{حياتو} يتربع على إمبراطورية الفساد

لاعب السلة الذي يرأس عالم كرة القدم لـ 90 يوما

{حياتو} يتربع  على إمبراطورية الفساد
TT

{حياتو} يتربع على إمبراطورية الفساد

{حياتو} يتربع  على إمبراطورية الفساد

بعد مرور أكثر من قرن على إنشاء «فيفا» (111 سنة)، وجد الكاميروني عيسى حياتو نفسه على رئاسة الاتحاد، خلفا للسويسري جوزيف بلاتر، الذي أوقف للتحقيق معه بشأن اتهامات بالفساد المالي. وبذا أصبح حياتو أول أفريقي يتزعم إمبراطورية كرة القدم العالمية، وليحقق ما فشل فيه قبل 13 سنة، عندما مُني بهزيمة ساحقة أمام بلاتر في انتخابات عام 2002.

يمرّ الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) حاليًا بالأزمة الأكثر خطورة في تاريخه منذ اعتقال 7 مسؤولين حاليين وسابقين وتوجيه الاتهام إلى 14 شخصًا آخرين بطلب من القضاء الأميركي بتهم فساد ورشى وابتزاز وتبييض أموال.
ولقد أعلن الاتحاد أخيرًا تكليف عيسى حياتو (69 سنة) بتولي رئاسة الاتحاد بصورة مؤقتة خلفا لجوزيف بلاتر، الذي تقرر إيقافه لمدة 90 يوما، قابلة للتمديد لمدة 45 يومًا، من قبل لجنة القيم التابعة للاتحاد، حتى يتسنى التحقيق معه في اتهامات الفساد المالي والإداري وتلقي الرشى خلال فترة رئاسته.
عبد المنعم مصطفى الشهير بـ«شطة»، رئيس اللجنة الفنية في الاتحاد الأفريقي (الكاف) قال لـ«الشرق الأوسط» عن إسناد المنصب لحياتو، ولو بالوكالة، معلقًا: «شرف للقارة الأفريقية أن يكون رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم من أبنائها ولو ليوم واحد فقط». وأردف: «حياتو، وهو الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم، يتمتع بشخصية قوية ومتزنة.. ويعلم كل خبايا الـ(فيفا) وأسراره بما يمكنه من تحقيق فارق».
للعلم، بحسب المادة 32 من النظام الأساسي لـ«فيفا»، فإن حياتو كونه نائب الرئيس الأقدم سنًا في اللجنة التنفيذية لـ«فيفا» يتولى تلقائيًا الرئاسة بالوكالة. ولقد حددت اللجنة التنفيذية الجديدة لـ«فيفا» 26 فبراير (شباط) المقبل موعدًا للجمعية العمومية غير العادية لانتخاب رئيس جديد خلفا لبلاتر.
حياتو صرّح عقب تكليفه بالمسؤولية بأنه سيتولّى المهمّة حتى موعد الجمعية العمومية بشكل مؤقت فقط، مؤكدًا أن لا نية لديه للترشح في الانتخابات المقبلة. وأعرب الرئيس الجديد لـ«فيفا» عن سعادته لتولي المنصب الرفيع، معتبرًا أنه «شرف له وللكاميرون»، وأنه «يدرك ما ينتظره من تحديدات لأنه يعرف الـ(فيفا) جيدًا». ويذكر أن السويسري بلاتر الذي يترأس الـ«فيفا» منذ 1998 على وشك ترك منصبه بعد الانتخابات المقرّرة في فبراير المقبل، لكنه اضطر إلى تقديم استقالته بعد أربعة أيام فقط على إعادة انتخابه لولاية خامسة على التوالي في 29 مايو (أيار) الماضي بسبب فضائح الفساد التي طالته شخصيًا.
من ناحية أخرى، ضمن الموقوفين لدى لجنة القيم الفرنسي ميشال بلاتيني رئيس الاتحاد الأوروبي (يويفا) والأمين العام السابق لـ«فيفا» الفرنسي جيروم فالك بتهم فساد، فضلاً عن إيقاف الكوري الجنوبي تشونغ مون - غوون 6 سنوات.
ووفق تقارير مكتب المدعي العام فإن بلاتر مشتبه به في عملية «دفع غير مشروع» لمبلغ مليوني فرنك سويسري إلى بلاتيني. كذلك تشتبه وزارة العدل السويسرية بأن بلاتر وقّع «عقدا (لمنح حقوق نقل مونديالي 2010 و2014) في غير مصلحة الـ(فيفا) مع الاتحاد الكاريبي للعبة عندما كان الترينيدادي جاك وارنر رئيسًا له».

لمحة تاريخية
من الناحية التاريخية نشير إلى أنه تعاقب على رئاسة الـ«فيفا»، الذي كان قد أسس عام 1904، ثمانية رؤساء، 7 منهم أوروبيون وواحد برازيلي، وهم على التوالي:
- الفرنسي روبرت غيران بين عامي 1904 و1906
- الإنجليزي دانييل برلي وولفل بين عامي 1906 و1918
- الفرنسي جول ريميه بين عامي 1921 و1954
- البلجيكي رودولف ويليام سيلدرييرز بين عامي 1954 و1955
- الإنجليزي آرثر دروري بين عامي 1955 و1961
- الإنجليزي ستانلي روس بين عامي 1961 و1974
- البرازيلي جواو هافيلانج بين عامي 1974 و1998
- السويسري جوزيف بلاتر (منذ عام 1998)
اللاعب السابق «شطة» الذي يرافق حياتو منذ نحو 15 سنة في الاتحاد الأفريقي، يعتقد أن يكون حياتو الأقدر من بين هؤلاء رغم قصر المدة التي سيتولى فيها المهمة، وسخونة الأحداث التي يمر بها الـ«فيفا» حاليًا، والتي تتطلب دقة وحنكة إدارية عالية لتجاوز تلك المرحلة.
ويوضح «شطة» أن من ميزات حياتو بأنه ترأس بنجاح كبير رئاسة اتحاد كرة قدم أصعب قارة في العالم وأكثرها مشكلات وفقرًا.. أي أفريقيا، ولمدة تعدت الـ27 سنة وهذا رقم قياسي بالتأكيد. وخلال هذه المدة حقق إنجازات كبيرة، بالإضافة إلى نهوضه بمنصب نائب رئيس الاتحاد الدولي لأكثر من 20 سنة، تعامل خلالها مع كثير من الرؤساء السابقين مما منحه خبرة كبيرة لا يتمتع بمثلها أحد من نظرائه حاليًا.

سيرة شخصية
ولد عيسى حياتو يوم 9 أغسطس (آب) 1946 في مدينة غاروا بالكاميرون. وهو ينتمي إلى أسرة عريقة صاحبة نفوذ سياسي كبير خاصة في شمال الكاميرون، ذلك أن أباه زعيم محلي بارز، وكان شقيقه رئيس وزراء أسبق في البلاد. وبالنسبة لعائلته الصغيرة، فهو متزوج وله أربعة أولاد. وتقول زوجته ماري كلير عنه: «إنه يقدس العمل ويحب التفاني فيه وتقديمه على الوجه الأكمل، ويمتلك سيرة ذاتية كبيرة تتناسب مع أكثر مما هو فيه، كما أنه صبور ومكافح ودائما يدافع عن أحلامه ويسعى إلى تحقيقها».
ولقد روت ماري كلير كيف تعرفت عليه في حوار صحافي نشرته إحدى وسائل الإعلام المصرية، قائلة: «قابلت عيسى حياتو عندما كان لاعبا لكرة السلة، وبعد قصة حب ارتبطنا.. إنه طيب وصاحب شخصية قوية وحازمة.. يمتلك صفات إرادية نادرة في عالم الإدارة.. كما أنه اجتماعي إلى أبعد الحدود، فلديه أصدقاء كثيرون على الصعيدين الأفريقي والدولي، وأنصاره وأحباؤه من كل الدول».
وحقًا، بدأ حياتو مشوار «زعامته» لعالم كرة القدم، لاعبًا لكرة السلة ورياضيًا يمارس ألعاب القوى، إذ انضم للمنتخب الكاميروني لكرة السلة وهو دون التاسعة عشرة من عمره خلال الفترة (1964 – 1971)، وجرى اختياره آنذاك ضمن تشكيله المنتخب المشارك في الألعاب الأفريقية بالكونغو - برازافيل عام 1965، وأنهى مشواره مع اللعبة في عام 1971.
وعقب ثلاث سنوات من اعتزاله لعبة كرة السلة انطلق حياتو نحو العمل الإداري، فتقلد منصب الأمين العام للاتحاد الكاميروني لكرة القدم في 1974، ثم تولى منصب مدير الشؤون الرياضية بوزارة الشباب والرياضية الكاميرونية لمدة 3 سنوات، وبالتحديد، منذ 1983 وحتى 1986.
ومن خلال نجاحاته الإدارية أسند إليه منصب رئاسة الاتحاد الكاميروني لكرة القدم عام 1986، وهو المنصب الذي لم يستمر به كثيرًا، بل تركه لتولي رئاسة الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «كاف» للمرة الأولى بعد فوزه بالمنصب خلال الجمعية العمومية التي عقدت في المغرب يوم 11 مارس (آذار) عام 1988، ليغدو الرئيس الخامس للاتحاد الأفريقي لكرة القدم، وهو المنصب الذي ما زال يتقلده حتى الآن.
عبر رئاسة حياتو رئاسة الاتحاد الأفريقي، اكتسب الرجل خبرة كبيرة في المناصب الإدارية، وهو ما أهله لأن ينطلق نحو العالمية ويفوز بعضوية اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي (فيفا) عام 1990، ثم تدرج ليصبح نائبًا لرئيس الاتحاد الدولي عام 1992، وأخيرًا تعيينه رئيسا مؤقتا للاتحاد.
الذين يعرفون حياتو عن قرب - مثل «شطة» رئيس اللجنة الفنية في الاتحاد الأفريقي - يصفونه بأنه «قيادي من الطراز الأول، ويتمتع بشخصية قوية ومتزنة بعيدة عن الانفعال، كما أن نجاحه الإداري وتقلده لكثير من المناصب يرجع إلى طبيعة شخصيته الديمقراطية مع مرؤوسيه، فعادة ما يأخذ آراء المجموعة التي تعمل معه».
ورجح شطة أن «يعيد حياتو التوازن للاتحاد الدولي خلال تلك الفترة القصيرة، باعتباره يعلم كل خبايا الاتحاد أكثر من بلاتر نفسه».
ويعدّد مؤيدو حياتو عددًا من الإنجازات التي تحققت للكرة الأفريقية في عهده، ومنها زيادة عدد منتخبات «القارة السمراء» في المونديال من 3 منتخبات إلى 5، وذلك بدايةً من كأس العالم 1998 في فرنسا. وكذلك تمكنه خلال تلك الفترة من النهوض بالكرة الأفريقية حتى أصبحت كأس الأمم الأفريقية ثالث أهم بطولة كروية في العالم بعد كأس العالم وبطولة الأمم الأوروبية.
ومن ثم عمل على زيادة عدد الدول المشاركة في نهائيات بطولات الأمم الأفريقية من 8 دول عام 1988 إلى 16 دولة اعتبارًا من عام 1996، واستحدث أيضًا تنظيم بطولة أفريقيا للمحليين، وأيضا للشباب تحت 17 سنة وبطولة أفريقيا للأمم للسيدات، وفي طريقه لتطبيق دوري المحترفين إلى دول القارة، بعد أن ساهم في إنشاء مئات الملاعب بالدول الفقيرة بتمويل دولي.
وبمعزل عن المنتخبات الوطنية، كان واحدًا من الأهداف الرئيسية لحياتو في أواخر 1990 توفير الحوافز لأندية كرة القدم الأفريقية من شأنها وقف تدفق اللاعبين الأفارقة إلى أوروبا، إذ كان يرى أن «الدول الغنية تستورد المواهب الأفريقية وترسل إلينا فنيين (مدربين) من أقل قيمة». لكن هذه المبادرة لاقت نجاحًا محدودًا، ووجهت أيضًا ببعض الانتقادات. كذلك كانت له مبادرة عام 1997 تتعلق بالتفاوض مع الاتحاد الأوروبي لدفع الهيئات والأندية الأوروبية رسومًا للدول الأفريقية عن لاعبين هناك ينتمون إلى أصول أفريقية.

التقاعد .. والصحة
من ناحية أخرى، تنتهي فترة ولاية حياتو الحالية في رئاسة الاتحاد الأفريقي عام 2017، ويبدو أنه سيسعى لانتخابه لأربع سنوات أخرى، ويقال إنه يراهن على أن يستمر في المنصب إلى نهاية عمره، على غرار سلفه الإثيوبي يادنكاتشيو تيسيما الذي ترأس الـ«كاف» عام 1972 واحتفظ بالمنصب حتى وفاته عام 1987.
وهنا يشرح «شطة»: «لا تنص لوائح الكاف على سن معين للترشح على منصب الرئيس أو عدد الولايات، ومن ثم يحق لحياتو أن يترشح لولاية جديدة إذا ما أراد ذلك.. لكنه حتى الآن لم يحدد بعد».
وكان حياتو قد أشرف في وقت سابق من هذا العام على إجراء تغييرات مثيرة للجدل في لوائح الاتحاد الأفريقي، كانت تضع حد الـ70 سنة للترشح في المناصب القيادية. وهو ما فسر على عزمه الترشح مجددًا.
وثمة من يشير، في هذا المجال، إلى أنه يعاني من مشكلات صحية كبيرة منذ سنوات كثيرة تتطلب خضوعه لجلسات منتظمة لغسيل الكلى. لكن مقربين منه أكدوا أن ذلك لن يكون مؤثرا على قدرته في إدارة شؤون الفيفا، «لأنه ما زال متماسكًا وقادرًا على حضور جميع المباريات والاجتماعات في مختلف أنحاء العالم».

تهم الفساد
في المقابل، وأمام الخبرات المميزة هناك أيضًا من يقولون إن ملف حياتو، مثل معظم أقرانه في الاتحاد الدولي لكرة القدم، لا يخلو من لغط وشبهات واتهامات بشأن الفساد منذ توليه رئاسة الاتحاد الأفريقي عام 1988، إذ تحدثت تقارير إعلامية عام 2010 عن وثائق وصفت بأنها «مهمة» زعمت تورط ثلاثة أعضاء من «الفيفا»، من بينهم عيسى حياتو، في قضية فساد وتسلم الرشى سابقًا، غير أن التحقيقات برأت ساحته لاحقًا وطويت الملفات. ثم قبل فترة غير بعيدة ذكر اسمه في الاتهامات الخاصة بملف تنظيم قطر لكأس العالم عام 2022. لكنه علّق على تلك الاتهامات في أعقاب توليه رئاسة الاتحاد الدولي قائلا: «سجلي نظيف وبعيد عن الشبهات وأبيض كالثلج».
غير أن سمير زاهر، عضو اللجنة التنفيذية للاتحاد العربي لكرة القدم، ورئيس اتحاد كرة القدم المصري السابق، قال لـ«الشرق الأوسط»: «الموضوع غريب جدًا.. أنا أرى أن ما يتورط فيه رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم ينعكس على كل من يعمل معه، وكل أعضاء اللجنة التنفيذية بالاتحاد، الذين يجب أن يرحلوا جميعا، ولا بد من وقفة دولية تضع حدا لتلك الأمور». وتابع: «كلهم واحد، والوضع لن يختلف كثيرًا، إلا عبر تغيير شامل. هناك ريبة في التعامل مع الاتحاد الدولي، وطريقة اختياراته للبطولات واجتماعاته وحتى تحقيقاته، لا بد للاتحاد من أن يبتر من رئيسه وحتى عامل النظافة»، واستطرد أن «حياتو صديق مقرب من بلاتر، إضافة إلى حالته الصحية الصعبة».
وحول استمراره على رئاسة الاتحاد الأفريقي رغم ذلك، قال زاهر: «الانتخابات في كل الاتحادات تدار بلعبة الأموال وكلها ريبة. هؤلاء ينجحون عبر توجّهات الشركات الراعية.. وإذا أردنا التطوير الحقيقي وتعقّب الفساد يجب أن نتبع مقولة انسف حمامك القديم».
من جانبه، طالب الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة، رئيس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم، حياتو، بالدعوة إلى اجتماع طارئ لأعضاء اللجنة التنفيذية لـ«فيفا». وأكد الشيخ سلمان أن هذا الاجتماع ضروري من أجل جلب الاستقرار لعالم كرة القدم. وقال: «هذه ظروف استثنائية، لهذا يجب أن نجتمع، لنتشاور في شكل جماعي لتجاوز هذه الأوقات الصعبة».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.