عقدة السيادة تؤخر اتفاق «هرمز»

التنفيذ مرهون بحسم الخلافات... وباكستان تحض على استئناف الحوار

طائرة مقاتلة أميركية من طراز «إف-16» تتزود بالوقود جواً خلال دورية فوق مياه الشرق الأوسط (سنتكوم)
طائرة مقاتلة أميركية من طراز «إف-16» تتزود بالوقود جواً خلال دورية فوق مياه الشرق الأوسط (سنتكوم)
TT

عقدة السيادة تؤخر اتفاق «هرمز»

طائرة مقاتلة أميركية من طراز «إف-16» تتزود بالوقود جواً خلال دورية فوق مياه الشرق الأوسط (سنتكوم)
طائرة مقاتلة أميركية من طراز «إف-16» تتزود بالوقود جواً خلال دورية فوق مياه الشرق الأوسط (سنتكوم)

أبطأت الخلافات حول السيادة على مضيق هرمز والآلية المستقبلية لإدارته مسار الاتفاق المرتقب بين إيران وسلطنة عُمان، رغم دخول المفاوضات مرحلة متقدمة، فيما أعربت باكستان، الخميس، عن أملها في أن يمهّد التفاهم إلى استئناف المحادثات بين واشنطن وطهران، ولا سيما على المستوى التقني.

وتقول طهران إن صياغة الترتيبات الجديدة للملاحة باتت قريبة من الاكتمال، لكنها تؤكد أن ذلك لا يعني إعادة فتح الممر فوراً أو العودة إلى النظام الذي كان قائماً قبل الحرب.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية طاهر أندرابي للصحافيين إن إسلام آباد تأمل أن يؤدي الاتفاق المتعلق بالمضيق إلى مواصلة الحوار، وخصوصاً استئناف المحادثات الفنية بين الولايات المتحدة وإيران في إطار مذكرة التفاهم التي ساهمت باكستان في التوسط لإبرامها.

وتريد باكستان أن يشكل الاتفاق الإيراني - العُماني خطوة أولى تعيد تشغيل القنوات التي توقفت بعد انهيار مذكرة التفاهم المبرمة في يونيو، وأن تفتح الطريق أمام بحث البرنامج النووي والقضايا المرتبطة بوقف العمليات العسكرية.

وكانت إيران قد أعلنت، الأربعاء، إحراز تقدم في محادثاتها مع سلطنة عُمان بشأن مسار جديد لعبور السفن. وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن اتفاقاً قد يُعلن خلال أيام، لكن الروايات المتداولة لا تزال مختلفة بشأن طبيعة التفاهم وحدود السيطرة الإيرانية، وما إذا كان سيؤدي إلى فتح المضيق أو يقتصر على تنظيم مرور محدود ومشروط للسفن.

وقدمت وكالة «إرنا» الرسمية، الخميس، تصوراً إيرانياً أكثر وضوحاً، إذ قالت إن المحادثات مع عُمان تقترب من التوصل إلى ترتيب جديد لإدارة حركة الملاحة، وإن طهران تنظر إليه باعتباره نموذجاً أمنياً مختلفاً للمضيق، وليس إعادة فتح كاملة له.

وبحسب الوكالة، ستدخل السفن التجارية عبر المياه الإيرانية وتغادر عبر المياه العُمانية، ضمن آلية تنظم المرور وتحل محل النظام الذي ظل معمولاً به نحو ستين عاماً، وكانت السفن بموجبه تعبر المضيق وفق ترتيبات فصل حركة الملاحة المعتمدة دولياً.

وقالت «إرنا» إن الحرب غيّرت الظروف الأمنية المحيطة بالممر، وإن الترتيبات القديمة لم تعد قادرة، من وجهة النظر الإيرانية، على التعامل مع الوقائع الجديدة. وأضافت أن نجاح النظام المقترح سيعتمد على مدى قبوله من دول المنطقة والقوى الدولية.

ولم تتطرق الوكالة إلى فرض رسوم على السفن، رغم أن هذه المسألة تمثل إحدى أكثر النقاط حساسية في المفاوضات. وتريد طهران تكريس دور مباشر في إدارة العبور وإنهاء النظام السابق الذي سمح للسفن بدخول الخليج والخروج منه من دون الحصول على موافقة إيرانية مسبقة، بينما تتمسك واشنطن بحرية الملاحة وترفض أي ترتيب يمنح إيران سلطة منفردة على المضيق أو يسمح لها بفرض رسوم إلزامية.

كانت وكالة «أسوشييتد برس» قد نقلت عن مسؤولين إقليميين أُطلعا على المحادثات أن المفاوضين الإيرانيين والعُمانيين أنهوا مسودة الاتفاق الخاصة بإعادة تنظيم الملاحة، وأن الوثيقة تنتظر الموافقة النهائية من المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علناً منذ اختياره خلفاً لوالده بعد مقتله في الحرب.

ووصف المسؤولان الاتفاق المحتمل بأنه حل مؤقت للنزاع حول المضيق، وقالا إنه يرتبط بمذكرة التفاهم التي توصلت إليها الولايات المتحدة وإيران في يونيو بهدف وقف القتال وإعادة فتح الممر، قبل أن تنهار لاحقاً.

وبحسب روايتهما، من شأن الاتفاق أن يمهد الطريق أمام استئناف المفاوضات بين واشنطن وطهران بشأن البرنامج النووي الإيراني. كما ينص التصور المطروح على دخول السفن إلى الخليج العربي عبر مسار يخضع للسيطرة الإيرانية، وخروجها عبر مسار تشرف عليه سلطنة عُمان، مع فرض رسوم خدمات مقابل توفير الأمن والمحافظة على البيئة البحرية.

وقالت «أسوشيتد برس» إن إنجاز الاتفاق يتطلب تراجع أحد الطرفين أو كليهما عن مواقفهما بشأن السيطرة والرسوم والحصار. وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت معارضتها الشديدة لأي ترتيبات تسمح لإيران بفرض رسوم على السفن العابرة. كما قالت إن أي اتفاق يجب أن يضمن حرية الملاحة وألا يحول المضيق إلى ممر تديره طهران وفق شروطها الأمنية والسياسية.

وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، الأربعاء، إن صياغة الاتفاق دخلت «المرحلة النهائية»، وإن بياناً مشتركاً سيصدر إذا لم تعرقل أطراف معينة العملية، في إشارة بدت موجهة إلى الولايات المتحدة. غير أن الانتقال من صياغة الوثيقة إلى تنفيذها لا يزال مرتبطاً بشروط تتجاوز رسم مسارات السفن.

قارب صغير يبحر قرب سفن شحن وناقلات تجارية راسية في مضيق هرمز قبالة بندر عباس، الأربعاء (إيسنا/أ.ب)

المسودة تكتمل... والتنفيذ مؤجل

وأفادت مصادر إقليمية وإيرانية تحدثت إلى «رويترز» بأن المقترح الموجود على الطاولة يمنح طهران التحكم في السفن الداخلة إلى الخليج عبر المضيق، بينما يبقى دورها في حركة السفن المغادرة موضع تفاوض.

وقالت المصادر إن الخلاف يشمل تعريف «السيطرة» وحدودها، والجهة التي ستتولى تفتيش السفن، وما إذا كانت الرسوم ستُفرض بصورة إلزامية أم ستبقى طوعية. وقال مصدر من المنطقة إن قبول درجة من السيطرة الإيرانية أصبح مطروحاً بالفعل، لكن مفاوضين خليجيين يتمسكون بأن تتولى دول المنطقة عمليات التفتيش وألا تتحول الرسوم إلى شرط لعبور السفن.

وترى واشنطن أن منح إيران نفوذاً رسمياً على أهم ممر عالمي لتجارة الطاقة سيشكل تحولاً واسعاً في ميزان القوى، خصوصاً أن المضيق كان قبل الحرب مفتوحاً أمام السفن من دون رسوم إيرانية أو تصاريح مسبقة.

ووفق مصدر إيراني كبير، تطالب طهران برسوم تتراوح بين خمسة وسبعة في المائة من قيمة الشحنات، بينما تبحث سلطنة عُمان رسوماً تقارب ثلاثة في المائة، وترفض الولايات المتحدة فرض أي رسوم.

وقال المصدر إن النص المقترح يمنح إيران السيطرة على السفن المتجهة إلى الخليج، فيما لا يزال دورها تجاه السفن المبحرة في الاتجاه المعاكس من أبرز النقاط التي لم تُحسم.

وأفادت مصادر أخرى بأن إيران حذرت دول الخليج من أنها قد تستهدف منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية في المنطقة إذا نفذت الولايات المتحدة هجوماً جديداً على أراضيها. وقال مصدر خليجي لوكالة «رويترز» إن التحذير الإيراني كان واضحاً، وإن أي استهداف أميركي للبنية التحتية الإيرانية سيقابله رد على منشآت الطاقة وأهداف أخرى في المنطقة.

عقدة السيادة

وقدم نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية كاظم غريب آبادي، مسؤول الفريق الفني المفاوض، شرحاً أكثر تفصيلاً للمحادثات، فقال إن طهران ومسقط تبحثان منذ أكثر من ثلاثة أسابيع تغييراً أساسياً في نظام الملاحة الذي استمر نحو ستين عاماً.

وأضاف أن عُمان وافقت، بناء على طلب إيراني، على مناقشة تغييرات جوهرية في مسارات الدخول والخروج، وأن الجانبين توصلا إلى تفاهمات مبدئية بشأن معظم القضايا، بما يشمل الخرائط والجوانب القانونية والأمنية والسيادية.

وقال غريب آبادي إن الترتيب المقترح يتضمن إنشاء مركز إيراني - عُماني مشترك لتنسيق حركة السفن والحصول على المعلومات اللازمة من الناقلات والسفن التجارية المتجهة من بحر عُمان إلى الخليج العربي أو في الاتجاه المعاكس.

وشدد على أن طهران تعد ترتيبات المضيق شأناً يخص إيران وسلطنة عُمان بوصفهما الدولتين الساحليتين، ولا تعترف لأي دولة أخرى بحق التدخل في تحديد المسارات أو قواعد العبور.

وأوضح أن السفن التجارية ستدخل الخليج العربي عبر المياه الإقليمية الإيرانية، وستمر في أجزاء من مسار الخروج عبر تلك المياه أيضاً. وقال إن بدء تطبيق النظام الجديد سيؤدي إلى إغلاق المسارين المؤقتين المستخدمين حالياً: المسار الشمالي القريب من جزيرة لارك، والمسار الجنوبي الواقع داخل المياه العُمانية.

وأكد أن طهران لا تشترط أن يقع المساران بكاملهما داخل مياهها لكي تمارس ما سماه «السيادة الفعلية» على المضيق، لكنها تريد إنهاء الترتيب السابق الذي جعل الدخول والخروج يتمان بصورة أساسية عبر الجانب العُماني.

وأضاف أن النظام الجديد لا يمثل امتداداً لترتيبات عام 1968، وإنما نموذجاً يأخذ في الاعتبار المخاوف الأمنية الإيرانية والتغييرات التي طرأت بعد الحرب. وقد يسمح بعودة حركة الملاحة إلى مستويات أقرب إلى الطبيعية إذا استقرت المنطقة وتوقفت التهديدات، لكنه يترك لطهران القدرة على إعادة فرض القيود عندما ترى أن أمنها القومي يتعرض للخطر.

وقال غريب آبادي إن الترتيب سيكون مؤقتاً وقابلاً للتمديد، وقد يستمر بين شهرين وأربعة أشهر أو مدة أطول، وفق تطور الأوضاع وإمكان التوصل لاحقاً إلى نظام دائم.

إيرانيتان تمران أمام لوحة دعائية مناهضة للولايات المتحدة في أحد شوارع طهران (رويترز)

شروط طهران

لكن إنجاز التفاهم مع عُمان لا يعني، وفق غريب آبادي، إعادة فتح المضيق بصورة فورية. وقال إن الولايات المتحدة يجب أن تعود أولاً إلى التزاماتها الواردة في مذكرة التفاهم، بما يشمل وقف العمليات العسكرية ورفع الحصار البحري وإعادة التسهيلات المتعلقة بصادرات النفط والأموال الإيرانية المجمدة.

وأضاف أن طهران تلقت رسائل أميركية تفيد باستعداد واشنطن للعودة إلى تعهداتها، لكنها لم تتخذ قراراً بشأن الانتقال إلى المرحلة التالية. وتدرس القيادة الإيرانية، بحسب قوله، مدى جدية تلك الرسائل، وما إذا كانت الولايات المتحدة قد أدركت أن المسار العسكري لم يحقق أهدافه، وما الضمانات التي تحول دون تراجعها مجدداً.

وقال إن إيران تريد إجابات عن ثلاثة أسئلة قبل اتخاذ القرار: «هل غيرت واشنطن تقييمها للمسار العسكري؟ وهل هي مستعدة فعلياً للعودة إلى التزاماتها؟ وما الضمانات التي تمنع انهيار الاتفاق بعد أسابيع؟».

وأضاف أن أي بيان أميركي أو تعهد سياسي قد يوفر اطمئناناً أولياً، لكنه لن يمثل ضمانة كافية، وأن طهران ستدخل أي مسار جديد على أساس انعدام الثقة.

ونفى غريب آبادي إجراء مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة خلال الأيام الأخيرة، وقال إن التفاهم مع مسقط يجري بوصفه مساراً ثنائياً مستقلاً. كما شدد على أن التحركات الدبلوماسية المتعلقة بالمضيق منسقة بالكامل مع المؤسسة العسكرية، وأن ما وصفه بـ«الميدان والدبلوماسية» يعملان معاً.

وفي موقف يعكس استمرار الاعتراضات داخل إيران، قال النائب بهنام سعيدي إن المحادثات مع عُمان تتعلق بحركة السفن ومسارات الملاحة، ولا تتناول إعادة فتح المضيق.

وأضاف أن البحث في إعادة الفتح لن يبدأ قبل وقف التهديدات الأميركية، ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية، وانسحاب القوات الأميركية من المنطقة، وإعلان وقف لإطلاق النار. وقال إن المضيق يمثل «أداة ردع» تستخدمها إيران، وإن السفن ستحتاج إلى إذن مسبق، ولن يُسمح للسفن العسكرية بالعبور، كما ستخضع السفن التجارية للوائح ورسوم خدمات.


مقالات ذات صلة

تركيا وسوريا... إنهاء التشكيلات المسلحة يعزز استقرار المنطقة

شؤون إقليمية فيدان والشيباني خلال مؤتمر صحافي مشترك في أنقرة الخميس (الخارجية التركية)

تركيا وسوريا... إنهاء التشكيلات المسلحة يعزز استقرار المنطقة

أكدت تركيا وسوريا العمل معاً من أجل أمن واستقرار المنطقة، ونددتا بانتهاكات إسرائيل واستغلال الحرب في إيران لتوسيع نطاق هذه الانتهاكات.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى وصوله على متن المروحية الرئاسية «مارين وان» إلى محيط البيت الأبيض في واشنطن، الأربعاء (أ.ب) p-circle

هرمز يختبر ذخائر واشنطن... نقص حقيقي وحرب روايات

لم يكن نفي الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، وجود نقص في الذخائر مجرد ردّ على تقرير صحافي، بقدر ما كان محاولة لحماية قوة الردع الأميركية في ذروة المفاوضات.

إيلي يوسف (واشنطن)
المشرق العربي جانب من اجتماع ائتلاف «إدارة الدولة» في بغداد مساء الأربعاء (إعلام حكومي)

الائتلاف الحاكم في بغداد يتوعد فصائل «خارجة عن القانون»

أعلن ائتلاف «إدارة الدولة» العراقي، الذي يضم قوى شيعية وسنية وكردية، موقفاً هو الأكثر تشدداً حتى الآن تجاه الجماعات المسلحة التي تحتفظ بأسلحة خارج إطار الدولة.

حمزة مصطفى (بغداد)
الاقتصاد قضبان من النحاس في مصنع «ترونغ فو» للكابلات بمقاطعة هاي دونغ شمالي فيتنام (رويترز)

النحاس يُسجل أعلى مستوى في 6 أشهر وسط مخاوف بشأن الإمدادات والمخزونات

سجّلت أسعار النحاس أعلى مستوى لها في 6 أشهر يوم الخميس، مدفوعة بزيادة المخاوف بشأن نقص المخزونات خارج الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

العقود الآجلة الأميركية تتباين مع ترقب المستثمرين لتطورات الشرق الأوسط

استقرت العقود الآجلة لمؤشري «ستاندرد آند بورز 500» و«داو جونز» يوم الخميس، بعد الصعود القياسي الذي سجلاه هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)