السعودية... 100 عام من التجربة الشورية العريقة

تقليد ملكي لافتتاح أعمال المجلس... والملك فيصل تولى رئاسته 49 عاماً

مجلس الشورى السعودي
مجلس الشورى السعودي
TT

السعودية... 100 عام من التجربة الشورية العريقة

مجلس الشورى السعودي
مجلس الشورى السعودي

الملك عبد العزيز في صورة نادرة عند إقرار أول مجلس للشورى في الدولة الناشئة

منذ بدايات الدولة السعودية الحديثة، أرسى الملك عبد العزيز ثوابت وسنّ تقاليد راسخة منها اختيار الشورى منهاجاً وركيزة من ركائز حكمه الرشيد، ففي عهده تأسس مجلس الشورى وتعدّ تلك الخطوة أولى النقلات لمأسسة ممارسات الحكم، وهي النقلة أو التجربة التي أسست لمنظومة من المؤسسات الدستورية في الدولة الناشئة.

بداية المجلس الأهلي

بدأ ذلك الحراك الدستوري في شهر رجب 1343هـ - فبراير (شباط) 1925م بتشكيل «المجلس الأهلي» برئاسة الشيخ عبد القادر الشيبي، والذي أعيد تشكيله بعد نحو ستة أشهر بمسمى «مجلس الشورى الأهلي»، وانتُخب السيد محمد المرزوقي أبو حسين رئيساً، والشيخ عبد القادر الشيبي نائباً للرئيس والشيخ محمد سرور الصبان أميناً للسر. وفي عصر يوم الثلاثاء 13 محرم 1344هـ - 5 أغسطس (آب) 1925م افتتح عظمة السلطان عبد العزيز - كما كان يسمى وقتذاك – دورة انعقاد المجلس في مقرّه بدار الحكومة (مبنى الحميدية) بمكة المكرمة، وألقى ما يمكن عدّه أول «خطاب ملكي» في مجلس الشورى، واللافت أن ذلك الخطاب جاء في جزأين: الكلمة المختصرة التي ارتجلها الملك وتضمنت توجيهاته ورؤيته لعمل المجلس، أما الكلمة الموسعة أو البيان الرسمي فألقاها المستشار حافظ وهبة، وهذا التقليد استمر العمل به أحياناً، منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، وعدّ الأعضاء ذلك الخطاب الملكي «برنامج عمل» للمجلس، وقرّروا تشكيل لجان للنظر في كل الفروع التي وردت في الخطاب وبحثها ثم رفع النتائج لعظمة السلطان بعد إقرارها من المجلس، فيما يشبه الجواب على الخطاب الملكي.

اللبنة الأولى في البناء الشوري

وفي 2 ذو القعدة 1344هـ - 13 مايو (أيار) 1926م نُشر بلاغ رسمي لانتخاب المجالس الاستشارية بما فيها مجلس الشورى، وصدر مرسوم ملكي في 12 ذو القعدة 1344هـ - 23 مايو 1926م بإسناد رئاسة مجلس الشورى للشريف محمد شرف باشا بن عدنان آل غالب. إلا أن كل تلك المجالس لم تتشكل أصلاً بسبب قِصر المدة بين الدعوة لتشكيلها وصدور التعليمات الأساسية (أول وثيقة دستورية منشورة)، والتي نصت مواد القسم الرابع منها على تشكيل «المجلس الشوري».

الملك فيصل بن عبد العزيز حينما كان نائباً للملك في الحجاز

فشُكّل برئاسة نائب الملك في الحجاز في شهر صفر 1345هـ - سبتمبر (أيلول) 1926م، وكان نائبه مستشاره الشيخ عبد العزيز بن محمد العتيقي. وحقيقة، تعدّ تلك المجالس الثلاثة وبغض النظر عن مسمياتها وتباين المؤرخين في تسميتها وقصر مدتها، اللبنة الأولى في البناء الشوري الهيكلي ومرحلة التجريب والاختبار للنموذج الذي ستبنى عليه دولة المؤسسات السعودية، من حيث أنظمة تلك المجالس وطرق تشكيلها (انتخاباً أو تعييناً) وسابقتها البرلمانية في المنطقة وآليات عملها وإنجازاتها، لكنه من المتعذر في مقال كهذا الإحاطة بكل التفاصيل التي تستحق إفرادها ببحث مستقل يغوص في ثنايا تلك التجربة ويقيس أثرها وما تلاها من تجارب دستورية سعودية أوصلتها إلى ما هي فيه اليوم.

المؤسس يفتتح المجلس بخطاب ملكي

الشريف شرف عدنان

وفي 9 محرم 1346هـ - 8 يوليو (تموز) 1927م وبناءً على توصيات لجنة التفتيش والإصلاح، وافق الملك على اعتماد نظام جديد للمجلس وتفريغ أعضائه وإعادة تشكيله برئاسة نائب الملك في الحجاز، وكان ينوب عنه في رئاسة الجلسات مستشاره الشريف محمد شرف عدنان.

مرسوم ملكي لإسناد مجلس الشورى للشريف عدنان

وفي 14 محرم – 13 يوليو 1927 افتتح الملك عبد العزيز دورته الأولى بخطاب ملكي، وهنا بعض مقتطفاته:

«- الحكومة جادة في إدخال كثير من الإصلاحات والأعمال النافعة.

- ستعرض على مجلسكم مشاريع وموضوعات عدة، منها:

- مشاريع حفر الآبار الارتوازية لأن المياه أهم ما نحتاج إليه

- مشاريع تعبيد الطريق بين مكة وجدة وتوسعة الشوارع في مكة.

- إصلاح إدارة البريد والبرق التي استكملت معداتها لتعمل بموجب الاتفاقات الدولية بعد انضمام المملكة للاتحاد البريدي الدولي.

- إصلاح شؤون المعارف وتوحيد نظام التعليم في البلاد.

- إصلاح الحالة الصحية، واتخاذ الأسباب لراحة الحجاج».

الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن ويقف خلفه الطيب الهزازي

المؤسّس وتطوير مجلس الشورى

وتعدّ هذه الدورة انطلاقة مجلس الشورى بشكله الذي استمر عليه لعقود، ثم جاءت الدورة الثانية فرأى الملك عبد العزيز ضرورة تطوير نظامه الذي صدر في 14 مادة مع ملحق من 7 مواد، كما صدر النظام الداخلي للمجلس في 24 مادة، وعُرف بنظام (1347هـ - 1928م)، واستمر العمل به لما يقارب 65 عاماً يمارس فيها المجلس اختصاصاته.

المرسوم الملكي بتشكيل مجلس الشورى عام 1955م

وإن كانت قلّت صلاحياته بعد إنشاء مجلس الوزراء عام 1373هـ - 1952م وصدور نظامه الذي منحه اختصاص السلطة التنظيمية، فكان لا بد من تطوير نظام مجلس الشورى بما يواكب مراحل التطور التي مرّت بها سلطات وأجهزة الدولة المختلفة، وكانت أولى المحاولات عندما بادر المجلس بإعداد مشروع تطوير نظامه ولائحته الداخلية عام 1373هـ - 1953م ورفعها إلى المقام السامي، وشكلت لجان لدراسة الموضوع، ثم دُرس في اللجنة المشكلة برئاسة الأمير مساعد بن عبد الرحمن عام 1382هـ - 1962م لإعداد مشروع النظام الأساسي للحكم، وبعد ذلك في اللجنة التي شُكّلت عام 1400هـ - 1980م برئاسة الأمير نايف بن عبد العزيز؛ فكان أحد مخرجاتها «نظام مجلس الشورى».

تشكيل مجلس الشورى عام 1955م

في 54 عاماً عُقد 5963 جلسة

وعلى الرغم من تأخر تطوير النظام لنحو 40 عاماً، فإن تجربة المجلس في مرحلته تلك ظلت محفورة في الذاكرة السياسية والإدارية وآثارها محفوظة في الأراشيف الحكومية، وأحصى المؤرخ الشوري السعودي الدكتور عبد الرحمن بن علي الزهراني، أن عدد دورات المجلس خلال تاريخه الممتد بين عامي 1346 و1400هـ - 1927 و1980م، كانت (51 دورة) عقد خلالها (5963 جلسة) وأصدر (8583 قراراً) تضمنت مئات الأنظمة واللوائح والتعليمات والتفسيرات وغيرها. وتعاقب على عضويته (85 عضواً) ( تراوح عدد أعضاء الدورة الواحدة بين 6 و25 عضواً)، كان أطولهم مدة الشيخ أحمد بن إبراهيم الغزاوي الذي استمرت عضويته 51 عاماً تدرج فيها من سكرتير إلى عضو إلى نائب دائم لرئيس المجلس، أما أقلهم مدة فكان الشيخ محمد الطيب الهزازي الذي كانت عضويته لمدة شهر واحد فقط، وكان تمديد العضوية سمة لتلك المرحلة، ووجدت أن متوسط عدد سنوات العضوية يصل إلى 10 سنوات ونصف السنة للعضو الواحد.

الملك فيصل... 49 عاماً رئيساً للمجلس

وتولى رئاسة المجلس منذ عام 1346هـ - 1927م وحتى وفاته عام 1395هـ - 1975م الملك فيصل، واستمر المجلس بعد ذلك مرتبطاً بالملك ويقوم بإدارة أعماله نائب الرئيس، وحتى صدور الأمر الملكي بتعيين الشيخ محمد بن إبراهيم بن جبير رئيساً عام 1413هـ - 1992م، ومما يجدر ذكره أن ابن جبير كان عضواً في اللجان التي درست تطوير نظام المجلس منذ عام 1382هـ - 1962م.

أما منصب نائب الرئيس، فقد تولاه كل من: الشيخ عبد الله بن محمد الفضل، والسيد صالح شطا، والشيخ عبد الله الشيبي، والشريف محمد شرف رضا، والشيخ أحمد الغزاوي والسيد صادق دحلان.

أحمد الغزاوي

كما تعاقب على أمانته العامة 7 أمناء عامون، هم: الشيخ أحمد الغزاوي، والسيد حمزة المرزوقي أبو حسين، والأستاذ فؤاد علي رضا، والسيد صادق دحلان، والسيد علوي العيدروس، والأستاذ محمد سعيد جوهرجي والأستاذ عبد الرزاق الطيب. ويلاحظ أيضاً أن هناك أسراً شورية تعددت أسماء منها في عضوية المجلس، مثل: الزواوي، وشطا، والشيبي، والفضل ونصيف. علماً أن آخر جلسة عقدها ذلك المجلس خلال دورته الـ51، كانت يوم 18 ذو القعدة 1400هـ - 27 سبتمبر 1980م.

مجلس الشورى... من مكة إلى الرياض

لكن اللافت، أنه بعد ذلك التاريخ لم تتوقف أعمال المجلس؛ بل استمر ككيان قائم له ميزانيته وموظفوه ومقرّه في حي الششة بمكة المكرمة، حيث أمانته العامة وجهازه الإداري، كما كان يتم التمديد إلى من بقي من أعضائه.

صادق دحلان

وبعد وفاة نائب رئيس المجلس الشيخ أحمد الغزاوي صدر الأمر السامي رقم (2931) في 13 رمضان 1401هـ - 14 يوليو 1981م، بأن يحل السيد صادق بن عبد الله دحلان محل الشيخ الغزاوي، في إدارة أعمال مجلس الشورى، حيث استمر حتى عام 1413هـ - 1992م وانتقال إدارات المجلس للرياض. من هنا يمكن القول إن مسيرة الشورى السعودية مستمرة منذ مائة عام، ولا أعلم سبباً في عدم استمرار المجلس في مرحلته الحالية امتداداً للمجلس السابق من حيث أرقام دوراته وسنواته، رغم أن المادة ثانياً من الأمر الملكي رقم (أ/91) الصادر بنظام مجلس الشورى نصت على: «يحل هذا النظام محل نظام مجلس الشورى الصادر عام 1347هـ...»؛ ما يؤكد أنه امتداد له وليس منفصلاً عنه!

خادم الحرمين الشريفين لدى افتتاحه أعمال السنة الجديدة لمجلس الشورى (واس)

تقليد ملكي عريق لافتتاح أعمال المجلس

أما عن الخطب الملكية في مجلس الشورى، فاستمرت تقليداً عريقاً طوال عهد الملك عبد العزيز، ومما يسترعي الانتباه أن مجلس الشورى كان له مقر صيفي في الطائف، حيث افتتح الملك عبد العزيز الدورة الثالثة وألقى الخطاب الملكي في قاعة المجلس بالطائف يوم 2 ربيع الأول 1349هـ - 27 يوليو 1930م، كما ناب عن الملك في إلقاء الخطاب الملكي كل من: ولي العهد (الأمير) سعود، ونائب الملك في الحجاز ورئيس مجلس الشورى (الأمير) فيصل، والأمراء منصور بن عبد العزيز وعبد الله الفيصل بصفتهما رئيسين لمجلس الشورى بالنيابة.

تلك الركائز التي أرساها الملك عبد العزيز في مرحلة دقيقة من عمر الدولة التي لم يكن اكتمل توحيدها بعد، وعلى الرغم من انشغاله في حروب التوحيد وتوطيد الأمن والاستقرار، فإنه كان حريصاً على تثبيت دعائم بناء الدولة واستكمال هياكلها التنظيمية ومؤسساتها الدستورية، والتي سار عليها أبناؤه ملوك المملكة العربية السعودية من بعده وطوّروا ممارساتها وتطبيقاتها.

الملك فهد بن عبد العزيز يصدر مرسوماً ملكياً بإصدار نظام مجلس الشورى ويحل محل النظام السابق الصادر عام 1347 للهجرة

فأصدر الملك فهد نظام مجلس الشورى عام 1412هـ – 1992م ونصت مادته 14: «يلقي الملك أو من ينيبه، في مجلس الشورى، كل سنة خطاباً ملكياً، يتضمن سياسة الدولة الداخلية والخارجية.»؛ لذا يمكن القول إن هذا الخطاب الملكي هو الوحيد المؤسس له دستورياً والمحدد مكانه ووقته.

الملك فهد بن عبد العزيز وبجواره ولي عهده الأمير عبد الله بن عبد العزيز أثناء افتتاح أولى جلسات مجلس الشورى عام 1993م

ركائز ثابتة في الخطابات الملكية

وبتتبع الخطابات الملكية في مجلس الشورى خلال 30 عاماً، وجدت أن إطارها العام استعراض للسياسة الداخلية والخارجية مع رصد للمنجزات وإلقاء الضوء على المستجدات والتطورات، وعلى الرغم من اختلاف تفاصيل مضامينها عاماً بعد عام، فإن ركائزها الأساسية ظلت ثابتة، ويمكن تلخيصها في:

- التأكيد على ثوابت الدولة ونهجها.

- التأكيد على مكانة المملكة العربية السعودية وتشرفها بخدمة الحرمين.

- التذكير بنعمة الأمن والاستقرار وضرورة الحفاظ عليها.

- استعراض المنجزات والمستهدفات التنموية وأن المواطن هو محورها.

- إيضاح الأدوار الإنسانية والإغاثية.

- بيان المواقف السياسية السعودية.

- استعراض للجوانب الاقتصادية من مبادرات ومخرجات للخطط، والإشارة للسياسات المالية والبترولية.

- التطرق إلى الشأن الاجتماعي بمختلف جوانبه وأبعاده.

ولا يخلو الخطاب عادة من ملامسة لموضوعات الساعة مع ختمه بعبارات الشكر.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يلقي الخطاب الملكي السنوي لافتتاح أعمال مجلس الشورى (واس)

أما عن من ألقى الخطاب الملكي خلال تلك الأعوام، فكل من: الملك فهد وناب عنه في بعض السنوات ولي عهده (الأمير) عبد الله، ثم الملك عبد الله وناب عنه ولي عهده (الأمير) سلمان، ثم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وأناب عنه هذا العام ولي عهده الأمير محمد بن سلمان.

ثلاثة عقود منذ صدور نظام المجلس بعد تطويره، والمجلس يتشرف سنوياً بتلقي الخطاب الملكي في بداية كل سنة شورية؛ ما يؤكد تقدير القيادة للدور الوطني الذي يقوم به مجلس الشورى في اقتراح الأنظمة والقوانين وتطوير البنية التشريعية للجهاز الحكومي والإداري للدولة، خاصة خلال هذه المرحلة التنموية التاريخية التي تشهد فيها المملكة العربية السعودية حراكاً تشريعياً يواكب متطلبات «رؤية السعودية 2030»، ويلبي تطلعاتها المستقبلية ومستهدفاتها الوطنية، كما يعكس الدعم الذي يحظى به مجلس الشورى من القيادة السعودية ما يُمكّنه من القيام بدوره الرقابي والتشريعي، وأداء دوره البرلماني الوطني بالكفاءة المطلوبة.

مراحل وتحولات وأدوار في مجلس الشورى

وهنا، لا بد من توضيح أن المجلس مرّ بمراحل وتطورات وتحولات طوال مسيرته الممتدة وأدى أدواراً متعددة، فإضافة إلى دوره التشريعي، كُلف مهمات تفتيشية، وأسند إليه النظر في الأمور الإدارية، كما كان حاضراً في كثير من المحطات المفصلية في تاريخ الوطن، فمن أعضائه رُفع مشروع نظام إعلان توحيد البلاد وتسميتها المملكة العربية السعودية بدلاً من مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها عام 1351هـ - 1932م، كما اشترك مع مجلس الوكلاء ورئاسة القضاء في ترشيح الأمير سعود لولاية العهد عام 1352هـ - 1933م، وفي عام 1355هـ - 1936م أعد مشروع النظام الأساسي للمملكة من (140) مادة ورفعه للمراجع العليا، كما اشترك مع مجلس الوزراء في إصدار بيان مبايعة الملك فيصل عام 1384هـ - 1964م، وغير ذلك كثير.

لذا؛ كان للمجلس دوره وتاريخه وإن قلت صلاحياته وتحولت كثير من اختصاصاته السابقة إلى أجهزة ومؤسسات أخرى، لكنه بقي كمؤسسة دستورية قائمة تنتظر تطوير نظامها ورهن إشارة الملك في أي وقت، كما كان دوماً حاضراً في ذهن القيادة، ومما يدل على ذلك أمر الملك فهد ببناء مقر للمجلس وفق أحدث التصاميم وتجهيزه بأفضل التقنيات ضمن مجمع قصر اليمامة في الرياض، وكان ذلك في أواسط الثمانينات الميلادية من القرن المنصرم وقبل صدور نظام المجلس وإعادة تشكيله بسنوات. ومن هنا يمكن أن نفهم ما سبق أن ذكره الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، في حديث نقله الكاتب السعودي خالد بن حمد السليمان، «أن تطوير دور وتعزيز صلاحيات مجلس الشورى هو إحدى الخطوات القادمة على طريق الإصلاح».

ومن الموافقات، أن الخطاب الملكي هذا العام جاء ونحن في منتصف رحلة الإنجاز نحو 2030 وقد تحقق الكثير، وكان مدعماً بالأرقام والمؤشرات؛ مما يبشر بمزيد من النجاحات الاقتصادية، كما أن تسهيل أداء الحج والعمرة لما يقارب 12 مليون مسلم، واستضافة عدد من القمم الكبرى جمعت أكثر من (100) دولة في عام واحد، عدا تنظيم عشرات المؤتمرات والمنتديات والمعارض والفعاليات الكبرى المختلفة، يعكس الدور الريادي للمملكة والإمكانات التي تؤهلها لاستضافة أبرز المحافل العالمية.

جانب من كلمة ولي العهد السعودي أمام «الشورى» (واس)

الخطاب الملكي وخريطة الطريق

ولا بد من الإشارة إلى أن المادة 14 في نظام مجلس الشورى والتي نصت على إلقاء الخطاب الملكي، جاءت قبل المادة التي حددت مدة المجلس، وتلتها المادة التي تضمنت اختصاصاته، ويمكن أن يُفهم من ذلك أن الخطاب الملكي ليس الغرض منه الإفصاح عن السياسة الداخلية والخارجية للدولة فحسب؛ بل وتزويد المجلس بخريطة طريق وبرنامج عمل لسنته التشريعية. وقد لا يكون معلوماً لدى كثيرين أن المجلس يعد جواباً على الخطاب الملكي، ووفقاً للمواد الواردة في قواعد عمله، يتم اختيار لجنة من بين أعضائه لإعداد مشروع الجواب على خطاب الملك، وبعد إقرار الجواب من المجلس يرفع إلى الملك.

كل ذلك يؤكد أن الخطاب السنوي في مجلس الشورى ليس خطاباً حولياً روتينياً؛ لكنه تقليد ملكي دستوري عريق، له ركائزه وبروتوكولاته، ويمكن من خلاله فهم سياقات كثيرة لتاريخ المملكة العربية السعودية وقراءة لحاضرها واستشراف لمستقبلها. إن مائة عام من التجربة الشورية الفريدة بأبعادها وقواعدها وتطبيقاتها كافة وما يصاحبها من التقاليد الملكية الأصيلة ليست بالمدة اليسرة؛ لذا أرى أن الرجوع للخطابات الملكية يمكن أن يؤرخ للسياسة السعودية الداخلية والخارجية في 100 عام، كما أن تلك الخطب والكلمات لا تمثل خريطة طريق لمجلس الشورى وبقية مؤسسات الدولة فحسب؛ لكنها مفاتيح مهمة لقراءة المستقبل السعودي من قِبل المحللين والباحثين، ووثائق تاريخية للدارسين والمؤرخين.


مقالات ذات صلة

رئيس مجلس الشورى السعودي لـ«الشرق الأوسط»: الخطاب الملكي «خريطة طريق»

الخليج رئيس مجلس الشورى السعودي أكّد أن الخطاب الملكي يشكل برنامج عمل متكاملاً (تصوير: مشعل القدير)

رئيس مجلس الشورى السعودي لـ«الشرق الأوسط»: الخطاب الملكي «خريطة طريق»

أكد رئيس مجلس الشورى السعودي، الشيخ الدكتور عبد الله بن محمد آل الشيخ، أن الخطاب الملكي لهذا العام، يمثل خريطة طريق شاملة.

غازي الحارثي (الرياض)
الخليج خادم الحرمين وولي العهد الأمير محمد بن سلمان (الشرق الأوسط)

ولي العهد السعودي يُلقي الخطاب الملكي السنوي في «الشورى»

نيابةً عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، يُلقي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء، يوم الأربعاء، الخطاب الملكي السنوي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج تضم هيئة كبار العلماء الشيخ عبد العزيز آل الشيخ رئيساً و20 عضواً (واس)

السعودية: انضمام عضوين لـ«كبار العلماء» و77 لـ«الشورى»

أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أمرَين ملكييْن بإعادة تكوين «هيئة كبار العلماء» و«مجلس الشورى»، شهدا انضمام عضوين جديدين للهيئة و77 للمجلس.

غازي الحارثي (الرياض)
الاقتصاد تحركات حكومية مكثفة لرفع نسبة تملك المواطنين للمسكن الأول (الشرق الأوسط)

«الشورى» السعودي يطالب بزيادة دعم القروض العقارية للمواطنين

طالب مجلس الشورى السعودي، بدراسة إمكانية زيادة مقدار المبلغ غير المسترد الذي يدفعه صندوق التنمية العقارية للمواطن لتملك مسكنه الأول.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مشروع محطة سكاكا لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية (الشرق الأوسط)

السعودية: مطالب بإنشاء مشاريع صغيرة لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية

طالب مجلس الشورى السعودي بتشجيع ودعم القطاع الخاص للاستثمار في إنشاء مشروعات صغيرة ومتوسطة لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.