داخل «صولة الفجر»... عملية سرية لـ«فصل التوأم» بين بغداد وطهران

مصادر: إشارة «انقلاب» سُمعت في «الخضراء»... واتصال ساعد مطلوبين على الهرب

لقطة مأخوذة من فيديو وثَّقه ناشطون لدبابة عراقية داخل المنطقة الخضراء بالتزامن مع اعتقال مسؤولين بتهم فساد
لقطة مأخوذة من فيديو وثَّقه ناشطون لدبابة عراقية داخل المنطقة الخضراء بالتزامن مع اعتقال مسؤولين بتهم فساد
TT

داخل «صولة الفجر»... عملية سرية لـ«فصل التوأم» بين بغداد وطهران

لقطة مأخوذة من فيديو وثَّقه ناشطون لدبابة عراقية داخل المنطقة الخضراء بالتزامن مع اعتقال مسؤولين بتهم فساد
لقطة مأخوذة من فيديو وثَّقه ناشطون لدبابة عراقية داخل المنطقة الخضراء بالتزامن مع اعتقال مسؤولين بتهم فساد

كشفت مصادر حكومية وأمنية عن أن حملة الاعتقالات التي شنتها السلطات العراقية الأحد الماضي نُفذت ضمن مسارين متوازيين، أحدهما سري استهدف ما وصفته المصادر بـ«فصل التوأم» بين شخصيات مرتبطة بطهران داخل جماعات مسلحة وشبكات تهريب النفط وبين مؤسسات الدولة في بغداد.

وقالت المصادر إن رئيس الحكومة علي الزيدي ناقش تفاصيل الخطة قبل أسبوعين من ساعة الصفر بشكل سري مع «دائرة محدودة من كبار الضباط»، من دون إطلاع قادة «الإطار التنسيقي» على مجرياتها؛ وهو ما أدى إلى توتر داخل اجتماعهم الأخير في بغداد، وأعاد طرح أسئلة حول توازنات السلطة داخل التحالف الحاكم.

ووصف مسؤول أميركي سابق العملية «السرية» في بغداد بأنها «جراحة كبرى، من المبكر الحكم على نجاحها»، لكنها «جريئة بالنسبة لرئيس حكومة شاب جاء من المجهول»، محذراً من أن «رد فعل إيران لم يسمع بعد».

وبينما تركزت الخطة على أهداف داخل «المنطقة الخضراء» وسط بغداد، كانت قوات خاصة تتحرك بالتزامن في مناطق بعيدة لاستهداف مقرات ومنازل تابعة لشخصيات على صلة مباشرة بالنفوذ الإيراني. وقالت مصادر إن «جماعات مؤيدة لإيران تداولت تقديرات أمنية في بداية العملية بأن ما كان يجري هو انقلاب عسكري».

وأفاد مصدر بأن «عناصر الفصائل سمعوا كلمة (انقلاب) تتردد في أجهزة النداء الخاصة بهم لوقت محدود قبل أن تتضح الصورة».

كانت الحكومة العراقية قد أفصحت في بيانات عن حصيلة الحملة التي أُطلق عليها رسمياً «صولة الفجر». وأسفرت حتى الآن عن اعتقال العشرات من المتهمين باختلاس المال العام، بينما تعهدت هيئة النزاهة بمواصلة الاعتقالات، في حين تستكمل التحقيق مع الموقوفين.

وحظيت الحملة، التي نفذتها قوات نخبة من الجيش العراقي وجهاز مكافحة الإرهاب والفرقة الخاصة، باهتمام واسع في العراق. ويعتقد أن بث صور الأموال المخبأة في منازل ومزارع المتهمين، وتداول لقطات لدبابة تنفذ مناورة استعراضية في إحدى ساحات المنطقة الخضراء، كان رسالة لمنح المسار السري من الخطة الزخم المطلوب لإنجاحها، وللحد أيضاً من رد فعل جماعات مؤيدة لإيران، وفق مصادر.

وقال قيادي في فصيل شيعي لـ«الشرق الأوسط» إن «صولة الفجر» قد تكون غطاءً لتفكيك مجموعات المقاومة في العراق، واصفاً ذلك في حال صحته بأنه «عملية ذكية».

أفراد من الأمن العراقي يقومون بدورية في أحد شوارع بغداد 28 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

ساعة الصفر

وأكد أشخاص مطلعون على خطة اعتقال ما قيل إنهم «متهمون باختلاس المال العام» أن «طريقة تنفيذها وصنوف القوات المكلفة كانت سرية للغاية في المسارين على حد سواء».

وقال هؤلاء لـ«الشرق الأوسط» إن «الخطة كانت قد وُضعت قبل أسبوعين من موعدها»، في حين «قلّص رئيس الحكومة علي الزيدي دائرة النقاشات بشأنها إلى نحو 4 من قادة الأجهزة الأمنية»، دون إطلاع رؤساء الأحزاب والائتلافات في «الإطار التنسيقي»، التحالف الحاكم الذي رشحه للمنصب في أبريل (نيسان) الماضي.

وحددت السلطات «الساعة الثانية فجر يوم الأحد 28 يونيو (حزيران) 2026 موعداً لساعة الصفر». ورغم أن العملية بدأت، حسب مصادر موثوقة، بإغلاق بوابات المنطقة الخضراء ومداخل ومخارج بغداد، ونشر قوات في محيط مطار بغداد الدولي، فإن العملية المعنية بالمسار السري كانت قد انطلقت في الوقت نفسه في مناطق أخرى داخل بغداد وجنوب البلاد.

وقال مصدران أمنيان إن «قوات خاصة كانت تداهم، في وقت العملية، مواقع في شرق بغداد»، حيث تتمركز مقار تابعة لفصائل مسلحة موالية لإيران.

وداهمت «قوات نخبة» منازل ومقار بحثاً عن مطلوبين على مستوى عالٍ من الأهمية وأسلحة ووثائق، لكن عدداً منهم تمكن من الهرب قبل وقت قصير من وصول تلك القوات، حسب مصدرين مطلعين.

صورة متداولة تُظهر عجلات «همفي» عراقية عند أحد مداخل المنطقة الخضراء فجر 28 يونيو 2026

اتصال هاتفي

وقالت مصادر إن «القوات الأمنية استخدمت مدرعات وناقلات جنود ودبابات ومئات العناصر لمنح العملية زخماً كبيراً بهدف الردع؛ تحسباً للاحتكاك مع مسلحين على صلة بفصائل».

وأكدت مصادر أن «أحد المطلوبين كان يحظى بحماية نخبة من أمن (الحشد الشعبي)».

وقال مسؤولون إن «السلطات كانت قد أحكمت سرية المعلومات المتعلقة بالخطة وطريقة تنفيذها، إلا أن بعض المطلوبين حصلوا على تسريبات في وقت متأخر من شخصيات تنفيذية وسياسية».

وقال أحد هؤلاء: «نعم، تمكن البعض من الهرب بسبب علاقات خاصة وفَّرت لهم معلومات عن الاستهداف حتى قبل ساعة من الوقت المتوقع لوصول القوات».

ولسنوات، نجحت الجماعات المرتبطة بإيران في نسج شبكة واسعة من النفوذ داخل الدولة، عبر زرع شخصيات تتمتع بولاء مطلق لإيران.

إذا تأكدت هذه المعلومات، فإن اختراق مؤسسات إنفاذ القانون سيكون أكبر امتحان تواجهه خطط الحكومة لتقويض النفوذ الإيراني وشبكات الفساد المرتبطة به.

وقال حامد السيد، وهو سياسي عراقي، إن «نجاح حملة الاعتقالات يتطلب منع تسريب المعلومات التي توفر للمطلوبين فرصة للإفلات».

وتلقَّى ضباط وعناصر من جهات إنفاذ القانون أوامر قبل ساعات فقط من عملية «صولة الفجر» بالتحرك إلى أهداف من دون معلومات كافية عن هوياتها أو أماكن وجودها. وقال مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط»: «هناك مكالمات سريعة جرت».

وحسب مصدرين، فإن المسار العام للخطة كان مصمماً لاعتقال وجبة أولى من سياسيين تحوم حولهم شبهات فساد ويثيرون حنق الرأي العام منذ سنوات، في حين يركز المسار السري على قائمة شخصيات ضالعة في مد صلات «الحرس الثوري» الإيراني داخل مؤسسات الدولة الأمنية والنفطية. وقال مسؤول سياسي إن المسار الثاني كان هو «الصيد الثمين».

واعتقلت السلطات حتى الآن العشرات من المسؤولين التنفيذيين، لكن نائبَي وزير النفط علي معارج وعدنان الجميلي قد يكونان «الصيد الثمين» الذي قد يفكك شبكة متجذرة في بغداد تدير عمليات تهريب النفط الإيراني تحت غطاء عراقي.

وتستخدم شبكات التهريب وثائق مزورة لتمرير شحنات نفط عبر العراق، بما في ذلك خلط زيت الوقود العراقي بمنتجات إيرانية ثم تصديرها على أنها عراقية؛ وهو ما يتيح لطهران الالتفاف على العقوبات الأميركية، في حين يوفر عائدات لفصائل عراقية مسلحة موالية لإيران وشبكات مرتبطة بها.

وكانت وزارة الخزانة قد فرضت على معارج في 7 مايو (أيار) 2026 عقوبات جراء ما وصفته بـ«استغلال منصبه لتسهيل تحويل شحنات نفط لصالح إيران وفصائل عراقية موالية لها»، لكن العراق نفى الاتهامات.

ويعتقد على نطاق واسع في بغداد أن العقوبات الأميركية «نسفت أحلام معارج في الحصول على منصب وزير النفط»، وأن ترشيحه كان «هدية ثمينة تتوج نفوذ (الحرس الثوري) في بغداد».

ووصف دبلوماسي أميركي سابق رفض الكشف عن هويته العملية الأخيرة في بغداد بأنها «جراحة كبرى لفصل التوأم بين ممثلي إيران في العراق والمؤسسات الرسمية». وتابع: «من المبكر الحكم على نجاح العملية، لكن جرأة العملية مثيرة للإعجاب، وتمهد لمزاج مختلف في بغداد».

وتشهد الحملة الحكومية الآن حالة من التهدئة. وقال مسؤول سياسي لـ«الشرق الأوسط» إن السلطات تقيس الآن سقف القوة ومخاطر الاشتباك قبل استئناف العملية.

وقال حامد السيد إن «التراجع عن الحملة سيكون مكلفاً (...) لقد وضع الزيدي نفسه أمام خيار واحد: اصطياد زعماء سياسيين متهمين بالفساد».

إلا أن المسؤول السياسي أكد أن «المرحلة الثانية قد تكون قيد التنفيذ بينما نتحدث الآن، بشكل سري».

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (إعلام حكومي)

اجتماع عاصف

والاثنين الماضي، بعد يوم من «صولة الفجر»، عقد التحالف الحاكم اجتماعه الروتيني بحضور رئيس الحكومة. وقال مسؤولون سياسيون إن «قادة في التحالف أبلغوا الزيدي أنهم لا يعترضون على عمليات مكافحة الفساد، لكنهم اتفقوا منذ سنوات على تنسيق آلياتها».

ولم يكن الاجتماع هادئاً مع الزيدي، بسبب شعور عام داخل التحالف الحاكم بأن رئيس الوزراء غامر بتنفيذ العملية من وراء ظهرهم. وقال أحد قادة التحالف، وفق مصادر: «كان من الأفضل إشراكنا في الخطة حفاظاً على استقرار العملية السياسية». ورد الزيدي بالقول: «ما ضمانات عدم تسرب المعلومات إذا أبلغتكم؟».

وتصاعدت حدة النقاشات حين اتهم أحد أعضاء التحالف الحاكم بأن الحملة تستهدف نفوذ كتلته في البرلمان. ونقلت مصادر أنه «اعترض على محاصرة منزل قيادي في تحالفه السياسي»، عادَّاً ذلك «إجراءً مرهباً».

ويظهر هذا النمط من النقاشات تحولاً في طبيعة التوازنات داخل التحالف الحاكم. وقال قيادي في حزب شيعي متنفذ إن «الاجتماع الأخير مع الزيدي كان غريباً بعض الشيء (...) كما لو أنه يخسر احتكار الديناميكيات والفاعلية التي تنتج القرار السياسي».

وقال عضوان في التحالف الحاكم إنهما «شاهدوا الزيدي متماسكاً وهادئاً بعد الاجتماع العاصف في بغداد».

ومع ذلك، يحاول رئيس الحكومة استعادة شيء من التوازن بهدف «استمرارية الحملة». وقالت مصادر إن «الحملة الآن دخلت استراحة ما بين الشوطين».

وحسب قيادي كردي، فإن «الزيدي، الذي يحظى بدعم غير مسبوق من المبعوث الأميركي توم براك، يطمح إلى تحقيق مكاسب من الزيارة المرتقبة إلى واشنطن». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الرجل يريد أن يأخذ حقائب فارغة إلى واشنطن ليعيدها ممتلئة إلى بغداد»، في إشارة مجازية إلى تعزيز موقعه السياسي.

وقال الدبلوماسي الأميركي السابق إن الزيدي ربما يتوقع أن يكون «نجم السهرة» في البيت الأبيض حين يلتقي الرئيس دونالد ترمب منتصف يوليو المقبل، إلا أن بلوغ هذا المستوى من ممارسة السلطة في نظام سياسي متشظٍ قد يكون سلاحاً ذا حدين إذا لم يتسم بالحذر.


مقالات ذات صلة

لقاء غير مألوف بين الزيدي وترمب يثير تساؤلات في بغداد

المشرق العربي رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي بغياب الوفد العراقي يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2026 (إعلام حكومي)

لقاء غير مألوف بين الزيدي وترمب يثير تساؤلات في بغداد

أثار لقاء جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب برئيس الحكومة العراقية علي الزيدي في نيويورك تساؤلات بسبب غياب أعضاء الوفد العراقي.

حمزة مصطفى (بغداد)
شؤون إقليمية دورية عسكرية عراقية على الحدود مع سوريا في منطقة سنجار غرب الموصل (أ.ف.ب)

الجيش التركي يغادر العراق «تدريجياً» بانتظار التطبيع في سنجار

اتفقت أنقرة وبغداد على قيام القوات التركية بتسليم معسكر إلى الحكومة العراقية بشكل تدريجي، وإنهاء وجود «العناصر المسلحة المحظورة» في شمال العراق.

«الشرق الأوسط» (أربيل (العراق)) حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال لقائه مساء الاثنين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في نيويورك (إعلام حكومي)

برنامج عراقي جديد لحصر السلاح يبدأ في أكتوبر المقبل

لن يكون 30 سبتمبر (أيلول) الحالي موعداً لاكتمال حصر السلاح في العراق، بل منطلقاً لبدء عملية جديدة تمتد إلى يونيو (حزيران) من العام المقبل.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي عراقي يمر أمام لوحة إعلانية تحمل العلم العراقي في ساحة التحرير بوسط بغداد 22 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

تفاهم عراقي - أميركي على نزع السلاح منتصف 2027

أعلن رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خطة جديدة لنزع سلاح الفصائل «تبدأ بـ90 يوماً تضمن وقف الهجمات».

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (د.ب.أ) p-circle

الزيدي يتعهد بنزع سلاح الفصائل وحلها بحلول منتصف 2027

تعهد رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، بنزع سلاح الفصائل المسلحة الموالية لإيران وحلها بحلول 30 يونيو (حزيران) 2027...

«الشرق الأوسط» (بغداد)

إسرائيل تعيد تشكيل انتشارها في جنوب لبنان

آليات عسكرية إسرائيلية تمرّ قرب منازل مدمّرة جراء غارات إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية تمرّ قرب منازل مدمّرة جراء غارات إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تعيد تشكيل انتشارها في جنوب لبنان

آليات عسكرية إسرائيلية تمرّ قرب منازل مدمّرة جراء غارات إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية تمرّ قرب منازل مدمّرة جراء غارات إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

تدخل العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان مرحلة مختلفة، مع اتجاه الجيش الإسرائيلي إلى تقليص حجم قواته وإعادة تنظيمها على امتداد ما يسميه «الخط الأصفر»، بالتوازي مع إنشاء شبكة جديدة من المواقع العسكرية، فيما تشير التغييرات في تركيبة الوحدات إلى انتقال من الاعتماد المكثف على القوات الهجومية والنخبوية إلى تثبيت خطوط الانتشار والإمساك بالمواقع.

وأفادت «القناة 12» الإسرائيلية بأن «الجيش الإسرائيلي سيدخل خلال الأيام المقبلة ما وصفته بـ(مرحلة جديدة) من القتال في جنوب لبنان، بعد استكمال عملياته في مرتفعات علي الطاهر ومناطق أخرى»، مشيرة إلى أن «ذلك يتيح تقليص القوات وإعادة تنظيمها في منطقة (الخط الأصفر) وإنشاء منظومة جديدة من المواقع العسكرية وإراحة قوات الاحتياط».

مبانٍ متضررة ومدمرة في المنصوري بجنوب لبنان فيما تهدم آليات إسرائيلية ثقيلة منازل في البلدة كما تبدو من الحنية (رويترز)

سحب وحدات هجومية

وقال مصدر مطلع على تفاصيل الانتشار العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط» إن التغييرات الأخيرة التي أدخلها الجيش الإسرائيلي على تشكيل قواته في الجنوب «تشير، من الناحية العسكرية، إلى الانتقال من الاعتماد المكثف على الوحدات الهجومية والنخبوية إلى تثبيت الجبهة والإمساك بالمواقع بواسطة وحدات نظامية ومدرعة».

وأوضح المصدر أن «القوات الإسرائيلية كانت تعتمد خلال العمليات السابقة على مجموعة من الفرق والألوية المنتشرة في الجنوب»، لافتاً إلى أن «(الفرقة 146) تولت جزءاً من المهام في القطاع الغربي، فيما شاركت (الفرقة 36) في العمليات بالقطاعَيْن الأوسط والشرقي».

وقال إن المرحلة الأخيرة «شهدت سحب عدد من الوحدات التي اضطلعت بأدوار هجومية، بينها لواء (غولاني)، واللواء المدرع الاحتياط الرابع (كرياتي)، ولواء (الكوماندوز 89)، ولواء (المظليين الاحتياط 55)، مقابل إدخال اللواء المدرع (188 باراك)، ولواء (بيسلماح 828)، وهو لواء تدريبي يمكن استخدامه في مهام قتالية».

وأضاف: «عندما تُسحب وحدات نخبة ووحدات كانت مهيّأة للاقتحام والهجوم، وتُستبدل بها وحدات نظامية أو مدرعة ووحدات تتولى أساساً الإمساك بالمواقع، فهذه إشارة عسكرية إلى أن الهدف في هذه المرحلة ليس التحضير لاندفاعة برية واسعة، بل تثبيت الجبهة والحفاظ على الوضع القائم».

آليات إسرائيلية ثقيلة تهدم منازل في بلدة المنصوري بجنوب لبنان (رويترز)

وأشار المصدر إلى أن لواء «الكوماندوز»، الذي تضم تشكيلاته وحدة «إيغوز»، إلى جانب وحدات هندسية متخصصة مثل «يهلوم»، شارك خلال المرحلة السابقة في عمليات هجومية وتدمير منشآت وأنفاق، بما في ذلك العمليات التي شهدتها منطقة علي الطاهر.

وقال: «هذه الوحدات هي من القوات التي استُخدمت في المهام الهجومية المعقّدة، وعندما يُعاد قسم منها إلى الخلف وتُستبدل وحدات أخرى به، فهذا يعني أن طبيعة المهمة نفسها تتغير».

وأضاف: «عندما تُسحب وحدات هجومية مثل (الكوماندوز) و(المظليين) و(غولاني)، فهذا يُعطي مؤشراً إلى أن الأولوية باتت تثبيت الخطوط أكثر من فتح محور هجوم بري جديد».

وشدد المصدر على أن هذا التحول «لا يعني توقف العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان»، قائلاً: «يمكن أن تستمر أعمال التفجير والهدم والعمليات الهندسية والغارات والتحركات أمام ما تسميه إسرائيل (الخط الأصفر) وفي مناطق أخرى، لكن طبيعة القوة الموجودة على الأرض تصبح مختلفة، فهي أقرب إلى قوة إمساك ودفاع منها إلى قوة معدّة لتنفيذ هجوم واسع».

وختم: «المؤشر العسكري الذي يمكن قراءته من إعادة الانتشار الحالية هو تثبيت الجبهة وإراحة الوحدات الهجومية، وليس التحضير، وفق المعطيات الموجودة حالياً، لهجوم بري واسع. أما إذا كان لذلك بعد أو قرار سياسي فهذا لا يمكن حسمه انطلاقاً من حركة الوحدات العسكرية وحدها».

تقليص القوات لا يعني تقليص الانتشار

من جهته، قال العميد المتقاعد سعيد قزح لـ«الشرق الأوسط» إن الحديث عن تقليص إسرائيل قواتها في جنوب لبنان «لا يعني بالضرورة تقليص انتشارها أو تراجع سيطرتها الميدانية»، موضحاً أن أمامها، وفق المعطيات العسكرية، أكثر من خيار يتعلق بشكل انتشارها وحجم القوات المستخدمة.

وقال قزح: «هناك احتمالان أساسيان: إما توسيع المنطقة العازلة والعمليات العسكرية باتجاه إقليم التفاح ومجرى نهر الزهراني، وإما العودة إلى ما سبق أن طُرح تحت عنوان (الخط الرمادي)، عبر إنشاء قواعد ونقاط عسكرية على امتداد هذا الخط، بعمق يقارب أربعة كيلومترات، على الصف الأول من التلال المشرفة على المستوطنات».

وأضاف: «يمكن أن تنتشر إسرائيل في نحو 20 إلى 25 نقطة على هذا الخط، بعد استكمال عمليات التدمير في المنطقة التي حددتها ضمن (الخط الأصفر)، بالإضافة إلى مناطق أخرى، بينها علي الطاهر، وتبقي بعد ذلك المنطقة المقابلة تحت المراقبة والاستطلاع الجوي والسيطرة بالنار».

وشدد على أن «تقليص القوات لا يعني تقليص الانتشار»، وقال: «بعد حجم التدمير الذي نفذته إسرائيل في القرى والمناطق الجنوبية، أصبحت قادرة على مراقبة أي تحرك في هذه المنطقة واستهدافه بالطيران، وبالتالي لم تعد بحاجة إلى العدد نفسه من القوات البرية. يمكنها خفض عدد القوات أو سحب فرقة أو فرقتين والإبقاء على الانتشار الحالي، كما يمكنها تقليص القوات إذا تراجعت إلى (الخط الرمادي)».

وأضاف: «أما إذا كان القرار هو التقدم وتوسيع نطاق العمليات فلا يمكن عندها تقليص القوات، بل تحتاج إسرائيل إلى قوات إضافية. لذلك، إذا كان الاتجاه فعلاً نحو خفض عديد القوات، فهذا يرجح عدم التقدم براً، مع الحفاظ في المقابل على السيطرة النارية».

وأكد قزح أن إسرائيل «ستحافظ على السيطرة بالنار والمراقبة الجوية والرصد، ولا سيما في المناطق التي تعتبر أنها تشكل خطراً مباشراً على المستوطنات»، مشيراً إلى أن «مواقع الرصد في جبل الشيخ تمنحها قدرة واسعة على مراقبة البقاع الغربي وأجزاء كبيرة من الجنوب، فيما تتيح المواقع والتلال التي تسيطر عليها مراقبة مساحة واسعة تمتد من مجرى الليطاني شرقاً باتجاه البقاع الغربي، وغرباً باتجاه الساحل».

تصعيد إسرائيلي في جنوب لبنان

ميدانياً، توغلت قوة إسرائيلية، صباح الجمعة، إلى محلة سدانة في خراج كفرشوبا، وطوّقت مزرعة يوجد داخلها عدد من الرعاة، بالتزامن مع إطلاق نار وقصف مدفعي في المنطقة.

وتعرضت أطراف الهبارية لقصف مدفعي وتمشيط بالرشاشات الثقيلة، مع تحركات لآليات إسرائيلية، فيما أضرمت القوات الإسرائيلية النار في عدد من المنازل بمنطقة الجلاحية في الخيام.

وطال القصف المدفعي أطراف زوطر الشرقية وميفدون والنبطية الفوقا، بالتزامن مع غارات على زوطر الشرقية وبني حيان والمنطقة بين كفرتبنيت والنبطية الفوقا، وأخرى بين فرون والغندورية أدت إلى اندلاع حريق.

كما نفّذ الجيش الإسرائيلي تفجيرات في دير سريان ومحيط الطيبة، وقصف وادي الخنازير وأطراف كفرتبنيت، فيما سجل تمشيط بالأسلحة الرشاشة باتجاه المنصوري وبيت ياحون. وكان القصف المدفعي قد استهدف ليلاً وادي الحجير ومجدل زون والأودية المجاورة.


واشنطن تضغط ليتولى الجيش اللبناني وحيداً أمن الحدود الجنوبية

جندي في «اليونيفيل» على متن آلية عسكرية خلال دورية في جنوب لبنان (اليونيفيل)
جندي في «اليونيفيل» على متن آلية عسكرية خلال دورية في جنوب لبنان (اليونيفيل)
TT

واشنطن تضغط ليتولى الجيش اللبناني وحيداً أمن الحدود الجنوبية

جندي في «اليونيفيل» على متن آلية عسكرية خلال دورية في جنوب لبنان (اليونيفيل)
جندي في «اليونيفيل» على متن آلية عسكرية خلال دورية في جنوب لبنان (اليونيفيل)

تتبنى الولايات المتحدة الأميركية مقاربة مختلفة عن المقاربة الأوروبية تجاه الحضور الدولي في الجنوب وتعزيز استقرار المنطقة الحدودية، وسط مخاوف لبنانية من «فراغ» في الجنوب، مع نهاية ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة لحفظ السلام (اليونيفيل) أواخر العام الحالي.

وبعدما أسقطت واشنطن في الأسبوع الماضي مقترحاً لبنانياً لتمديد مهمة القوة الدولية لمدة 6 أشهر، يصل وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا إلى بيروت، الأسبوع المقبل، للبحث مع الرئيس اللبناني جوزيف عون والمسؤولين اللبنانيين في مقترحات لتجنب الفراغ في الجنوب، بعد نهاية ولاية «اليونيفيل».

وقالت مصادر وزارية لبنانية لـ«الشرق الأوسط»، إن بيروت تنتظر ما يحمله لاكروا، لافتة إلى عدة مقترحات طُرحت خلال الفترة الماضية، من بينها تشكيل قوة أوروبية بديلة عن «اليونيفيل»، وزيادة عديد قوة هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة (UNTSO). ولفتت إلى المبادرة الفرنسية - الإيطالية لتشكيل قوة بديلة، إثر إعلان دول أوروبية وآسيوية مشاركة في «اليونيفيل» عن استعدادها للبقاء في لبنان لاستكمال المهمة.

مقاربتان أميركية وأوروبية

ومع أن أغلبية الدول الأعضاء في مجلس الأمن تدعم تمديد مهمة «اليونيفيل» أو تشكيل بديل عنها، فإن واشنطن ترفض ذلك. وتقول مصادر دبلوماسية غربية لـ«الشرق الأوسط» إن وجهة النظر الأميركية تفيد بأن الجيش اللبناني وحده يجب أن يتولى مهمة أمن الحدود، ومن هذا المنطلق، «يجب ألا يكون هناك داعٍ لأي قوة أخرى في المنطقة».

دورية لقوات «اليونيفيل» في الجنوب على الحدود مع إسرائيل (اليونيفيل)

لكن المقاربة الأوروبية تختلف عن المقاربة الأميركية، ولو أنها تتفق مع واشنطن على أنه في النهاية يجب أن يتولى الجيش اللبناني وحده مهمة حماية الحدود وضبط الأمن. ويتمثل الاختلاف في التوقيت. وتقول المصادر الدبلوماسية نفسها إن المقاربة الأوروبية «تفيد بأن الجيش اللبناني يجب أن يتولى المهمة بنفسه في النهاية، لكنه في هذا الوقت، لا يستطيع أن ينفذ المهمة وحده، ويحتاج إلى مؤازرة دولية في هذه المرحلة الانتقالية».

وتستند المقاربة الأوروبية إلى عاملين؛ أولهما الاحتلال الإسرائيلي وتعثر المفاوضات الأمنية في الوصول إلى تفاهمات تؤدي إلى تنسيق مباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، بينما يتمثل العامل الثاني في حاجة الجيش اللبناني للدعم، على صعيد العديد والتسليح، وهو ملف لم يُحسم في اجتماعات باريس الأسبوع الماضي، رغم الاستعداد الدولي لدعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية الرسمية.

تنسيق مباشر وشاهد دولي على إسرائيل

ويؤيد لبنان المقاربة الأوروبية، بالنظر إلى أن الجيش اللبناني «يحتاج إلى السلاح والذخيرة والآليات»، وتؤكد المصادر اللبنانية أنه «من دون هذا الدعم المطلوب، لا يستطيع الجيش وحده أن ينفذ المهمة»، وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «على واشنطن البدء بتجهيز الجيش وتقويته، قبل الحديث عن تسليمه أمن الحدود وحده».

عنصر في «اليونيفيل» يشارك في مهام إزالة مخلفات الحرب (اليونيفيل)

ولا يقتصر إلحاح لبنان على بقاء قوة دولية في الجنوب، على تجهيزات الجيش اللبناني فقط؛ إذ يرى أن الإصرار الأميركي على رفض قوة دولية في الجنوب، «تسعى به واشنطن إلى دفع الجيش اللبناني نحو تنسيق مباشر مع الجانب الإسرائيلي»، في وقت تدفع فيه بيروت باتجاه أن يكون هناك شاهد دولي على الانتهاكات الإسرائيلية في الجنوب.

وقالت مصادر لبنانية مواكبة للملف، إن بيروت «تريد شاهداً على أي خروق تقوم بها إسرائيل في الجنوب؛ لأن تل أبيب ستشكك بتقارير الجيش اللبناني وتشن الحملات عليه، لذلك فالمطلوب أن تكون هناك قوة دولية تشهد على الخروق الإسرائيلية أمام العالم، كما يتوجب عليها أن تساعد الجيش اللبناني على الانتشار». وأوضحت المصادر: «نطلب أن تكون القوة الدولية مساعدة للجيش في الانتشار وإزالة الألغام ومخلفات الحرب، والمساعدة في فتح الطرقات وتأمين الكهرباء والإسعافات والرعاية الصحية في المستوصفات وغيرها؛ لأن مهام الجيش اللبناني في الجنوب تشمل توفير الأمان للسكان العائدين في ظل الظروف الحالية».

دول منسجمة في المهمة

وخلال الفترة الماضية، برزت مقترحات لتشكيل قوة بديلة، إذا فشلت تمديد مهمة «اليونيفيل». وأبدت عدة دول، وفي مقدمها دول أوروبية، استعدادها لتكون جزءاً من تلك القوة.

وقالت المصادر الدبلوماسية لـ«الشرق الأوسط» إن اجتماعات بين ممثلين لدول أوروبية ناقشت، مطلع هذا الشهر، فكرة أن تكون هناك مهمة بديلة، وركزت على أن تكون الأطراف المضطلعة بالمهمة «منسجمة في المقام الأول، وتحظى بموافقة لبنان وإسرائيل»، إضافة إلى نقاشات دارت حول تمويلها.

وأعربت دول كثيرة عن استعدادها لتكون من ضمن أي قوة بديلة يجري تشكيلها، وفي مقدمها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا، حسبما قالت مصادر لبنانية مواكبة للملف.

جنود من بعثة «اليونيفيل» يشاركون في دورية عسكرية في جنوب لبنان على الحدود مع إسرائيل (اليونيفيل)

ويبلغ عديد القوة الدولية العاملة في الجنوب الآن 8100 عنصر، ولا تزال القوة الفرنسية تنفذ دوريات في المنطقة الحدودية التي تحتلها إسرائيل، وتواكب قوافل اللبنانيين المقيمين في ثلاث قرى حدودية تشكنها أغلبية مسيحية، إلى العمق اللبناني في رحلتي الذهاب والإياب.

دفع لبناني متواصل

ويدفع لبنان باتجاه توفير المظلة الدولية في الجنوب وتجنب الفراغ الأمني والدولي فيه، وهو ملف يُطرح مع جميع الموفدين الدوليين، وكان آخرهم كبير مستشاري الحكومة البريطانية لشؤون الدفاع في الشرق الأوسط الأميرال إدوارد ألغرن الذي استقبله الرئيس عون في بيروت، وأكد أن عدم التمديد لـ«يونيفيل» من دون تشكيل قوة دولية بديلة سيؤدي إلى فراغ لا يخدم الأمن والاستقرار في المنطقة، خصوصاً في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لعدد من القرى والبلدات الجنوبية.

واصطدمت الجهود اللبنانية بالرفض الأميركي، ويسعى رئيس الحكومة نواف سلام لحلحلة هذه الأزمة مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال لقائهما في واشنطن، الاثنين المقبل، بعدما بحثه مع العديد من الشخصيات التي التقى بها في نيويورك على هامش مشاركته في الدورة الـ81 من اجتماعات الهيئة العامة للأمم المتحدة، ومن بينها اجتماعه مع وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ توم فليتشر، الخميس. وقال خلال اللقاء: «بحثنا أهمية استمرار وجود دولي تحت مظلة الأمم المتحدة في الجنوب بعد انتهاء مهمة (اليونيفيل)، بما يحول دون حصول أي فراغ ويدعم الاستقرار ومسار بسط سلطة الدولة».


شبكات تهريب الأشخاص تستأنف نشاطها على الحدود السورية - اللبنانية

صورة نشرها الجيش اللبناني لبحريته أثناء إنقاذها المهاجرين السوريين (إكس)
صورة نشرها الجيش اللبناني لبحريته أثناء إنقاذها المهاجرين السوريين (إكس)
TT

شبكات تهريب الأشخاص تستأنف نشاطها على الحدود السورية - اللبنانية

صورة نشرها الجيش اللبناني لبحريته أثناء إنقاذها المهاجرين السوريين (إكس)
صورة نشرها الجيش اللبناني لبحريته أثناء إنقاذها المهاجرين السوريين (إكس)

عادت أزمة تهريب الأشخاص من سوريا إلى لبنان لسلّم الأولويات اللبنانية، على خلفية معلومات عن تنشيط شبكات التهريب عملياتها خلال الفترة الماضية، رغم أن هذه العمليات لا تزال «محدودة»، وفق ما يقول مصدر عسكري لبناني لـ«الشرق الأوسط».

وأفادت قنوات إخبارية محلية بتسجيل عمليات تهريب أشخاص من سوريا إلى لبنان عبر معابر غير شرعية في المناطق الحدودية بعكار، مشيرة إلى حركة عبور شبه يومية لعشرات الأشخاص. إلا أن مصدراً عسكرياً نفى تسجيل أي حركة غير اعتيادية في هذا المجال، مؤكداً أن «ما يحصل يندرج في إطار العمليات المحدودة المتواصلة عبر المعابر غير الشرعية». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الجيش يقوم بالمهام المطلوبة منه في إطار ضبط الحدود، لكن تداخل البلدات اللبنانية والسورية وطول هذه الحدود يجعلان من الصعب جداً ضبطها بالكامل، وهي أزمة تعاني منها كثير من دول العالم».

وليس واضحاً ما إذا كان معظم الداخلين خلسة إلى لبنان يعتزمون الاستقرار فيه، أم استخدامه محطة للانتقال إلى أوروبا، خصوصاً أن السنوات الماضية شهدت إحباط محاولات عدة لنقل أشخاص على متن قوارب من الساحل اللبناني إلى دول أوروبية، فيما أنقذ الجيش اللبناني مهاجرين غرق مركبهم قبالة سواحل شمال لبنان.

وتتزامن هذه التطورات مع معلومات عن ملاحقة عدد من الضباط السابقين في النظام السابق، ولا سيما الضباط من الرتب الصغيرة، في مناطق عدة.

العمليات ازدادت

ويؤكد النائب عن محافظة عكار (شمال لبنان)، جيمي جبور، أن «عمليات تهريب الأشخاص بين سوريا ولبنان لم تتوقف بعد سقوط النظام السابق، بل ازدادت في بعض الأحيان، خصوصاً أن الدخول القانوني إلى لبنان يتطلب أذونات خاصة من الأمن العام». ويلفت إلى أن «هذا النوع من التهريب، الذي رفعنا صوتنا مراراً للمطالبة بوقفه ومكافحته، لا يزال يشكل عبئاً اقتصادياً واجتماعياً كبيراً على لبنان، من دون إغفال الخطر الأمني الكبير الذي قد يترتب عليه، إذ يؤدي في بعض الأحيان إلى دخول مجموعات إرهابية تحت ستار العمل والارتزاق».

ويشدد جبور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أن «مقاربة الحلول ليست كلها مسؤولية الجيش، إنما هي بالدرجة الأولى قرار سياسي يبدأ بمجلس الوزراء أو مجلس الدفاع الأعلى، تليه إجراءات عسكرية وقضائية وإدارية تؤدي إلى تشديد العقوبات والإجراءات والتدابير الاحترازية».

الوضع في البقاع

ولا تقتصر عمليات التهريب على الحدود الشمالية، إذ يؤكد رئيس بلدية القاع الحدودية مع سوريا والواقعة شرقاً، بشير مطر، أن «عمليات التهريب ناشطة، والوضع صعب، والمخاطر تتنوع ما بين اقتصادية واجتماعية وأمنية، خاصة أن الداخلين خلسة بعضهم يؤيد النظام السابق في سوريا وبعضهم النظام الحالي».

ويعد مطر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن المعالجات الرسمية اللبنانية للملف ليست جدية، ولا يفترض تحميل الجيش المسؤولية، إذ إن هناك مسؤوليات يتحملها الجميع، بدءاً ممن يشغل سوريين من دون أوراق تخولهم العمل في لبنان، وصولاً لمن لا يتخذون تدابير رادعة بحق عصابات التهريب»، مضيفاً: «نخشى أن يكون التغاضي عن الموضوع مقصوداً لتهريب السلاح والمجموعات المسلحة».

الواقع من الجهة السورية

ومن الجهة السورية، تحدّث ناشطون سوريون لـ«الشرق الأوسط» عن «عودة حركة العبور غير النظامية من منطقة الحميدية بريف طرطوس باتجاه الأراضي اللبنانية، مع تسجيل نشاط متزايد في عمليات نقل شباب عبر زوارق بحرية باتجاه الساحل المقابل لمدينة طرابلس، بالتزامن مع استمرار مسارات التهريب عبر الطرق البرية والمناطق الحدودية».

وسلّم لبنان إلى سوريا في الأسبوع الماضي 21 مدنياً سورياً، أوقفتهم السلطات اللبنانية بعد إنقاذ قاربهم، الذي غرق قبالة السواحل اللبنانية، وكان يضم مهاجرين غير شرعيين، وفق ما أكد مصدر أمني لبناني لـ«الشرق الأوسط».

وكان مدنيون سوريون انطلقوا مطلع سبتمبر (أيلول) من الساحل السوري على متن قوارب، في رحلة هجرة غير شرعية في البحر المتوسط، وتعرّض القارب لحريق، ثم غرق قبالة السواحل الشمالية اللبنانية، وأنقذهم الجيش اللبناني.