مع سخونة أحداث غزة... «الأستاذ» أول فيلم فلسطيني في السينما السعودية

المخرجة: أشعر بالامتنان لمشاركته مع الجمهور... وهو مستوحى من الحقيقة

مشهد من الفيلم داخل إحدى صالات السينما السعودية (الشرق الأوسط)
مشهد من الفيلم داخل إحدى صالات السينما السعودية (الشرق الأوسط)
TT

مع سخونة أحداث غزة... «الأستاذ» أول فيلم فلسطيني في السينما السعودية

مشهد من الفيلم داخل إحدى صالات السينما السعودية (الشرق الأوسط)
مشهد من الفيلم داخل إحدى صالات السينما السعودية (الشرق الأوسط)

بالتزامن مع تطوُّر الأحداث في غزة، يأتي الفيلم الفلسطيني «الأستاذ» ليسلِّط الضوء على الجانب الإنساني لما يحدث على أرض الصراع، وهو فيلم من كتابة وإخراج فرح النابلسي، وبإنتاج بريطاني فلسطيني قطري، ويُعدّ أول فيلم فلسطيني يُعرض في صالات السينما السعودية، وتم إطلاقه قبل أسبوع، ولا يزال يُعرَض في 3 دول خليجية، هي السعودية والكويت والإمارات.

الفيلم حاز جائزتين في الدورة الأخيرة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة 2023، هما «جائزة أفضل ممثل»، وكانت من نصيب الممثل صالح بكري، والثانية «جائزة لجنة التحكيم الخاصة»، وذهبت إلى مخرجة الفيلم فرح النابلسي. مع الأخذ بعين الاعتبار أن العرض الأول للفيلم كان في «مهرجان تورونتو السينمائي الدولي»، في سبتمبر (أيلول) الماضي، كما تم إدراجه في القائمة الطويلة لجوائز الأفلام البريطانية المستقلة لعام 2023 في 3 فئات: «أفضل مخرج لأول مرة»، و«أفضل كاتب سيناريو لأول مرة»، و«منتج مبتكر».

المخرجة فرح النابلسي أثناء تسلمها جائزة فيلمها في الدورة الأخيرة من مهرجان البحر الأحمر (الشرق الأوسط)

قصة الفيلم

تتناول أحداث فيلم «الأستاذ» قصة المعلم باسم الصالح (الممثل صالح بكري)، وهو أستاذ فلسطيني يكافح للتعامل مع تجربة شخصية مؤلمة عانى منها بعد حادث مأساوي يتعلّق بابنه، غير أن حياته تأخذ منعطفاً غير متوقَّع بعد تكوينه صداقة قوية مع آدم، أحد طلّابه، وفي الوقت ذاته تتشكل علاقته مع المتطوعة البريطانية «ليزا» (إيموجين بوتس). ومع تسلسل الأحداث تظهر قصة موازية تدور حول محامٍ أميركي رفيع المستوى يسعى هو وزوجته إلى إعادة ابنهما، وهو جندي إسرائيلي محتجَز لدى مجموعة مقاومة فلسطينيّة.

ومن هنا، يُثير مطلب المجموعة لتبادل الأسرى توترات مع السلطات الحاكمة، التي تكثف عملية البحث عن الجندي المفقود في عدد من مناطق الصراع المضطربة، وخلال هذا العمليات المشوقة تنسج المخرجة، التي سبق أن رُشحت لجائزة «أوسكار» مجموعة من القصص الدرامية المتباينة والمترابطة في آنٍ معاً، من خلال دراما ممتلئة بالتّعاطف والأحداث غير المتوقعة والاستفزازات المتواصلة التي ترتكز على أداء صالح بكري، بوصفه بطل العمل.

النابلسي: مستوحى من الحقيقة

تقول المخرجة فرح النابلسي إن الأحداث الجارية جعلتها تحمل بداخلها مزيجاً من الفخر والألم، مرجعةً السبب في ذلك إلى سخونة الأحداث المستمرة منذ أشهر في موطنها الأم، مؤكدةً أنها كانت منغمسة في الحزن لما تراه من خسارة ومعاناة تجاه ما يحدث، بحسب وصفها، وتردف أن «فيلم (الأستاذ) مستوحى من أحداث حقيقية ومتأصل إلى حد كبير في الواقع، إلا أنه ليس فيلماً وثائقياً، بل هو فيلم خيالي».

وتؤكد النابلسي خلال مقطع فيديو صوَّرته ونشرته عبر حسابها على منصة «إنستغرام»، تزامناً مع بداية عرض فيلمها في 3 دول خليجية، أن الفيلم قصة إنسانية بالدرجة الأولى، تحاول من خلاله صدَّ ما تصفه بالعنف الوحشي، ليس فقط في الأشهر الماضية، ولكن منذ عقود طويلة. وتردف: «أشعر بالامتنان لكوننا نستطيع مشاركة هذا الفيلم مع الجمهور».

الممثل صالح بكري يقوم بدور المعلم الفلسطيني باسم الصالح في الفيلم (الشرق الأوسط)

ورطات متتالية

الفيلم الذي يحكي قصة فلسطينية بطابع ريفي، يتطرق إلى تعايش الفلسطينيين مع المصاعب التي يواجهونها منذ سنوات، ويصور جانباً من الحياة في الضفة الغربية والداخل المحتل، بمشاعر مختلطة بين الألم تارة والكفاح تارة أخرى، وبعض المشاعر الدافئة في قصة حب عابرة داخل الفيلم، والبحث في أبعاد الفقد ومشاعر اليأس. ويكمن جوهر الصراع لدى المعلِّم الذي يكافح في تدريس مادة اللغة الإنجليزية لطلابه، ويحاول التوفيق بين التزامه المحفوف بالمخاطر للمقاومة السياسية، ودعمه العاطفي لأحد الطلاب، وفرصه للعثور على الحب المفقود، ومن هنا يعقد صداقة مع التوتر والتوجّس تجاه كل شيء، ويحاول إخفاء أبسط الأشياء في أماكن مختلفة في بيته، لأنه لا يضمن أن يمر يومه اعتيادياً دون تفتيش مفاجئ.

بين «الأستاذ» و«الهدية»

تجدر الإشارة إلى أن فيلم «الأستاذ» يعيد الذاكرة إلى فيلم «الهدية»، وهو فيلم دراما فلسطيني قصير من إنتاج عام 2020، وهو أيضاً للمخرجة الفلسطينية البريطانية فرح النابلسي، وبطولة صالح بكري، ويظهر الفيلم أيضاً الوجه البشع لما يحدث على أرض الصراع، بصبغة إنسانية بحتة تعتمدها النابلسي في أفلامها. وتدور أحداثه حول أب وابنته من الضفة الغربية يحاولان شراء هدية لمناسبة مهمة للأسرة، ويواجهان خلال ذلك مصاعب عدة، وهو ما تظهره النابلسي بشكل يدفع الجمهور للتعاطف مع الأب ووضعه الذي لا يُحسد عليه.


مقالات ذات صلة

«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

يوميات الشرق الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)

«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

يكشف الفيلم اللبناني «قساطل - Pipes» للمخرج كريم قاسم جانباً من المعاناة اليومية لقرية ريفية أنهكها الجفاف بعد تعطل إمدادات المياه بها.

انتصار دردير (الجونة (مصر))
يوميات الشرق أندرو محسن مدير «مهرجان الجونة» (إدارة المهرجان)

أندرو محسن: ترشيد النفقات لم يؤثر سلباً على «الجونة السينمائي»

قال المدير الفني لمهرجان الجونة السينمائي أندرو محسن إن زيادة تركيز المهرجان على السينما وصناعتها خلال دورته التاسعة كانت الأبرز.

أحمد عدلي (الجونة (مصر))
يوميات الشرق ينطلق مهرجان «بيروت للأفلام الفنية» في 3 نوفمبر ويستمر حتى 13 منه (الجهة المنظّمة)

«بيروت للأفلام الفنية»... مجموعة أعمال سينمائية تروي تاريخاً يشهد

من ضيوف الشرف الذين يُنتظر حضورهم الفنانة الأميركية نان غولدين، التي تختتم مشاركتها في المهرجان.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الممثل ميثاق زارع بطل فيلم «قليل من النور» (الجونة السينمائي)

«قليل من النور»... فيلم إيراني يتشبّث بالأمل على حافة الانتحار

الروابط الأسرية تعيد طبيباً فقد الثقة بالمستقبل إلى التمسُّك بالحياة.

انتصار دردير (الجونة )
يوميات الشرق المخرج المغربي يعتبر تكريمه في الجونة محطة مهمة (الشرق الأوسط)

فوزي بنسعيدي: تكريمي في «الجونة» محطة مهمة لتأمل مشواري

قال المخرج المغربي فوزي بنسعيدي إن تكريمه في مهرجان «الجونة السينمائي» بمصر، يمثل لحظة للتأمل في تجربته.

أحمد عدلي (الجونة (مصر))

التوتر المزمن قد يسرّع شيخوختك... 4 نصائح لتخفيف تأثيراته

تجنّب التوتر قد يكون أمراً صعباً في ظل التحديات العالمية لكن الخبر السار يتمثل في إمكانية إصلاح الضرر الحاصل داخل جسمنا (بيكسلز)
تجنّب التوتر قد يكون أمراً صعباً في ظل التحديات العالمية لكن الخبر السار يتمثل في إمكانية إصلاح الضرر الحاصل داخل جسمنا (بيكسلز)
TT

التوتر المزمن قد يسرّع شيخوختك... 4 نصائح لتخفيف تأثيراته

تجنّب التوتر قد يكون أمراً صعباً في ظل التحديات العالمية لكن الخبر السار يتمثل في إمكانية إصلاح الضرر الحاصل داخل جسمنا (بيكسلز)
تجنّب التوتر قد يكون أمراً صعباً في ظل التحديات العالمية لكن الخبر السار يتمثل في إمكانية إصلاح الضرر الحاصل داخل جسمنا (بيكسلز)

قد يكون الشعور بالتوتر من حين إلى آخر جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية، لكن استمراره لفترات طويلة قد يترك آثاراً تتجاوز الحالة النفسية، ليزيد خطر الإصابة بمشكلات صحية، مثل القلق، وارتفاع ضغط الدم، وصولاً إلى النوبات القلبية. وتشير خبيرة في الشيخوخة إلى أن التوتر المزمن قد يؤثر أيضاً في صحة الخلايا، ويسرّع عملية الشيخوخة، مؤكدة أن بعض التغييرات البسيطة في نمط الحياة قد تساعد على الحد من هذه التأثيرات.

وفي حلقة حديثة من برنامج «10 في المائة Happier» (أكثر سعادة بنسبة 10 في المائة)، الذي يقدمه دان هاريس، شرحت إليسا إيبل، مؤلفة كتاب «وصفة التوتر» (The Stress Prescription) والخبيرة في مجالي العافية والشيخوخة، كيف يمكن للتوتر المزمن أن يؤثر في صحة خلايا الجسم، ويسرّع عملية الشيخوخة، وفقاً لشبكة «سي إن بي سي».

وقال هاريس: «كما تشير ضيفتي اليوم، فإن خلاياك (تستمع) إلى تفاصيل حياتك؛ فإذا أجريت تعديلات على نمط حياتك، فستستجيب خلاياك وفقاً لذلك».

كيف يؤثر التوتر المزمن في شيخوخة الخلايا؟

أوضحت إيبل أن الكروموسومات الموجودة داخل كل خلية من خلايا الجسم تتمتع بأغطية واقية عند أطرافها، تُعرف باسم «التيلوميرات» (Telomeres).

وأضافت: «هذه التيلوميرات لا تحب التوتر؛ إذ يمثل التوتر تهديداً لها، لأنه قد يتسبب في تلف الحمض النووي (DNA) لدينا، ما يؤدي إلى ظهور مشكلات بيولوجية متنوعة».

وبيّنت أن التيلوميرات، وهي النهايات الواقية للكروموسومات، تقصر بصورة طبيعية مع التقدم في العمر، لكن هذه العملية قد تتسارع عندما يتعرض الأشخاص للتوتر بصورة متكررة.

وقالت إيبل: «إن التوتر المزمن، عندما يستمر لسنوات طويلة أو حتى عقود دون إدارته بصورة جيدة، أو الحصول على فترات كافية من الراحة، يؤدي إلى تسريع وتيرة الشيخوخة».

وأضافت: «بما أننا نعلم الآن أن التيلوميرات موجودة في كل خلية من خلايانا، وأنها تتأثر بأفكارنا، ومشاعرنا، وتستجيب لنمط حياتنا، فإن ذلك يدفعنا إلى الاهتمام بها، والحفاظ عليها».

4 طرق لتخفيف التوتر والعيش حياة أطول وأكثر صحة

تشير إيبل إلى أن تجنّب التوتر قد يكون أمراً صعباً في ظل التحديات العالمية التي نواجهها، لكنها تؤكد أن الخبر السار يتمثل في إمكانية إصلاح الضرر الذي يلحق بالتيلوميرات نتيجة التوتر المزمن.

وفيما يلي أربع ممارسات توصي بإدخالها إلى الروتين اليومي للمساعدة على تخفيف التوتر، والتأثير إيجاباً في التيلوميرات:

1. تناول المزيد من الفواكه والخضراوات

زيادة كمية الفواكه والخضراوات في النظام الغذائي اليومي.

2. تخصيص فترات قصيرة للتأمل

الحرص على أخذ فترات راحة قصيرة يومياً، حتى لو لم تتجاوز خمس دقائق، لتهيئة حالة من الهدوء، والتأمل، أو ممارسة التأمل بصورة منتظمة.

3. زيادة تناول أحماض «أوميغا 3»

إضافة المزيد من أحماض «أوميغا 3» إلى النظام الغذائي، أو تجربة اتباع حمية البحر الأبيض المتوسط.

4. إعطاء الأولوية للراحة العميقة

ممارسة أنشطة تساعد على تحقيق الانسجام بين العقل والجسم، والوصول إلى حالة من الراحة العميقة، مثل اليوغا، أو تمارين التنفس.

وتؤكد إيبل أن هذه الخطوات لا تستلزم تغييرات كبيرة في أسلوب الحياة، قائلة: «إنها تغييرات بسيطة يمكننا القيام بها؛ فهي لا تتطلب تعديلات جذرية في نمط الحياة، وهذه هي التغييرات التي يمكننا الاستمرار في اتباعها، والحفاظ عليها لسنوات طويلة».


متى تبقى في وظيفتك ومتى ترحل؟

يمنح الأمان النفسي أعضاء الفريق مساحة لطرح الأسئلة وطلب المساعدة والتعلم عندما لا تسير الأمور وفق الخطة (أرشيفية - بيكسباي)
يمنح الأمان النفسي أعضاء الفريق مساحة لطرح الأسئلة وطلب المساعدة والتعلم عندما لا تسير الأمور وفق الخطة (أرشيفية - بيكسباي)
TT

متى تبقى في وظيفتك ومتى ترحل؟

يمنح الأمان النفسي أعضاء الفريق مساحة لطرح الأسئلة وطلب المساعدة والتعلم عندما لا تسير الأمور وفق الخطة (أرشيفية - بيكسباي)
يمنح الأمان النفسي أعضاء الفريق مساحة لطرح الأسئلة وطلب المساعدة والتعلم عندما لا تسير الأمور وفق الخطة (أرشيفية - بيكسباي)

تتطلب بيئة العمل الصحية أن يتمكن الموظفون من التعبير عن مخاوفهم، وطرح الأسئلة، والإبلاغ عن المشكلات دون خشية التعرض للعقاب، أو الانتقام. لكن عندما يقابل المديرون هذه المحاولات بالتوبيخ، أو التجاهل، فقد يتحول مكان العمل إلى بيئة ضاغطة تؤثر سلباً في أداء الموظفين، وصحتهم النفسية، وتدفعهم إلى التفكير في الرحيل. فكيف يمكن التعامل مع هذه الأوضاع، ومتى يصبح البحث عن وظيفة أخرى هو الخيار الأفضل؟

إن ثقافة العمل التي تقوم على اعتبار الوظيفة الأولوية الأولى في حياة الموظفين، قبل كل شيء آخر، تدفعهم إلى تراكم الغضب من الوظيفة. فكثيراً ما كان يُتوقع منهم البقاء بعد ساعات العمل لمعالجة مشكلات طارئة، وغير متوقعة، بصرف النظر عن مدى توافرهم.

ما الأمان النفسي في مكان العمل؟

يشير مفهوم الأمان النفسي، الذي درسَته أستاذة جامعة هارفارد الدكتورة إيمي إدموندسون على نطاق واسع، إلى اعتقاد مشترك بين أعضاء الفريق بأن بإمكانهم التعبير عن آرائهم في مكان العمل، وطرح وجهات نظر مخالفة، أو إثارة المخاوف، من دون الخشية من الانتقام، أو العقاب، وفق موقع (سيكولوجي توداي).

ويمنح الأمان النفسي أعضاء الفريق مساحة لطرح الأسئلة، وطلب المساعدة، والتعلم عندما لا تسير الأمور وفق الخطة. وفي دراسة تأسيسية شملت 51 فريقاً في أماكن العمل، وجدت إدموندسون عام 1999 أن الأمان النفسي يرتبط بسلوكيات التعلم داخل الفرق، مثل طلب الملاحظات، ومناقشة الأخطاء، وطلب المساعدة. وهذه تفاعلات يومية تتيح للموظفين التعلم، وأداء مهامهم بفاعلية.

لكن ماذا يحدث عندما يفتقر مكان عملك إلى الأمان النفسي؟ وماذا لو اقترن ذلك بغياب الحدود الفاصلة بين العمل والحياة الشخصية؟ كيف تعرف ما إذا كان عليك الاستمرار في العمل لدى شركة ما؟ أم أن الوقت قد حان للرحيل؟ هناك بعض الأسئلة التي يمكن أن تساعدك على اتخاذ القرار.

ماذا يحدث عندما تثير إحدى المشكلات؟

هل يستمع إليك مديرك ويطرح الأسئلة؟ أم يستجيب برد فعل متسرع، ويلجأ إلى السخرية أو الغضب أو الانتقام؟ لا يوجد أحد كامل. فقد يكون من الصعب على القادة، حتى مع أفضل النيات، تقبّل الانتقادات. لكن بعد أن تتاح لهم فرصة التفكير فيها، هل يعودون إلى مناقشة المشكلة ومعالجتها؟ أم ينتهي الأمر بالتجاهل أو التهرب من المسؤولية أو الانتقام؟

هل توجد مؤشرات على إمكانية التغيير؟

عندما تُثار مشكلة، هل تتخذ الإدارة خطوات فعلية لمتابعتها؟ وهل تظهر تغييرات مستمرة في السلوك، بدلاً من مجرد وعود تُقدَّم بعد تهديد أحد الموظفين بالاستقالة؟

في الأوساط الأكاديمية والحكومية وغيرها من المؤسسات الكبيرة، قد يكون التغيير بطيئاً. فلا يمكن توقع تغيير فوري في السياسات أو الإجراءات دائماً، خصوصاً عندما يتطلب الأمر اتخاذ القرارات بصورة جماعية. لكن هل بدأت الخطوات الفعلية للتغيير؟ إن سرعة التغيير مهمة، لكن الأهم أيضاً هو ما إذا كان هناك أي تقدم ملموس من الأساس.

ما الخيارات المتاحة داخل المؤسسة؟

هل يوجد مدير آخر يمكنك العمل تحت إشرافه، أو فرصة للانتقال من القسم أو الوحدة التي تعاني مشكلات إلى أخرى تسير فيها الأمور بصورة أفضل؟ وهل يمكنك الانتقال إلى فريق آخر أو تغيير مسؤولياتك بحيث تعمل مع أشخاص مختلفين أو تقدم تقاريرك إلى مدير آخر؟ وهل يوجد شخص يمكنه مساندتك في هذا الموقف، مثل مشرف أو مدير آخر يستطيع التوسط لحل المشكلة؟

ما الثمن الذي تدفعه مقابل الاستمرار؟

تمنحنا الأبحاث أسباباً تدعو إلى التعامل بجدية مع التكاليف المترتبة على العمل في بيئة سيئة. فقد وجد تحليل تلوي أجراه شينز وشيلينغ عام 2013 أن القيادة الهدامة ترتبط بتراجع رفاه الموظفين، وانخفاض أدائهم، وزيادة رغبتهم في ترك العمل. ويمكن أن تتجاوز آثار بيئة العمل الصعبة مجرد شعورك تجاه مديرك.

فكر في ثقتك بنفسك، وصحتك النفسية والجسدية، وعلاقاتك، وقدرتك على إنجاز عمل تشعر بالرضا عنه. إذا كنت تحب وظيفتك وتشعر بالشغف تجاه ما تقوم به، فقد تكون مستعداً لتحمل بعض المشكلات، مثل العمل حتى ساعات متأخرة من حين إلى آخر، أو تعرضك أحياناً لردود فعل حادة من مديرك.

لكن إذا كانت الوظيفة تقوض ثقتك بنفسك، وتضر بعلاقاتك خارج العمل، لأن ساعات العمل الإضافية الإلزامية تجبرك على إلغاء خططك، والتغيب عن المناسبات الاجتماعية، فقد يكون الوقت قد حان للتفكير في الثمن الذي تدفعه على مستوى حياتك ككل.

نادراً ما يكون ترك الوظيفة أمراً سهلاً، خصوصاً إذا كنت قد حصلت على «وظيفة أحلامك»، وكان سوق العمل يعاني شح الفرص، ما يجعلك تشعر بأن البدائل محدودة. كما أن إدراكك أن وقت الرحيل قد حان لا يعني بالضرورة أنك قادر مالياً أو عملياً على المغادرة فوراً. فقد يعني ذلك البدء في استكشاف الخيارات المتاحة، ووضع خطة.

وتقول آشلي سي. جوردان، أستاذة علم النفس في جامعة أريزونا، وفق موقع (سيكولوجي توداي): «لا أنصح بترك الوظيفة عند أول علامة على وجود مشكلة. فعندما يكون ذلك آمناً ومعقولاً، امنح مديرك ومكان عملك فرصة لتصحيح الأمور. لكن إذا لم تُؤخذ مخاوفك على محمل الجد، وبدا أن التغيير الحقيقي غير مرجح، ففكر فيما تمنحك إياه الوظيفة، مثل الراتب، والشعور بالهدف، والفرص المتاحة، وفي المقابل، ما تسلبه منك، مثل التوازن بين العمل والحياة الشخصية، والثقة بالنفس، والصحة، والعلاقات». وتتابع: «صحيح أن العمل قد يمر بفترات مزدحمة أو صعبة. لكن إذا كانت الكفة تميل باستمرار لصالح العمل على حساب صحتك وحياتك خارجه، فقد يكون الوقت قد حان لإجراء تغيير».


قد يؤيد أفكارك ويتجاهل أعراضاً خطيرة... مخاطر استشارة الذكاء الاصطناعي نفسياً

شعار «شات جي بي تي» يظهر في صورة توضيحية على لوحة مفاتيح (رويترز)
شعار «شات جي بي تي» يظهر في صورة توضيحية على لوحة مفاتيح (رويترز)
TT

قد يؤيد أفكارك ويتجاهل أعراضاً خطيرة... مخاطر استشارة الذكاء الاصطناعي نفسياً

شعار «شات جي بي تي» يظهر في صورة توضيحية على لوحة مفاتيح (رويترز)
شعار «شات جي بي تي» يظهر في صورة توضيحية على لوحة مفاتيح (رويترز)

يتزايد اعتماد الأطفال والبالغين على روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي للحصول على المشورة والدعم النفسي، بدلاً من اللجوء إلى المختصين في بعض الحالات. ورغم ما قد توفره هذه الأدوات من مساعدة في فهم المشاعر وإعادة صياغة الأفكار، يحذّر خبراء من مخاطر استخدامها بديلاً عن الرعاية النفسية المتخصصة، خصوصاً أنها قد تؤيد أفكار المستخدم دون تمحيص، أو تفشل في رصد أعراض تشير إلى اضطرابات نفسية خطيرة، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وكشفت بيانات استطلاع شمل ألفي طفل بريطاني، تتراوح أعمارهم بين 11 و17 عاماً، أجرته مؤسسة «بارناردو» والجمعية الوطنية للاستشارات والعلاج النفسي، أن 43 في المائة منهم استخدموا الذكاء الاصطناعي للحصول على المشورة أو الدعم النفسي.

ويبدو أن البالغين يتجهون نحو النمط نفسه؛ إذ أظهر «مؤشر بوبا للرفاهية لعام 2026» أن ما يقرب من 3 من كل 5 بالغين، أي 57 في المائة، يختارون حالياً روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي بدلاً من حجز موعد مع طبيب عام، بسبب ضيق الوقت.

وترتفع هذه النسبة إلى 65 في المائة بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً، وإلى 61 في المائة لدى الفئة العمرية بين 25 و34 عاماً.

وفي هذا السياق، تحدث الدكتور دانييل مسعود، استشاري الطب النفسي في مركز «سنترال هيلث لندن» (Central Health London)، والمتخصص في الطب النفسي العام للبالغين وعلاج الإدمان، عن الدوافع والفوائد والمخاطر المرتبطة بالاعتماد على هذه التقنيات للحصول على الدعم النفسي.

روبوتات الدردشة قد تبالغ في تأييد المستخدم وتفتقر إلى الموضوعية

من أبرز المخاطر التي يشير إليها مسعود أن نماذج الذكاء الاصطناعي مصممة لتكون تفاعلية وتميل إلى موافقة المستخدم على آرائه، بدلاً من التشكيك فيها أو إخضاعها للتقييم الموضوعي.

ويقول: «نماذج اللغة الكبيرة (LLMs)، مثل (تشات جي بي تي)، مُدرَّبة على تأييد وجهة نظرك؛ لذا فهي لا تشكك بالضرورة في المعلومات التي تقدمها لها».

ويوضح بمثال: «إذا قلت لها: (أنا قلق من أن أمي تحاول تسميمي)، فستتعامل مع ذلك على أنه حقيقة، وستقدم لك نصائح بناءً عليه».

ويضيف: «وبالتالي، فإنها تقدم المشورة انطلاقاً من منظور المريض أو المعلومات التي يرويها، بدلاً من تبنّي رؤية أكثر موضوعية. وفي المقابل، من المرجح أن يكون الطبيب النفسي البشري أكثر فضولاً وتدقيقاً في المعلومات المطروحة، وقد يتساءل عما إذا كان الشخص يعاني من جنون الارتياب (البارانويا)، أو ربما من حالة ذهانية».

احتمال عدم اكتشاف أعراض نفسية مهمة

يحذّر مسعود أيضاً من احتمال أن تفشل روبوتات الدردشة في التعرف على أعراض قد تشير إلى مشكلات نفسية تستدعي تدخلاً متخصصاً.

ويقول: «تعتمد روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي على المنطق والأوامر التي تتلقاها، وهي ليست مُدرَّبة على التعرف على الأنماط المرتبطة بحالات الصحة النفسية المحددة».

ويضيف: «ما يحدث أحياناً هو أن أعراضاً مهمة، كان من الممكن التعامل معها عبر المسارات المخصصة لخدمات الصحة النفسية، تضيع ولا يجري رصدها».

ويتابع: «سيكون أمراً رائعاً لو تمكنت النماذج اللغوية الكبيرة من اكتشاف مشكلات الصحة النفسية الخطيرة بصورة أفضل، مثل الذهان. لكنني اختبرت ذلك بنفسي، وأدخلت أوامر قد تشير إلى وجود مرض، ومع ذلك لم تنجح الروبوتات في اكتشافه».

غياب الوضوح بشأن تدابير الحماية

من بين المخاوف الأخرى التي يثيرها الطبيب النفسي عدم وضوح الإجراءات الوقائية التي تعتمدها الشركات المطوّرة لأنظمة الذكاء الاصطناعي عند التعامل مع حالات الاضطرابات النفسية الشديدة.

ويحذّر مسعود قائلاً: «لا يوجد وضوح كافٍ بشأن تدابير الحماية التي تضعها الشركات المطوّرة لهذه النماذج اللغوية الكبيرة للتعامل مع حالات الأمراض النفسية الشديدة».

خطر تكوين علاقة زائفة مع روبوت الدردشة

يشير مسعود إلى أن بعض المستخدمين قد يطوّرون ارتباطاً عاطفياً بروبوتات الدردشة، إلى درجة تصبح معها هذه الأدوات أشبه بطرف ثالث في علاقاتهم الشخصية.

ويقول: «قد يطوّر بعض الأشخاص علاقات مع روبوتات الدردشة الخاصة بهم، لدرجة أنها تصبح أشبه بطرف ثالث في علاقاتهم الشخصية».

ويضيف: «من الصعب جداً وضع حدود صارمة بشأن مدى ملاءمة اعتماد الشخص على هذا النموذج للحصول على الدعم؛ فأحياناً يستخدم الأشخاص هذه الروبوتات بديلاً عن العلاج النفسي، ويطرحون عليها أسئلة عميقة للغاية، في حين أنها لا تمتلك بالضرورة الخبرة أو الإجابات المناسبة للتعامل مع مثل هذه الأمور».

فوائد محتملة في فهم المشاعر وإعادة صياغة الأفكار

رغم هذه المخاطر، يرى مسعود أن روبوتات الدردشة قد توفر بعض الفوائد في مجال الدعم النفسي العام، لا سيما عندما يواجه الأشخاص صعوبة في التعبير عن مشاعرهم وأفكارهم.

ويقول: «في بعض الأحيان، قد لا يمتلك المرضى القدرة اللغوية للتعبير بوضوح عما يمرون به، أو عما يفكرون فيه ويشعرون به. وهنا قد يساعدهم التحدث إلى روبوت الدردشة في فهم وجهة نظرهم الخاصة وترتيب مشاعرهم».

ويشير إلى أن روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي يمكن أن تساعد الأفراد، في ظروف مناسبة، في إعادة صياغة أفكارهم وتبنّي ما يُعرف بـ«عقلية النمو».

ويوضح: «يمكن لهذه الروبوتات أحياناً مساعدة الأشخاص في إعادة صياغة الأفكار الصعبة التي قد تراودهم؛ فعلى سبيل المثال، إذا اعتقد شخص أن مديره يكرهه، أو واجه موقفاً صعباً في العمل، يمكن لروبوتات الدردشة غالباً تقديم نصائح بسيطة بشأن كيفية التعامل مع مثل هذه المواقف مستقبلاً، والاستفادة منها لتحقيق النمو الشخصي».