روحاني يحذر من تقويض صلاحيات «رؤساء الجمهورية» في إيران

وجّه انتقادات لاذعة إلى «مجلس صيانة الدستور»

روحاني خلال آخر لقاء جمع خامنئي وأعضاء مجلس خبراء القيادة المنتهية ولايته في 7 مارس الماضي (موقع المرشد)
روحاني خلال آخر لقاء جمع خامنئي وأعضاء مجلس خبراء القيادة المنتهية ولايته في 7 مارس الماضي (موقع المرشد)
TT

روحاني يحذر من تقويض صلاحيات «رؤساء الجمهورية» في إيران

روحاني خلال آخر لقاء جمع خامنئي وأعضاء مجلس خبراء القيادة المنتهية ولايته في 7 مارس الماضي (موقع المرشد)
روحاني خلال آخر لقاء جمع خامنئي وأعضاء مجلس خبراء القيادة المنتهية ولايته في 7 مارس الماضي (موقع المرشد)

حذر الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني من تقويض «جمهورية» النظام السياسي، المتمثلة بمؤسسة الرئاسة في إيران، وذلك في رسالة احتجاجية شديدة اللهجة ضد ما وصفها بـ«لائحة اتهامات» صدرت ضده من الهيئة المشرفة على الانتخابات الإيرانية، على خلفية رفض طلبه الترشح لانتخابات «مجلس خبراء القيادة»، التي جرت تزامناً مع الانتخابات التشريعية، مطلع مارس (آذار) الماضي.

وأصر روحاني منذ استبعاده من خوض الانتخابات على توضيح أسباب إقصائه، عبر سبع رسائل وجهها إلى «مجلس صيانة الدستور»، الهيئة المشرفة على الانتخابات الإيرانية، بما في ذلك البت في أهلية المرشحين.

وكان رفض طلب ترشح روحاني من مفاجآت الانتخابات التي جرت بعد ثماني سنوات، لتسمية 88 رجل دين متنفذاً في «مجلس خبراء القيادة» المعني بتسمية خليفة المرشد الحالي، علي خامنئي، إذا تعذرت ممارسة مهامه خلال السنوات الثماني المقبلة.

وأثار رفض الأهلية السياسية لروحاني تساؤلات في الأوساط السياسية، نظراً لسجله السياسي، خصوصاً تولي رئاسة الجمهورية 8 سنوات (2013-2021)، ومنصب الأمين العام لـ«المجلس الأعلى للأمن القومي» لمدة 16 عاماً خلال عهد الرئيسين الإصلاحي محمد خاتمي وعلي أكبر هاشمي رفسنجاني، وكذلك عضوية «مجلس الخبراء» لمدة 24 عاماً (ثلاث دورات).

وكشف روحاني، اليوم الاثنين، عن تفاصيل رسالة «سرية» من رئيس «مجلس صيانة الدستور»، أحمد جنتي، أوضح فيها أسباب رفض طلب الرئيس السابق. ويعد المجلس من أبرز الهيئات الخاضعة لصلاحيات المرشد الإيراني علي خامنئي، إذ يختار نصف أعضائها الـ12 مباشرة ويختار النصف الآخر، رئيس القضاء، وهو من المسؤولين الذين يسميهم المرشد الإيراني.

أسباب

وحسب بيان نشره موقع روحاني الرسمي، فإن الرد من «مجلس صيانة الدستور» جاء بعد أربع رسائل طالبه فيها بشرح أسباب رفض طلبه، وثلاث رسائل أخرى طلب فيها تقديم وثائق تدعم الأسباب.

واكتفى روحاني بالإشارة العابرة لنقاط وردت في رسالة «مجلس صيانة الدستور»، لافتاً إلى أنه واجه اتهامات «الإساءة للجهاز القضائي ومجلس صيانة الدستور» و«الافتقار للمعرفة والرؤية السياسية»، و«عدم الالتزام بالدستور» و«التعرض للاعتقادات الدينية الراسخة» و«عدم الوثوق».

ومع ذلك، قدم روحاني شرحاً مفصلاً تجاوز أكثر من 5 آلاف كلمة على الاتهامات المذكورة. وقال في مقدمة رده: «هذا ليس دفاعاً شخصياً، إنما دفاع عن الجمهورية والنظام، دفاع لا يجب إضعافه أكثر من هذا باعتباره المحامي المباشر لكل الشعب الإيراني». وأضاف: «لن أبقى صامتاً في وجه هذا الظلم».

وأفاد: «(مجلس صيانة الدستور) يتحدث عن السجل الرئيس الشرعي للبلاد بطريقة، كأن المسؤول الثاني في البلاد(الرئيس)، معارضاً للنظام السياسي».

وحذر روحاني بذلك من أن «على رؤساء الجمهورية المقبلين (في حال بقاء المنصب ومؤسسة الرئاسة) أن يعلموا أن لائحة الاتهامات هذه ستؤدي إلى حرمانهم من الحرية السياسية». وقال: «على رؤساء الجمهورية اتباع مجلس صيانة الدستور بدلاً من (نص) الدستور، ومن رئاسة الجمهورية يجب أن يكتفوا برئاسة الجهاز التنفيذي على مستوى بعض القضايا الإدارية».

وفي إشارة ضمنية إلى قضية خلافة خامنئي، قال روحاني في بيان: «أعرف سبب حساسية البعض لحضور الدورة السادسة لمجلس خبراء القيادة».

وخاطب روحاني مواطنيه، قائلاً: «بشَوْك في العين وعَظم في الحنجرة قاومت التعرض على حقوق الشعب والحكومة لمدة ثماني سنوات».

صورة نشرها موقع روحاني من كلمته خلال مراسم الذكرى السابعة لحليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني 11 يناير الماضي

«الرؤية السياسية»

وأعاد روحاني اتهامه بـ«الافتقار للرؤية السياسية» إلى انفتاح حكومته على الغرب، خصوصاً المفاوضات التي انتهت بالاتفاق النووي لعام 2015، وقال: «رسالة أمين مجلس صيانة الدستور تزعم دون تقديم أي أدلة بعدم إطلاعي على الهجمات الغربية، واتهام التوجه نحو الغرب، وتنفيذ الاتفاق على نحو خاطئ».

ولفت روحاني إلى أن رسالة مجلس صيانة الدستور «تصدر أحكاماً غير موثقة بشأن الاتفاق النووي والسياسة الخارجية والإقليمية».

ودافع روحاني عن إبرام الاتفاق النووي مع القوى الكبرى، خصوصاً الولايات المتحدة في عام 2015، وقال إنه «أهم أمثلة الاعتدال في الداخل والتعامل البناء في الخارج»، مشدداً على أن «تخطي العقوبات كان من بين أهم أهداف (الاتفاق النووي) وتمكنا من بلوغ أهدافنا في أقل من عامين، ورغم ظهور الرئيس غير العادي في الولايات المتحدة (دونالد ترمب) حافظنا على الاتفاق النووي، وبقي الطريق مفتوحاً أمام الحكومة الأميركية والإيرانية لإحياء الاتفاق النووي».

واتهم روحاني، البرلمان وكذلك «مجلس صيانة الدستور»، بعرقلة جهود حكومته لإحياء الاتفاق النووي في شهورها الأخيرة. وقال: «رغم عراقيل البرلمان ودعم مجلس صيانة الدستور، لكن حتى الحكومة الحالية التي ترى هويتها في نفي الحكومة السابقة ليس بمقدورها الانسحاب من الاتفاق النووي، ولا تملك الإرادة لإحيائه».

وتعود إشارة روحاني إلى قانون أقره البرلمان الإيراني في مطلع ديسمبر (كانون الأول) 2020، بعدما تأكد فوز الرئيس الأميركي جو بايدن في الانتخابات الرئاسية، وهزيمة دونالد ترمب. واتخذت إيران بموجب القانون الملزم للحكومة خطوات كبيرة في الابتعاد عن الاتفاق النووي، بما في ذلك تخصيب اليورانيوم بنسب 20 و60 في المائة، وإعادة عجلة التخصيب إلى منشأة فوردو، ووقف البرتوكول الإضافي لمعاهدة حظر الانتشار النووي، وتقليص التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإنتاج محدود لمعدن اليورانيوم، وهي خطوات تزامنت مع المسار الدبلوماسي الذي بدأ في نهاية حكومة روحاني، وتعثر بعد 7 أشهر من تولي إبراهيم رئيسي.

«اتفاق باطلاع المرشد»

وقال روحاني: «(مجلس صيانة الدستور) يتهمني بالتعجيل في تنفيذ الاتفاق النووي غير مدركين لحقيقة أنه لم يتم الالتزام بالقانون بالكامل فحسب، بل تحققت توقعات الشعب في التوصل إلى اتفاق أسرع وحماية أكبر لإنجازات الاتفاق النووي ومنع العدو من تقديم الأعذار لانتهاك الاتفاق».

وتابع: «بدلاً من تكرار مزاعم أصحاب النشرات الإخبارية الخاصة، يجب على فقهاء (مجلس صيانة الدستور) قراءة نص الاتفاق النووي، الذي وافق عليه المرشد بعد عشرات الساعات من مناقشته في المجلس الأعلى للأمن القومي والبرلمان، قبل الموافقة عليه». وأضاف: «على ما يبدو السادة لا يعلمون أن تنفيذ الاتفاق النووي جرى تحت إشراف هيئة من رئاسة الجمهورية والبرلمان وممثلي المرشد في المجلس الأعلى للأمن القومي ومستشار المرشد في الشؤون الدولية ووزير الخارجية والدفاع ورئيس المنظمة الذرية، واطلاع المرشد».

في هذا السياق، رفض روحاني اتهام حكومته بالتقاعس في السياسة الخارجية مع الدول غير الغربية، واصفاً ذلك بـ«الكذبة التي تحولت إلى اعتقاد». وقال إن «العلاقات بين إيران وروسيا وصلت إلى أعلى مستوياتها بعد الثورة»، مشيراً إلى إبرام اتفاقيات حول شراء المعدات العسكرية، منها منظومة «إس 300»، والاتفاق على ممر الشمال إلى الجنوب. وبشأن الصين، قال روحاني إن العلاقة بين البلدين «وصلت إلى مستويات استراتيجية، انتهت بإبرام اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين بكين وطهران.

وقال روحاني: «السؤال الأساسي أن الأغلبية الساحقة للشعب ترى في الرئيس المنتخب الرؤية السياسية المطلوبة، لكن على أي قانون استند بعض الأشخاص الذين لديهم سجلات ومعلومات محدودة، ولا تحظى توجهاتهم بتأييد غالبية الشعب، في إصدار الأحكام ضد الرؤية السياسية للرئيس».

وكانت عضوية «مجلس خبراء القيادة» آخر محاولة لروحاني للبقاء على نفوذه الذي تراجع منذ مغادرة مكتب الرئاسة في أغسطس (آب) 2021. ولم يمنحه المرشد علي خامنئي عضوية مجلس تشخيص مصلحة النظام على غرار الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد.

ماذا ينتظر روحاني؟

وقالت صحيفة «آرمان ملي»، المحسوبة على فصيل الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي، على صفحتها الأولى، إن روحاني «يمر بأيام صعبة». وتساءلت الصحيفة عن حظوظ روحاني في الحصول على موافقة «مجلس صيانة الدستور» إذا ما قرر الترشح لولاية رئاسية ثالثة العام المقبل.

وقالت: «ليس من الواضح ما إذا كان يصر روحاني على الترشح للرئاسة، أو يمكن أن يقدم مرشحاً مطلوباً لمساعدة الناس، وأن يتوصل إلى ائتلاف مع محمد خاتمي والآخرين لتقديم مرشح آخر». ولم تستبعد الصحيفة أن يعمل روحاني على تهيئة الأجواء للحصول على موافقة للترشح في الانتخابات.

ومع ذلك تساءلت: «ما هو المسار الذي سيسلكه روحاني؟ هو ليس مثل هاشمي رفسنجاني صاحب التأثير الكبير على المجتمع والمعادلات السياسية والدولية على الرغم من استبعاده، ولا يشبه خاتمي الذي لديه الكثير من المؤيدين ويمكنه التأثير على الحركات السياسية».


مقالات ذات صلة

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

شؤون إقليمية إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

يسعى الإيرانيون إلى الحفاظ على لمحة من مظاهر الحياة الطبيعية بعد أسابيع شهدت قصفاً أميركياً وإسرائيلياً، وحملة قمع ضد المتظاهرين أسقطت قتلى في يناير (كانون…

شؤون إقليمية إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)

أوروبا تتحسب لاتفاق «متعجل» بين واشنطن وطهران

قال دبلوماسيون مطلعون على الملف الإيراني إن حلفاء واشنطن في أوروبا يخشون أن يدفع فريق التفاوض الأميركي، الذي يرونه محدود الخبرة في هذا المسار نحو اتفاق «متعجل».

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية جندي من مشاة البحرية الأميركية على متن السفينة البرمائية «يو إس إس نيو أورلينز» يراقب حركة الملاحة خلال عمليات الحصار البحري قبالة الموانئ الإيرانية السبت (سنتكوم) p-circle

ترمب يعلن جولة تفاوض ثانية ويتهم إيران بـ«خرق» الهدنة

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن واشنطن تمضي في جولة جديدة من المفاوضات مع إيران، معلناً أن مسؤولين أميركيين سيتوجهون إلى إسلام آباد، مساء الاثنين.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية إيرانيات من أعضاء ميليشيا «الباسيج» يحملن بنادق كلاشينكوف خلال مسيرة نظمتها الحكومة دعماً لمجتبى خامنئي المرشد الإيراني بمناسبة «اليوم الوطني للفتيات» في طهران (نيويورك تايمز)

مضيق هرمز كأداة ضغط... إلى أي مدى تصمد المعادلة؟

تكشف أزمة مضيق هرمز أن جغرافيا إيران ما زالت تمنحها ورقة ردع مؤثرة، رغم الخسائر العسكرية والضغوط على برنامجها النووي.

مارك مازيتي (واشنطن) آدم إنتوس (واشنطن) جوليان بارنز (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة التقطها قمر اصطناعي يوم 17 يونيو 2025 تُظهر مبنى مُدمّراً في موقع نطنز النووي بإيران (بلانيت لابز - رويترز) p-circle

هل يمكن نقل مخزون اليورانيوم الإيراني إلى دولة ثالثة؟

هل يمكن نقل هذا المخزون إلى دولة ثالثة، وتخفيف تخصيبه إلى درجات غير ضارة؟

«الشرق الأوسط» (لندن)

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
TT

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)

يسعى الإيرانيون إلى الحفاظ على لمحة من مظاهر الحياة الطبيعية بعد أسابيع شهدت قصفاً أميركياً وإسرائيلياً، وحملة قمع ضد المتظاهرين أسقطت قتلى في يناير (كانون الثاني)، ولا يزالون يشعرون بالقلق إزاء المستقبل في ظل الآثار السلبية الناجمة عن الغارات الجوية وانقطاع خدمة الإنترنت.

وفي ظل الخلافات الدائرة بين إيران والولايات المتحدة حول تمديد وقف إطلاق النار والاتفاق على إنهاء الصراع، فتحت المتاجر والمطاعم والمكاتب الحكومية أبوابها. وفي أيام الربيع المشمسة، تزدحم حدائق المدينة بأسر خرجت للتنزه وشبان يمارسون الرياضة، بينما يتجمع آخرون في المقاهي على جوانب الشوارع.

لكن وراء هذه المشاهد الهادئة، يتداعى الاقتصاد الإيراني، ويخشى الناس من حملة قمع جديدة من الحكومة، ويشعرون بالغضب إزاء الغارات الجوية المدمرة.

ويبدو أن الصعوبات التي أذكت اضطرابات واحتجاجات حاشدة في يناير ستزداد تفاقماً، حسب وكالة «رويترز».

وانتهت المحادثات التي جرت في إسلام آباد هذا الشهر، وهي أول مفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران منذ سنوات، دون التوصل إلى اتفاق. ولكن مع اقتراب موعد انتهاء وقف إطلاق النار الهش الحالي يوم الأربعاء، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الأحد إن مبعوثيه سيتوجهون إلى باكستان وإنهم مستعدون لإجراء مزيد من المحادثات.

إيرانيتان تنظران إلى هاتف ذكي عند البوابة الرئيسية لجامعة طهران الأحد (أ.ب)

خوف من ضغوط مع استمرار نظام الحكم

قالت فريبا (37 عاماً) التي شاركت في مظاهرات يناير لـ«رويترز» عبر الهاتف من إيران: «ستنتهي الحرب، لكن عندها ستبدأ مشاكلنا الحقيقية مع النظام. أخشى جداً من أن يزيد الضغط على الناس العاديين إذا توصل النظام إلى اتفاق مع الولايات المتحدة».

وأضافت: «لم ينس الشعب جرائم النظام في يناير، ولم ينس النظام أن الناس لا يريدونه. إنه يكبح نفسه الآن لأنه لا يريد القتال على الجبهة الداخلية أيضاً».

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن القصف أودى بحياة الآلاف، منهم عشرات التلميذات في مدرسة للبنات في اليوم الأول من الصراع.

ودمر القصف أيضاً بنى تحتية في أنحاء البلاد، مما زاد من احتمالات حدوث تسريح جماعي للعمال.

ويبدو أن النظام الإيراني راسخ كما كان في الماضي، بعد أن نجا من القصف المكثف على مدى أسابيع وعرقل إمدادات النفط العالمية.

وقال أوميد ميماريان، محلل الشأن الإيراني لدى مركز الأبحاث المستقل «دون» في الولايات المتحدة: «أدرك الإيرانيون أن هذه الحرب لن تؤدي إلى إسقاط النظام، لكنها في الوقت نفسه ستجعل حياتهم أسوأ بكثير من الناحية الاقتصادية».

وأضاف: «لن يضع الجيش أسلحته. سيبقون، وسيكون الوضع دموياً. سيكون مكلفاً من دون أي أمل في مستقبل أفضل».

وفي شمال طهران، أجرت «رويترز» الأسبوع الماضي مقابلات بالفيديو مع شبان إيرانيين تحدثوا عن الحرب ومخاوفهم. وتعمل وسائل الإعلام الأجنبية في إيران بموجب المبادئ التوجيهية التي تضعها وزارة الثقافة والإرشاد، التي تنظم نشاط الصحافة والتراخيص.

الإيرانيون يستمتعون بيوم مشمس في حديقة عامة في خضم وقف إطلاق النار في طهران الأسبوع الماضي (رويترز)

وقالت مهتاب، الموظفة في شركة خاصة، التي طلبت عدم ذكر اسم عائلتها، إن الأمور يمكن أن تكون أسوأ بالنسبة للإيرانيين، بالنظر إلى تأثير الحرب والعقوبات والعزلة على مدى سنوات.

وأضافت: «لا أريد أن أقول إن الوضع طبيعي، لكن كإيرانية عاصرت كل هذا، إذ إنه ليس سيئاً للغاية. يمكننا التعايش معه».

لكن لم يكن لدى الإيرانيين الذين تواصلت معهم «رويترز» عبر الهاتف هذا الرأي، إذ أبدوا قلقاً أكبر بكثير خلال حديثهم، بشرط عدم الكشف عن هوياتهم خوفاً من التعرض للانتقام.

وقالت سارة (27 عاماً)، وهي مدرسة خاصة، طلبت عدم الكشف عن اسم عائلتها أو مكان إقامتها: «نعم، الناس يستمتعون بوقف إطلاق النار في الوقت الحالي... لكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ ماذا يُفترض بنا أن نفعل مع نظام أصبح أكثر قوة؟».

خيارات قليلة

قُتل الآلاف عندما قمعت السلطات احتجاجات استمرت أسابيع في يناير، وقال حينها ترمب إنه سيأتي لمساعدة الإيرانيين.

ولم ترد بعثة إيران الدائمة لدى الأمم المتحدة في جنيف بعد على طلبات للتعليق على هذه القصة. وكانت قد ألقت سابقاً باللوم في أعمال العنف التي وقعت في يناير على «إرهابيين مسلحين» مرتبطين بإسرائيل والولايات المتحدة.

وقال ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بداية الحرب إنهما يريدان الإطاحة بالحكام، لكن هذا الهدف تلاشى مع استمرار القصف.

وقال ميماريان إن الغضب من القمع جعل كثيراً من الإيرانيين يأملون في تولي حكام جدد السلطة، لكن سرعان ما تحولت مشاعر الغضب إلى الحرب ضد بلادهم.

وأضاف: «أعتقد أنه أصبح أكثر وضوحاً لكثير من الإيرانيين أن هذه الحرب ليست مصممة، أو لا تهدف، إلى مساعدة الشعب الإيراني».

إيرانيات يمررن بجانب ضابط شرطة يقف حراسة في ساحة تجريش شمال طهران الأربعاء الماضي (رويترز)

ولم تكن مهتاب ولا النساء الأخريات الجالسات في مقهى شمال طهران يرتدين الحجاب الإلزامي المفروض منذ عقود في إيران. وصارت قواعد الزي العامة أكثر مرونة عقب الاحتجاجات الشعبية في عام 2022، ومنها مظاهرات رفعت مطالب تتعلق بحقوق المرأة، التي قمعتها السلطات، وخففت بعدها ضمنياً تطبيق بعض قواعد الزي.

وقال المحلل السياسي الإيراني المستقل المقيم في بريطانيا حسين رسام إنه أصبح واضحاً في يناير أن السلطات لن تتراجع بسهولة مجدداً، وأنها لن تنهار في مواجهة الهجوم العسكري.

وجعلت الحرب الإيرانيين أكثر انقساماً من ذي قبل، لكن مع خيارات قليلة. وقال رسام: «هذه لحظة حاسمة للإيرانيين لأنهم في النهاية، وخاصة الإيرانيين داخل البلاد، يدركون أنهم بحاجة إلى العيش معاً. لا مكان يذهبون إليه».

نار تحت الرماد

يخشى كثيرون من تفاقم القمع الآن. وقال أرجانج، وهو أب لطفلين يبلغ من العمر 43 عاماً، لـ«رويترز» عبر الهاتف من شمال طهران: «في الشوارع، تتجول النساء دون حجاب، لكن ليس واضحاً ما إذا كانت هذه الحريات ستستمر بعد التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. سيزداد الضغط 100 في المائة، لأنه بمجرد التوصل إلى سلام مع واشنطن، لن يواجه النظام الضغط الخارجي نفسه».

ولم تحدث احتجاجات بداية العام أي تغيير ملموس في حياة الناس، بل دفعت السلطات إلى فرض قيود صارمة على استخدام الإنترنت؛ وهو ما أثر كثيراً على الشركات والمواطنين العاديين الذين كانوا في حاجة ماسة إلى المعلومات أثناء الحرب.

إيرانيات يستقللن مركبة عسكرية أثناء مشاركتهن في مسيرة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران الجمعة (إ.ب.أ)

وقالت فائزة (47 عاماً)، وهي تلعب الكرة الطائرة مع أصدقائها في حديقة شمال طهران: «حتى أصغر الأمور، مثل التواصل مع أفراد عائلتنا الذين يعيشون خارج البلاد، باتت مستحيلة».

وقال ميماريان إن الاستياء الشعبي قد يتصاعد بعد انتهاء الحرب، وإن الناس أصبحوا أقل خوفاً حيال اتهامهم بالخيانة.

وأضاف: «هناك الكثير من النار تحت الرماد».


المخابرات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى تصدع كبير في القيادة الإيرانية

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)
أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)
TT

المخابرات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى تصدع كبير في القيادة الإيرانية

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)
أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)

في تقرير صادر عن شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي «أمان»، أكدت تل أبيب أن هناك تصدعاً كبيراً في القيادة الإيرانية، مضيفة أن هذا التصدع بات مبشراً بانهيار جزئي على الأقل للنظام في طهران.

وقالت «أمان» إن غياب المرشد علي خامنئي، ترك فراغاً هائلاً ولم يعد هناك من يتمتع مثله بسطوة القائد الذي يُجمَع حوله الباقون وتكون له الكلمة الأخيرة. فابنه مجتبى، الذي انتخب للمنصب بعد وفاة والده، لا يتمتع بشخصية كارزماتية مثل والده، ويُنظر إليه بوصفه شخصية ناقصة دينياً وسياسياً، فضلاً عن كونه جريحاً، ويُعتقد أنه لا يقوى على الحسم.

لذلك فإن وراثة خامنئي الأب ما زالت مفتوحة، خصوصاً أن الشارع الإيراني يذكر القيادة الحالية بأن أحد عيوب نظام الشاه في الحكم أنه كان عائلياً يرث فيه الابن أباه. والآن يتصرف النظام الحالي بالطريقة نفسها التي هاجمها في الماضي.

قادة إيران الجدد

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

ونشر تقرير «أمان»، الذي ظهر في موقع «واللا» يوم الأحد، قائمة القادة الحاليين في إيران «الذين بقوا في الحكم بعد أن تمت تصفية 55 شخصية قيادية أساسية في الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران». وتضم قائمة القادة الحاليين، بالإضافة إلى مجتبى خامنئي، حسين طائب الرئيس السابق لجهاز استخبارات «الحرس الثوري»، وهو مستشار كبير لدى مجتبى خامنئي وأمين سره، ويُعرف عنه أنه يقود الاتجاه المتطرف، وقد سُمع وهو يقول إن الاتفاق مع الغرب والتنازل له خيانة تُشكل تهديداً وجودياً للنظام.

وتضم القائمة أيضاً محمد عبد اللهي رئيس مكتب المرشد العام وهو حامل مفاتيح باب الوصول إلى خامنئي، ويعد مدير التوازنات الحساسة بين التيارات المتصارعة على القيادة. كذلك أحمد وحيدي القائد العام لـ«الحرس الثوري»، وكان وزيراً للداخلية والدفاع، وكان أيضاً أول قائد لـ«فيلق القدس»، وهو متطرف جداً في مواقفه، ويمثل التيار الأمني والتنفيذي لـ«الحرس الثوري»، ويتمسك بالأذرع الإيرانية في المنطقة.

محمد باقر قاليباف: رئيس البرلمان ومن كبار المفاوضين مع الولايات المتحدة. يعد محافظاً ولكنه مهتم بتحسين الاقتصاد، ويسعى إلى منع الانهيار الداخلي السياسي والاجتماعي، الذي من شأنه أن يؤدي إلى موجة احتجاجات شعبية جديدة ضد النظام، ومع ذلك يحرص على قناة تواصل مع التيار الراديكالي.

وفي مجموعة الإصلاحيين: الرئيس مسعود بزشكيان، وهو الذي يحاول قيادة الخط الأكثر اعتدالاً لغرض إزالة العقوبات الاقتصادية عن إيران، لكنه محدود التأثير بسبب القيود التي يفرضها عليه «الحرس الثوري». كما أنه يتعرض لحملة تحريض تتهمه بـ«خيانة قيم الثورة».

عباس عراقجي، وزير الخارجية الذي كان مفاوضاً في الاتفاق النووي الأول سنة 2015، مع دول الغرب. ويقول ضابط كبير في «أمان» إن عراقجي دبلوماسي لديه خبرة ويبحث عن صيغ للتنازلات بطريقة لا تظهر إيران مستسلمة للإرادة الأميركية.

كما يقول تقرير «أمان» إنه بالإضافة إلى هؤلاء، توجد مجموعة اسمها «الممسكون بالخيوط»، وأبرز هؤلاء: علي إفتخاري وهو شخصية مؤثرة في المخابرات وبين صفوف النخبة الدينية التي انتخبت مجتبى مرشداً، تعد هذه المجموعة العقيدة الدينية للثورة ركناً أساسياً للنظام.

علي رائدين، هو رجل أمن رفيع ذو علاقات وطيدة بدوائر اتخاذ القرارات الحساسة، ويصفه جنرال إسرائيلي بأنه «أقوى خلية في السلسلة»، ومكلف بحماية النظام وثباته في مواجهة الأخطار الداخلية والخارجية. وقد كُلف بإعادة بناء قوة «الباسيج» بعدما تلقت ضربات كبيرة من إسرائيل.

حلقة الضعف

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)

ويقول جنرال إسرائيلي في «أمان» إن حلقة الضعف في هذه القيادة أنه لا يوجد شخص يملك الكلمة الفصل، لذلك فإن كل قرار يصدر حالياً تنشأ له فوراً معارضة وشكوك، بحيث بدأت الثقة تتزعزع لدى الكثيرين بأنفسهم، وكذلك في بعضهم بعضاً. كما يسود التوتر بين هذه القيادات حتى في ظل وقف النار.

ويضيف أن وقائع الحرب والاغتيالات، وغياب علي خامنئي، والدمار وفقدان التواصل، كلها عوامل أدت إلى تصدع حقيقي داخل سلطة الحكم الإيرانية، وعقّدت قدرتها على اتخاذ القرارات.

ومع وجود قادة جدد في مواقع المسؤولية نشأت فوضى، وتعمقت أزمة الحكم والسلطة. ويُلاحظ أنه يوجد لدى المفاوضين الإيرانيين قدر محدود من المعرفة بما يمكن أن تقدمه حكومتهم من تنازلات أو حتى بمن يتعين عليهم سؤاله على وجه الدقة. وفضلاً عن ذلك، فإن المتشددين داخل «الحرس الثوري» باتوا أكثر نفوذاً ويمارسون سلطة أكبر من القيادة الدينية التي تتولى الحكم اسمياً.

ولا تستبعد «أمان» أن التيار المتشدد يخرب على أولئك الذين يتوصلون إلى اتفاقيات وتفاهمات مع واشنطن.

تقويض النظام

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في مدينة مشهد 10 يناير (رويترز)

من جهة أخرى، قال موقع «واللا» الإسرائيلي إنه خلال عملية «زئير الأسد» تم استهداف مئات الأهداف التابعة لقوات «الباسيج»، وتم اغتيال مسؤولين كبار. ومع ذلك، يوضح الجيش الإسرائيلي أنه لم تُصدر أي تعليمات لإسقاط النظام، وأن الضربات الجوية وحدها ليست كافية لتحقيق ذلك.

في الوقت نفسه، كُشف أن المستوى السياسي منع استهداف بنى تحتية وطنية، وأنه رغم الأضرار، لم يخرج الشعب الإيراني إلى الشوارع. وتشير التقديرات داخل المؤسسة الأمنية إلى أن الهدف من العملية كان زعزعة استقرار النظام الإيراني وإضعاف قبضته، من خلال ضرب أذرعه الأمنية الداخلية، وعلى رأسها قوات «الباسيج»، التي تُعد أداة رئيسية في قمع الاحتجاجات الشعبية.

وقد شملت الهجمات مئات المواقع المرتبطة بهذه القوات، إضافة إلى استهداف شخصيات قيادية بارزة. وعُد ذلك جزءاً من محاولة إحداث تأثير داخلي في إيران، وليس فقط توجيه ضربة عسكرية تقليدية.

مع ذلك، شدّد مسؤولون في الجيش الإسرائيلي على أن إسقاط النظام لم يكن هدفاً رسمياً للعملية، وأن مثل هذا الهدف يتطلب أدوات أوسع بكثير من مجرد الضربات الجوية، بما في ذلك تحركات سياسية وشعبية داخلية.

كما تبين أن القيادة السياسية فرضت قيوداً على نطاق الهجمات، إذ منعت استهداف بنى تحتية وطنية حيوية داخل إيران، وهو ما حدّ من مستوى التصعيد، ومن حجم الضرر الممكن إحداثه.

ورغم الضربات التي وُجهت، تشير التقديرات إلى أن الشارع الإيراني لم يشهد تحركاً واسعاً أو احتجاجات كبيرة نتيجة هذه الهجمات، وهو ما عُد عاملاً مهماً في عدم تحقيق تأثير استراتيجي أعمق على استقرار النظام.

في المحصلة، ترى التقييمات أن الضربات الجوية، حتى وإن كانت واسعة، لا تكفي وحدها لإحداث تغيير سياسي جوهري داخل إيران، خصوصاً في ظل غياب تحرك داخلي من قبل الإيرانيين أنفسهم.


أوروبا تتحسب لاتفاق «متعجل» بين واشنطن وطهران

إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)
إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تتحسب لاتفاق «متعجل» بين واشنطن وطهران

إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)
إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)

قال دبلوماسيون مطلعون على الملف الإيراني إن حلفاء واشنطن في أوروبا يخشون أن يدفع فريق التفاوض الأميركي، الذي يرونه محدود الخبرة في هذا المسار، نحو اتفاق إطار سريع مع طهران، قد يحقق مكسباً سياسياً آنياً، لكنه يرسّخ مشكلات معقدة بدلاً من حلها.

وأعرب هؤلاء عن قلقهم من أن تسعى واشنطن، في إطار سعيها لتحقيق إنجاز دبلوماسي للرئيس دونالد ترمب، إلى إبرام اتفاق سريع بشأن البرنامج النووي الإيراني ورفع العقوبات، من دون معالجة جميع القضايا الرئيسية، ما قد يفتح الباب لاحقاً أمام مفاوضات تقنية طويلة ومعقدة تستمر لأشهر حتى لسنوات.

وقال دبلوماسي أوروبي كبير، وهو أحد 8 دبلوماسيين تحدثوا إلى «رويترز» ممن عملوا سابقاً أو حالياً على الملف النووي الإيراني: «القلق ليس من عدم التوصل إلى اتفاق، بل من التوصل إلى اتفاق مبدئي سيئ قد يجلب مشكلات لا حصر لها في المستقبل».

وفي رد على استفسارات بشأن أسلوب التفاوض والفريق الأميركي والأهداف والمخاطر المحتملة لاتفاق سريع، رفض البيت الأبيض هذه الانتقادات. وقالت المتحدثة آنا كيلي إن «الرئيس ترمب يمتلك سجلاً حافلاً في إبرام اتفاقات جيدة لصالح الولايات المتحدة والشعب الأميركي، ولن يقبل سوى باتفاق يضع أميركا أولاً».

ويتكوف يترجل من سيارة قبل مشاركته في محادثات مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في جنيف فبراير الماضي (أ.ف.ب)

تهميش أوروبي

وقال دبلوماسيون من فرنسا وبريطانيا وألمانيا — وهي الدول التي بدأت التفاوض مع إيران عام 2003 — إن دورهم تراجع في المرحلة الحالية. وكانت هذه الدول قد شاركت، إلى جانب الولايات المتحدة، في التوصل إلى الاتفاق النووي لعام 2015، المعروف باسم «خطة العمل الشاملة المشتركة»، الذي نص على تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات.

لكن ترمب انسحب من الاتفاق عام 2018 خلال ولايته الأولى، واصفاً إياه بأنه «أحادي الجانب بشكل رهيب».

وبعد حملة عسكرية استمرت 40 يوماً، استأنف المفاوضون الأميركيون والإيرانيون محادثات في إسلام آباد في وقت سابق من هذا الشهر، ركزت مرة أخرى على المقايضة المعهودة: قيود نووية مقابل تخفيف الضغوط الاقتصادية. وتظهر مؤشرات في العاصمة الباكستانية استعدادات لاستئناف المحادثات المباشرة.

ويرى دبلوماسيون أن انعدام الثقة العميق بين الطرفين، إلى جانب التباين الحاد في أساليب التفاوض، يزيد من خطر التوصل إلى إطار هش قد يصعب الحفاظ عليه سياسياً.

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي السابقة فيديريكا موغريني خلال مؤتمر في مدينة مكسيكو بالمكسيك 11 سبتمبر 2019 (رويترز)

وقالت المسؤولة السابقة للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغريني، التي نسقت المحادثات بين عامي 2013 و2015: «استغرق الأمر منا 12 عاماً وعملاً تقنياً هائلاً. هل يعتقد أحد فعلاً أن هذا يمكن تحقيقه في 21 ساعة؟».

اتفاق سياسي بلا تفاصيل

وأشار دبلوماسيون إلى أن التوصل إلى اتفاق إطار قد يكون ممكناً، يقوم على حزمتين: نووية واقتصادية. إلا أنهم حذروا من أن الملف النووي يظل الأكثر إثارة للخلاف.

وقال دبلوماسي أوروبي: «يعتقد الأميركيون أنهم يستطيعون الاتفاق على 3 أو 4 نقاط في وثيقة من 5 صفحات، لكن في الملف النووي كل بند يفتح الباب أمام عشرات الخلافات الأخرى».

وتتركز المحادثات على مخزون إيران البالغ نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وهو مستوى قريب من الاستخدام العسكري في حال رفع نسبة التخصيب.

ويُطرح خيار «تخفيف التركيز» داخل إيران تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية كأحد الحلول المفضلة، إلى جانب خيار هجين يقضي بنقل جزء من المخزون إلى الخارج. وجرى طرح تركيا وفرنسا كوجهتين محتملتين، في حين يرى دبلوماسيون أن نقل المواد إلى الولايات المتحدة سيكون صعب القبول سياسياً بالنسبة لطهران، كما أن واشنطن لا تفضل إرسالها إلى روسيا.

لكن هذه الخيارات، بحسب الدبلوماسيين، ستتطلب مفاوضات تقنية معقدة تشمل التحقق من الكميات، واستعادة المواد التي قد تكون دُفنت بفعل الضربات الجوية، وضمان نقلها بشكل آمن. كما طرحت إيران فكرة تخزين المواد في الخارج لفترة زمنية محددة.

وقال دبلوماسي غربي شارك سابقاً في المفاوضات: «ما يحدث الآن هو مجرد نقطة انطلاق. لهذا السبب بلغ حجم اتفاق 2015 نحو 160 صفحة».

وإلى جانب المخزون، يتمثل الخلاف الأعمق في حق إيران في تخصيب اليورانيوم. فقد دعا ترمب إلى وقف كامل للتخصيب، بينما تؤكد طهران حقها في التخصيب لأغراض مدنية وتنفي سعيها لامتلاك سلاح نووي.

ويُطرح حل وسط محتمل يقوم على وقف مؤقت للتخصيب، يعقبه استئناف عند مستويات منخفضة جداً ضمن شروط صارمة.

وشدد الأوروبيون على ضرورة الحفاظ على الدور المركزي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يشمل عمليات تحقق دقيقة وإمكانية وصول غير مقيدة.

وقال جيرار آرو، كبير المفاوضين الفرنسيين بين 2006 و2009: «المفاوضات مع إيران شديدة التعقيد والدقة، وكل كلمة فيها مهمة. هذا ليس ملفاً يمكن التعامل معه بسرعة».

مسار العقوبات

في المسار الاقتصادي، تتركز المحادثات على رفع العقوبات وتحرير الأصول الإيرانية المجمدة.

وتسعى طهران على المدى القريب إلى الوصول إلى جزء من أموالها المجمدة في الخارج، بينما يتوقع دبلوماسيون أن يتطلب رفع أوسع للعقوبات مشاركة أوروبية، نظراً لأهمية التجارة مع أوروبا بالنسبة لإيران على المدى الطويل.

ويرى مسؤولون أن واشنطن تفصل مجدداً بين الاتفاق من حيث المبدأ والعمل اللاحق على التفاصيل، وهو نهج يعتبرونه غير منسجم مع طبيعة النظام السياسي الإيراني.

وقال دبلوماسي إقليمي مطلع على الموقف الإيراني: «هذه المحادثات ليست صفقة عقارية تُبرم بالمصافحة»، في إشارة لخلفيات مفاوضي ترمب الرئيسيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مضيفاً أن العملية تتطلب تدرجاً في رفع العقوبات مقابل خطوات نووية مقابلة.

وأشار دبلوماسيون إلى أن الحرب الأخيرة عززت موقف طهران، التي ترى أنها قادرة على تحمل الضغوط، حتى في ظل سعيها لتخفيف القيود الاقتصادية.

ويتمثل المطلب الرئيسي لإيران في الحصول على ضمانات بعدم تعرضها لهجمات جديدة، بعد أن شهدت ضربات أميركية وإسرائيلية خلال فترات تفاوض سابقة.

ترمب يَعرض مذكرة وقّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية _ أ.ب)

ضغوط إقليمية

في الوقت ذاته، تواجه واشنطن ضغوطاً من حلفائها، إذ هي مطالبة إقليمياً بإدراج ملفات الصواريخ الباليستية الإيرانية ونشاط الجماعات المسلحة المتحالفة مع طهران ضمن أي اتفاق، وتضغط إسرائيل باتجاه فرض أقصى قيود ممكنة على إيران.

على خلاف ذلك، ترى طهران أن قدراتها الصاروخية تمثل رادعاً أساسياً، خاصة بعد تراجع قدراتها التقليدية نتيجة الحرب.

ويرى دبلوماسيون أن المطالبة بتفكيك هذه القدرات بشكل كامل تبدو غير واقعية من دون تقديم ضمانات أمنية أوسع.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الخطوط الحمراء لواشنطن تشمل وقف تخصيب اليورانيوم، وتفكيك منشآت التخصيب الكبرى، والحصول على مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، إلى جانب اتفاق أوسع للتهدئة يشمل أطرافاً إقليمية.

خبرة تفاوضية محدودة

وأقر مسؤولون أوروبيون بأنهم ساهموا جزئياً في تهميش دورهم، من خلال دعم إعادة فرض عقوبات أممية على طهران العام الماضي، وإدراج «الحرس الثوري» ضمن قوائم الإرهاب. لكنهم أشاروا إلى أن إيران تقدر في المقابل بقاءهم خارج دائرة المواجهة العسكرية.

وقال مسؤول أوروبي: «ببساطة، لا توجد خبرة كافية داخل هذا الفريق الأميركي. لقد عملنا على هذا الملف لعقدين»، مشيراً إلى أن نحو 200 دبلوماسي وخبير نووي ومالي شاركوا في مفاوضات اتفاق 2015.

في المقابل، أكد مسؤول في البيت الأبيض أن ممثلين عن مجلس الأمن القومي ووزارتي الخارجية والدفاع شاركوا في محادثات إسلام آباد، ولا يزالون منخرطين في الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق.