موت «ملك النفط» يكشف «إمبراطورية جرف الصخر» في العراق

«أبو سيف»... رجل الفصائل الذي بنى «أفران» البترول وجيش الوسطاء

صورة نشرها «الحشد الشعبي» لعناصره في بلدة جرف الصخر جنوب بغداد في عام 2014
صورة نشرها «الحشد الشعبي» لعناصره في بلدة جرف الصخر جنوب بغداد في عام 2014
TT

موت «ملك النفط» يكشف «إمبراطورية جرف الصخر» في العراق

صورة نشرها «الحشد الشعبي» لعناصره في بلدة جرف الصخر جنوب بغداد في عام 2014
صورة نشرها «الحشد الشعبي» لعناصره في بلدة جرف الصخر جنوب بغداد في عام 2014

تكشف عملية اغتيال غامضة لقيادي في فصيل عراقي، جرت أخيراً في نطاق الحرب الدائرة على إيران، تفاصيل مثيرة عن تجارة النفط التي تديرها «إمبراطورية جرف الصخر» جنوب بغداد، وفق رواية مسؤولين ومصادر محلية.

أفاد هؤلاء بأن «حدثاً كبيراً» أسفر عن اغتيال شخصية قيادية تكنى بـ«أبو سيف»، يُعتقد أنه «المسؤول الأول عن إدارة الأنشطة التجارية المتعلقة بالنفط الخام المهرب وتكريره وبيع مشتقاته».

وأشار المسؤولون الذين طلبوا التحفظ على هوياتهم بسبب حساسية الأمر، إلى أن القيادي المعروف باسم «أبو سيف» ربما استُهدف بطائرة مسيّرة بالتزامن مع التصعيد الأمني في العراق، على وقع الحرب على إيران.

ويُعتقد أن الولايات المتحدة أو إسرائيل نفذت العملية في ظل تحليق مكثف للطيران العسكري بمختلف أنواعه فوق مناطق عدة من العراق، استمر طوال الأسبوع الماضي. وتقول مصادر إن هذا التحليق كان يهدف إلى رصد جماعات وأفراد انخرطوا بالفعل في الحرب.

ومنذ 28 فبراير (شباط) 2026، تحولت سماء العراق إلى مسرح صاخب لتحليق المسيّرات والمروحيات القتالية والصواريخ، من أطراف النزاع الإقليمي: الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران ووكلائها في العراق من جهة أخرى.

عصب الميليشيات

«أبو سيف» شخصية غامضة تعمل خلف الكواليس. تقول المصادر إن مسيرة الرجل بدأت كواحد من عناصر ميليشيا «جيش المهدي» التابع لمقتدى الصدر، قبل أن ينشق مع آخرين من أقرانه لينضموا إلى فصائل أخرى بات نفوذها اليوم قوياً.

وقد تحول الرجل خلال السنوات العشر الماضية إلى نقطة مركزية لإدارة عمليات خاصة للفصائل المسلحة تتركز على تجارة النفط، وإنشاء شبكات مصالح مع وسطاء من محافظات عراقية شمال وغرب العراق، لاستخدامهم للتمويه على انتمائه الفصائلي في ما يُعرف بـ«سوق الظل الكبير» للنفط في العراق.

ووصف رجل مطلع على سوق النفط الموازية في العراق «أبو سيف» بأنه أحد «أعصاب الاقتصاد الموازي للجماعات الموالية لإيران».

ومع تعاظم التجارة التي يديرها بعناية وحذر، وتوسع الشبكة التي تنفذ أعماله من تصفية النفط وتكريره وبيعه للسوق المحلية أو إرساله إلى كردستان العراق، تحول «أبو سيف» إلى أحد «ملوك النفط» في العراق، وفق المصادر.

وكشفت المصادر أن شبكة الرجل تستحوذ منذ سنوات على مجموعة من «المصافي المتنقلة» المعروفة محلياً باسم «الأفران»؛ إذ تقوم بإنتاج المشتقات النفطية من النفط الخام المسحوب من ثقوب وفتحات غير نظامية في أنابيب نقل النفط الخام.

ويشرح مهندس نفط سابق الوظيفة التي تقوم بها «الأفران» أو المصافي المتنقلة بأنها «وحدات تكرير صغيرة مصممة لتكون سهلة النقل والتركيب. تعتمد على التقطير البسيط، وتتكون من صهريج التسخين، وأبراج التقطير المصغرة، ونظام التبريد، وخزانات التجميع، حيث تنتهي العملية إلى بنزين وكيروسين وديزل ومنتجات أخرى في خزانات منفصلة».

وتحقق هذه العملية البدائية أرباحاً طائلة، رغم أنها تفتقر إلى معايير السلامة والبيئة، مما يجعلها عرضة للانفجار وتسبب تلوثاً شديداً. ويقول المهندس النفطي إن الوقود الناتج يكون غالباً ذا جودة رديئة تضر بمحركات السيارات.

وتؤكد المصادر أن الاستدلال على عمل «الأفران» يكون من خلال الأثر الذي تتركه؛ إذ تترك «بقعاً سوداء» مدمرة للتربة والمياه الجوفية في المناطق التي تُنصب فيها.

«أفران جرف الصخر»

وقالت مصادر أمنية إن «الأفران» خُدمت في مناطق شهدت اضطرابات أمنية بعد عام 2014، واستخدمتها جماعات مسلحة ومهربون لتكرير النفط المستخرج من الآبار النفطية الصغيرة أو «المثقوبة» من الأنابيب الرئيسية.

تستند هذه الرواية إلى مقابلات أُجريت عن بُعد مع مصادر أمنية ومحلية، غير أن التحقق الميداني منها يبقى صعباً، نظراً إلى القيود المفروضة منذ سنوات على دخول جرف الصخر، التي لا تزال مغلقة إلى حد كبير أمام الصحافيين والباحثين.

وبلدة جرف الصخر جنوب بغداد إحدى أبرز المناطق التي ازدهرت فيها أنشطة «الأفران» النفطية؛ إذ تمر عبرها أنابيب نفطية استراتيجية تربط بين الحقول الجنوبية والمصافي والمحطات الشمالية والوسطى.

وتحولت جرف الصخر إلى أحد أهم معاقل الفصائل العراقية منذ عام 2014، حين بدأت عمليات عسكرية لاستعادة البلدة الزراعية من تنظيم «داعش». ومثلما نجحت الفصائل الشيعية في طرد عناصر التنظيم، أجبرت نحو 120 ألفاً من المدنيين على مغادرتها.

الفصائل العراقية نفذت عمليات عسكرية عام 2014 لمحاربة «داعش» في جرف الصخر وأجبرت آلاف المدنيين على مغادرتها (إعلام هيئة «الحشد الشعبي»)

في السنوات اللاحقة، تحولت البلدة التي كانت تعتمد منذ التسعينات على زراعة المحاصيل الزراعية إلى مركز معقد لإدارة العمليات العسكرية والاستخبارية للفصائل المسلحة.

وفي هذه المزارع، وجدت الفصائل المسلحة موقعاً آمناً لإخفاء «الأفران» وأسطول من الصهاريج والمعدات التي يشغلها عاملون ذوو خبرة في وظيفة لا يتقنها إلا الخبراء النفطيون، وفقاً للمصادر.

عملاء «ملك النفط»

تكشف المصادر الطريقة التي تعمل بها شبكة «أبو سيف»؛ إذ تُنقل المنتجات المكررة عن طريق «الأفران» إلى صهاريج خاصة لا تحمل «برقيات» ترخص حركتها، متجهة إلى مصافٍ أهلية أو مؤسسات لديها عقود تشغيلية مع الحكومة تتطلب استهلاكاً أساسياً لمشتقات النفط، مثل الأسفلت.

وفي الظروف الطبيعية، يتوجب على ناقل المشتقات النفطية حمل أوراق ثبوتية من بينها «برقية» تساعده على اجتياز نقاط التفتيش النظامية بين المحافظات العراقية، إلا أن «أبو سيف» كان يمتلك النفوذ الكافي لنقل المنتجات وتسليمها من دون اعتراض جهات أمنية وحكومية.

وتقول المصادر إن العشرات من المقاولين والوسطاء يشكلون جيشاً من العملاء الذين يخدمون «ملك النفط»، ويتولون تنفيذ المراحل المختلفة من العملية، بدءاً من تشغيل «الأفران» ونقلها، وانتهاء بتوزيعها على المعامل والمصافي، لكن اللافت أن عدداً كبيراً منهم ينشطون في مدن شمال العراق وغربه.

الصفقة الأخيرة

قبل اغتياله الغامض بنحو شهر، كان «أبو سيف» قد أنجز صفقته الأخيرة. تفيد المصادر بأن «ملك النفط» تمكن مع شبكته من بيع نحو 600 ألف طن من منتجات النفط بقيمة 120 مليون دولار، نصفها تقريباً مبيعات للسوق المحلية.

وليس من الواضح حتى الآن كيف تجمع الشبكة أموالها وأين تُودع، لكن المصادر تقول إن قيمة الصفقات التي يبرمها «أبو سيف» تعد أرباحاً صافية بسبب سحب النفط من الأنابيب مجاناً بطريقة غير شرعية.

وغالباً ما تعلن السلطات الأمنية في العراق عن تفكيك «مواقع لتدوير وتهريب المشتقات النفطية» وضبط صهاريج ومصافٍ غير قانونية في أنحاء متفرقة من البلاد. وفي بعض تلك الحالات تظهر التحقيقات الأولية أن الشبكة تتألف من مجموعات صغيرة يقودها تاجر نفط ومشغلون وضباط أمن وجيش متورطون.

ومنذ عام 2018، بدأ اقتصاد النفط المهرب من قبل الميليشيات العراقية يلفت اهتمام الوكالات الأميركية؛ إذ فرضت واشنطن عقوبات على شخصيات وشبكات عراقية تتهمها بالضلوع في اقتصاد الفصائل. ومن أبرز الأسماء رجل الأعمال سالم أحمد سعيد الذي أدرجته وزارة الخزانة الأميركية عام 2025 بتهمة إدارة شبكة شركات باعت النفط الإيراني على أنه نفط عراقي، مستخدمة شركات واجهة وعمليات نقل بين السفن لإخفاء مصدر الشحنات.

كما فرضت واشنطن عقوبات على رجل الأعمال وليد خالد حميد السامرائي لاتهامه بإدارة شبكة ناقلات وشركات شحن استُخدمت لتهريب النفط الإيراني وخلطه بالنفط العراقي قبل تسويقه في الأسواق الدولية.

وتقول المصادر إن «ملك النفط» يصدر كميات كبيرة من المشتقات الثقيلة أو زيت الوقود الأسود إلى شبكات إقليمية متعاونة، تقوم بخلطها مع نفط إيراني وتسهيل تصديره بكميات أكبر بوثائق شحن مختلفة.

«إمبراطورية الجرف»

تعتقد المصادر أن عملية اغتيال «ملك النفط» في غمرة الحرب على إيران جاءت نتيجة انخراطه، على الأرجح، في أنشطة عسكرية بدأت تتصاعد ضد المصالح الأميركية من داخل بلدة جرف الصخر.

وأفادت مصادر سياسية بأن جماعات شيعية مسلحة حصلت، في أعقاب مقتل المرشد الإيراني، على أوامر من «الحرس الثوري» الإيراني للقيام بعمليات عسكرية تستهدف «إلحاق الضرر بالولايات المتحدة وحلفائها»، واختيار «أكثر الأهداف أهمية».

ورغم أن «أبو سيف» كان مسؤولاً عن تجارة النفط وتوزيع «الأفران» وإخفائها في مزارع جرف الصخر، فإن اغتياله جاء بعد التشابك بين مهامه التجارية وأوامر بتنفيذ مهمات عسكرية، يُرجح أنها شملت أنشطة مسيّرات ملغمة انطلاقاً من البلدة.

وتعكس هذه الأدوار المركبة كيف تمكنت الفصائل العراقية من إنشاء إمبراطورية شبه متكاملة داخل جرف الصخر تقوم بوظائف أمنية واقتصادية معقدة.

وتضم هذه الإمبراطورية السرية مخازن صواريخ ومسيّرات، ومعامل لاختبار وصناعة متفجرات محلية، إلى جانب مزارع وبحيرات أسماك، ومصافٍ متنقلة، ومراكز قيادة ومعلومات، وسجون محصنة. وتعمل المنطقة عموماً كمقرات إقليمية بديلة لوحدات من «حزب الله اللبناني» ومستشارين من «الحرس الثوري» الإيراني.


مقالات ذات صلة

«هدنة» لبنانية ــ إسرائيلية بتوقيع ترمب

المشرق العربي الدخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على النبطية في جنوب لبنان أمس (رويترز)

«هدنة» لبنانية ــ إسرائيلية بتوقيع ترمب

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقفاً لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لمدة عشرة أيام يبدأ منتصف ليل الخميس - الجمعة، عقب اتصالين مع الرئيس اللبناني جوزيف عون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - بيروت - الرياض)
الولايات المتحدة​ صورة لـ«البنتاغون» من الجو في واشنطن (رويترز)

تقرير: أميركا أبلغت دولاً أوروبية باحتمال تأخر شحنات أسلحة

ذكرت 3 مصادر لوكالة «رويترز» أن مسؤولين أميركيين أبلغوا نظراءهم الأوروبيين بأن ​بعض شحنات الأسلحة التي تم التعاقد عليها من قبل من المرجح أن تتأخر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري خلال اجتماع مجلس الوزراء الخميس (مجلس الوزراء)

الحكومة المصرية تستعد لسيناريوهات مختلفة في «حرب إيران»

أكدت الحكومة المصرية استعدادها لمختلف السيناريوهات المتوقعة، خاصة في ظل استمرار الضغوط على أسواق الطاقة والتدفقات المالية.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)

ترمب: واشنطن وطهران قريبتان جداً من التوصل إلى اتفاق

أعلن الرئيس الاميركي دونالد ترمب، الخميس، أن الولايات المتحدة وإيران «قريبتان جدا» من التوصل إلى اتفاق، وأنه يدرس إمكان زيارة باكستان لتوقيع هذا الاتفاق.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)

دعوات إصلاحية في إيران لدعم المفاوضات وسط تباين داخلي

نقلت صحف إصلاحية، الخميس، عن الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي دعوته إلى دعم مسار المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة، بوساطة باكستانية، وتثبيت المكاسب.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«هدنة» لبنانية ــ إسرائيلية بتوقيع ترمب

الدخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على النبطية في جنوب لبنان أمس (رويترز)
الدخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على النبطية في جنوب لبنان أمس (رويترز)
TT

«هدنة» لبنانية ــ إسرائيلية بتوقيع ترمب

الدخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على النبطية في جنوب لبنان أمس (رويترز)
الدخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على النبطية في جنوب لبنان أمس (رويترز)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقفاً لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لمدة عشرة أيام يبدأ منتصف ليل الخميس - الجمعة، عقب اتصالين مع الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وجاءت هذه الهدنة الممهورة بتوقيع ترمب بعد اتصالات أجراها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع عون، الذي أكد رفض لبنان أي تواصل مباشر قبل تثبيت وقف القتال، وهو ما نُقل إلى واشنطن حيث كان هناك تفهم لهذا الموقف، ما دفع ترمب إلى مطالبة نتنياهو بوقف النار ملوّحاً بإعلانه من طرف واحد.

وبينما أكد ترمب أن وقف النار سيشمل «حزب الله»، وعبّر عن ثقة بـ«التزامه»، أعلن الحزب أنه «سيلتزم وقف إطلاق النار مع إسرائيل شرط أن يكون شاملاً ويتضمن وقف الأعمال العدائية الإسرائيلية والاغتيالات ضده».

ورحَّبت السعودية، عبر بيان لوزارة الخارجية، بإعلان ترمب وقف النار في لبنان، مُعرِبة عن تثمينها للدور الإيجابي الكبير الذي قام به رؤساء الجمهورية والحكومة والبرلمان في لبنان. وجدَّد البيان السعودي التأكيد على وقوف السعودية إلى جانب لبنان في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة (...) ومساعيها للحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه.

وأفادت تقارير في إسرائيل بأن وزراء في حكومة نتنياهو أبدوا غضبهم، بعد علمهم بالهدنة، من تصريحات ترمب، وأن الموافقة عليها تمت من دون تصويت المجلس الوزاري المصغر.

وأبدى رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري ارتياحه «الحذر» لقرار وقف النار على الجبهة اللبنانية، مؤكداً أن «التفاوض المباشر» مع إسرائيل «مرفوض وغير وارد». وقال إن نظيره الإيراني محمد باقر قاليباف أبلغه أن وقف النار تم وفق صيغة شاملة ضمت إيران. وقال بري لـ«الشرق الأوسط» بعيد صدور الإعلان إنه لن يوجّه نداء لعودة أهالي الجنوب إلى قراهم ومنازلهم قبل التأكد من نضوج الظروف الملائمة.


لبنان وإسرائيل... تصعيد «الساعات الأخيرة» يسبق دخول وقف النار حيّز التنفيذ

دخان القصف الإسرائيلي يتصاعد في منطقة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
دخان القصف الإسرائيلي يتصاعد في منطقة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

لبنان وإسرائيل... تصعيد «الساعات الأخيرة» يسبق دخول وقف النار حيّز التنفيذ

دخان القصف الإسرائيلي يتصاعد في منطقة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
دخان القصف الإسرائيلي يتصاعد في منطقة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

دخل اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في لبنان حيز التنفيذ عند منتصف الليل بتوقيت لبنان وإسرائيل.

وسُجّل، ليل الخميس، قصف متبادل عبر الحدود بين إسرائيل و«حزب الله» اللبناني الموالي لإيران، وذلك قبيل سريان وقف لإطلاق النار بين الجانبين.

وأعلن الجيش الإسرائيلي قصف منصات للصواريخ تابعة لـ«حزب الله»، بعدما أوقعت نيران أُطلقت من لبنان جريحاً في شمال إسرائيل، قبيل دخول وقف إطلاق النار بين الدولة العبرية والتنظيم اللبناني المسلّح، حيّز التنفيذ.

وجاء في بيان للجيش أنه هاجم «منصّات إطلاق القذائف الصاروخية التي أطلقت منها منظمة (حزب الله) الإرهابية القذائف نحو بلدات الشمال قبل وقت قصير».

وأضاف الجيش الإسرائيلي أنه أغار خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية على أكثر من 380 هدفاً تابعاً لـ«حزب الله» الإرهابي في جنوب لبنان، واستهدف منصات إطلاق ومقرات وعناصر إرهابية.

وقال إن من بين الأهداف التي تم استهدافها، عناصر إرهابية، مقرات قيادة، وعدداً من منصات الإطلاق التي أُطلقت منها قذائف صاروخية باتجاه أراضي الدولة، حيث تم تدميرها. وأكد أن الجيش الإسرائيلي سيبقى في حالة تأهب دفاعية رفيعة، وسيعمل وفقاً لتوجيهات المستوى السياسي.

وأُصيب شخص بجروح خطيرة في شمال إسرائيل بنيران مصدرها لبنان، وجاء في بيان لـ«نجمة داود الحمراء»، جهاز الإسعاف الإسرائيلي، أن طواقمه تتولى في منطقة كرمئيل «تقديم العلاج لرجل يبلغ نحو 25 عاماً في حال خطرة أصيب على ما يبدو بشظايا (إثر) عملية اعتراض». وكانت فُعّلت صفارات الإنذار في المنطقة للتحذير من صواريخ.

دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على جنوب لبنان 16 أبريل 2026 (رويترز)

ودعا «حزب الله»، في وقت سابق، السكان اللبنانيين إلى عدم التوجه لجنوب لبنان والبقاع (شرق) والضاحية الجنوبية لبيروت قبل التأكد من السريان الفعلي لوقف إطلاق النار.

وقال الحزب في بيان: «أمام عدو غادر اعتاد نقض المواثيق والاتفاقات، ندعوكم إلى التريث وعدم التوجه إلى المناطق المستهدفة في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، إلى حين اتضاح مجريات الأمور بشكل تام».


لبنان وإسرائيل نحو الاعتراف المتبادل... والسلام

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين في البيت الأبيض (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين في البيت الأبيض (د.ب.أ)
TT

لبنان وإسرائيل نحو الاعتراف المتبادل... والسلام

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين في البيت الأبيض (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين في البيت الأبيض (د.ب.أ)

اتفق لبنان وإسرائيل، الخميس، على هدنة من عشرة أيام قابلة للتمديد برعاية الولايات المتحدة، للمضي نحو «الاعتراف الكامل» بسيادة كل منهما وسلامة أراضيه، والانخراط في مفاوضات «مباشرة» بغية التوصل إلى اتفاق سلام دائم بينهما، وفقاً لما أعلنته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ومع بدء دخول وقف النار حيز التنفيذ، يتوقع أن تتخذ السلطات اللبنانية «خطوات جادة» لمنع «حزب الله» من شن أي هجمات ضد أهداف إسرائيلية، مع التأكيد على أنه «لا يحق لأي دولة أو جماعة أخرى»، في إشارة إلى إيران و«حزب الله»، أن «تدعي ضمان سيادة لبنان».

وأفادت وزارة الخارجية الأميركية بأن الحكومتين الإسرائيلية واللبنانية اتفقتا على أنه بعد «المحادثات المباشرة المثمرة» التي أجريت في 14 أبريل (نيسان) الماضي برعاية الولايات المتحدة، توصل البلدان إلى «تفاهم يقضي بأن يعملا على تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم بينهما، والاعتراف الكامل بسيادة كل منهما وسلامة أراضيه، وإرساء أمن حقيقي على طول حدودهما المشتركة، مع الحفاظ على حق إسرائيل الأصيل في الدفاع عن النفس».

وكانت الوزارة تشير بذلك إلى الاجتماع الذي ترأسه وزير الخارجية ماركو روبيو، بمشاركة السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر.

دخان القصف الإسرائيلي يتصاعد في منطقة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وقالت الوزارة بعد إعلان الرئيس دونالد ترمب وقف النار بين لبنان وإسرائيل لمدة عشرة أيام، إن «البلدين يُقرّان بالتحديات الجسيمة التي تواجهها الدولة اللبنانية من الجماعات المسلحة غير الحكومية، والتي تقوّض سيادة لبنان وتهدد الاستقرار الإقليمي».

واتفقا على «ضرورة الحد من نشاطات هذه الجماعات، بحيث تكون القوات الوحيدة المصرح لها بحمل السلاح في لبنان هي القوات المسلحة اللبنانية، وقوى الأمن الداخلي، والمديرية العامة للأمن، والمديرية العامة لأمن الدولة، والجمارك اللبنانية، والشرطة البلدية». وأكدا أنهما «ليسا في حال حرب، ويلتزمان الانخراط في مفاوضات مباشرة بحسن نية، بتيسير من الولايات المتحدة، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل يضمن الأمن والاستقرار والسلام الدائمين بين البلدين».

تمديد الهدنة

وأورد البيان أنه «لهذا الغرض، تفهم الولايات المتحدة الآتي: ستبدأ إسرائيل ولبنان هدنة اعتباراً من 16 أبريل (نيسان) 2026، الساعة 17:00 بتوقيت شرق الولايات المتحدة، لمدة عشرة أيام مبدئياً، بوصفها بادرة حسن نية من حكومة إسرائيل، بهدف تمكين مفاوضات بحسن نية للتوصل إلى اتفاق أمني وسلام دائم بين إسرائيل ولبنان». وأضاف أنه «يجوز تمديد هذه الفترة المبدئية باتفاق متبادل بين لبنان وإسرائيل إذا ما أُحرز تقدم في المفاوضات، وإذا أثبت لبنان قدرته على تأكيد سيادته».

وأكد أن «إسرائيل تحتفظ بحقها في اتخاذ كل التدابير اللازمة للدفاع عن النفس، في أي وقت، ضد أي هجمات مخططة أو وشيكة أو جارية. ولن تعيق الهدنة هذا الحق». ولكن بالإضافة إلى ذلك «لن تقوم إسرائيل بأي عمليات عسكرية هجومية ضد أهداف لبنانية، بما في ذلك الأهداف المدنية والعسكرية وغيرها من أهداف الدولة، داخل الأراضي اللبنانية براً وجواً وبحراً».

أشخاص يسيرون قرب جسر القاسمية المدمّر الأخير الذي يربط بين صور وصيدا في الجنوب اللبناني (أ.ف.ب)

ولفت إلى أنه «ابتداء من 16 أبريل 2026، الساعة 17:00 بتوقيت شرق الولايات المتحدة، وبدعم دولي، ستتخذ حكومة لبنان خطوات جادة لمنع «حزب الله»، وكل الجماعات المسلحة غير الحكومية الأخرى في الأراضي اللبنانية، من شن أي هجمات أو عمليات أو نشاطات عدائية ضد أهداف إسرائيلية».

ترسيم الحدود

وفي إشارة واضحة إلى استبعاد أي نفوذ لإيران، بما في ذلك من خلال «حزب الله»، أفاد البيان الأميركي بأن «كل الأطراف تعترف بأن قوات الأمن اللبنانية هي المسؤولة حصراً عن سيادة لبنان ودفاعه الوطني، ولا يحق لأي دولة أو جماعة أخرى أن تدعي ضمان سيادة لبنان».

وطلبت كل من إسرائيل ولبنان من الولايات المتحدة «تسهيل إجراء مفاوضات مباشرة إضافية بين البلدين بهدف حل كل القضايا العالقة، بما في ذلك ترسيم الحدود البرية الدولية، وذلك بهدف التوصل إلى اتفاق شامل يضمن الأمن والاستقرار والسلام الدائمين بين البلدين».

وقالت الخارجية الأميركية: «تُدرك الولايات المتحدة أن إسرائيل ولبنان سيقبلان الالتزامات المذكورة أعلاه بالتزامن مع هذا الإعلان»، علماً بأن «هذه الالتزامات تهدف إلى تهيئة الظروف اللازمة لإجراء مفاوضات حسنة النية نحو تحقيق سلام وأمن دائمين».

وأعلنت أن الولايات المتحدة «تعتزم قيادة الجهود الدولية لدعم لبنان كجزء من جهودها الأوسع نطاقاً لتعزيز الاستقرار والازدهار في المنطقة».