موت «ملك النفط» يكشف «إمبراطورية جرف الصخر» في العراق

«أبو سيف»... رجل الفصائل الذي بنى «أفران» البترول وجيش الوسطاء

صورة نشرها «الحشد الشعبي» لعناصره في بلدة جرف الصخر جنوب بغداد في عام 2014
صورة نشرها «الحشد الشعبي» لعناصره في بلدة جرف الصخر جنوب بغداد في عام 2014
TT

موت «ملك النفط» يكشف «إمبراطورية جرف الصخر» في العراق

صورة نشرها «الحشد الشعبي» لعناصره في بلدة جرف الصخر جنوب بغداد في عام 2014
صورة نشرها «الحشد الشعبي» لعناصره في بلدة جرف الصخر جنوب بغداد في عام 2014

تكشف عملية اغتيال غامضة لقيادي في فصيل عراقي، جرت أخيراً في نطاق الحرب الدائرة على إيران، تفاصيل مثيرة عن تجارة النفط التي تديرها «إمبراطورية جرف الصخر» جنوب بغداد، وفق رواية مسؤولين ومصادر محلية.

أفاد هؤلاء بأن «حدثاً كبيراً» أسفر عن اغتيال شخصية قيادية تكنى بـ«أبو سيف»، يُعتقد أنه «المسؤول الأول عن إدارة الأنشطة التجارية المتعلقة بالنفط الخام المهرب وتكريره وبيع مشتقاته».

وأشار المسؤولون الذين طلبوا التحفظ على هوياتهم بسبب حساسية الأمر، إلى أن القيادي المعروف باسم «أبو سيف» ربما استُهدف بطائرة مسيّرة بالتزامن مع التصعيد الأمني في العراق، على وقع الحرب على إيران.

ويُعتقد أن الولايات المتحدة أو إسرائيل نفذت العملية في ظل تحليق مكثف للطيران العسكري بمختلف أنواعه فوق مناطق عدة من العراق، استمر طوال الأسبوع الماضي. وتقول مصادر إن هذا التحليق كان يهدف إلى رصد جماعات وأفراد انخرطوا بالفعل في الحرب.

ومنذ 28 فبراير (شباط) 2026، تحولت سماء العراق إلى مسرح صاخب لتحليق المسيّرات والمروحيات القتالية والصواريخ، من أطراف النزاع الإقليمي: الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران ووكلائها في العراق من جهة أخرى.

عصب الميليشيات

«أبو سيف» شخصية غامضة تعمل خلف الكواليس. تقول المصادر إن مسيرة الرجل بدأت كواحد من عناصر ميليشيا «جيش المهدي» التابع لمقتدى الصدر، قبل أن ينشق مع آخرين من أقرانه لينضموا إلى فصائل أخرى بات نفوذها اليوم قوياً.

وقد تحول الرجل خلال السنوات العشر الماضية إلى نقطة مركزية لإدارة عمليات خاصة للفصائل المسلحة تتركز على تجارة النفط، وإنشاء شبكات مصالح مع وسطاء من محافظات عراقية شمال وغرب العراق، لاستخدامهم للتمويه على انتمائه الفصائلي في ما يُعرف بـ«سوق الظل الكبير» للنفط في العراق.

ووصف رجل مطلع على سوق النفط الموازية في العراق «أبو سيف» بأنه أحد «أعصاب الاقتصاد الموازي للجماعات الموالية لإيران».

ومع تعاظم التجارة التي يديرها بعناية وحذر، وتوسع الشبكة التي تنفذ أعماله من تصفية النفط وتكريره وبيعه للسوق المحلية أو إرساله إلى كردستان العراق، تحول «أبو سيف» إلى أحد «ملوك النفط» في العراق، وفق المصادر.

وكشفت المصادر أن شبكة الرجل تستحوذ منذ سنوات على مجموعة من «المصافي المتنقلة» المعروفة محلياً باسم «الأفران»؛ إذ تقوم بإنتاج المشتقات النفطية من النفط الخام المسحوب من ثقوب وفتحات غير نظامية في أنابيب نقل النفط الخام.

ويشرح مهندس نفط سابق الوظيفة التي تقوم بها «الأفران» أو المصافي المتنقلة بأنها «وحدات تكرير صغيرة مصممة لتكون سهلة النقل والتركيب. تعتمد على التقطير البسيط، وتتكون من صهريج التسخين، وأبراج التقطير المصغرة، ونظام التبريد، وخزانات التجميع، حيث تنتهي العملية إلى بنزين وكيروسين وديزل ومنتجات أخرى في خزانات منفصلة».

وتحقق هذه العملية البدائية أرباحاً طائلة، رغم أنها تفتقر إلى معايير السلامة والبيئة، مما يجعلها عرضة للانفجار وتسبب تلوثاً شديداً. ويقول المهندس النفطي إن الوقود الناتج يكون غالباً ذا جودة رديئة تضر بمحركات السيارات.

وتؤكد المصادر أن الاستدلال على عمل «الأفران» يكون من خلال الأثر الذي تتركه؛ إذ تترك «بقعاً سوداء» مدمرة للتربة والمياه الجوفية في المناطق التي تُنصب فيها.

«أفران جرف الصخر»

وقالت مصادر أمنية إن «الأفران» خُدمت في مناطق شهدت اضطرابات أمنية بعد عام 2014، واستخدمتها جماعات مسلحة ومهربون لتكرير النفط المستخرج من الآبار النفطية الصغيرة أو «المثقوبة» من الأنابيب الرئيسية.

تستند هذه الرواية إلى مقابلات أُجريت عن بُعد مع مصادر أمنية ومحلية، غير أن التحقق الميداني منها يبقى صعباً، نظراً إلى القيود المفروضة منذ سنوات على دخول جرف الصخر، التي لا تزال مغلقة إلى حد كبير أمام الصحافيين والباحثين.

وبلدة جرف الصخر جنوب بغداد إحدى أبرز المناطق التي ازدهرت فيها أنشطة «الأفران» النفطية؛ إذ تمر عبرها أنابيب نفطية استراتيجية تربط بين الحقول الجنوبية والمصافي والمحطات الشمالية والوسطى.

وتحولت جرف الصخر إلى أحد أهم معاقل الفصائل العراقية منذ عام 2014، حين بدأت عمليات عسكرية لاستعادة البلدة الزراعية من تنظيم «داعش». ومثلما نجحت الفصائل الشيعية في طرد عناصر التنظيم، أجبرت نحو 120 ألفاً من المدنيين على مغادرتها.

الفصائل العراقية نفذت عمليات عسكرية عام 2014 لمحاربة «داعش» في جرف الصخر وأجبرت آلاف المدنيين على مغادرتها (إعلام هيئة «الحشد الشعبي»)

في السنوات اللاحقة، تحولت البلدة التي كانت تعتمد منذ التسعينات على زراعة المحاصيل الزراعية إلى مركز معقد لإدارة العمليات العسكرية والاستخبارية للفصائل المسلحة.

وفي هذه المزارع، وجدت الفصائل المسلحة موقعاً آمناً لإخفاء «الأفران» وأسطول من الصهاريج والمعدات التي يشغلها عاملون ذوو خبرة في وظيفة لا يتقنها إلا الخبراء النفطيون، وفقاً للمصادر.

عملاء «ملك النفط»

تكشف المصادر الطريقة التي تعمل بها شبكة «أبو سيف»؛ إذ تُنقل المنتجات المكررة عن طريق «الأفران» إلى صهاريج خاصة لا تحمل «برقيات» ترخص حركتها، متجهة إلى مصافٍ أهلية أو مؤسسات لديها عقود تشغيلية مع الحكومة تتطلب استهلاكاً أساسياً لمشتقات النفط، مثل الأسفلت.

وفي الظروف الطبيعية، يتوجب على ناقل المشتقات النفطية حمل أوراق ثبوتية من بينها «برقية» تساعده على اجتياز نقاط التفتيش النظامية بين المحافظات العراقية، إلا أن «أبو سيف» كان يمتلك النفوذ الكافي لنقل المنتجات وتسليمها من دون اعتراض جهات أمنية وحكومية.

وتقول المصادر إن العشرات من المقاولين والوسطاء يشكلون جيشاً من العملاء الذين يخدمون «ملك النفط»، ويتولون تنفيذ المراحل المختلفة من العملية، بدءاً من تشغيل «الأفران» ونقلها، وانتهاء بتوزيعها على المعامل والمصافي، لكن اللافت أن عدداً كبيراً منهم ينشطون في مدن شمال العراق وغربه.

الصفقة الأخيرة

قبل اغتياله الغامض بنحو شهر، كان «أبو سيف» قد أنجز صفقته الأخيرة. تفيد المصادر بأن «ملك النفط» تمكن مع شبكته من بيع نحو 600 ألف طن من منتجات النفط بقيمة 120 مليون دولار، نصفها تقريباً مبيعات للسوق المحلية.

وليس من الواضح حتى الآن كيف تجمع الشبكة أموالها وأين تُودع، لكن المصادر تقول إن قيمة الصفقات التي يبرمها «أبو سيف» تعد أرباحاً صافية بسبب سحب النفط من الأنابيب مجاناً بطريقة غير شرعية.

وغالباً ما تعلن السلطات الأمنية في العراق عن تفكيك «مواقع لتدوير وتهريب المشتقات النفطية» وضبط صهاريج ومصافٍ غير قانونية في أنحاء متفرقة من البلاد. وفي بعض تلك الحالات تظهر التحقيقات الأولية أن الشبكة تتألف من مجموعات صغيرة يقودها تاجر نفط ومشغلون وضباط أمن وجيش متورطون.

ومنذ عام 2018، بدأ اقتصاد النفط المهرب من قبل الميليشيات العراقية يلفت اهتمام الوكالات الأميركية؛ إذ فرضت واشنطن عقوبات على شخصيات وشبكات عراقية تتهمها بالضلوع في اقتصاد الفصائل. ومن أبرز الأسماء رجل الأعمال سالم أحمد سعيد الذي أدرجته وزارة الخزانة الأميركية عام 2025 بتهمة إدارة شبكة شركات باعت النفط الإيراني على أنه نفط عراقي، مستخدمة شركات واجهة وعمليات نقل بين السفن لإخفاء مصدر الشحنات.

كما فرضت واشنطن عقوبات على رجل الأعمال وليد خالد حميد السامرائي لاتهامه بإدارة شبكة ناقلات وشركات شحن استُخدمت لتهريب النفط الإيراني وخلطه بالنفط العراقي قبل تسويقه في الأسواق الدولية.

وتقول المصادر إن «ملك النفط» يصدر كميات كبيرة من المشتقات الثقيلة أو زيت الوقود الأسود إلى شبكات إقليمية متعاونة، تقوم بخلطها مع نفط إيراني وتسهيل تصديره بكميات أكبر بوثائق شحن مختلفة.

«إمبراطورية الجرف»

تعتقد المصادر أن عملية اغتيال «ملك النفط» في غمرة الحرب على إيران جاءت نتيجة انخراطه، على الأرجح، في أنشطة عسكرية بدأت تتصاعد ضد المصالح الأميركية من داخل بلدة جرف الصخر.

وأفادت مصادر سياسية بأن جماعات شيعية مسلحة حصلت، في أعقاب مقتل المرشد الإيراني، على أوامر من «الحرس الثوري» الإيراني للقيام بعمليات عسكرية تستهدف «إلحاق الضرر بالولايات المتحدة وحلفائها»، واختيار «أكثر الأهداف أهمية».

ورغم أن «أبو سيف» كان مسؤولاً عن تجارة النفط وتوزيع «الأفران» وإخفائها في مزارع جرف الصخر، فإن اغتياله جاء بعد التشابك بين مهامه التجارية وأوامر بتنفيذ مهمات عسكرية، يُرجح أنها شملت أنشطة مسيّرات ملغمة انطلاقاً من البلدة.

وتعكس هذه الأدوار المركبة كيف تمكنت الفصائل العراقية من إنشاء إمبراطورية شبه متكاملة داخل جرف الصخر تقوم بوظائف أمنية واقتصادية معقدة.

وتضم هذه الإمبراطورية السرية مخازن صواريخ ومسيّرات، ومعامل لاختبار وصناعة متفجرات محلية، إلى جانب مزارع وبحيرات أسماك، ومصافٍ متنقلة، ومراكز قيادة ومعلومات، وسجون محصنة. وتعمل المنطقة عموماً كمقرات إقليمية بديلة لوحدات من «حزب الله اللبناني» ومستشارين من «الحرس الثوري» الإيراني.


مقالات ذات صلة

محافظ بنك إنجلترا: ارتفاع أسعار الطاقة يصعّب إبقاء الفائدة دون تغيير

الاقتصاد مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

محافظ بنك إنجلترا: ارتفاع أسعار الطاقة يصعّب إبقاء الفائدة دون تغيير

قال محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي يوم الجمعة إن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة سيجعل من الصعب على البنك المركزي إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك (رويترز) p-circle

بزشكيان من فندق بنيويورك: لا نريد قتل ترمب... وخامنئي بصحة جيدة

في مشهد غير مألوف، عقد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان جلسة مع مجموعة من الصحافيين في أحد فنادق نيويورك.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي مسافرون يصلون إلى مطار بغداد الدولي (رويترز - أرشيفية)

واشنطن ستسلّم العراق المركز الدبلوماسي واللوجستي في مطار بغداد

ستقوم واشنطن بتسليم العراق المركز الدبلوماسي واللوجستي في مطار بغداد، الذي تعرّض للاستهداف مراراً من قبل مجموعات مسلحة موالية لإيران خلال حرب الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
الاقتصاد ورقة نقدية من الروبية الهندية في صورة توضيحية (رويترز)

السندات الهندية تتراجع متجهةً لتسجيل سادس خسارة أسبوعية

تراجعت السندات الحكومية الهندية في التعاملات المبكرة يوم الجمعة، متجهة إلى تسجيل سادس خسارة أسبوعية متتالية.

«الشرق الأوسط» (مومباي)
أميركا اللاتينية الرئيس الكولومبي الجديد أبيلاردو دي لا إسبيرييا يتحدث خلال حفل توقيع اتفاقيات ثنائية مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في بارانكويلا بكولومبيا يوم 8 سبتمبر 2026 (رويترز)

كولومبيا تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران

أعلنت كولومبيا، الخميس، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، لتصبح بذلك أحدث حليف لواشنطن في أميركا اللاتينية يقطع صلاته بالعدو اللدود للولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

إسرائيل تعيد تشكيل انتشارها في جنوب لبنان

آليات عسكرية إسرائيلية تمرّ قرب منازل مدمّرة جراء غارات إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية تمرّ قرب منازل مدمّرة جراء غارات إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تعيد تشكيل انتشارها في جنوب لبنان

آليات عسكرية إسرائيلية تمرّ قرب منازل مدمّرة جراء غارات إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية تمرّ قرب منازل مدمّرة جراء غارات إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

تدخل العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان مرحلة مختلفة، مع اتجاه الجيش الإسرائيلي إلى تقليص حجم قواته وإعادة تنظيمها على امتداد ما يسميه «الخط الأصفر»، بالتوازي مع إنشاء شبكة جديدة من المواقع العسكرية، فيما تشير التغييرات في تركيبة الوحدات إلى انتقال من الاعتماد المكثف على القوات الهجومية والنخبوية إلى تثبيت خطوط الانتشار والإمساك بالمواقع.

وأفادت «القناة 12» الإسرائيلية بأن «الجيش الإسرائيلي سيدخل خلال الأيام المقبلة ما وصفته بـ(مرحلة جديدة) من القتال في جنوب لبنان، بعد استكمال عملياته في مرتفعات علي الطاهر ومناطق أخرى»، مشيرة إلى أن «ذلك يتيح تقليص القوات وإعادة تنظيمها في منطقة (الخط الأصفر) وإنشاء منظومة جديدة من المواقع العسكرية وإراحة قوات الاحتياط».

مبانٍ متضررة ومدمرة في المنصوري بجنوب لبنان فيما تهدم آليات إسرائيلية ثقيلة منازل في البلدة كما تبدو من الحنية (رويترز)

سحب وحدات هجومية

وقال مصدر مطلع على تفاصيل الانتشار العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط» إن التغييرات الأخيرة التي أدخلها الجيش الإسرائيلي على تشكيل قواته في الجنوب «تشير، من الناحية العسكرية، إلى الانتقال من الاعتماد المكثف على الوحدات الهجومية والنخبوية إلى تثبيت الجبهة والإمساك بالمواقع بواسطة وحدات نظامية ومدرعة».

وأوضح المصدر أن «القوات الإسرائيلية كانت تعتمد خلال العمليات السابقة على مجموعة من الفرق والألوية المنتشرة في الجنوب»، لافتاً إلى أن «(الفرقة 146) تولت جزءاً من المهام في القطاع الغربي، فيما شاركت (الفرقة 36) في العمليات بالقطاعَيْن الأوسط والشرقي».

وقال إن المرحلة الأخيرة «شهدت سحب عدد من الوحدات التي اضطلعت بأدوار هجومية، بينها لواء (غولاني)، واللواء المدرع الاحتياط الرابع (كرياتي)، ولواء (الكوماندوز 89)، ولواء (المظليين الاحتياط 55)، مقابل إدخال اللواء المدرع (188 باراك)، ولواء (بيسلماح 828)، وهو لواء تدريبي يمكن استخدامه في مهام قتالية».

وأضاف: «عندما تُسحب وحدات نخبة ووحدات كانت مهيّأة للاقتحام والهجوم، وتُستبدل بها وحدات نظامية أو مدرعة ووحدات تتولى أساساً الإمساك بالمواقع، فهذه إشارة عسكرية إلى أن الهدف في هذه المرحلة ليس التحضير لاندفاعة برية واسعة، بل تثبيت الجبهة والحفاظ على الوضع القائم».

آليات إسرائيلية ثقيلة تهدم منازل في بلدة المنصوري بجنوب لبنان (رويترز)

وأشار المصدر إلى أن لواء «الكوماندوز»، الذي تضم تشكيلاته وحدة «إيغوز»، إلى جانب وحدات هندسية متخصصة مثل «يهلوم»، شارك خلال المرحلة السابقة في عمليات هجومية وتدمير منشآت وأنفاق، بما في ذلك العمليات التي شهدتها منطقة علي الطاهر.

وقال: «هذه الوحدات هي من القوات التي استُخدمت في المهام الهجومية المعقّدة، وعندما يُعاد قسم منها إلى الخلف وتُستبدل وحدات أخرى به، فهذا يعني أن طبيعة المهمة نفسها تتغير».

وأضاف: «عندما تُسحب وحدات هجومية مثل (الكوماندوز) و(المظليين) و(غولاني)، فهذا يُعطي مؤشراً إلى أن الأولوية باتت تثبيت الخطوط أكثر من فتح محور هجوم بري جديد».

وشدد المصدر على أن هذا التحول «لا يعني توقف العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان»، قائلاً: «يمكن أن تستمر أعمال التفجير والهدم والعمليات الهندسية والغارات والتحركات أمام ما تسميه إسرائيل (الخط الأصفر) وفي مناطق أخرى، لكن طبيعة القوة الموجودة على الأرض تصبح مختلفة، فهي أقرب إلى قوة إمساك ودفاع منها إلى قوة معدّة لتنفيذ هجوم واسع».

وختم: «المؤشر العسكري الذي يمكن قراءته من إعادة الانتشار الحالية هو تثبيت الجبهة وإراحة الوحدات الهجومية، وليس التحضير، وفق المعطيات الموجودة حالياً، لهجوم بري واسع. أما إذا كان لذلك بعد أو قرار سياسي فهذا لا يمكن حسمه انطلاقاً من حركة الوحدات العسكرية وحدها».

تقليص القوات لا يعني تقليص الانتشار

من جهته، قال العميد المتقاعد سعيد قزح لـ«الشرق الأوسط» إن الحديث عن تقليص إسرائيل قواتها في جنوب لبنان «لا يعني بالضرورة تقليص انتشارها أو تراجع سيطرتها الميدانية»، موضحاً أن أمامها، وفق المعطيات العسكرية، أكثر من خيار يتعلق بشكل انتشارها وحجم القوات المستخدمة.

وقال قزح: «هناك احتمالان أساسيان: إما توسيع المنطقة العازلة والعمليات العسكرية باتجاه إقليم التفاح ومجرى نهر الزهراني، وإما العودة إلى ما سبق أن طُرح تحت عنوان (الخط الرمادي)، عبر إنشاء قواعد ونقاط عسكرية على امتداد هذا الخط، بعمق يقارب أربعة كيلومترات، على الصف الأول من التلال المشرفة على المستوطنات».

وأضاف: «يمكن أن تنتشر إسرائيل في نحو 20 إلى 25 نقطة على هذا الخط، بعد استكمال عمليات التدمير في المنطقة التي حددتها ضمن (الخط الأصفر)، بالإضافة إلى مناطق أخرى، بينها علي الطاهر، وتبقي بعد ذلك المنطقة المقابلة تحت المراقبة والاستطلاع الجوي والسيطرة بالنار».

وشدد على أن «تقليص القوات لا يعني تقليص الانتشار»، وقال: «بعد حجم التدمير الذي نفذته إسرائيل في القرى والمناطق الجنوبية، أصبحت قادرة على مراقبة أي تحرك في هذه المنطقة واستهدافه بالطيران، وبالتالي لم تعد بحاجة إلى العدد نفسه من القوات البرية. يمكنها خفض عدد القوات أو سحب فرقة أو فرقتين والإبقاء على الانتشار الحالي، كما يمكنها تقليص القوات إذا تراجعت إلى (الخط الرمادي)».

وأضاف: «أما إذا كان القرار هو التقدم وتوسيع نطاق العمليات فلا يمكن عندها تقليص القوات، بل تحتاج إسرائيل إلى قوات إضافية. لذلك، إذا كان الاتجاه فعلاً نحو خفض عديد القوات، فهذا يرجح عدم التقدم براً، مع الحفاظ في المقابل على السيطرة النارية».

وأكد قزح أن إسرائيل «ستحافظ على السيطرة بالنار والمراقبة الجوية والرصد، ولا سيما في المناطق التي تعتبر أنها تشكل خطراً مباشراً على المستوطنات»، مشيراً إلى أن «مواقع الرصد في جبل الشيخ تمنحها قدرة واسعة على مراقبة البقاع الغربي وأجزاء كبيرة من الجنوب، فيما تتيح المواقع والتلال التي تسيطر عليها مراقبة مساحة واسعة تمتد من مجرى الليطاني شرقاً باتجاه البقاع الغربي، وغرباً باتجاه الساحل».

تصعيد إسرائيلي في جنوب لبنان

ميدانياً، توغلت قوة إسرائيلية، صباح الجمعة، إلى محلة سدانة في خراج كفرشوبا، وطوّقت مزرعة يوجد داخلها عدد من الرعاة، بالتزامن مع إطلاق نار وقصف مدفعي في المنطقة.

وتعرضت أطراف الهبارية لقصف مدفعي وتمشيط بالرشاشات الثقيلة، مع تحركات لآليات إسرائيلية، فيما أضرمت القوات الإسرائيلية النار في عدد من المنازل بمنطقة الجلاحية في الخيام.

وطال القصف المدفعي أطراف زوطر الشرقية وميفدون والنبطية الفوقا، بالتزامن مع غارات على زوطر الشرقية وبني حيان والمنطقة بين كفرتبنيت والنبطية الفوقا، وأخرى بين فرون والغندورية أدت إلى اندلاع حريق.

كما نفّذ الجيش الإسرائيلي تفجيرات في دير سريان ومحيط الطيبة، وقصف وادي الخنازير وأطراف كفرتبنيت، فيما سجل تمشيط بالأسلحة الرشاشة باتجاه المنصوري وبيت ياحون. وكان القصف المدفعي قد استهدف ليلاً وادي الحجير ومجدل زون والأودية المجاورة.


واشنطن تضغط ليتولى الجيش اللبناني وحيداً أمن الحدود الجنوبية

جندي في «اليونيفيل» على متن آلية عسكرية خلال دورية في جنوب لبنان (اليونيفيل)
جندي في «اليونيفيل» على متن آلية عسكرية خلال دورية في جنوب لبنان (اليونيفيل)
TT

واشنطن تضغط ليتولى الجيش اللبناني وحيداً أمن الحدود الجنوبية

جندي في «اليونيفيل» على متن آلية عسكرية خلال دورية في جنوب لبنان (اليونيفيل)
جندي في «اليونيفيل» على متن آلية عسكرية خلال دورية في جنوب لبنان (اليونيفيل)

تتبنى الولايات المتحدة الأميركية مقاربة مختلفة عن المقاربة الأوروبية تجاه الحضور الدولي في الجنوب وتعزيز استقرار المنطقة الحدودية، وسط مخاوف لبنانية من «فراغ» في الجنوب، مع نهاية ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة لحفظ السلام (اليونيفيل) أواخر العام الحالي.

وبعدما أسقطت واشنطن في الأسبوع الماضي مقترحاً لبنانياً لتمديد مهمة القوة الدولية لمدة 6 أشهر، يصل وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا إلى بيروت، الأسبوع المقبل، للبحث مع الرئيس اللبناني جوزيف عون والمسؤولين اللبنانيين في مقترحات لتجنب الفراغ في الجنوب، بعد نهاية ولاية «اليونيفيل».

وقالت مصادر وزارية لبنانية لـ«الشرق الأوسط»، إن بيروت تنتظر ما يحمله لاكروا، لافتة إلى عدة مقترحات طُرحت خلال الفترة الماضية، من بينها تشكيل قوة أوروبية بديلة عن «اليونيفيل»، وزيادة عديد قوة هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة (UNTSO). ولفتت إلى المبادرة الفرنسية - الإيطالية لتشكيل قوة بديلة، إثر إعلان دول أوروبية وآسيوية مشاركة في «اليونيفيل» عن استعدادها للبقاء في لبنان لاستكمال المهمة.

مقاربتان أميركية وأوروبية

ومع أن أغلبية الدول الأعضاء في مجلس الأمن تدعم تمديد مهمة «اليونيفيل» أو تشكيل بديل عنها، فإن واشنطن ترفض ذلك. وتقول مصادر دبلوماسية غربية لـ«الشرق الأوسط» إن وجهة النظر الأميركية تفيد بأن الجيش اللبناني وحده يجب أن يتولى مهمة أمن الحدود، ومن هذا المنطلق، «يجب ألا يكون هناك داعٍ لأي قوة أخرى في المنطقة».

دورية لقوات «اليونيفيل» في الجنوب على الحدود مع إسرائيل (اليونيفيل)

لكن المقاربة الأوروبية تختلف عن المقاربة الأميركية، ولو أنها تتفق مع واشنطن على أنه في النهاية يجب أن يتولى الجيش اللبناني وحده مهمة حماية الحدود وضبط الأمن. ويتمثل الاختلاف في التوقيت. وتقول المصادر الدبلوماسية نفسها إن المقاربة الأوروبية «تفيد بأن الجيش اللبناني يجب أن يتولى المهمة بنفسه في النهاية، لكنه في هذا الوقت، لا يستطيع أن ينفذ المهمة وحده، ويحتاج إلى مؤازرة دولية في هذه المرحلة الانتقالية».

وتستند المقاربة الأوروبية إلى عاملين؛ أولهما الاحتلال الإسرائيلي وتعثر المفاوضات الأمنية في الوصول إلى تفاهمات تؤدي إلى تنسيق مباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، بينما يتمثل العامل الثاني في حاجة الجيش اللبناني للدعم، على صعيد العديد والتسليح، وهو ملف لم يُحسم في اجتماعات باريس الأسبوع الماضي، رغم الاستعداد الدولي لدعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية الرسمية.

تنسيق مباشر وشاهد دولي على إسرائيل

ويؤيد لبنان المقاربة الأوروبية، بالنظر إلى أن الجيش اللبناني «يحتاج إلى السلاح والذخيرة والآليات»، وتؤكد المصادر اللبنانية أنه «من دون هذا الدعم المطلوب، لا يستطيع الجيش وحده أن ينفذ المهمة»، وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «على واشنطن البدء بتجهيز الجيش وتقويته، قبل الحديث عن تسليمه أمن الحدود وحده».

عنصر في «اليونيفيل» يشارك في مهام إزالة مخلفات الحرب (اليونيفيل)

ولا يقتصر إلحاح لبنان على بقاء قوة دولية في الجنوب، على تجهيزات الجيش اللبناني فقط؛ إذ يرى أن الإصرار الأميركي على رفض قوة دولية في الجنوب، «تسعى به واشنطن إلى دفع الجيش اللبناني نحو تنسيق مباشر مع الجانب الإسرائيلي»، في وقت تدفع فيه بيروت باتجاه أن يكون هناك شاهد دولي على الانتهاكات الإسرائيلية في الجنوب.

وقالت مصادر لبنانية مواكبة للملف، إن بيروت «تريد شاهداً على أي خروق تقوم بها إسرائيل في الجنوب؛ لأن تل أبيب ستشكك بتقارير الجيش اللبناني وتشن الحملات عليه، لذلك فالمطلوب أن تكون هناك قوة دولية تشهد على الخروق الإسرائيلية أمام العالم، كما يتوجب عليها أن تساعد الجيش اللبناني على الانتشار». وأوضحت المصادر: «نطلب أن تكون القوة الدولية مساعدة للجيش في الانتشار وإزالة الألغام ومخلفات الحرب، والمساعدة في فتح الطرقات وتأمين الكهرباء والإسعافات والرعاية الصحية في المستوصفات وغيرها؛ لأن مهام الجيش اللبناني في الجنوب تشمل توفير الأمان للسكان العائدين في ظل الظروف الحالية».

دول منسجمة في المهمة

وخلال الفترة الماضية، برزت مقترحات لتشكيل قوة بديلة، إذا فشلت تمديد مهمة «اليونيفيل». وأبدت عدة دول، وفي مقدمها دول أوروبية، استعدادها لتكون جزءاً من تلك القوة.

وقالت المصادر الدبلوماسية لـ«الشرق الأوسط» إن اجتماعات بين ممثلين لدول أوروبية ناقشت، مطلع هذا الشهر، فكرة أن تكون هناك مهمة بديلة، وركزت على أن تكون الأطراف المضطلعة بالمهمة «منسجمة في المقام الأول، وتحظى بموافقة لبنان وإسرائيل»، إضافة إلى نقاشات دارت حول تمويلها.

وأعربت دول كثيرة عن استعدادها لتكون من ضمن أي قوة بديلة يجري تشكيلها، وفي مقدمها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا، حسبما قالت مصادر لبنانية مواكبة للملف.

جنود من بعثة «اليونيفيل» يشاركون في دورية عسكرية في جنوب لبنان على الحدود مع إسرائيل (اليونيفيل)

ويبلغ عديد القوة الدولية العاملة في الجنوب الآن 8100 عنصر، ولا تزال القوة الفرنسية تنفذ دوريات في المنطقة الحدودية التي تحتلها إسرائيل، وتواكب قوافل اللبنانيين المقيمين في ثلاث قرى حدودية تشكنها أغلبية مسيحية، إلى العمق اللبناني في رحلتي الذهاب والإياب.

دفع لبناني متواصل

ويدفع لبنان باتجاه توفير المظلة الدولية في الجنوب وتجنب الفراغ الأمني والدولي فيه، وهو ملف يُطرح مع جميع الموفدين الدوليين، وكان آخرهم كبير مستشاري الحكومة البريطانية لشؤون الدفاع في الشرق الأوسط الأميرال إدوارد ألغرن الذي استقبله الرئيس عون في بيروت، وأكد أن عدم التمديد لـ«يونيفيل» من دون تشكيل قوة دولية بديلة سيؤدي إلى فراغ لا يخدم الأمن والاستقرار في المنطقة، خصوصاً في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لعدد من القرى والبلدات الجنوبية.

واصطدمت الجهود اللبنانية بالرفض الأميركي، ويسعى رئيس الحكومة نواف سلام لحلحلة هذه الأزمة مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال لقائهما في واشنطن، الاثنين المقبل، بعدما بحثه مع العديد من الشخصيات التي التقى بها في نيويورك على هامش مشاركته في الدورة الـ81 من اجتماعات الهيئة العامة للأمم المتحدة، ومن بينها اجتماعه مع وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ توم فليتشر، الخميس. وقال خلال اللقاء: «بحثنا أهمية استمرار وجود دولي تحت مظلة الأمم المتحدة في الجنوب بعد انتهاء مهمة (اليونيفيل)، بما يحول دون حصول أي فراغ ويدعم الاستقرار ومسار بسط سلطة الدولة».


شبكات تهريب الأشخاص تستأنف نشاطها على الحدود السورية - اللبنانية

صورة نشرها الجيش اللبناني لبحريته أثناء إنقاذها المهاجرين السوريين (إكس)
صورة نشرها الجيش اللبناني لبحريته أثناء إنقاذها المهاجرين السوريين (إكس)
TT

شبكات تهريب الأشخاص تستأنف نشاطها على الحدود السورية - اللبنانية

صورة نشرها الجيش اللبناني لبحريته أثناء إنقاذها المهاجرين السوريين (إكس)
صورة نشرها الجيش اللبناني لبحريته أثناء إنقاذها المهاجرين السوريين (إكس)

عادت أزمة تهريب الأشخاص من سوريا إلى لبنان لسلّم الأولويات اللبنانية، على خلفية معلومات عن تنشيط شبكات التهريب عملياتها خلال الفترة الماضية، رغم أن هذه العمليات لا تزال «محدودة»، وفق ما يقول مصدر عسكري لبناني لـ«الشرق الأوسط».

وأفادت قنوات إخبارية محلية بتسجيل عمليات تهريب أشخاص من سوريا إلى لبنان عبر معابر غير شرعية في المناطق الحدودية بعكار، مشيرة إلى حركة عبور شبه يومية لعشرات الأشخاص. إلا أن مصدراً عسكرياً نفى تسجيل أي حركة غير اعتيادية في هذا المجال، مؤكداً أن «ما يحصل يندرج في إطار العمليات المحدودة المتواصلة عبر المعابر غير الشرعية». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الجيش يقوم بالمهام المطلوبة منه في إطار ضبط الحدود، لكن تداخل البلدات اللبنانية والسورية وطول هذه الحدود يجعلان من الصعب جداً ضبطها بالكامل، وهي أزمة تعاني منها كثير من دول العالم».

وليس واضحاً ما إذا كان معظم الداخلين خلسة إلى لبنان يعتزمون الاستقرار فيه، أم استخدامه محطة للانتقال إلى أوروبا، خصوصاً أن السنوات الماضية شهدت إحباط محاولات عدة لنقل أشخاص على متن قوارب من الساحل اللبناني إلى دول أوروبية، فيما أنقذ الجيش اللبناني مهاجرين غرق مركبهم قبالة سواحل شمال لبنان.

وتتزامن هذه التطورات مع معلومات عن ملاحقة عدد من الضباط السابقين في النظام السابق، ولا سيما الضباط من الرتب الصغيرة، في مناطق عدة.

العمليات ازدادت

ويؤكد النائب عن محافظة عكار (شمال لبنان)، جيمي جبور، أن «عمليات تهريب الأشخاص بين سوريا ولبنان لم تتوقف بعد سقوط النظام السابق، بل ازدادت في بعض الأحيان، خصوصاً أن الدخول القانوني إلى لبنان يتطلب أذونات خاصة من الأمن العام». ويلفت إلى أن «هذا النوع من التهريب، الذي رفعنا صوتنا مراراً للمطالبة بوقفه ومكافحته، لا يزال يشكل عبئاً اقتصادياً واجتماعياً كبيراً على لبنان، من دون إغفال الخطر الأمني الكبير الذي قد يترتب عليه، إذ يؤدي في بعض الأحيان إلى دخول مجموعات إرهابية تحت ستار العمل والارتزاق».

ويشدد جبور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أن «مقاربة الحلول ليست كلها مسؤولية الجيش، إنما هي بالدرجة الأولى قرار سياسي يبدأ بمجلس الوزراء أو مجلس الدفاع الأعلى، تليه إجراءات عسكرية وقضائية وإدارية تؤدي إلى تشديد العقوبات والإجراءات والتدابير الاحترازية».

الوضع في البقاع

ولا تقتصر عمليات التهريب على الحدود الشمالية، إذ يؤكد رئيس بلدية القاع الحدودية مع سوريا والواقعة شرقاً، بشير مطر، أن «عمليات التهريب ناشطة، والوضع صعب، والمخاطر تتنوع ما بين اقتصادية واجتماعية وأمنية، خاصة أن الداخلين خلسة بعضهم يؤيد النظام السابق في سوريا وبعضهم النظام الحالي».

ويعد مطر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن المعالجات الرسمية اللبنانية للملف ليست جدية، ولا يفترض تحميل الجيش المسؤولية، إذ إن هناك مسؤوليات يتحملها الجميع، بدءاً ممن يشغل سوريين من دون أوراق تخولهم العمل في لبنان، وصولاً لمن لا يتخذون تدابير رادعة بحق عصابات التهريب»، مضيفاً: «نخشى أن يكون التغاضي عن الموضوع مقصوداً لتهريب السلاح والمجموعات المسلحة».

الواقع من الجهة السورية

ومن الجهة السورية، تحدّث ناشطون سوريون لـ«الشرق الأوسط» عن «عودة حركة العبور غير النظامية من منطقة الحميدية بريف طرطوس باتجاه الأراضي اللبنانية، مع تسجيل نشاط متزايد في عمليات نقل شباب عبر زوارق بحرية باتجاه الساحل المقابل لمدينة طرابلس، بالتزامن مع استمرار مسارات التهريب عبر الطرق البرية والمناطق الحدودية».

وسلّم لبنان إلى سوريا في الأسبوع الماضي 21 مدنياً سورياً، أوقفتهم السلطات اللبنانية بعد إنقاذ قاربهم، الذي غرق قبالة السواحل اللبنانية، وكان يضم مهاجرين غير شرعيين، وفق ما أكد مصدر أمني لبناني لـ«الشرق الأوسط».

وكان مدنيون سوريون انطلقوا مطلع سبتمبر (أيلول) من الساحل السوري على متن قوارب، في رحلة هجرة غير شرعية في البحر المتوسط، وتعرّض القارب لحريق، ثم غرق قبالة السواحل الشمالية اللبنانية، وأنقذهم الجيش اللبناني.