الأمم المتحدة: مشوار 70 سنة مع «فن الممكن»

ولدت من ركام الحرب العالمية الثانية وإخفاقات «عصبة الأمم

الأمم المتحدة: مشوار 70 سنة مع «فن الممكن»
TT

الأمم المتحدة: مشوار 70 سنة مع «فن الممكن»

الأمم المتحدة: مشوار 70 سنة مع «فن الممكن»

تحتفل منظمة الأمم المتحدة هذه الأيام بالذكرى السنوية السبعين لتأسيسها. ومع أن الآراء تختلف في تقييم مدى نجاح المنظمة في تحقيق الأهداف التي وضعتها نصب عينيها عند تأسيسها، فثمة من يشير إلى أن المنظمة في نهاية المطاف مؤسسة تعبّر عن ميزان القوى بين الدول الأعضاء المؤثرة، ثم إن اهتماماتها لا تقتصر على الجانب السياسي فحسب، بل تضم وكالات متخصّصة في شتى المجالات، معظمها يعمل بصمت. ووفق وثائق الأمم المتحدة هناك تشديد على أنها «ليست حكومة عالمية» ولا هيئة تشريعية تضع قوانين، ولكنها مؤسسة توفّر سبل المساعدة على حل النزاعات الدولية وصوغ السياسات المتعلقة بالمسائل التي تمس العالم أجمع. وفي ما يلي لمحة تاريخية عن بعض أهم المحطات في مسيرة المنظمة.
أسست منظمة الأمم المتحدة عام 1945 بعدما وضعت الحرب العالمية أوزارها وانتهت بانتصار «الحلفاء» بقيادة الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وبريطانيا وفرنسا على «المحور» بقيادة ألمانيا واليابان وإيطاليا. وهي تضم في عضويتها اليوم 193 دولة. ووفق مبادئ المنظمة فإنها تسترشد في مهمتها وعملها بالأهداف والمقاصد الواردة في ميثاق تأسيسها.
* التأسيس والهيكل
شارك في تأسيس الأمم المتحدة يوم 24 أكتوبر (تشرين الأول) 1945، 51 بلدًا ملتزمًا بحفظ السلام عن طريق التعاون الدولي والأمن الجماعي. ومن الناحية القانونية، فعندما تحصل دولة ما على عضوية المنظمة فإنها توافق عمليًا ورسميًا على القبول بالالتزامات المنصوص عليها في ميثاق المنظمة، وهو معاهدة دولية تحدد المبادئ الأساسية للعلاقات الدولية. وللأمم المتحدة - وفقًا للميثاق - أربعة أهداف هي: صون السلم والأمن الدوليين، وتنمية العلاقات الودية بين الدول، وتحقيق التعاون على حل المشكلات الدولية وتعزيز احترام حقوق الإنسان، وجعل هذه الهيئة مركزًا لتنسيق أعمال الدول.
* بدايات العمل الدولي المنظم
بدأ العمل الدولي المؤسساتي المنظم مع تأسيس «عصبة الأمم» عام 1920 عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، بهدف حفظ السلام العالمي بناء على فكرة «الأمن المشترك». غير أن «العصبة» فشلت في مهمتها الرئيسة مع اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939. وكانت تلك الحرب قد تفجرت في أعقاب غزو ألمانيا النازية أراضي جارتها بولندا.
وفي عام 1941 وقّع رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل والرئيس الأميركي فرانكلن روزفلت على ميثاق الأطلسي الداعي إلى «منظومة دائمة وأوسع للأمن العام». والتقى قادة «الحلفاء» قبل إنجاز الانتصار في الحرب العالمية الثانية بفترة طويلة، على فكرة إنشاء منظمة دولية مختصة بحفظ السلام والأمن. وكان «ميثاق الأطلسي».
وفي العام التالي، 1942، استخدم لأول مرة مصطلح «الأمم المتحدة» الذي ابتكره الرئيس روزفلت. وبعد أقل من شهر على الهجوم الذي شنته اليابان على قاعدة بيرل هاربر (في جزر هاواي) الذي جعل الولايات المتحدة تدخل الحرب العالمية الثانية، وقعت الدول الست والعشرون المحاربة لألمانيا واليابان وإيطاليا «إعلان الأمم المتحدة» الذي توسّع في مبادئ الأمن العام المقررة في «ميثاق الأطلسي».
ثم عام 1944، أنشئ كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وأبرم خبراء السياسة والاقتصاد في اجتماع لهم في منتجع بريتون وودز بولاية نيوهمبشاير الأميركية اتفاقات إنشاء المؤسستين الماليتين ووضعوا هيكل النظام المالي لفترة ما بعد الحرب. وفي العام نفسه، أي عام 1944 عقد مؤتمر دومبارتون أوكس، في العاصمة الأميركية واشنطن ليضع قاعدة «الأمم المتحدة» المقبلة. ودعا الرئيس روزفلت كلاً من الاتحاد السوفياتي والصين بريطانيا (ولاحقًا فرنسا) بجانب الولايات المتحدة لوضع أول مخطط حقيقي لأمم متحدة عاملة. وإنشاء مجلس أمن من عشرة أعضاء متغيّرين وخمسة أعضاء دائمين يتمتعون بحق النقض «الفيتو»، يعهد إليه مسؤولية المهام الخاصة بحفظ السلام والسماح له باستخدام أي وسائل ضرورية لوقف أي اعتداء.
وفي عام 1945 عقد مؤتمر يالطا، في شبه جزيرة القرم (بجنوب الاتحاد السوفياتي) وفيه بحث موضوع حق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن. كذلك جرى منح الصين وفرنسا مقعدين دائمين في المجلس وأصبح من حق الأعضاء الخمسة الدائمين استخدام «الفيتو» ضد أي شيء غير المسائل الإجرائية، لكنها يمكن أن تمتنع عن التصويت على الأمور السلمية التي تهمهم. وبعد حصوله على موافقة الاتحاد السوفياتي، وافق روزفلت حينها على منح السوفيات ثلاثة أصوات في الجمعية العامة للأمم المتحدة: واحد للاتحاد السوفياتي نفسه والآخر لجمهوريتي أوكرانيا وروسيا البيضاء السوفياتيتين.
* ولادة الأمم المتحدة
توقيع ميثاق الأمم المتحدة جرى عام 1945 في مؤتمر سان فرانسيسكو، ولكن رغم البت في معظم القضايا الحاسمة في التمهيد لهذا المؤتمر، استغرق الأمر شهرين لصياغة مسودة الميثاق. وفي النهاية وقّعت وفود 50 دولة على ميثاق الأمم المتحدة يوم 26 يونيو (حزيران).
ويوم 24 أكتوبر 1945 أبصرت المنظمة الدولية النور رسميًا مع إقرار الميثاق في أعقاب مصادقة الدول العظمى الخمسة الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وبريطانيا والصين (قبل انتصار الشيوعيين) وفرنسا وأغلبية الحضور الآخرين في المؤتمر. وكانت الولايات المتحدة أول دولة تصادق على الوثيقة يوم 8 أغسطس (آب). وما يذكر في هذا المجال، أنه بنهاية الحرب في ذلك بلغ عدد القتلى 61 مليون قتيل في أوروبا وآسيا وشمال أفريقيا.
وفي العام التالي، 1946، التقى الجمعية العامة ومجلس الأمن لأول مرة في العاصمة البريطانية لندن. وتبنت الجمعية العامة أول قراراتها يوم 24 يناير (كانون الثاني) 1946، وركز القرار على الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية وإزالة الأسلحة الذرية وأسلحة الدمار الشامل الأخرى.
* وجرى انتخاب النرويجي تريغفي لي أول أمين عام للأمم المتحدة.
وعلى صعيد آخر، في عام 1946 أيضًا، أصبحت نيويورك مقرًا للمنظمة بعد عام على مهمتها في لندن ما بعد الحرب، وتقرر الانتقال يوم 14 ديسمبر (كانون الأول)، وذلك بعد تبرع الثري الكبير جون روكفلر بمبلغ 8.5 ملايين دولار لشراء موقع المسالخ السابقة الكائن في الحي الشرقي لنيويورك. وتم انتقال الأمم المتحدة رسميًا إلى مقرها الجديد في مدينة نيويورك عام 1952.
سنوات الحرب الباردة (1946 – 1960)
بدأت المنظمة الدولية مسيرتها مع استخدام الاتحاد السوفياتي «الفيتو» لأول مرة في مجلس الأمن. ففي 16 فبراير (شباط) 1946 اعترض المندوب السوفياتي أندريه فيشينسكي على قرار يدعو إلى انسحاب القوات البريطانية والفرنسية من سوريا لأنه اعتبر لغة القرار هزيلة جدًا.
* فلسطين أطول الأزمات «عمرًا»
كانت إيران السبب في أولى أزمات «الحرب الباردة» في الأمم المتحدة، إذ احتلت القوات البريطانية والسوفياتية إيران منذ عام 1941 لحماية مخزونات النفط من خطر الوقوع في أيدي ألمانيا النازية. ولقد رفض السوفيات لاحقًا سحب قواتهم فعرضت القضية أمام مجلس الأمن في مارس (آذار) 1946.
وكانت الأزمة الثانية والأطول عمرًا حتى الآن أزمة فلسطين. فعام 1947 أقرت الجمعية العامة تقسيم فلسطين إلى دولة عربية مستقلة وأخرى يهودية وجعل القدس مدينة دولية. وسلّمت بريطانيا انتدابها على فلسطين من قبل «عصبة الأمم» إلى الأمم المتحدة، وأعلنت دولة إسرائيل عام 1948 ومع إعلان الدولة العبرية اندلعت أولى الحروب العربية – الإسرائيلية. وجرى إنشاء «هيئة مراقبة الهدنة» عام 1948 لمراقبة السلام في فلسطين. وصدور القرار 194 الذي يقرر إنشاء هيئة التشغيل والإغاثة التابعة للأمم المتحدة الـ«أونروا» من أجل اللاجئين الفلسطينيين.
* الحرب الكورية وحرب السويس
الأزمة الثانية كانت الحرب الكورية، وفي عام 1950، في غياب الاتحاد السوفياتي، صوت مجلس الأمن بضغط أميركي على دعم أعضاء المنظمة الدولية كوريا الجنوبية ضد كوريا الشمالية. وانتهت تلك الحرب عام 1953 بمقتل الملايين وتقسيم شبه الجزيرة الكورية بين شيوعيي الشمال ورأسماليي الجنوب. وفي عام 1953 انتخب السويدي داغ همرشولد أمينًا عامًا جديدًا للمنظمة خلفًا لتريغفي لي، وقدّر له أن يقتل في حادث طائرة في الكونغو أثناء مهمة وساطة لحل أزمة الكونغو الدامية عام 1961، وعلى الأثر خلفه يو ثانت من بورما (ميانمار).
الأزمة التالية الكبرى كانت أزمة السويس عام 1956، التي شهدت «العدوان الثلاثي» الذي شنته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر في أعقاب تأميم الرئيس جمال عبد الناصر قناة السويس ودعمه الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي.
* أزمتا الكونغو وقبرص ونكسة 1967
وفي مطلع عقد الستينات من القرن الماضي تفجّرت الأزمة في الكونغو، وأرسلت قوات حفظ السلام إلى ذلك البلد الأفريقي. وكانت عمليات الأمم المتحدة في الكونغو قد بدأت في يوليو (تموز) 1960 لضمان انسحاب القوة الاستعمارية السابقة بلجيكا، ولحفظ القانون والنظام.
وخلال عقد الستينات أيضًا فرضت أزمة قبرص نفسها على الأمم المتحدة، وعام 1964 تقرر إرسال قوات حفظ سلام إلى الجزيرة لمنع القتال بين سكانها الأتراك واليونانيين، ورغم انتهاء العداوات الواضحة عام 1974 ظلت البعثة هناك للإشراف على وقف إطلاق النار والإبقاء على منطقة عازلة وتقديم المساعدات الإنسانية. وتعتبر هذه العملية من أطول عمليات السلام للأمم المتحدة. وعام 1966 فرض مجلس الأمن يفرض عقوبات إلزامية ضد روديسيا (زيمبابوي حاليًا) احتجاجًا على حكومة الأقلية العنصرية البيضاء فيها برئاسة إيان سميث.
ولكن، مجددًا، عاد الشرق الأوسط إلى صدارة الأحداث مع اندلاع حرب يونيو عام 1967، التي شهدت شن إسرائيل حربًا خاطفة على مصر والدول العربية. ومجلس الأمن يوافق على القرار 242 كإطار للسلام في المنطقة، على أساس انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي استولت عليها في مقابل الاعتراف بدولة إسرائيل. غير أن القرار مرّ عليه 33 عامًا دون أن التزام إسرائيلي.
* الصين الشعبية تأخذ مكان تايوان
كان الحدث الأبرز عام 1971 تصويت الجمعية العام للأمم المتحدة على الاعتراف بالنظام الشيوعي لجمهورية الصين الشعبية، بعدما ظلت الولايات المتحدة تصر على إبقائها خارج مظلة الأمم المتحدة لمدة 22 سنة، ما عرف بحكومة «الصيت الوطنية» برئاسة تشيانغ كاي شيك المنفية في جزيرة تايوان. وخلال السبعينات انتخب النمساوي كورت فالدهايم أمينًا عامًا للأمم المتحدة. وعقد أول مؤتمر للأمم المتحدة حول البيئة في السويد وتمخض عنه إنشاء برنامج الأمم المتحدة للبيئة. واعترفت الجمعية العامة (1974) بمنظمة التحرير الفلسطينية «الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. وفي العام التالي أقرت الجمعية إعلان الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية. وبعد اتخاذ مجلس الأمن عام 1977 قرارًا بحظر أسلحة إلزامي ضد جنوب أفريقيا بسبب سياسة الاضطهاد العنصري (إلحاقًا للحظر الطوعي الذي أقر عام 1963)، أقرت الجمعية العامة عام 1979 معاهدة حول محو كل أشكال التمييز ضد المرأة.
* عقد الثمانيات
كانت أبرز محطات الثمانينات الحرب الإيرانية – العراقية الأولى (من 1980 إلى 1988)، وفي مطلع 1982 انتخب خافيير بيريز دي كويلار (من البيرو) أمينًا عامًا للأمم المتحدة عام 1982، وخلال عامين انسحبت (مؤقتًا) الولايات المتحدة وبريطانيا من منظمة اليونيسكو احتجاجًا على ما اعتبرته قيادتاهما اليمينيتان (رونالد ريغان ومارغريت ثاتشر) الموازنات الضخمة والاتهام بتحيز المنظمة ضد الغرب. وفي عام 1988 قررت الأمم المتحدة إرسال لحفظ السلام لمراقبة وقف إطلاق النار بين العراق وإيران لوقف أطول حرب كلاسيكية في القرن العشرين.
* حرب الخليج الثانية.. والحروب اليوغوسلافية
عام 1991 شهد الشرق الأوسط والعالم «حرب الخليج الثانية» بقصف الولايات المتحدة لبغداد بتفويض من الأمم المتحدة. وكان الرئيس العراقي صدام حسين قد غزا الكويت في أغسطس 1990. وأصدر مجلس الأمن على الفور وبإجماع تام إدانة للعدوان في اجتماع طارئ، وعقب ذلك 11 قرارًا تجعل إنهاء الغزو العراقي جهدًا دوليًا. واستخدمت الولايات المتحدة القوة بتفويض من الأمم المتحدة وانسحبت قوات صدام ولكنه ظل في الحكم.
وعام 1991 أيضًا وقع اتفاق سلام في أنغولا بين الحكومة اليسارية ومتمردي حركة يونيتا اليمينيين، لكن المعارك. ومن ثم شككت يونيتا (المدعومة من نظام جنوب أفريقيا العنصري) في نتائج الانتخابات التي أعلنت الأمم المتحدة أنها حرة ونزيهة وانتصر فيها حزب الحركة الشعبية اليساري الحاكم، واستؤنف القتال.
وفي العام ذاته بدأت حرب تفكك يوغوسلافيا. وكذلك، بضغط أميركي، ألغت الجمعية العامة قرارها السابق بإلغاء مساواة الصهيونية بالعنصرية. كذلك بدأ التفاوض لتسوية الأزمة في السلفادور ووقعت الحكومة السلفادورية والثوار اتفاق سلام في مقر الأمم المتحدة عند منتصف ليلة رأس السنة الميلادية لعام 1991 بإنهاء الحرب الأهلية التي دمرت البلاد خلال عقد الثمانينات.
وفي عام 1992 أصبح المصري الدكتور بطرس بطرس غالي أول أمين عام للمنظمة من بلد عربي. وفي ذلك العام أنشئت قوة الحماية التابعة للأمم المتحدة في ما عرف بعد ذلك بيوغوسلافيا السابقة. وجرى تشكيل قوة الحماية لحراسة تسليم المساعدات الإنسانية إلى المدنيين المحصورين في مناطق القتال بالبوسنة وكرواتيا ولإقامة مناطق آمنة منزوعة السلاح. وعلى الصعيد البيئي عقدت «قمة الأرض» في ريو دي جانيرو بالبرازيل بحضور قادة أكثر من 100 دولة.
بعد ذلك عام 1993 استقلت إريتريا عن إثيوبيا في استفتاء تحت إشراف الأمم المتحدة. ومن ثم اندلعت الحرب بين إثيوبيا وإريتريا عام 1998 بسبب نزاع حدودي وبعد سنتين من القتال تدخلت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة لمراقبة وقف إطلاق النار بين البلدين. وفي العام نفسه أشرفت الأمم المتحدة على الانتخابات التي عقدت في كمبوديا. وتفاقمت الأزمة الصومالية مع مقتل 18 جنديًا أميركيًا. وكانت بدأت بعثة الأمم المتحدة كمحاولة لتأمين تسليم المساعدات الإنسانية، ولكن سرعان ما اتسعت لتشمل إعادة النظام إلى البلد الذي كان يعيش حالة من الفوضى.
* مذابح رواندا
وشهد عام 1994 مجازر راح ضحيتها نحو 800 ألف شخص من قبائل التوتسي في رواندا خلال 100 يوم. ولقد أدان مجلس الأمن المجازر ومن ثم، أنشأ المجلس محكمة للجناة. وفي أفريقيا أيضًا أجريت تحت إشراف المنظمة انتخابات في جنوب أفريقيا وأعيد ضمها إلى الأمم المتحدة (بعد 24 سنة من الغياب) وانتخب نيلسون مانديلا رئيسًا لها. وراقبت المنظمة أول انتخابات متعددة الأحزاب في موزمبيق، ورعت اتفاق سلام أنهى حربًا أهلية دامت 15 سنة وإجراء انتخابات حرة في البلاد. وفي العام التالي، 1995، أنشئت أول حكمة لجرائم الحرب في يوغوسلافيا السابقة، غير أن الذكرى السنوية الخمسين لتأسيس المنظمة شوهه تقصيرها الفظيع في حماية أكثر من 20 ألف مسلم من القتل في المنطقة الآمنة التابعة للأمم المتحدة بمدينة سربرينتشا البوسنية. وأصدر الأمين العام للأمم المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) 1999 تقريرًا رسميًا عن سقوط سربرينتشا التي تلقت ضربة قوية ونظرة ناقدة لإخفاقات الأمم المتحدة في العملية. بعدها تولى حلف شمال الأطلسي «ناتو» عمليات حفظ السلام في البوسنة.
* فصل عراقي جديد
تولى كوفي أنان (من غانا) عام 1997 منصب الأمين العام، وباشر وضع خطة إصلاح للأمم المتحدة بمجرد توليه منصبه. وفي العام التالي عاد العراق إلى هموم المنظمة مع انسحاب مفتشي الأسلحة من العراق بعد اتهام العراق لهم بالتجسس لصالح الولايات المتحدة واعتراف أعضاء في فريق التفتيش بهذه التهمة. وصادق أنان على قصف «ناتو» ليوغوسلافيا. ثم عام 1999 أنشئت بعثة الأمم المتحدة للإدارة المؤقتة في إقليم كوسوفو لتدبير الأمور في الإقليم اليوغوسلافي السابق. كذلك صوت إقليم تيمور الشرقية بأغلبية كبيرة من أجل الاستقلال عن إندونيسيا، وفي أكتوبر من ذلك العام باشرت الإدارة الانتقالية التابعة للأمم المتحدة مسؤوليتها رسميًا في تيمور الشرقية وتهيئة البلد للاستقلال. وفي أفريقيا، وقعت الكونغو (الديمقراطية) وخمس دول أفريقية أخرى على «اتفاق لوساكا» للسلام، وبعدها أقر مجلس الأمن قوة مراقبة قوامها 5500 فرد، لكن القتال استمر، واغتيل الرئيس الكونغولي لوران كابيلا برصاص حارسه الشخصي وتولى ابنه جوزيف السلطة. وحول مجازر رواندا حمّل المحققون المستقلون مجلس الأمن والولايات المتحدة وفرنسا وبلجيكا مسؤولية الإخفاق في إيقاف الإبادة الجماعية.
* الألفية الثالثة
عام 2001 فرض مجلس الأمن «عقوبات ذكية» على ليبيريا لاتهامها بإيقاد نار الحرب الأهلية في سيراليون بتشجيع تجارة الأسلحة المحظورة مقابل الألماس. وعقد مؤتمر ضد التمييز العنصري في دوربان بجنوب أفريقيا. لكن الحدث الأبرز ذلك العام كانت اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول) في نيويورك وواشنطن، التي وضعت محاربة الإرهاب في رأس جدول الأعمال الدولي، التي أدت إلى مهاجمة أفغانستان ثم احتلال العراق وإسقاط حكم الرئيس صدام حسين.
وفي العام التالي وقع اتفاق سلام في أنغولا عقب وفاة جوناس سافيمبي، زعيم حزب يونيتا اليميني، منهيا بذلك حربًا أهلية طالت 27 سنة. كذلك أصبحت تيمور الشرقية عضو الأمم المتحدة الـ191، وذلك يوم 27 سبتمبر بعد أربعة أشهر من استقلالها رسميًا عن إندونيسيا. وعاد مفتشو الأمم المتحدة إلى العراق، وجرى رفع العقوبات المفروضة على العراق منذ بدء حرب الخليج الثانية، يجب أن يتخلص العراق من كل أسلحة الدمار الشامل التي لديه والخضوع للمراقبة، وبمجرد الانتهاء من هذا الأمر يمكن للعراق أن يبدأ في بيع نفطه.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.