية دامت قرابة سنتين (رويترز)

إلى جانب هذه الاحتجاجات التي يشكّل الطلاب رأس حربتها، بدأ المزارعون أيضاً سلسلة من الاحتجاجات ضد الضوابط والقيود الجديدة على الإنتاج والارتفاع الباهظ في تكلفته بسبب أسعار المحروقات، واستحالة المنافسة مع المنتجات المستوردة.

وفي المدن تخرج الطبقة الوسطى، أو ما تبقى منها، إلى الشوارع احتجاجاً على الغلاء المطرد الذي يشمل كل أبواب الاستهلاك الأساسية وعلى تدهور الخدمات الصحية والتعليمية. أما القاسم المشترك بين هذه الاحتجاجات، فهم الشبّان الذين يحملون الرصيد الأكبر من الغضب بسبب الإحباط الناجم عن تهميشهم ويأسهم من تلمّس فرص المستقبل، وشعورهم باتساع الفجوة بين الذين يتخذون القرارات ومن يقاسون تداعياتها اليومية.

احتقان يولّد العنف

في تشخيص «المرصد الاجتماعي» الأوروبي لهذه الأحداث ومسبباتها، أن الاستياء الذي يتراكم منذ سنوات بسبب الظروف المعيشية يولّد الغضب الذي يمكن أن ينفجر عند أي تدبير أو قرار عادي، مثل ضريبة إضافية، أو إلغاء مساعدة اجتماعية أو إصلاح عمالي، ويؤدي إلى احتجاج شعبي تترافد فيه فئات عدة لكل منها مطالبها. لكن ما يغفله هذا التشخيص، أو يتغاضى عنه، هو أن المواطن الأوروبي يعيش حالة مزمنة من فقدان الثقة بالمؤسسات الحاكمة، وأن القرارات الأساسية تتخذ خارجها أو تمليها عليها جهات ودوائر نافذة خدمة لمصالح لا تراعي مطالب المواطنين وتطلعاتهم.

ضباط شرطة مكافحة الشغب يعتقلون متظاهراً في وسط لشبونة بالبرتغال (أ.ف.ب)

القراءة المتأنية لهذه الاحتجاجات تبيّن أن المتظاهرين، في غالبيتهم، لا يرفضون بالضرورة كل الإصلاحات التي تطرحها الحكومات، بقدر ما يشككون في توزيع أعباء تكلفتها ومن سيقطف ثمارها، ومن يشارك في تصميمها. وهذا ما يفسّر كيف أن السياسات التي تعدّها الحكومات أساسية وضرورية، يراها المواطن مجحفة؛ لأنه غير قادر على تحمل أعبائها. يضاف إلى ذلك أن ثمة شعوراً متنامياً بين معظم الفئات الاجتماعية والاقتصادية، بأن صوتها ومطالبها لا تلقى آذاناً صاغية من المسؤولين ولا تصل إلى المؤسسات، وبالتالي تصبح الاحتجاجات هي الوسيلة الوحيدة المتبقية لإسماع صوتها وإيصال مطالبها. ولا شك في أن وسائل التواصل الاجتماعي، والشبان هم أحسن من يتقن استخدامها، تساعد على تسريع التعبئة وتوسيع دائرتها، لكنها في الوقت ذاته تضخّم الشعارات المتطرفة حولها، وتمزج بين المطالب المحقة وحملات التشويه والتحريض على العنف.

تربة لسياسات متطرفة

يوفّر كل ذلك الوضع المحتقن تربة خصبة للقوى والأحزاب السياسية التي تنادي بالحلول السريعة، وتحدد بوضوح المسؤولين عن آلام المجتمع ومصائبه وتعدّ الحوار والحلول الوسط خيانة عظمى. لكن اللافت أيضاً هو أن كل هذه الاحتجاجات لا تصب بالضرورة في مصلحة الأحزاب ذاتها، رغم أنها تدفع الناخبين بقوة نحو الأطراف التي تبيّن في السنوات الأخيرة أنها تتغذّى بسخاء من هذا المناخ الاجتماعي المشحون.

وحسب استطلاعات للرأي أجريت مؤخراً في فرنسا، فإن 48 في المائة من الشباب يصوّتون لصالح التيار اليساري المتطرف «فرنسا الأبيّة»، في حين 33 في المائة من الذين دون الخامسة والعشرين في الأرياف يصوّتون لصالح حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف؛ ما يولّد أزمة ثقة بين الطرفين.

معظم المحللين الاجتماعيين يتفقون على أن أزمة الثقة هي المفتاح الأساسي لقراءة هذه الأحداث التي تعصف ببلدان الاتحاد الأوروبي، وأن معالجتها تقتضي إعادة نظر شاملة وعميقة في أساليب عمل المؤسسات الحاكمة ومقاربة التواصل مع المواطن الأوروبي، وبخاصة مع الفئات الشابة. لكنهم ينبهون بأن هذه المعالجة تكاد تكون مستحيلة في الأمد المنظور؛ بسبب مناخ التعبئة السياسية القصوى في العديد من الدول الأعضاء.

شرطية برتغالية تضع قرنفلة حمراء رمز «ثورة القرنفل» (1974) قدمها لها أحد المحتجين في ساحة «روسيو» بالعاصمة لشبونة خلال احتجاجات ضد أزمة السكن وارتفاع الإيجارات (أ.ف.ب)

سباق محموم مع أميركا والصين

يسهِم في استحالة تلك المعالجة، الظروف الجيوسياسية الناجمة عن الحرب في أوكرانيا وتقلبات الموقف الأميركي منها وما يستدعيه من جهد أوروبي إضافي يستنزف موارد مالية ضخمة، فضلاً عن حاجة أوروبا الملحة إلى عدم خسارة رهانها على اللحاق بالصين والولايات المتحدة من حيث القدرة على التنافسية في الإنتاج والرسوخ قطباً ثالثاً في المعادلة الدولية. وما يزيد من صعوبة هذا الرهان الأوروبي أن الدول الأعضاء تراكم عجزاً عاماً متوسطه 83 في المائة من إجمالي الناتج القومي، وان معظمها ينفق ما يزيد على 60 في المائة من إجمالي الناتج المحلي على الخدمات العامة من غير أن يحول ذلك دون موجات الغضب والاستياء.

في ضوء هذه التحديات التي يتوقف عليها مستقبل المشروع الأوروبي على غير صعيد، وتحسباً لمخاطر انفجارات اجتماعية أوسع، يبقى السؤال الذي يطارحه الأوروبيون أنفسهم هو التالي: ما السبيل إلى الانتقال بالاقتصاد نحو المستوى التالي الذي يفرضه السباق التكنولوجي العالمي من غير أن تتحمل تكلفته دائماً الفئات الاجتماعية نفسها؟ والإجابة عنه تقتضي سياسات تقوم على مشاورات واسعة وسريعة وآجال واقعية، ورواتب وخدمات تساعد على استيعاب الأزمة وتداعياتها، وقنوات للحوار تسمح بتصويب المسار قبل حدوث الانفجار.

عرض تعبيري خلال إضراب عام احتجاجاً على الغلاء والإنفاق العسكري في روما وبدت لافتة كتب عليها «نحن ننتج الثروة وأنتم تسرقون مستقبلنا» (أ.ب)

مشهد مفتوح

السيناريو المتداول حالياً في أروقة القرار الأوروبي هو أن هذه الاحتجاجات ليست وليدة حالة واحدة على امتداد الاتحاد، بل هي سلسلة من الانتفاضات القطاعية التي تنسّق فيما بينها من حين إلى آخر وتبلغ ذروتها بفعل قرارات وطنية أو أوروبية، وأن الانتخابات والموازنات العامة المقبلة قد تعيد تأجيجيها. لكن المشهد العام يبقى مفتوحاً على احتمالات ثلاثة:

الأول، انفراج جزئي أو مرحلي نتيجة تنازلات وتدابير تخفف الضغط على المواطن من غير أن تحل المشاكل الأساسية وتعالج أسبابها.

الثاني، الانتقال إلى حال من الأزمات الممتدة، تتخللها إضرابات وصدامات مستمرة بهدف الدفع نحو المفاوضات.

والثالث، اتجاه الأحزاب السياسية والمؤسسات إلى استغلال موجات الغضب والاستياء وعدم التجاوب مع المطالب الشعبية، وترك المواطنين يعبّرون عن سخطهم وإحباطهم في صناديق الاقتراع التي يرجّح أن تخرج بمفاجآت قد يكون الوقت فات لاحتوائها.

متظاهر يواجه مجموعة من عناصر الشرطة خلال احتجاجات في مدينة كولون الألمانية من تنظيم «الجيل زد قادر» (أ.ف.ب)

ولعلّ أغرب ما رافق هذه الأحداث من ردود فعل خارجية، إن الدبلوماسية الإيرانية احتجت على «القسوة» التي تميّز بها تعامل السلطات الفرنسية مع إعمال الشغب التي سادت مظاهرات باريس، وتصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عندما قال إن هذه الأزمة هي دليل آخر على هزال القيادات الأوروبية.


خريطة الناخبين الأميركيين بين المدن والأرياف... من يملك مفاتيح الكونغرس؟

 مؤيدون للرئيس الأميركي دونالد ترمب يرفعون علماً على جانب الطريق أثناء مرور موكبه في فورت مايرز بولاية فلوريدا (أ.ف.ب)
مؤيدون للرئيس الأميركي دونالد ترمب يرفعون علماً على جانب الطريق أثناء مرور موكبه في فورت مايرز بولاية فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

خريطة الناخبين الأميركيين بين المدن والأرياف... من يملك مفاتيح الكونغرس؟

 مؤيدون للرئيس الأميركي دونالد ترمب يرفعون علماً على جانب الطريق أثناء مرور موكبه في فورت مايرز بولاية فلوريدا (أ.ف.ب)
مؤيدون للرئيس الأميركي دونالد ترمب يرفعون علماً على جانب الطريق أثناء مرور موكبه في فورت مايرز بولاية فلوريدا (أ.ف.ب)

مع اقتراب موعد الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) للانتخابات النصفية الأميركية، تتجاوز المعركة الانقسام التقليدي بين الجمهوريين والديمقراطيين إلى صراع على الطبقة العاملة والنساء والشباب والمزارعين وسكان الضواحي. وبين تراجع شعبية الرئيس دونالد ترمب والغضب من الأسعار والحرب مع إيران، تبرز كتلة الناخبين المترددين والمحبطين باعتبارها القوة التي قد ترسم الخريطة السياسية الجديدة.

لكن السؤال لم يعد مقتصراً على قدرة الديمقراطيين على انتزاع الأغلبية من الجمهوريين، بل أي أميركا ستذهب إلى صناديق الاقتراع، وأيها ستبقى في منازلها؟ أميركا المدن الكبرى التي يهيمن عليها الديمقراطيون، أم المناطق الريفية التي تشكل العمود الفقري للجمهوريين؟ عمال المصانع الذين استمالهم ترمب بوعوده الصناعية، أم نساء الضواحي القلقات من سياساته؟ الشباب المتطلعون إلى التغيير، أم الناخبون الأكبر سناً الذين اعتادوا المشاركة؟

وراء هذا المشهد، تتشكل خريطة اجتماعية تتداخل فيها الفوارق الجغرافية مع التعليم والدخل والعمر والعرق والمهنة، فيما تعيد تداعيات الحرب مع إيران ترتيب أولويات ناخبين كانت ولاءاتهم تبدو مستقرة.

ناخبون يهتفون ترحيباً بالرئيس السابق باراك أوباما والمرشحين الديمقراطيين ووزيرة الخارجية جوسلين بنسون وعبد السيد خلال تجمع انتخابي في ديترويت بميشيغان (أ.ف.ب)

وتكشف الاستطلاعات عن تحولات لافتة، حيث أظهر استطلاع «رويترز/إبسوس» قبل أيام، تراجع شعبية ترمب إلى 31 في المائة، وتقدم الديمقراطيين في نيات التصويت بنسبة 47 مقابل 35 في المائة. لكن استطلاعاً لجمعية المتقاعدين الأميركيين «إيه إيه آر بي» في 43 دائرة تنافسية بمجلس النواب، أظهر تقدماً ديمقراطياً بـ3 نقاط فقط. والفارق يختصر معضلة الديمقراطيين: التفوق الوطني لا يتحول تلقائياً إلى أغلبية برلمانية. والأهم أن تراجع التأييد لترمب لا يعني انتقال أنصاره إلى الديمقراطيين؛ فبعضهم غاضب لكنه لا يزال محافظاً، وبعضهم يشكك في قدرة الحزبين على تحسين أوضاعه. لذلك، قد تُقرَّر النتائج بأصوات من يغيرون ولاءاتهم، وكذلك من يقررون عدم المشاركة.

المدن والأرياف: انقسام يتجاوز السياسة

بحسب مركز «بيو» للأبحاث، تقدم انتخابات 2024 محطة مهمة لفهم التحولات؛ فقد حصل ترمب على 69 في المائة من أصوات الناخبين الريفيين، مقابل 29 في المائة لكامالا هاريس. وفي المدن، انعكست الصورة: 65 في المائة لهاريس مقابل 33 لترمب. والأهم أن حصة ترمب الريفية ارتفعت من 59 في المائة التي كان حققها في عام 2016 إلى 65 في المائة في 2020، ثم 69 في المائة عام 2024، من دون أن يحقق الديمقراطيون مكاسب مماثلة في المدن.

ويعكس هذا الانقسام تحولات اقتصادية وثقافية؛ ففي المدن حيث تتركز الجامعات والخدمات والتكنولوجيا والوظائف المهنية، يميل الناخبون إلى الديمقراطيين. أما الأرياف التي تعتمد بدرجات متفاوتة على الزراعة والصناعة والطاقة والنقل، فيجد الخطاب الجمهوري بشأن الضرائب والهجرة والهوية الوطنية صدى أوسع. ومع ذلك، الريف ليس كتلة متجانسة، فهو يضم مجتمعات سوداء ولاتينية وبلدات جامعية، مثلما تضم المدن محافظين وأصحاب أعمال صغيرة يتجاوبون مع الجمهوريين.

في المقابل، يواجه الديمقراطيون بدورهم معضلة حسابية؛ فانتصارات المدن لا تكفي إذا واصل الجمهوريون توسيع تقدمهم في المناطق الأقل كثافة. لذا فهم يراهنون على تقليص خسائرهم الريفية، بينما يعوّل الجمهوريون على استمرار تحالف المحافظين والعمال غير الجامعيين. لكن هل تصمد الولاءات الثقافية أمام الضغوط الاقتصادية؟

الضواحي: الطبقة الوسطى تعيد حساباتها

إذا كانت المدن والأرياف معقلَيْن شبه ثابتين للحزبين، فالضواحي هي المنطقة التي تتداخل فيها الهوية السياسية مع المصالح الاقتصادية. ووفق «بيو»، احتفظ الديمقراطيون في انتخابات 2024 بتقدمهم فيها، لكن هذا التقدم تقلص عملياً من 10 نقاط عام 2020 إلى 4 نقاط فقط، ما أسهم في عودة ترمب إلى البيت الأبيض. وتضم الضواحي موظفين ومهنيين وأصحاب أعمال وعائلات تعتمد على دخلين لتغطية أقساط السكن والتأمين الصحي والتعليم ورعاية الأطفال. وقد تؤيد هذه الفئات خفض الضرائب وتشديد الرقابة على الحدود، لكنها تتحفظ على بعض السياسات الاجتماعية للجمهوريين، كالقيود على الإجهاض مثلاً.

ويراهن الديمقراطيون على استعادة ناخبين خسروهم عام 2024 لأسباب اقتصادية، مستفيدين من تراجع شعبية ترمب. أما الجمهوريون فيحذرون من أن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس ستعني مزيداً من الإنفاق والضرائب.

وتبرز أهمية هذه المنافسة في ولايات بنسلفانيا وميشيغان ونيوجيرسي وأريزونا، حيث تتداخل الضواحي مع المناطق الصناعية والأحياء المتوسطة الدخل. وقد يجمع الناخب الواحد في هذه المناطق، بين موقف محافظ من الهجرة، وموقف ليبرالي من الحقوق الاجتماعية، وقلق متزايد من أسعار السكن والرعاية الصحية.

غير أن التحول نحو الديمقراطيين امتد إلى دوائر أكثر محافظة، حيث نقلت «واشنطن بوست» عن تقرير «كوك» الانتخابي أنه عدّل تصنيف 11 سباقاً للنواب لمصلحتهم، بينها دوائر في أوهايو وكارولاينا الجنوبية وكانساس ونبراسكا. كما أصبحت دائرة في مونتانا فاز فيها ترمب بفارق 12 نقطة عام 2024 ضمن السباقات المتكافئة. وهذا يعني أن الضواحي لم تعد وحدها معرضة للتقلب، بل إن التراجع الجمهوري قد يمتد إلى مناطق كان الحزب يعدّها آمنة نسبياً، ما يفرض عليه توزيع موارده على خريطة أوسع.

لافتة في مصنع في ضواحي أوهايو كتب عليها «طوبى لمن دفعوا ثمن حريتنا» (رويترز)

العمال والمزارعون: ولاء بحسب الأسعار

من مصانع السيارات في ميشيغان إلى حقول الذرة في آيوا، ومن مستودعات النقل في أوهايو إلى الطرق السريعة، يواجه الجمهوريون مفارقة لافتة؛ فبعدما ساعدت فئات بعينها ترمب على الفوز، أصبحت هي نفسها الأكثر عرضة لتداعيات سياساته الاقتصادية والحرب مع إيران، فقد استمال ترمب العمال غير الجامعيين بخطابه المناهض للعولمة وإغلاق المصانع ونقل الوظائف إلى الخارج.

لكن الطبقة العاملة ليست جمهورية بالكامل، فالنقابات الصناعية وبعض المجتمعات العمالية تحتفظ بروابط قوية مع الديمقراطيين، خصوصاً في ولايات الغرب الأوسط. وفي استطلاع «بيو»، تقدم الجمهوريون بين الناخبين الذين لم يتجاوز تعليمهم المرحلة الثانوية بنسبة 39 مقابل 35 في المائة، لكن التعليم لا يعكس بالضرورة الانتماء المهني، فالعمال الصناعيون ليسوا بدورهم كتلة واحدة، وخياراتهم تختلف بحسب القطاعات والنقابات والمناطق ومستوى الأجور.

وتبدو الضغوط أشد في قطاعي الزراعة والنقل، حيث ارتفعت أسعار الديزل بنحو 70 في المائة منذ اندلاع الحرب مع إيران، لتبلغ 6.32 دولار للغالون، رغم إجراءات الإدارة لزيادة الإمدادات وتخفيف الضرائب. ويصيب ذلك المزارعين وسائقي الشاحنات مباشرة؛ لأن الوقود يدخل في كلفة الإنتاج والنقل، وليس فقط في النفقات المنزلية.

وفي مؤشر إلى حساسية الموقف، أعلن ترمب أخيراً في أمر تنفيذي برنامجاً بقيمة 8 مليارات دولار لمساعدة المزارعين على تحمل كلفة الديزل خلال موسم الحصاد، عبر توسيع استخدام المعفى من الضرائب في ظروف محددة.

غيرنوت دولنر الرئيس التنفيذي لشركة «أودي» للسيارات يتحدث إلى جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال تجمع انتخابي في جورجيا (رويترز)

لكن المشكلة السياسية للجمهوريين لا تكمن فقط في الأسعار، بل في التناقض بين وعود حماية الاقتصاد المحلي والنتائج التي يلمسها الناخبون، فالرسوم الجمركية التي قدمها ترمب وسيلة لدعم الصناعة الأميركية زادت كلفة المعدات والمواد المستوردة، فيما يضغط ارتفاع الطاقة على أرباح المزارعين وشركات النقل. وهو ما يراهن عليه الديمقراطيون، بينما يعول الجمهوريون على بقاء الروابط الثقافية والمواقف من الهجرة والتجارة أقوى من الغضب الاقتصادي. وقد تكون النتيجة تراجع المشاركة الجمهورية في بعض المناطق، لا انتقالاً جماعياً إلى الديمقراطيين، وهذا فارق مهم في الدوائر التي اعتاد الجمهوريون الفوز بها بهوامش ضيقة.

النساء والشباب: أصوات التغيير

يشكل الناخبون من النساء والشباب قاعدتين أساسيتين للتفوق الديمقراطي، لكنهما تختلفان في الأولويات والسلوك الانتخابي. كما أن الانقسامات داخلهما لا تقل أهمية عن الفوارق بين الحزبين.

ناخبون يسلّمون بطاقات اقتراعهم في فعالية "تحرّك للتصويت" في حديقة سيول الدولية في لوس أنجلوس، كاليفورنيا (أ ب إ)

بحسب «بيو»، يتقدم الديمقراطيون بين النساء بنسبة 45 مقابل 31 في المائة، بينما يتعادل الحزبان بين الرجال عند 42 في المائة. وفي استطلاع «رويترز/إبسوس» الأحدث، اتسع تقدم الديمقراطيين بين النساء إلى 50 مقابل 32 في المائة. وتظل قضية الإجهاض عاملاً مهماً في تعبئة الناخبات، خصوصاً في الضواحي. لكن كلفة المعيشة والرعاية الصحية ورعاية الأطفال تضيف أبعاداً اقتصادية إلى خياراتهن، فالمرأة الجامعية في إحدى الضواحي تختلف سياسياً عن امرأة تعمل في قطاع الخدمات بمنطقة ريفية، رغم اشتراكهما في الضغوط المعيشية.

أما الشباب بين 18 و29 عاماً، فيفضلون الديمقراطيين بنسبة 51 مقابل 23 في المائة، لكن ربعهم تقريباً لم يحسم خياره أو يفضل مرشحاً آخر. وفي استطلاع لمركز «سايكل» بجامعة تافتس، شمل أكثر من 5500 شاب وشابة، قال 56 في المائة إنهم مرجحون للغاية للمشاركة، فيما أبدى 41 في المائة استعداداً أكبر للتصويت إذا توافرت أحزاب أو شخصيات تمثل جيلهم بصورة أفضل. وهذا يعني أن الشباب ليسوا بالضرورة متحمسين للديمقراطيين بقدر رغبتهم في تغيير الوضع القائم.

كما أن مكاسب ترمب بين بعض الشباب، خصوصاً الرجال، عام 2024 لا تعني تحولهم إلى جمهوريين ثابتين. فالقلق من فرص العمل وكلفة السكن والحرب يمكن أن يدفعهم إلى تغيير خياراتهم مجدداً، أو الابتعاد عن الصناديق.

وتبرز أهمية المقترعين للمرة الأولى، الذين لا يحملون بالضرورة ولاءات حزبية متوارثة، لكنهم أكثر عرضة لضعف المشاركة. لهذا، قد لا تكفي الأفضلية الديمقراطية بين الشباب والنساء ما لم تتحول إلى إقبال فعلي، خصوصاً في المدن الجامعية والضواحي المتنافسة.

ملاحظة كتب عليها «ديمقراطيتنا تعتمد على ذلك» خلال فعالية «تحرّك للتصويت» التي أقيمت في حديقة «سيول الدولية» في لوس أنجليس بكاليفورنيا (إ.ب.أ)

الأقليات: مكاسب على المحك

كان توسيع ترمب حضوره بين بعض الناخبين اللاتينيين والرجال من الأقليات أحد أبرز تحولات 2024، ما أضعف الافتراض بأن التنوع العرقي يصب تلقائياً في مصلحة الديمقراطيين. لكن استطلاعات 2026 تشير إلى أن هذه المكاسب لم تتحول إلى ولاء جمهوري مستقر. وبحسب «بيو»، يفضل 51 في المائة من الناخبين اللاتينيين الديمقراطيين، مقابل 24 في المائة للجمهوريين. وبين الناخبين السود، تبلغ النسبتان 70 و7 في المائة، وبين الآسيويين 56 و16 في المائة. لكن هذه الأرقام لا تعني عودة تلقائية للتحالف الديمقراطي القديم، فالناخبون اللاتينيون يختلفون في أصولهم ودخولهم وأجيالهم ومناطق إقامتهم، ولا تتقدم الهجرة دائماً على الاقتصاد والرعاية الصحية في أولوياتهم.

وتقدم إحدى الدوائر في كولورادو مثالاً لافتاً، حيث عرضت «واشنطن بوست» حالة عاملة صناعية من أصل مكسيكي، لا تنتمي إلى أي حزب، مترددة بين مرشح ديمقراطي تفضل موقفه من الرعاية الصحية، وآخر جمهوري تتجاوب مع سياساته في مجال الطاقة المؤثرة في دخل أسرتها. وتختصر هذه الصورة طبيعة المنافسة؛ الناخب نفسه قد يكون ديمقراطياً في قضية وجمهورياً في أخرى، ما يجعل تصنيفه وفق انتمائه العرقي وحده غير كاف لتوقع تصويته.

وبينما يراهن الديمقراطيون على استعادة أصوات خسروها في 2024، خصوصاً بين اللاتينيين والناخبين الأصغر سناً، يسعى الجمهوريون إلى الحفاظ على اختراقاتهم داخل الطبقة العاملة متعددة الأعراق. وقد تحسم النتائج قدرة الحزبين على مخاطبة هذه الفئات بعدّها جماعات اقتصادية واجتماعية، لا مجرد كتل عرقية.

مشاركون في تجمّع انتخابي في ميشيغان وبدا أحدهم يعتمر قبعة «ماغا» (رويترز)

كبار السن والمستقلون: قوة صامتة

رغم التركيز على الشباب، قد يكون كبار السن أكثر تأثيراً بسبب انتظام تصويتهم. ففي استطلاع «إيه إيه آر بي» الذي شمل 43 دائرة متنافسة، قال 83 في المالئة من الناخبين فوق الخمسين إنهم متحمسون للغاية للتصويت، مقابل 66 في المائة ممن تقل أعمارهم عن الخمسين. ويتقدم الجمهوريون بين الأكبر سناً بنسبة 53 مقابل 43 في المائة، بينما يتقدم الديمقراطيون بين الأصغر سناً بنسبة 60 مقابل 34 في المائة.

وهنا تكمن معضلة الديمقراطيين؛ فالفئات الأكثر ميلاً إليهم ليست بالضرورة الأكثر انتظاماً في التصويت. لكن الاستطلاع أظهر أيضاً أن 21 في المائة من الناخبين فوق الخمسين في الدوائر المتنافسة لا يزالون قابلين للإقناع، وتتصدر أولوياتهم الأسعار والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي.

أما المستقلون فيفضل 40 في المائة منهم الديمقراطيين، مقابل 24 في المائة للجمهوريين، فيما لم يحسم 27 في المائة موقفهم، بحسب «بيو». وهذه كتلة قد تؤثر بصورة غير متناسبة في السباقات المتقاربة، خصوصاً إذا كان قرارها مرتبطاً بالأداء الاقتصادي أكثر من الانتماء الحزبي. والأكثر دلالة أن 77 في المائة ممن صوتوا لترمب عام 2024 يعتزمون تأييد مرشحين جمهوريين، مقابل 87 في المائة من ناخبي هاريس يعتزمون التصويت للديمقراطيين. وبين ناخبي ترمب ذوي النظرة السلبية للجمهوريين، لا يعلن سوى 49 في المائة تأييدهم لمرشحيهم، فيما يتوزع الباقون بين التردد وخيارات أخرى.

وهذا يعني أن الديمقراطيين قد يستفيدون من تراجع حماسة جزء من ناخبي ترمب، من دون إقناعهم بالتصويت لهم. لكن احتمال خسارة الجمهوريين الكونغرس قد تدفع هؤلاء أيضاً إلى المشاركة دفاعاً عن الرئيس وأجندته.

تظهر انتخابية تدعم فيفيك راماسوامي المرشح الجمهوري لمنصب حاكم ولاية أوهايو إلى جانب لافتات أخرى في ولاية أوهايو (رويترز)

الرهان الأخير: من يخرج للتصويت؟

قبل أقل من أسبوعين على الاقتراع، تبدو البيئة السياسية أكثر ملاءمة للديمقراطيين، لكن السيطرة على مجلسي الكونغرس ليست محسومة؛ ففي مجلس النواب، يحتاج الديمقراطيون إلى 3 مقاعد لانتزاع الأغلبية. أما مجلس الشيوخ، حيث يسيطر الجمهوريون على 53 مقعداً مقابل 47 للديمقراطيين والمستقلين المتحالفين معهم، فيحتاجون إلى 4 مقاعد إضافية.

وبحسب مؤسسة «رول كول» ارتفع عدد الولايات التي تشهد سباقات تنافسية لمجلس الشيوخ من 5 إلى 13، مع اضطرار الجمهوريين للدفاع عن مقاعد في آيوا وكانساس وتكساس وألاسكا. وكشفت «أسوشييتد برس» عن إعادة توزيع الإنفاق الجمهوري بين دوائر مجلس النواب، بينما وسّع الديمقراطيون استثماراتهم إلى مناطق كانت تعدُّ آمنة نسبياً لمنافسيهم. ويراهن الديمقراطيون على تعبئة المدن والنساء والشباب والأقليات والضواحي، مع تقليص خسائرهم الصناعية والريفية.

أما الجمهوريون فيعولون على تماسك قاعدتهم المحافظة والريفية، واستمرار تأييد قطاعات العمال، والتفوق في مشاركة كبار السن.

وتبقى الأسعار القاسم المشترك، بحسب استطلاع «أسوشييتد برس - نورك» الأخير، الذي أظهر أن 85 في المائة من الناخبين يعتبرون الاقتصاد قضية أساسية، و84 في المائة كلفة المعيشة، فيما يضع 64 في المائة حرب إيران ضمن أولوياتهم.

لكن الغضب الاقتصادي قد يؤدي إلى تغيير الأصوات، أو الامتناع عن التصويت، أو تعزيز الولاءات السابقة إذا غاب البديل المقنع. وتظهر هذه الاحتمالات في محاولات الديمقراطيين استعادة حضورهم في ولايات ريفية عبر التركيز على المشكلات المحلية وكلفة الوقود والأسمدة وتأثير سياسات الهجرة على اليد العاملة، بدلاً من الاكتفاء بمهاجمة ترمب.

وقد تصنع بضعة آلاف من الأصوات في دوائر محددة الفارق بين انتصار ديمقراطي واسع واحتفاظ الجمهوريين بأحد مجلسي الكونغرس. وفي هذه المسافة بين الانتماء الحزبي والقلق المعيشي، قد يتحدد مصير الكونغرس، وربما ما تبقى من ولاية ترمب الثانية.


أذربيجان تتحدى العواصف الإقليمية بتدشين معركة «علمانية الدولة»

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لتلميذات أذريات منعن من دخول الصفوف بسبب الحجاب
صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لتلميذات أذريات منعن من دخول الصفوف بسبب الحجاب
TT

أذربيجان تتحدى العواصف الإقليمية بتدشين معركة «علمانية الدولة»

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لتلميذات أذريات منعن من دخول الصفوف بسبب الحجاب
صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لتلميذات أذريات منعن من دخول الصفوف بسبب الحجاب

في الأيام القليلة الماضية، ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات ناشطين في مناطق كثيرة، بمقاطع فيديو وصور فتيات أجبرن على مغادرة مقاعد الدراسة في مدارس أذربيجان؛ لأنهن محجبات. وتداول كثيرون مشاهد استفزت مشاعر ملايين الأذريين، لتلميذات طردن من مقاعد الدراسة، ومعلمات أحطن بأطفال يذرفون دموعاً غزيرة في أثناء مراسم وداع أقيمت على عجل بعدما أجبرن على مغادرة صفوف الدراسة بسبب الحجاب.

كانت مشاهد عشرات الفتيات وهن يحاولن التواصل مع زميلاتهن من خلف أسوار المدرسة، أو اجتمعن في صف على الدرج الخارجي لمواصلة التعليم على الرغم من حظر دخولهن، مثيرة ولافتة، خصوصاً بعدما اقترن الوضع بمحاولات لاقتحام المدارس وخلع أبوابها وإشعال حرائق في بعض الممتلكات العائدة لمديريها. ثم اندلاع احتجاجات صاخبة عمت البلاد، التي حكمت بقبضة من حديد على مدى عقود، ولم يكن مظهر الاحتجاجات النشطة رائجاً فيها.

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لمدرّسة أذرية تقوم بتعويض طالباتها عن الدروس خارج بناء المدرسة

علاوة على ذلك، انتشر مقطع فيديو صوّرته معلمة على الإنترنت، تُطالب فيه طفلة في السابعة أو الثامنة من عمرها بخلع حجابها أمام جميع الطلاب. تبكي الطفلة لكنها ترفض الامتثال. في مقطع فيديو آخر، تقف امرأة أمام لوحة مدرسية تحمل صور جنود قُتلوا في حرب كاراباخ، بينهم والد طفلتها، وطالبت بالسماح لابنتها بالذهاب إلى المدرسة أو إزالة صورة والدها.

في اليوم الأول من منع التلميذات من الذهاب إلى المدارس، انتشرت لقطات تُظهر اقتحام المدارس وحرق سيارة مدير مدرسة على الأقل. وقد اعتُقل ما لا يقل عن 200 شخص نتيجةً للاضطرابات الجماهيرية، وهم يواجهون حالياً عقوبة السجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات.

وقالت وزارة الداخلية الأذرية في بيان لها: «الهدف الرئيسي من هذه الإجراءات هو منع إغلاق الطرق وتعطيل سير العمل الطبيعي للمؤسسات التعليمية، بالإضافة إلى ضمان سلامة الطلاب والمعلمين والمواطنين الآخرين».

والجدير ذكره أن معظم وسائل الإعلام في البلاد تجاهلت الاحتجاجات تماماً. فبينما كان الأطفال وذووهم يحاصرون المدارس في باكو، نقلت وسائل الإعلام الحكومية تغطيات واسعة لزيارة رئيس الوزراء الكمبودي هون مانيه إلى البلاد. مع ذلك، تُغطي هذه المنشورات نفسها بالتفصيل احتجاجات طلاب المدارس في فرنسا، متهمةً الجمهورية الخامسة بالإمبريالية والاستعمار الجديد.

الرئيس الأذري إلهام علييف (أرشيفية - أ.ف.ب)

كاراباخ الحاضرة

مشهد جديد وصادم؛ حمل على المستوى الرسمي عنوان «احترام علمانية الدولة، وفرض إجراءات تتماشى مع نبذ أي مظاهر دينية أو عقائدية داخل المؤسسات التعليمية». وعلى المستوى الشعبي جاءت الترجمة مناقضة لمبدأ الدفاع عن القيم المتوارثة وهوية المجتمع الذي يمثل المسلمون 96 في المائة منه.

الجديد في المشهد أن الاحتجاجات لم ترفع شعارات سياسية مباشرة خلافاً لموجات احتجاج شعبية شهدتها في السابق بلدان المنطقة. بل عكست خيبة أمل واسعة تجاه حكم حظيت سياساته الخارجية عموماً برضا شعبي واسع.

لكن ذلك لا يعني أن السياسة غابت تماماً، ولكنها غلفت بإطار مختلف نوعياً. وخير مثال على ذلك مشهد السيدة التي نزعت صورة زوجها «الشهيد» التي علقت على جدار المدرسة، وقالت إن المدرسة التي تطرد ابنتها لأنها محجبة يجب ألا تبقى فيها صورة الوالد الذي ضحى بدمائه من أجل «تحرير كاراباخ».

وموضوع كاراباخ كان حاضراً بقوة في الاحتجاجات على مستويين؛ الأول عبر انخراط قدامى المحاربين لاستعادة هذا الجزء من البلاد في النشاطات الاحتجاجية، والثاني مساعي الكثيرين للتذكير بأن السياسات الداخلية التي يحاول الرئيس إلهام علييف فرضها تتعارض مع حجم الالتفاف الجماهيري حول تحركاته كـ«محرر كاراباخ».

الأهم من هذا وذاك، أن كثيرين تداولوا مقاطع فيديو لم يتم التأكد من صحتها، تظهر رفع الأذان في بعض ثكنات الجيش كنوع من الاحتجاج «العسكري» الصامت على ما يجري. وفي حال صحت تلك المقاطع فإن هذا يعكس مستوى الغضب الداخلي وامتداده إلى أكثر المؤسسات التزاماً وصلابة في الولاء لعلييف.

أما الجزء الصادم من المشهد، فتمثل في حجم الاحتجاجات التي انتشرت في البلاد، وشاركت فيها بنشاط فئات لا تظهر في سلوكها اليومي التزاماً دينياً. وإذا ما قال ذلك شيء، فهو أن القبضة الفولاذية التي حكمت البلاد منذ عقود يمكن أن تفلت الأمور منها لأسباب مجتمعية وداخلية لا علاقة مباشرة لها بما يدور حولها من صراعات وحروب.

وزير خارجية أذربيجان جيهون بيراموف ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يحضران مؤتمراً صحافياً مشتركاً في موسكو 17 يوليو الماضي (إ.ب.أ)

مقص بطرس الأكبر

عموماً يظهر المشهد واحداً من الحالات الصارخة لـلاحتجاج ضد ما يوصف بأنه «الإصلاحات» المنبوذة جماهيرياً.

ولا شك أن تاريخ المنطقة حافل بأمثلة أبرزها الإصلاحات التي شهدتها روسيا بعد انهيار الدولة السوفياتية، والتي أسفرت عن تفاقم الفقر والجوع ونزول نحو نصف المجتمع إلى ما دون خط الفقر. لكن المقارنة هنا، في الإطار الديني والثقافي والمجتمعي قد تكون أكثر وضوحاً مع استذكار مقص الإمبراطور الروسي بطرس الأكبر باني الدولة الروسية والمصلح الأبرز في تاريخها.

وتعود الحكاية إلى ما بين عامي 1697 و1698، عندما قام بطرس الأكبر برحلة إلى أوروبا الغربية للتعرف على بلدان تلك المناطق وثقافاتها، وكانت بين نتائج زياراته القرار بإحداث ثورة كاملة في المجال الثقافي والمجتمعي، بما في ذلك في إطار محاربة المظهر العام والأزياء السائدة.

وعند عودته إلى بلاده أجبر بعض النبلاء على حلق لحاهم، بل وقص لحى بعضهم بنفسه، وفرض تقصير ثياب النساء من طبقة النبلاء بعدما كانت الثياب التقليدية الروسية طويلة جداً. كما فرض ضرائب باهظة على من يخالف تعليماته بشأن المظهر العام واللباس. وألزم مرسوم إمبراطوري الأشخاص المقربين من القيصر والنبلاء والمسؤولين وكبار الموظفين بارتداء ملابس شبيهة بملابس الطبقة الأرستقراطية في بلدان أوروبا الغربية حينها.

وعلى الرغم من حماس بطرس الأكبر لتحديث روسيا، واجهت إصلاحاته انتقادات كبيرة. كانت الفترة المحددة لتنفيذ المرسوم قصيرة، كما أن الملابس الأوروبية كانت غير عملية في الشتاء الروسي، حيث اضطر الناس لارتداء ملابس قصيرة وجوارب بدلاً من الفراء الدافئ. بالإضافة إلى ذلك، لم تُطبق الإصلاحات على رجال الدين والفلاحين، الذين كانوا يشكلون غالبية ساحقة من السكان، مما زاد من الفوارق الطبقية وعمّق الانقسام بين «النخبة الأوروبية المحدثة» وبقية الشعب.

لكن علييف ليس بطرس الأكبر، وأذربيجان من جهة المساحة والثقل الجيوسياسي والتأثير لا يمكن مقارنتها بالإمبراطورية الروسية التي كانت في ذلك الحين تولد لتغدو عملاقاً سياسياً مقبلاً. لذلك فإن مقص علييف ضد غطاء الرأس بعيد عن مقص الإمبراطور الروسي، وإن كان يحاول التشبه به.

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لفتاة أذرية منعت من دخول مدرستها بأمر من الشرطي

احتجاجات منبوذة

الاحتجاج على حظر الحجاب في مدارس أذربيجان، سرعان ما فتح ملف إصلاحات مثيرة للجدل ظلت مشاعر الاستياء تجاهها حبيسة في المجتمع ولم تظهر في تحركات مباشرة على مدار سنوات. لكنها تسللت بشكل مباشر أو غير مباشر إلى بعض الشعارات التي رفعها المتظاهرون في المدن الأذرية، وبينها، مع رفض مبدأ علمانية التعليم، قرارات الحكومة السابقة بفرض تعديلات دستورية اعتبرتها المعارضة والشارع تراجعاً ديمقراطياً يهدف إلى ترسيخ حكم عائلة علييف. في هذا الإطار جاء تمديد الولاية الرئاسية ورفع مدة الرئاسة من 5 إلى 7 سنوات. واستحداث مناصب جديدة، بينها إنشاء منصب «النائب الأول للرئيس» وتعيين زوجة الرئيس فيه، مع منح الرئيس صلاحية حل البرلمان، فضلاً عن تعديلات تشريعية فرضت عقوبات مالية باهظة وأحكاماً بالسجن على المشاركين في احتجاجات غير مصرح بها.

بالإضافة إلى انتقادات سابقة لسياسات اقتصادية اعتبرت مجحفة، وشهدت البلاد بسببها احتجاجات عمالية وشعبية متفرقة (مثل احتجاجات بلدة إسماعيلي واحتجاجات عام 2020)، رفعت شعارات تتحدث عن سوء توزيع الثروة، وحصر العوائد النفطية بيد النخبة الحاكمة وسط ارتفاع تكاليف المعيشة.

وكانت تلك السياسات قد قوبلت بمظاهرات قمعتها الشرطة بحزم، واعتقلت مئات المشاركين بدعوى تنظيم تجمعات غير مرخصة. غير أن الاستياء منها عاد ليطل برأسه خلال الاحتجاجات الحالية.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس والرئيس الأذري إلهام علييف يوقعان نسخاً من ميثاق الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وأذربيجان في مقر الرئاسة «زاغولبا» في باكو. أذربيجان 10 فبراير الماضي (رويترز)

كرة ثلج في محيط مضطرب

اللافت أيضاً في الأحداث التي تشهدها أذربيجان أنها قد تتحول وفقاً لبعض المعارضين إلى كرة ثلج تتضخم بسرعة رغم كل التدابير التي اتخذها السلطات، وبينها إبطاء سرعة الإنترنت لحرمان الناس من التواصل ونشر الدعوات الاحتجاجية والاطلاع عما يجري في باقي مناطق البلاد. فضلاً عن ملاحقة الناشطين البارزين وفرض إجراءات عقابية حازمة ضد مئات منهم.

ورغم الدعاية الرسمية التي تؤكد أنه لا نية للتراجع عن القرارات المتخذة، يتزايد شعور مجتمعي بأن الحدث الحالي قد تكون له تداعيات واسعة. لكن السلطات تبدي اطمئناناً؛ لأن الاحتجاجات سوف تذوي شيئاً فشيئاً، و«لن يحدث شيء»، وفقاً لفاضل مصطفى، رئيس اللجنة البرلمانية للجمعيات العامة والمؤسسات الدينية، الذي قال إنه كان ينبغي حظر ارتداء الحجاب في المدارس؛ لأنه يسمح للدول الأجنبية «بتسميم» الشباب الأذريين بآيديولوجيتها. وذهبت أيغون مرادخانلي، رئيسة قناة «برايم تي في»، وصف الآباء المحتجين بـ«السلفيين وعملاء إيران».

وقالت: «معظم المتظاهرين ضد حظر ارتداء الحجاب في المدارس هم من ذوي الصلات بإيران. وهناك متظاهرون آخرون من السلفيين، ولا شك في ارتباطهم بمراكز معينة. إن من يبالغون في هذه القضية على مواقع التواصل الاجتماعي لا يكترثون بتعليم أبنائهم، وخاصة الفتيات. فهم لا يرسلونهم إلى المدارس أصلاً، بل لديهم مدارسهم الخاصة في الأحياء الراقية في باكو. الجميع يعلم بهذا، لكن الحكومة تجهله لسبب ما».

وصرح إيلخان شاهين أوغلو، رئيس مركز أطلس للدراسات السياسية، لموقع «إن جي» الإخباري بأن أذربيجان دولة إسلامية علمانية، حيث تُمارس الشعائر الدينية بحرية، ويتزايد عدد المساجد باستمرار. وفي الوقت نفسه، تُعزز بعض الدول، بما فيها إيران نفوذها على المسلمين الأذريين، مما يُؤجج النزعات المتطرفة بينهم.

وأضاف: «يشعر المسؤولون الأذريون والمواطنون المؤيدون للعلمانية بالقلق إزاء هذا الأمر. ويمكن استغلال حظر ارتداء الحجاب في المدارس لكشف القوى المتطرفة. أمام العائلات المتدينة خياران: إما السماح لبناتها بارتداء الزي المدرسي، وإما عدم إرسالهن إلى المدارس. ولن تتراجع الحكومة الأذرية».

مظاهرة أمام مقر الإسكوا في بيروت نظمها «كشف المهدي» التابع لـ«حزب الله» تضامناً مع قضية الحجاب في أذربيجان (إ.ب.أ)

مكافحة المعارضة

في المقابل، يعتقد الخبير بشؤون القوقاز، فلاديمير نوفيكوف، أن حظر الحجاب جزء من مكافحة المعارضة في أذربيجان.

ويضيف: «سبق للرئيس إلهام علييف أن نجح في حل مشكلة المعارضة العلمانية، لكن السخط الشعبي بدأ يركز على الدين. لذا، فهو يهاجم هذه القضية أيضاً، ما يعزز سلطته. وفي الوقت نفسه، تجدر الإشارة إلى أن هذه العملية عفوية، لكن هناك جهات فاعلة مهتمة بها». فعلى سبيل المثال، عارض أوكتاي سارال، كبير مستشاري الرئيس التركي، ذلك علناً؛ علاوة على ذلك، هناك بعض الاضطرابات بين النخب القديمة التي برزت خلال حكم حيدر علييف. عموماً، من غير المرجح أن تشهد قضية الحجاب نفسها مضاعفات تهدد استقرار البلاد، لكن من الواضح أن خطاً جديداً من التوتر قد نشأ في أذربيجان وسيستمر في فرض حضوره.

لكن المهم هنا، هو تلك الإشارات المتزايدة إلى إيران وتركيا والنزاع التاريخي مع أرمينيا «حليفة إيران» ما يعطي التطورات الداخلية في أذربيجان بعداً إقليمياً في مرحلة تشهد فيها المنطقة اضطرابات محمومة. ويحمل جزء من الأذريين على سياسة باكو تجاه إيران، التي تضم جالية أذرية مهمة للغاية تشكل نحو ربع السكان. وكان هذا الحضور للأذريين (ثاني أكبر تكتل قومي في إيران بعد الفرس) أحد أبرز أسباب التوتر التاريخي في العلاقات بين باكو وطهران، بسبب مخاوف الأخيرة من استخدام هذا التكتل السكاني الضخم ضد سياساتها.

لكن الأهم هنا مع الاضطرابات المحيطة أن باكو اتخذت خلال السنوات الأخيرة سياسة نشطة للتقارب مع إسرائيل، وتحولت كما يقول معارضون إلى «رأس حربة إقليمية لمحاربة إيران». ويبلغ التغلغل الإسرائيلي السياسي في أذربيجان مستويات متقدمة، وتعد البلاد شريكاً إقليمياً أساسياً لإسرائيل أمنياً واستخباراتياً وعسكرياً واقتصادياً أيضاً.

المثير هنا أنه رغم عدم وجود أي دليل على دور إسرائيلي في تطوير سياسات العلمنة في أذربيجان واتخاذ القرارات الأخيرة بحظر الحجاب في المدارس، برزت اتهامات لتل أبيب بأنها ساهمت في دفع الحكومة الأذرية لقرارات حاسمة أججت عملياً الأزمة الحالية.

يقول معارضون أذريون إنه لطالما شكلت العلاقات بين باكو وطهران مصدر قلق لإسرائيل. وتسعى وسائل الإعلام الموالية لإسرائيل إلى إضعاف العلاقات الإقليمية لأذربيجان مع جيرانها المسلمين من خلال التركيز على المواقف المعادية للإسلام في أذربيجان، والمقارنة المتعمدة بين باكو والرأي العام في تركيا وإيران.

يرى البعض أيضاً أن نهج إسرائيل جزء من سيناريو أوسع يهدف إلى توجيه جمهورية أذربيجان نحو هوية علمانية بحتة تتوافق مع تل أبيب.

تركيا... ومصير «شعب واحد في دولتين»

يبرز هنا عنصر آخر لا يقل أهمية ويتعلق بالسياسات الإقليمية؛ فالعلاقة الوثيقة التي تربط أذربيجان وتركيا والتي تحمل عنواناً سياسياً لافتاً: «شعب واحد في دولتين» تبدو معرضة لاختبار جدي أيضاً في ظل سياسات فرض العلمانية في أذربيجان. وقد أظهرت الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها مناطق تركية ضد سياسات باكو حول الحجاب جانباً من هذا الاختبار، فضلاً عن أن تفاقم التوتر في علاقات أنقرة وتل أبيب يضع الشريك و«الشقيق» الأذري في موضع تساؤلات متزايدة.

ويكفي هنا أن نقارن بين ردود فعل تركيا وأذربيجان على خطاب الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في قمة مؤتمر التفاعل وتدابير بناء الثقة في آسيا (سيكا) الذي انعقد أخيراً في باكو. وقد غادر الوفد التركي القاعة في أثناء خطاب هرتسوغ، بينما استُقبل الرئيس الإسرائيلي بحفاوة بالغة في العاصمة الأذرية.