أدوية الكوليسترول واحتمال التسبب في مرض السكري

ضرورة التعامل الطبي المتوازن في وصفها

أدوية الكوليسترول واحتمال التسبب في مرض السكري
TT

أدوية الكوليسترول واحتمال التسبب في مرض السكري

أدوية الكوليسترول واحتمال التسبب في مرض السكري

أدوية الستاتين Statin تخفض نسبة الكوليسترول في الدم، عبر خفض إنتاج الكبد له. وهي وإن ظهرت لأول مرة على خشبة المسرح الطبي لمعالجات ارتفاع الكوليسترول في عام 1987، فإنها تعتبر حتى اليوم حجر الزاوية في معالجة ارتفاع الكوليسترول، والمرتكز الأساسي في خفضه. والسبب أن المصدر الأكبر للكوليسترول (80 في المائة) في الجسم هو من الإنتاج الداخلي في الكبد له، بينما لا يمثل الغذاء المحتوي على كميات عالية من الكوليسترول سوى مصدر لأقل من 20 في المائة من الكوليسترول في الدم.

الستاتين والسكري

وترتفع أهمية العمل على خفضه «بصرامة» -وخصوصاً الكوليسترول الخفيف الضار LDL- لدى الأشخاص الأعلى عُرضة للتضرر المهدد لسلامة الحياة نتيجة ارتفاعه، وتحديداً مرضى شرايين القلب ومرضى السكتات الدماغية، ومرضى السكري، ومرضى ارتفاع ضغط الدم، ومرضى ضعف الكلى. أي لدى طيف واسع جداً من عموم المرضى.

ولكن ثمة إشكالية تتمثل في احتمالات تسبب تناول أحد أنواع هذه الأدوية الخافضة للكوليسترول، بالإصابة الجديدة بمرض السكري، أي بين الذين كانوا قبل ذلك خالين من هذا المرض.

وثمة كثير من الدراسات الطبية حول هذا الأمر. وتناولت الأوساط الطبية هذا الموضوع منذ مدة، بمناقشات علمية وإكلينيكية مستفيضة. وقرأت نتائج الدراسات تلك، وكيفية إجرائها، وراجعت بياناتها، وكيفية التوصل إلى استنتاجاتها. ووضعت نصائح عملية وواقعية للممارسات الإكلينيكية حيالها، تتسم بالتوازن بين الحصول على المكاسب وتقليل احتمالات حصول الأضرار الجانبية.

ولكن الدراسات التي تربط الستاتين بمرض السكري لا تزال تحظى باهتمام وسائل الإعلام، بدرجات مختلفة في دقة العرض. وفي حالات التقارير الإعلامية غير الدقيقة، حول عرض العلاقة «المحتملة» بين أدوية الستاتين والإصابة بمرض السكري، يمكن أن تؤدي إلى شعور بعض من المرضى بالقلق، وربما حتى التوقف عن تناول أدوية الستاتين، وبالتالي ترك أنفسهم عُرضة للمخاطر الصحية «الحقيقية» لارتفاع الكوليسترول.

وصحيح أن ذلك الاحتمال بتسبب الإصابة بالسكري لا ينبغي له أن يصرف انتباه الأطباء عن هدف الحد من مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية كأولوية قصوى، عبر العمل الدؤوب على خفض ارتفاع الكوليسترول، إلا أن من المفيد مناقشة هذا الاحتمال مع المريض. وذلك لتوضيح أن أدوية الستاتين ثبت أنها تقلل من الإصابات بتداعيات أمراض القلب والأوعية الدموية ومن الوفيات أيضاً، ولا ينبغي أن يتعارض تناولها بوصفها علاجاً ضرورياً، مع احتمال الإصابة بمرض السكري، لأن بإمكانها الحد من أمراض القلب والأوعية الدموية وفق توصيات الطبيب، من خلال المتابعة معه في العيادة.

توعية بالإجراءات الوقائية

وكذلك بالإمكان الحد من احتمالات تسببها في مرض السكري، أيضاً عن طريق استمرار المتابعة مع الطبيب، واتخاذ المريض عدداً من الإجراءات الوقائية.

وهذه الإجراءات الوقائية هي بالأصل ضرورية لكل المرضى، بغض النظر عن موضوع علاقة تناول أدوية الستاتين بالإصابة بمرض السكري، مثل الاهتمام الشديد باتباع السلوكيات الصحية في نمط عيش الحياة اليومية، عبر الحاجة إلى تكثيف الجهود لإنقاص الوزن، وتحسين النظام الغذائي، وزيادة ممارسة التمارين الرياضية.

وفي مقالة علمية بعنوان «خطر الإصابة بمرض السكري مع الستاتينات»، تم نشرها ضمن عدد 12 مايو (أيار) الماضي من المجلة الطبية البريطانية BMJ، أفاد باحثون من الولايات المتحدة وأستراليا بأن تناول أدوية الستاتين لخفض الكوليسترول يرتبط بزيادة «طفيفة» في خطر الإصابة الجديدة بمرض السكري، والذي يكون أعلى لدى الأشخاص الذين لديهم عوامل خطر أخرى للإصابة بمرض السكري، أو الذين يتناولون جرعات عالية من أدوية الستاتين، أو المتقدمين في السن.

تعديل سلوكيات الحياة

ونصحوا بأنه عند بدء المريض في تناول أدوية الستاتين، يجب التأكيد عليه بأهمية إجرائه تعديلات واضحة على سلوكيات نمط الحياة، بما في ذلك اتباع نظام غذائي صحي وممارسة النشاط البدني. هذا مع مراقبة مستويات الغلوكوز في الدم عند بدء العلاج بالستاتين أو زيادة جرعاته.

وفي تحديثاتها هذا العام لبيانها بشأن «ملف السلامة الخاص بالستاتينات: فائدة كبيرة مع مخاطر منخفضة»، أفادت رابطة القلب الأميركية AHA بأن الإصابة بمرض السكرى تحتل المرتبة الثانية من بين مخاطر تناول أدوية الستاتين التي يجدر بالرابطة الحديث عنها وتوضيح موقفها حيالها.

وقالت الرابطة: «يقدم البيان العلمي الصادر عن رابطة القلب الأميركية دليلاً على وجود حد أدنى من المخاطر، 0.2 سنوياً، للإصابة بداء السكري الذي تم تشخيصه حديثاً بعد تناول علاج الستاتين». أي أن من بين كل 1000 مريض بدأوا تناول أدوية الستاتين ولم يكن لديهم مرض السكري، فإن تناول أدوية الستاتين ارتبط بحصول إصابة مريضين جديدين بمرض السكري. ولكن في الوقت نفسه، استفاد نحو 7 مرضى من تناول أدوية الستاتين في منع إصابتهم بالسكتة الدماغية أو نوبة الجلطة القلبية أو الحاجة إلى إجراءات تدخلية أو جراحية لمعالجة تضيقات شرايين القلب.

وأفادت رابطة القلب الأميركية بأن: «آليات التأثير المتسبب في مرض السكري للستاتينات لا تزال غير واضحة». إلا أنها أوضحت قائلة: «ويكون في الغالب بين المرضى الذين لديهم عوامل خطر موجودة مسبقاً لتطوير الإصابة بمرض السكري، مثل البالغين الذين يعانون مسبقاً من حالة ما قبل السكري Pre-Diabetes، أو الذين لديهم متلازمة الأيض Metabolic Syndrome». ولذا تلخصت نصيحتها «الدقيقة والعملية والمتوازنة» بالقول: «من بين المرضى الذين يتناولون أدوية الستاتين، والذين لديهم عوامل خطر للإصابة بمرض السكري، من الحكمة مواصلة (اتباع خطوات) الوقاية بشدة، من خلال تعديل نمط الحياة (فقدان الوزن إذا لزم الأمر وممارسة التمارين الرياضية بشكل أفضل) والفحص الدوري لمرض السكري (تحليل تراكم السكر في الهيموغلوبين HbA1c وقياسات نسبة السكر في الدم)».

عوامل خطر السكري

ومعلوم أن «متلازمة الأيض» هي مجموعة من المشكلات التي تحدث معاً، وتزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية ومرض السكري من النوع الثاني. وتشمل تلك المشكلات ارتفاع ضغط الدم، وارتفاع السكر في الدم، وزيادة دهون الجسم في منطقة البطن، ومستويات غير طبيعية من الكوليسترول أو الدهون الثلاثية. كما أن من المعلوم أن حالة «ما قبل السكري» هي المرحلة المرضية التي تُسبب ارتفاع سكر الدم لمستويات أعلى من الطبيعي؛ لكنها لا تصل إلى حد مستوى تشخيص الإصابة بمرض السكري من النوع 2. وأن ترك هذه الحالة دون إجراء تغييرات في نمط الحياة، يجعل البالغين والأطفال ممن لديهم حالة «ما قبل السكري»، عرضة بشكل أكبر لخطر الإصابة بمرض السكري من النوع 2.

وتتوافق هذه النصيحة مع نصيحة إدارة الغذاء والدواء الأميركية FDA عند حديثها عن التقارير حول زيادة مخاطر ارتفاع مستويات الغلوكوز في الدم وزيادة تراكم السكر في الهيموغلوبين؛ حيث قالت إدارة الغذاء والدواء الأميركية إنها «لا تزال تعتقد أن فوائد أدوية الستاتين على القلب والأوعية الدموية تفوق هذه المخاطر الصغيرة المتزايدة».

وكذلك في تحديثها للنصائح الطبية للمرضى الصادرة هذا العام، في الإجابة على سؤال: «هل يمكن للستاتينات Statins زيادة نسبة السكر في الدم؟»، أفادت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها الأميركية CDC قائلة: «يعد وجود مستويات صحية من الكوليسترول والسكر في الدم أمراً مهماً لتقليل خطر الإصابة بأمراض القلب. ووجدت بعض الأبحاث أن استخدام أدوية الستاتين يزيد من نسبة السكر في الدم؛ لأن استخدام أدوية الستاتين يمكن أن يمنع الإنسولين في الجسم من القيام بعمله بشكل صحيح. وهذا يمكن أن يعرض الأشخاص الذين يستخدمون أدوية الستاتين لخطر الإصابة بمرض السكري من النوع 2. وعلى الرغم من المخاطر، فلا يزال استخدام أدوية الستاتين موصى به لعديد من الأشخاص المصابين بداء السكري وغير المصابين به، والذين يعانون من ارتفاع نسبة الكوليسترول في الدم. وذلك لأنه على الرغم من وجود مخاطر عند تناول هذا الدواء، فإن هناك مخاطر محتملة أكبر إذا لم تتناوله، مثل الإصابة بنوبة قلبية أو سكتة دماغية. وتذكر أن كل شخص مختلف عن غيره؛ لذا الأفضل دائماً التحدث مع طبيبك حول المخاطر والفوائد الفردية لتناول أدوية الستاتين».

التعديلات الواضحة على سلوكيات نمط الحياة تقلل من تأثير أدوية الستاتين

أدوية الكوليسترول والتسبب في مرض السكري... «إعلام الحقائق الإكلينيكية»

ربما يكون النموذج الأمثل للإثارات الإعلامية حول مدى تقديم المعلومات الطبية الصحيحة، هو طرح العلاقة بين تناول أدوية الستاتين والاحتمالات الضئيلة للتسبب في الإصابة بمرض السكري.

ووفق ما أشارت إليه رابطة القلب الأميركية في «سلامة أدوية الستاتين والأحداث السلبية المرتبطة بها: بيان علمي من رابطة القلب الأميركية»، فإن أمراض القلب والأوعية الدموية تظل السبب الرئيسي للوفاة في العالم، وقد أحدثت أدوية الستاتين فرقاً كبيراً في معالجتها وخفض الإصابات بها، وأيضاً خفض تكرار حصولها أو حصول تداعياتها. وأشار البيان إلى أن «أدوية الستاتين الأكثر فعالية تنتج انخفاضاً في كوليسترول البروتين الدهني منخفض الكثافة بنسبة 55- 60 في المائة»، وهو ما كان له «تأثير كبير في الحد من الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، وكذلك الحد من الوفاة بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية».

ومع ذلك، أشار البيان إلى أن «الدراسات... أبلغت عن زيادة في عدد المرضى الذين توقفوا عن تناول أدوية الستاتين، بعد التغطية الإعلامية السلبية. وأبلغت عن زيادة في حصول أحداث الأوعية الدموية الكبرى السلبية بعد التوقف عن العلاج بأدوية الستاتين».

وأوضح التقرير أن خطر إصابة المرضى الذين يتناولون أدوية الستاتين بمرض السكري «يقتصر إلى حد كبير على المرضى الذين لديهم مسبقاً عددٌ من العوامل التي ترفع بالأصل من خطر الإصابة بمرض السكري». كما أوضح أن الخطورة السنوية المطلقة لاحتمالات الإصابة بمرض السكري، لدى هذه الفئة من المرضى الذين هم بالأصل لديهم عدد من العوامل التي ترفع من احتمالات الإصابة بالسكري، هي 2 لكل 1000 مريض يتناولون أدوية الستاتين.

وأضاف التقرير أيضاً موضحاً أن حجم هذا الاحتمال في التسبب بحصول مرض السكري، يعتمد على الممارسة الإكلينيكية الروتينية في متابعة المرضى، والكشف الدوري عن أي اضطرابات في مستويات سكر الدم، ومدى العمل على اتباع السلوكيات الصحية في نمط الحياة اليومية. وخلص التقرير إلى أن: «العلاج بأدوية الستاتين يقلل بشكل كبير من حصول مضاعفات وتداعيات أمراض شرايين القلب والشرايين الأخرى في الجسم، والتي من بينها الدماغ، لدى أولئك الذين يعانون من مرض السكري أو لا يعانون منه.

إضافة إلى ذلك، عند النظر في الزيادة في حالات مرض السكري التي تم تشخيصها حديثاً، من المهم أن نلاحظ أن هذا يمثل حدثاً أقل دراماتيكية وتهديداً بكثير من حدوث نوبة الجلطة القلبية المؤدية إلى احتشاء عضلة القلب Myocardial Infarction أو السكتة الدماغية Stroke أو الوفاة بسبب القلب أو الأوعية الدموية Cardiovascular Death.

وكما تقول الدكتورة كوني بي نيومان، من كلية الطب بجامعة نيويورك، والتي ترأست لجنة خبراء كتابة البيان: «يوفر البيان العلمي لرابطة القلب الأميركية أساساً قائماً على الأدلة لتقديم المشورة للمرضى».

وهو ما علقت عليه الدكتورة سافيثا سوبرامانيان (أستاذة مشاركة في الطب، قسم التمثيل الغذائي والغدد الصماء والتغذية، جامعة واشنطن بسياتل) قائلة: «إذا كان شخص ما يحتاج إلى عقار ستاتين، فإن الأمر دائماً ما يكون بمثابة مناقشة مع المريض. يجب عليك التحدث مع المرضى؛ لأن هناك كثيراً من المعلومات؛ خصوصاً على الإنترنت. لدى الناس كثير من الآراء، ولسوء الحظ، تعرضت أدوية الستاتين لكثير من الانتقادات، على الرغم من أنها مفيدة جداً».


مقالات ذات صلة

هل يسبب الأرز المُعاد تسخينه تسمماً غذائياً؟

صحتك الخبراء ينصحون بتجنب ترك الأرز المطبوخ في درجة حرارة الغرفة لأكثر من ساعتين (بيكسلز)

هل يسبب الأرز المُعاد تسخينه تسمماً غذائياً؟

ما لا يدركه كثيرون هو أن التعامل غير السليم مع الأرز المطبوخ قد يحوّله إلى مصدر محتمل للتسمم الغذائي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك التقنية الجديدة تجعل أنسجة الدماغ الحي شفافة دون التأثير على وظائفها الحيوية (أرشيف - رويترز)

اختراق علمي مذهل... علماء ينجحون في جعل الدماغ الحي شفافاً

نجح باحثون يابانيون في تحقيق إنجاز علمي غير مسبوق، تمثل في تطوير تقنية جديدة تجعل أنسجة الدماغ الحي شفافة دون التأثير على وظائفها الحيوية.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
صحتك كوب من عصير التوت الأزرق الطازج (بيكسباي)

فوائد عصير التوت لمرضى القلب

عصير التوت مفيد لمرضى القلب؛ لأنه غني بمضادات الأكسدة التي تُحسن مرونة الأوعية الدموية وتقلل الالتهابات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك سيدة تتمرن بإحدى الصالات الرياضية في رمضان (أرشيفية-أ.ف.ب)

اختباران بسيطان للقوة يتنبآن بطول العمر لدى النساء

أظهرت دراسة جديدة أن قوة العضلات، كما جرى تحديدها من خلال اختبارين، كانت مؤشراً رئيسياً على خطر الوفاة لدى النساء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك بعض مصادر البروتين ترتبط بزيادة خطر الإصابة بمشكلات صحية مثل أمراض القلب (بيكسلز)

بين اللحوم والبقوليات: أي البروتينات أنسب لصحتك؟

توضح جامعة هارفارد أن اللحوم تُعد مصدراً غنياً بالبروتين عالي الجودة، لكنها تحذّر في الوقت نفسه من أن بعض أنواعها تحتوي على نسب مرتفعة من الدهون المشبعة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الأغذية المصنعة سبب انتشار «نوبات الشراهة» عالمياً

اللحوم المصنعة غالباً ما تكون غنية بالصوديوم والدهون المشبعة والسعرات الحرارية (رويترز)
اللحوم المصنعة غالباً ما تكون غنية بالصوديوم والدهون المشبعة والسعرات الحرارية (رويترز)
TT

الأغذية المصنعة سبب انتشار «نوبات الشراهة» عالمياً

اللحوم المصنعة غالباً ما تكون غنية بالصوديوم والدهون المشبعة والسعرات الحرارية (رويترز)
اللحوم المصنعة غالباً ما تكون غنية بالصوديوم والدهون المشبعة والسعرات الحرارية (رويترز)

أفادت دراسة جديدة، أجراها فريق من الباحثين من جامعة ميشيغان الأميركية، بأن الأطعمة المصنَّعة سبب رئيسي لانتشار «نوبات الشراهة» في مختلف بلدان العالم الحديث. ووفق نتائج دراستهم، فإن تحليل بيانات أكثر من أربعة عقود من الأبحاث يكشف عن أن الأطعمة المصنعة بكثرة ليست شائعة فقط في نوبات الشراهة، بل هي ظاهرة شبه عالمية.

وكشفت الدراسة المنشورة في دورية «International Journal of Eating Disorders»، المعنية بأبحاث اضطرابات الأكل، أن نوبات الشراهة ظهرت كمشكلة سريرية بالتزامن مع سيطرة الأطعمة المصنعة على الإمدادات الغذائية، وأنها لم تبدأ بالظهور في الأدبيات العلمية إلا في سبعينات القرن الماضي بالتزامن تقريباً مع ازدياد هيمنة الأطعمة المصنعة على البيئة الغذائية في العالم.

وقال الباحثون إنه على الرغم من ذلك، نادراً ما تناولت أبحاث اضطرابات الأكل كيفية مساهمة الأطعمة في انتشار «نوبات الشراهة».

وأضافوا، في بيان الثلاثاء، أنه عندما ينغمس الناس في نوبات الشراهة، نادراً ما يكون البروكلي أو التفاح ضمن قائمة طعامهم. بدلاً من ذلك، تظهر أطعمة مثل الكعك والبسكويت والآيس كريم والشوكولاته باستمرار، وتشير دراستهم إلى أن هذا ليس من قبيل الصدفة.

وتسلط هذه الدراسة الضوء على ثغرة كبيرة في أبحاث اضطرابات الأكل. فعلى مدى عقود، دُرست نوبات الشراهة بشكل أساسي بوصفها مشكلة نفسية أو سلوكية، مع إيلاء اهتمام أقل بكثير للأطعمة نفسها.

ويصيب اضطراب الشراهة نحو 2 في المائة من سكان العالم، وتشير بعض الدراسات إلى أنه يصيب النساء بنسبة أعلى من الرجال. يتميز هذا المرض بتأثيره النفسي المباشر على نمط تناول الطعام للأفراد المصابين، حيث يتم تبني عادات غير صحية في تناول الطعام، مثل زيادة كميات الطعام المتناولة. ينجم ذلك عن بعض العادات السلوكية السيئة أو التأثيرات النفسية، والعوامل البيئية التي يتعرض لها المصاب.

عادةً ما تكون الأطعمة المصنعة غنية بالسكريات والدهون غير الصحية (جامعة هارفارد)

وقد يؤدي اضطراب شراهة الطعام في بعض الحالات إلى زيادة كبيرة في الوزن، ويمكن أن يسبب مشكلات نفسية مثل مرض الاكتئاب أو قد يكون ناتجاً عن أو أنه يشير إلى مشكلات نفسية أخرى.

50 عاماً من الأبحاث

وعلى مدار 50 عاماً من الأبحاث، تضمنت نوبات الشراهة في الغالب أطعمة مصنعة بكثرة: في مراجعة 41 دراسة امتدت من عام 1973 إلى عام 2023، كان نحو 70 في المائة من الأطعمة التي تم الإبلاغ عنها خلال نوبات الشراهة مصنَّعة بكثرة، فيما شكَّلت الأطعمة قليلة التصنيع نحو 15 في المائة فقط. من النادر جداً أن ينغمس الناس في نوبات الشراهة بتناول الأطعمة قليلة التصنيع وحدها.

ووفق النتائج، فإن أكثر الأطعمة شيوعاً في نوبات الشراهة هي المنتجات المصنَّعة المصمَّمة لتكون مُرضية للغاية: تظهر نفس الأطعمة مراراً وتكراراً على مدى عقود خلال نوبات الشراهة -الكعك، والآيس كريم، والبسكويت، والشوكولاته، والمعجنات، والبيتزا، ورقائق البطاطس. عادةً ما تكون هذه الأطعمة مصنَّعة للغاية ومصمَّمة بمزيج من المكونات -مثل الكربوهيدرات المكررة والدهون- مما يجعلها مُرضية ومثيرة للشهية للغاية ويسهل الإفراط في تناولها.

ويقول الباحثون إن فهم هذا النمط أمر بالغ الأهمية، لأنه قد يُغير طريقة تعامل الأطباء والأسر وصناع السياسات مع الوقاية والعلاج. وتشير نتائج الدراسة الجديدة إلى أن طبيعة الأطعمة المستهلكة قد تكون جزءاً مهماً من الحل، لا سيما في البيئات التي تتوفر فيها الأطعمة المصنعة على نطاق واسع.


هل يسبب الأرز المُعاد تسخينه تسمماً غذائياً؟

الخبراء ينصحون بتجنب ترك الأرز المطبوخ في درجة حرارة الغرفة لأكثر من ساعتين (بيكسلز)
الخبراء ينصحون بتجنب ترك الأرز المطبوخ في درجة حرارة الغرفة لأكثر من ساعتين (بيكسلز)
TT

هل يسبب الأرز المُعاد تسخينه تسمماً غذائياً؟

الخبراء ينصحون بتجنب ترك الأرز المطبوخ في درجة حرارة الغرفة لأكثر من ساعتين (بيكسلز)
الخبراء ينصحون بتجنب ترك الأرز المطبوخ في درجة حرارة الغرفة لأكثر من ساعتين (بيكسلز)

يُعد الأرز من أكثر الأطعمة شيوعاً على الموائد حول العالم، وغالباً ما يُحتفظ ببقاياه لإعادة تسخينها لاحقاً. لكن ما لا يدركه كثيرون هو أن التعامل غير السليم مع الأرز المطبوخ قد يحوّله إلى مصدر محتمل للتسمم الغذائي. وتُعرف هذه الحالة باسم «متلازمة الأرز المُعاد تسخينه» — أو «متلازمة الأرز المقلي» — وهي ظاهرة صحية ترتبط بنمو نوع معيّن من البكتيريا في الأرز عند تركه في ظروف غير مناسبة.

وتؤدي هذه المتلازمة إلى ظهور أعراض التسمم الغذائي، مثل الإسهال والقيء، نتيجة تكاثر بكتيريا تُعرف باسم Bacillus cereus (العصوية الشمعية) في الأرز الذي يُترك مكشوفاً أو في درجة حرارة الغرفة لفترات طويلة، وذلك وفقاً لما أورده موقع «هيلث».

ما أنواع متلازمة الأرز المُعاد تسخينه؟

تنقسم هذه المتلازمة إلى نوعين رئيسيين: النوع «المُقيء» (الذي يسبب القيء)، والنوع «المُسهل» (الذي يسبب الإسهال). وعلى الرغم من أن كليهما يندرج ضمن اضطرابات الجهاز الهضمي، فإن لكل نوع آلية تأثير مختلفة، كما تختلف المدة الزمنية لظهور الأعراض بعد تناول الطعام الملوث.

النوع المُقيء

يرتبط هذا النوع بإفراز سم يُعرف باسم «سيريولايد» (cereulide)، وهو مسؤول عن تحفيز الغثيان والقيء بسرعة. وعادةً ما تظهر الأعراض خلال فترة تتراوح بين 30 دقيقة و6 ساعات من تناول أرز تُرك في درجة حرارة الغرفة لفترة طويلة. ويُعد هذا النوع الأكثر شيوعاً بين حالات التسمم المرتبطة بالأطعمة النشوية، خصوصاً الأرز.

النوع المُسهل

أما هذا النوع، فينتج عن إفراز «سموم معوية» (enterotoxins)، تؤثر في الجزء السفلي من الجهاز الهضمي، ولا سيما الأمعاء الدقيقة. وتظهر أعراضه في وقت متأخر مقارنة بالنوع المُقيء، إذ تتسبب في تقلصات بالبطن وإسهال مائي، عادةً بعد مرور 6 إلى 15 ساعة من تناول الطعام الملوث.

ما الأعراض التي ينبغي الانتباه إليها؟

تشمل الأعراض الشائعة لمتلازمة الأرز المُعاد تسخينه:

- تقلصات في البطن

- صداع

- غثيان

- قيء

- إسهال مائي

وغالباً ما تختفي هذه الأعراض من تلقاء نفسها خلال 24 ساعة.

لماذا قد يجعلك الأرز المتبقي مريضاً؟

تحدث هذه المتلازمة عند تناول طعام ملوث ببكتيريا B. cereus، وهي بكتيريا شائعة توجد في التربة والغبار، وكذلك في بعض الأطعمة النيئة مثل الأرز. وعلى الرغم من أن الطهي يقضي عادةً على البكتيريا، فإنه قد يترك وراءه «أبواغاً» (spores) مقاومة للحرارة.

وتتميز هذه الأبواغ بقدرتها على تحمّل درجات الحرارة العالية، ما يعني أنها لا تتأثر بعمليات إعادة التسخين، سواء في الميكروويف أو أجهزة الطهي أو على الموقد. وعندما يُترك الأرز المطبوخ ليبرد في درجة حرارة الغرفة، تبدأ هذه الأبواغ في التكاثر وإنتاج السموم.

وفي الواقع، فإن التسمية الشائعة «متلازمة الأرز المُعاد تسخينه» قد تكون مضلِّلة بعض الشيء؛ إذ تبدأ المشكلة غالباً بعد الطهي الأولي وترك الأرز خارج التبريد، وليس عند إعادة تسخينه لاحقاً. فإذا تُرك الأرز لأكثر من ساعتين في درجة حرارة الغرفة، تزداد احتمالية تكاثر البكتيريا وإنتاج السموم.

وتُنتج بكتيريا B. cereus نوعين من السموم لا يمكن القضاء عليهما بإعادة التسخين. ولذلك، يمكن أن يسبب الأرز المرض سواء أُعيد تسخينه أو تم تناوله بارداً أو حتى وهو فاتر. ويعتمد نوع السم الناتج على مدة بقاء الطعام خارج التبريد، وكذلك على درجة الحرارة التي حُفظ فيها خلال تلك الفترة.

كيف يمكنك الوقاية من «متلازمة الأرز المُعاد تسخينه»؟

للحد من خطر الإصابة بهذه المتلازمة، يُنصح باتباع الإرشادات التالية:

- تجنّب ترك الأرز المطبوخ في درجة حرارة الغرفة لأكثر من ساعتين، أو ساعة واحدة فقط إذا تجاوزت درجة الحرارة الخارجية 32 درجة مئوية (90 فهرنهايت).

- احرص على حفظ الأطعمة الباردة في درجة حرارة تقل عن 4 درجات مئوية (40 فهرنهايت).

- حافظ على الأطعمة الساخنة عند درجة حرارة أعلى من 60 درجة مئوية (140 فهرنهايت).

- ضع الأرز في الثلاجة خلال ساعة إلى ساعتين من طهيه.

- تخلّص من بقايا الأرز إذا لم تكن متأكداً من مدة بقائه خارج التبريد.

- انقل الأرز بعد طهيه إلى أوعية ضحلة (مسطّحة) لتسريع عملية تبريده.


لمرضى السكري... البطيخ ليس ممنوعاً لكن بشروط

تناول البطيخ يمكن أن يكون جزءاً من نظام غذائي متوازن لمرضى السكري (بيكسلز)
تناول البطيخ يمكن أن يكون جزءاً من نظام غذائي متوازن لمرضى السكري (بيكسلز)
TT

لمرضى السكري... البطيخ ليس ممنوعاً لكن بشروط

تناول البطيخ يمكن أن يكون جزءاً من نظام غذائي متوازن لمرضى السكري (بيكسلز)
تناول البطيخ يمكن أن يكون جزءاً من نظام غذائي متوازن لمرضى السكري (بيكسلز)

يُعد البطيخ من الفواكه الصيفية المنعشة التي يقبل عليها كثيرون، لكن مرضى السكري غالباً ما يتساءلون عن مدى أمان تناوله وتأثيره على مستويات السكر في الدم. وعلى الرغم من طعمه الحلو، تشير معطيات غذائية إلى أن تناول البطيخ يمكن أن يكون جزءاً من نظام غذائي متوازن لمرضى السكري، شرط الاعتدال في الكمية.

هل يمكن لمرضى السكري تناول البطيخ؟

يحتوي كوب واحد من البطيخ على نحو 11.5 غرام من الكربوهيدرات، وهي كمية يمكن التحكم بها ضمن الحصة اليومية المسموح بها لمرضى السكري. ويتميّز البطيخ أيضاً بارتفاع محتواه من الماء، مما يجعله خفيفاً على الجهاز الهضمي وسهل الامتصاص.

ما أنسب وقت لتناول البطيخ لمرضى السكري؟

يُفضَّل تناول البطيخ خلال النهار أو بين الوجبات بدلاً من تناوله على معدة فارغة أو قبل النوم مباشرة، إذ يساعد ذلك على تقليل الارتفاع السريع في مستوى السكر في الدم.

كما يُنصح بتناوله بعد وجبة متوازنة تحتوي على بروتين أو دهون صحية، مما يبطئ امتصاص السكر. ويمكن أيضاً أن يكون خياراً مناسباً بعد النشاط البدني، حيث يستفيد الجسم من السكريات بشكل أفضل.

يحتوي كوب واحد من البطيخ على نحو 11.5 غرام من الكربوهيدرات (بيكسلز)

فوائد البطيخ لمرضى السكري

1. يساعد في الترطيب:

بفضل احتوائه على نسبة عالية من الماء، يساهم البطيخ في الحفاظ على ترطيب الجسم، وهو أمر مهم خصوصاً عند انخفاض مستويات السكر في الدم.

2. سهل الهضم:

يُعد البطيخ من الفواكه الخفيفة التي لا تُثقل المعدة، مما يجعله خياراً مناسباً كوجبة خفيفة.

3. منخفض السعرات نسبياً:

رغم مذاقه الحلو، فإن البطيخ لا يحتوي على سعرات حرارية مرتفعة مقارنة ببعض الفواكه الأخرى.

ما المخاطر المحتملة؟

رغم فوائده، يجب الانتباه إلى أن البطيخ قد يرفع مستوى السكر في الدم بسرعة نسبية إذا تم تناوله بكميات كبيرة، نظراً لمؤشره الغلايسيمي المرتفع. لذلك، فإن الإفراط في تناوله قد يؤدي إلى تقلبات غير مرغوبة في مستويات السكر.

نصائح لتناول البطيخ بأمان:

- الالتزام بحصة معتدلة (مثل كوب واحد).

- تناوله ضمن وجبة متوازنة تحتوي على بروتين أو دهون صحية لتقليل تأثيره على السكر.

- مراقبة مستويات السكر في الدم بعد تناوله.

- استشارة الطبيب أو اختصاصي التغذية عند الشك.

بالخلاصة، يمكن لمرضى السكري الاستمتاع بالبطيخ من دون قلق، ما دام تناوله يتم باعتدال وضمن نظام غذائي مدروس. فاختيار الكمية المناسبة وتوقيت أكل البطيخ يلعبان دوراً أساسياً في الاستفادة من فوائده دون التأثير سلباً على مستويات السكر في الدم.