ترينالي الشارقة للعمارة... الفن والبيئة يشكّلان رقصة حياة

جولة لـ«الشرق الأوسط» في مدرسة القاسمية فريدة الهوية

الملابس المُستعمَلة توقظ أسئلة ملحّة (الشرق الأوسط)
الملابس المُستعمَلة توقظ أسئلة ملحّة (الشرق الأوسط)
TT

ترينالي الشارقة للعمارة... الفن والبيئة يشكّلان رقصة حياة

الملابس المُستعمَلة توقظ أسئلة ملحّة (الشرق الأوسط)
الملابس المُستعمَلة توقظ أسئلة ملحّة (الشرق الأوسط)

6 سنوات تمرّ على انطلاق ترينالي الشارقة للعمارة، المنصّة الداعية إلى حوار حول موضوعات العمران. أرادتها رئيستها حُور القاسمي مساحة لطرح الرؤى والتساؤلات المتعلّقة بتصميم البيئة والمجتمع، والأثر المترتّب على العمارة والتخطيط. فالعلاقة الراهنة بين العمارة والبيئة تعيد إلى الواجهة قضايا الاستدامة المستوجِبة إعادة النظر. الحاضر عاصف، وبناء مستقبل مستدامٍ فعلٌ إشكالي وسط الهبوب العميم. فالتماس الطريق لإعادة توجيه الخطاب السائد حول الاستدامة مسألة مُلحّة.

تجولت «الشرق الأوسط» في مدرسة القاسمية التراثية لاكتشاف تقنيات مبتَكرة تتبنّى فكرة أنّ الأشياء قابلة للتطوير والترميم سيراً مع الطبيعة.

مع تحوّل المدرسة من مبنى منعزل يفصله سور صغير إلى مساحة عامة تصل ما بين الحيّ حيث تقع، والمدينة، شكّل التقاء المداخل الجديدة في شمالها وغربها ما يشبه مصطبة خفيضة تمثّل عتبة ترحيبية. فمن خلال تظليل المساحة، تُهيّئ «العتبة المجرّدة» ظرفاً أفضل لزيارة المكان. وسائطها المكوّنة من أعمدة كهرباء خشبية مُعاد تدويرها، وحصائر أشجار النخيل، تتيح إنتاج مدخل معماري قوامه المواد الطبيعية المتداخلة مع السياق بما يشبه جلسة حوار.

المرشد يشرح للوفد الصحافي عن عمل المعمارية السعودية سميّة الدباغ (الشرق الأوسط)

 

التراب عنصر الحياة الحيّ

المشاريع في الأرجاء تمنح مدرسة القاسمية هوية فريدة. يلفت عمل المعمارية السعودية سميّة الدباغ، بعنوان «من التراب وإلى التراب»، الزائر، لتشكّله من طوب الطين، والجصّ الطيني، وألواح سعف النخيل. فالطين يتمتّع بطيف واسع من خصائص التراب والماء، لإضفاء ثنائيات الحركة والسكون، والصلابة والسيولة، والتغيير والديمومة. إدراك الفنانة قدرة الطين على الذوبان وإعادة التشكّل، أتاح تدويره، «فيجسّد ذاكرة كل أشكاله الماضية، ويحمل في ثناياه ذكريات مشتركة، ويثير تأملات جماعية للمستقبل»، كما تشير لافتة عُلّقت على الجدار الخارجي.

يتكوّن هذا التجهيز الفني من جدارَيْن منحيَيْن مبنيَيْن بالطوب اللبِن، يشكلان مساحة شبه مغلقة توفّر «مأوى حميماً». ذلك لتمثيل العلاقة بين الأضداد، من بينها الحياة والموت، مع دعوة للتعامل مع هذا الإنشاء بطريقتين يشير إليهما كُتيّب وُزّع على الوفد الصحافي: «الالتفاف حول الجزء الخارجي للجدارين، أو دخول المساحة الوسطية للتوقّف والتأمّل».

ضمن حيّز متّصل، يتّخذ عمل المعمارية ساندرا بولسون من الغبار والأتربة المنتشرة في أرجاء أنغولا مادة للبحث. بعنوان «التراب هبة غير مُتوقّعة»، تُعاين المشهد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي لمدينتها. فالأتربة في العاصمة لواندا سلعة رائجة تُشكّل وسيطاً لأنشطة مختلفة. عملها التركيبي تحريضٌ على التفكير في القدرة على الحركة ضمن الأماكن الهامشية غير الصالحة للسكن. إنه تأمّل في كيفية تحوُّل ما يتراءى منبوذاً، ولا حاجة له، إلى ضرورة للاستمرار.

مدخل مدرسة القاسمية (الشرق الأوسط)

 

مساحة للعب... والملابس المستعمَلة «مُرتَجعة»

تُلقي شمسٌ خجولة أشعّتها على الفضاء العام، لإتاحة تحلّي أبعاده المختلفة بمزيد من الوضوح. تثير لافتة كُتب عليها «العب أنت في الشارقة» الفضول للإصغاء إلى القصة. تبدو على المرشد ملامح آسيوية، فيشرح بإنجليزيته سبب التسمية. يتحدّث عن «سوق جبيل» العائدة إلى ثمانينات القرن الماضي، حين شكّلت مساحة مزدحمة تتّصل بمحطة الحافلات المجاورة. كان ذلك قبل إغلاق أبوابها عام 2015، لتصبح بعدها جزءاً معزولاً من النسيج المديني. إنقاذها من الهدم سبق إعادة افتتاحها عام 2019، وإلحاقها بمواقع عرض ترينالي الشارقة للعمارة. من السعي إلى تحويل المساحة المعزولة إلى مساحة للألعاب الشعبية العامة، ينطلق عمل «العب أنت في الشارقة». وفق حركة الشمس، تُوزَّع المظلّات، وطاولات اللعب والكراسي في أرجاء الساحة. يتغيّر ترتيبها بمرور الوقت، لتخضع المساحة إلى ترتيب جديد يومياً ضمن دورة من «الفوضى المنظّمة».

تستمرّ الجولة، لتحطّ أمام مساحة كاملة للملابس المُستعمَلة المُعاد تصميمها ضمن عمليات إعادة التدوير المعقّدة. المكان نسخة مصغَّرة عن استوديو «بوزيغاهيل» في كامبالا عاصمة أوغندا، متّخذاً عنوان «مرتجع إلى المرسَل»، فيشكّل محاكاة لبراعة سكان القارة الأفريقية في تحويل النفايات إلى موارد. «بوزيغاهيل» علامة تجارية للملابس، أسّسها مصمم الأزياء السوداني الأصل بوبي كولادي، تجمع بين الفن والموضة ومناصرة القضايا البيئية.

باستخدام العرض ملابسَ مستعمَلة وغير مغسولة استُقدِمت من مركز فرز في إحدى المناطق الحرّة بالشارقة، تؤكد الإمارة دورها الفعّال في سلسلة توريد الملابس المُستعمَلة. تثبت المساحة حضور «بوزيغاهيل» في ساحة الفن بصُنعها منتَجاً يعبّر عن الرفض الجماعي للبقاء على هامش سلسلة توريد السلع المُستعمَلة، بإعادتها إلى المرسَل.

خلال الجولة في مدرسة القاسمية (الشرق الأوسط)

 

انتصار للوعي المناخي

من خلال وسائط متمثّلة بالخيزران ونسيج ألياف نبتة الجوت، يتناول مشروع «استقلالية الموارد» الهموم العالمية المُلحّة المتعلّقة بتغيُّر المناخ والعلاقة بين الكثافة السكانية وندرة مقوّمات العيش. يتّضح السعي إلى مقارعة التحدّيات البيئية بتحويلها إلى فرص لخلق موارد.

الخيزران الخفيف متعدّد الوظائف يتيح تأليف 3 أجنحة توفّر مساحات مُظلّلة للتجريب، تحضّ الزوار على المشاركة في عمليات إنتاج الموارد هذه، وتعزيز الحوار حول جودة الهواء وتحدّيات المياه. فمن خلال ورشة عمل ومساحة لتخزين المياه، يوفّر الجناح الأول مجالاً لتبادل المعرفة، ليتمثّل الجناح الثاني بجهاز لتحلية المياه بالطاقة الشمسية، بينما يستخدم الثالث بقايا المحلول الملحي لتنقية الهواء. الخلاصة؛ يعزّز المشروع ثقافة العمارة المعيارية القابلة للتكيّف مع الحاجات، والانتصار للوعي المناخي.

البيئة جزء من الابتكار الإبداعي (الشرق الأوسط)

 

وعي صادم

«ممر الدقائق الثلاث» يستدعي التمهّل. إنه مشروع «وول ميكرز» القائم على جَمْع إطارات السيارات من مواقع المخلّفات المختلفة في الشارقة قبل ملئها برمال الصحراء، وإعادة تشكيلها من خلال البناء التكيفي. هذا الشكل يستطيع ضمان مساحة داخلية معزولة حرارياً، وأكثر برودة. العبور بين الإطارات يشدّ الانتباه إلى كمية المخلّفات التي ينتجها البشر يومياً. 1425 إطاراً تشكّل التجهيز، وهو العدد الذي يُرمى حول العالم خلال الدقائق الثلاث التي يقطعها الزائر عبر الممر. التذكير بالحجم الهائل للمخلفات والنفايات حول الكوكب لحظة وعي صادمة لا يُستحسن تجاهلها.


مقالات ذات صلة

تقرير: الشركات مدعوّة لحماية الطبيعة الآن أو مواجهة خطر الانقراض

بيئة منظر عام للحقول المزهرة حول قرية كاستيلوتشيو دي نورسيا في منطقة أومبريا بإيطاليا - 17 يونيو 2024 (إ.ب.أ)

تقرير: الشركات مدعوّة لحماية الطبيعة الآن أو مواجهة خطر الانقراض

ذكر تقرير صدر اليوم (الاثنين) أن فقدان التنوع البيولوجي يمثل خطراً على الاقتصاد العالمي والاستقرار المالي، وحض الشركات على التحرك فوراً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
بيئة الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
بيئة أقدام الديناصورات التي اكتشفها علماء حفريات إيطاليون (أ.ب)

العثور على آثار أقدام ديناصورات بجبال الألب في إيطاليا

اكتشف علماء حفريات إيطاليون الآلاف من آثار أقدام الديناصورات على صخرة شبه عمودية على ارتفاع أكثر من ألفي متر فوق مستوى سطح البحر في متنزه ستلفيو الوطني.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
الاقتصاد وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية خلال اجتماعها مع أحد المستثمرين (رئاسة مجلس الوزراء)

مصر تبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية

عقدت وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية اجتماعاً مع أحد المستثمرين لبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
علوم يؤكد الباحثون أن الصدوع التي تقع على أعماق سحيقة في باطن الأرض يمكن أن تلتحم من جديد بعد انكسارها نتيجة الهزات الأرضية (بيكسباي)

الأرض «تضمد جروحها» بعد الزلازل القوية

توصل فريق من علماء الجيولوجيا في الولايات المتحدة إلى أن الصدوع الزلزالية العميقة في باطن الأرض يمكن أن تلتئم في غضون ساعات بعد حدوث الهزات الأرضية القوية.

«الشرق الأوسط» (سان فرنسيسكو)

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.