النيجر: «إيكواس» تؤجل تنفيذ تهديدها وأصوات وازنة تدعو إلى حل سياسي

الانقلابيون يعبئون المدنيين ومالي وبوركينا فاسو لجبهة مشتركة مع نيامي

سيارات محروقة أمام المقر الرئيسي لـ«حزب الديمقراطية والاشتراكية» الذي يتزعمه الرئيس المخلوع في نيامي الاثنين (أ.ف.ب)
سيارات محروقة أمام المقر الرئيسي لـ«حزب الديمقراطية والاشتراكية» الذي يتزعمه الرئيس المخلوع في نيامي الاثنين (أ.ف.ب)
TT

النيجر: «إيكواس» تؤجل تنفيذ تهديدها وأصوات وازنة تدعو إلى حل سياسي

سيارات محروقة أمام المقر الرئيسي لـ«حزب الديمقراطية والاشتراكية» الذي يتزعمه الرئيس المخلوع في نيامي الاثنين (أ.ف.ب)
سيارات محروقة أمام المقر الرئيسي لـ«حزب الديمقراطية والاشتراكية» الذي يتزعمه الرئيس المخلوع في نيامي الاثنين (أ.ف.ب)

لم تعمد المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا (إيكواس) إلى تنفيذ التهديد العسكري الفوري الذي أشهرته بوجه الانقلابيين في النيجر في حال تمنعهم عن إطلاق سراح الرئيس المخلوع محمد بازوم المحتجز منذ 26 الشهر الماضي، أي منذ يوم الانقلاب العسكري في أحد أجنحة القصر الرئاسي في العاصمة نيامي، وهو ما كان متوقعاً.

ووعدت مصادر في «إيكواس» صباح الاثنين بإصدار بيان تحدد فيه الخطوات اللاحقة لإرغام الانقلابيين على التراجع، بينما أبدت أربع دول من غرب أفريقيا (نيجيريا، السنغال، بنين وساحل العاج) استعدادها لإرسال قوات للمشاركة في العملية العسكرية التي خطط لها رؤساء أركان جيوش 11 دولة (أعضاء في (إيكواس)) خلال اجتماعات دامت يومين في العاصمة النيجيرية.

وغاب عن تلك الاجتماعات الممثلون العسكريون للنيجر ومالي وبوركينا فاسو وغينيا التي تشكل، إلى حد ما، «جبهة الانقلابيين» بمواجهة جبهة «إيكواس».

حركة عادية في نيامي الاثنين (أ.ف.ب)

ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن مسؤول في إحدى الدول الأربع، أن التجمع الأفريقي «يحتاج إلى وقت» من أجل التحضير للتدخل العسكري.

وتحيط بالنيجر 7 دول بينها ثلاث ترفض التدخل العسكري أو المشاركة فيه وهي الجزائر وليبيا وتشاد، واثنتان (مالي وبوركينا فاسو) اصطفتا إلى جانب النيجر. ومن بين الدول الأربع المستعدة للمشاركة في التدخل العسكري، ليس من بينها سوى اثنتين لهما حدود مع النيجر وهما نيجيريا وبنين، بينما السنغال وساحل العاج بعيدتان جغرافياً عن النيجر، وبالتالي يتعين نقل وحداتهما إما إلى نيجيريا أو إلى بنين. وفي أي حال، تبدو بنين متأرجحة بين الدعوة لحل سلمي، وبين السير بقرارات «إيكواس».

وبانتظار أن تكشف «إيكواس» عن خططها القادمة، بمناسبة الاجتماع المنتظر عقده يوم الخميس المقبل في أبوجا، وفق أحد المتحدثين باسمها، فإن مزيداً من الأصوات أخذت تدعو لتغليب الحل السياسي - الدبلوماسي على الخيار العسكري؛ لما للأخير من تبعات سلبية على استقرار منطقة الساحل وغرب أفريقيا كلها، ومن إضعاف لجهود محاربة التنظيمات المتطرفة والإرهابية، ناهيك عن الخسائر في الأرواح، خصوصاً في النيجر الذي يعد أحد أفقر بلدان العالم.

وفي هذا السياق، كان لافتاً تأكيد وزير خارجية إيطاليا أنطونيو تاياني، في حديث لصحيفة «لا ستامبا» نُشر صباح الاثنين أن «الطريقة الوحيدة للخروج من الأزمة هي الدبلوماسية». ودعا المسؤول الإيطالي إلى «تمديد المهلة الزمنية» التي أعطتها «إيكواس» للانقلابيين للتراجع عن انقلابهم، وقد انتهت ليل الأحد - الاثنين. وسبق له أن أكد في حديث لقناة «راي نيوز 24» الإخبارية في الرابع من الشهر الحالي أن «الدبلوماسية هي السبيل الوحيدة للحل»، وأنه «من الضروري استبعاد أي تدخل غربي عسكري؛ لأن ذلك سيعد عودة إلى عهد الاستعمار».

كذلك، فإن ألمانيا التي لديها، مثل إيطاليا وفرنسا والولايات المتحدة، وحدات عسكرية في النيجر، أعربت عن تحفظاتها إزاء أي عمل عسكري. وقالت الناطقة باسم خارجيتها إن الحل «يمر عبر فرض عقوبات (على الانقلابيين)، وهي مطروحة على الطاولة».

متظاهرون يرفعون أعلاماً روسية في نيامي الأحد (أ.ف.ب)

وسبق للجزائر أن أعربت عن معارضتها الشديدة وكذلك فعلت ليبيا. وأكد المتحدث باسم القيادة العامة للجيش الليبي اللواء أحمد المسماري أن «ما يحدث في النيجر شأن داخلي»، مضيفاً أن الحرب هناك «لا تخدم المنطقة على الإطلاق. المنطقة متوترة وشعوبها تعاني من الكثير من الأمور، وبالتالي الحرب لا نعتقد أنها الخيار الأول، بل الخيار السياسي والمفاوضات هما الخيار الأول».

ومن بين الدول الكبرى، تعارض الصين العمل العسكري، وجاء في بيان لخارجيتها أن «النيجر ودول المنطقة تتحلى بالحكمة والقدرة لإيجاد حل سياسي للوضع الحالي». وتعد الصين الشريك التجاري والاقتصادي الأول للنيجر.

وأصبح اليوم واضحاً أن نيجيريا تعد الطرف الأكثر نزوعاً نحو الحل العسكري. بيد أن رئيسها بولا أحمد تينوبو أصيب أول من أمس بنكسة سياسية في مجلس الشيوخ الذي رفض طلبه إعطاء الضوء الأخضر للتدخل العسكري.

فضلاً على ذلك، فإن 7 ولايات نيجيرية محاذية للحدود مع النيجر ترفض بدورها الحرب لما لها من انعكاسات على علاقات المدنيين من على جانبي الحدود، حيث تربطهم علاقات إنسانية وثقافية وتجارية.

حركة عادية في نيامي الاثنين (أ.ف.ب)

وحضّ سياسيون كبار، وفي مقدمتهم المعارضة، الرئيس تينوبو على إعادة النظر في التهديد بالتدخل عسكرياً. لكن الدستور النيجيري ينص على إمكانية تخطي معارضة مجلس الشيوخ في حال وجود «تهديد للأمن الوطني»؛ ما يترك الباب مفتوحاً لـ تينوبو.

بيد أن هذه التحفظات لا تعني أبداً التخلي عن العمل العسكري؛ لأن تراجع «إيكواس» عن تنفيذ تهديدها سيفقدها أية مصداقية للمستقبل. وليس من المستبعد أن دعاته ربما راهنوا على تراجع الانقلابيين؛ إلا أن هؤلاء رفضوا الخضوع للتهديد وبعكس ذلك، دأبوا على تأليب المدنيين لدعم الانقلاب ما برز من خلال التجمع الكبير في أحد ملاعب العاصمة، وعبر إنشاء لجان حراسة من المدنيين وإغلاق المجال الجوي حتى إشعار آخر من أجل «مواجهة التهديد بالتدخل الذي بدأت تتّضح معالمه انطلاقاً من استعدادات البلدان المجاورة».

واتهم الانقلابيون «دولتين في وسط أفريقيا» تتحضران لغزو البلاد.

وأدى الإجراء الأخير إلى إحداث بلبلة في تنظيم رحلات شركات الطيران الغربية إلى المنطقة.

ومن المؤشرات المقلقة طلب الصين من رعاياها مغادرة البلاد، وتشديد باريس على ضرورة تجنب الذهاب إلى النيجر، والتزام الحذر للذين ما زالوا في هذا البلد.

وقالت إيطاليا الأحد إنها خفضت عدد قواتها في النيجر لإفساح مكان في قاعدتها العسكرية للمدنيين الإيطاليين الذين قد يحتاجون إلى الحماية إذا تدهور الوضع الأمني.

وأفادت شركات طيران أوروبية، الاثنين، بحدوث اضطرابات وتعليق رحلات في أنحاء قارة أفريقيا، وذلك بعدما أغلق المجلس العسكري في النيجر المجال الجوي الأحد.

وفي إطار جبهة بمواجهة «إيكواس»، أعلن الجيش المالي الاثنين أن باماكو وواغادوغو بصدد إرسال وفد رسمي مشترك إلى نيامي «تضامناً» مع النيجر في ظل تلويح دول في غرب أفريقيا بتدخل عسكري لمواجهة الانقلاب على الرئيس محمد بازوم.

أكشاك على جانب أحد شوارع نيامي الاثنين (أ.ف.ب)

سيناريوهات التدخل العسكري

ونشرت وكالة «رويترز»، مستندة إلى آراء وتحليلات اختصاصيين، تقريراً مفصلاً حول سيناريوهات التدخل العسكري المحتمل لـ«إيكواس»، فرصدت ثلاثة منها. وجاء في مقدمتها قيام جيوش من المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا بـ«غزو أرضي» للنيجر، ما يستدعي مرحلة طويلة من التحضير لتجميع القوى العسكرية. بيد أن خياراً كهذا سيكون محفوفاً بالمخاطر، منها قيام حرب طويلة، وضرب الاستقرار في منطقة الساحل كلها، وإحداث انقسامات خطيرة. وأشار التقرير إلى أن الجنرال عبد الرحمن تياني سبق له أن قاد قوة «إيكواس» لحفظ السلام في ساحل العاج، وبالتالي فإنه يعرف عمل المنظمة من الداخل، وبالتالي كيفية التعاطي معها.

أما الخيار الثاني فيتمثل في عملية كوماندوس ما يستدعي تحضير قوة أرضية صغيرة. وسيكون هدف العملية الإفراج عن الرئيس بازوم، والسيطرة على مواقع السلطة الرئيسية خصوصاً في العاصمة نيامي. وبإمكان القوة الحصول على دعم استخباري من القوات الفرنسية والأميركية المرابطة في النيجر.

وينصب الخيار الثالث على الاستفادة من الانقسامات التي برز بعضها داخل صفوف القوات النيجرية المسلحة التي ليس من المؤكد وقوفها صفاً واحداً وراء الانقلابيين، والدفع باتجاه انقلاب على الانقلابيين.

بيد أن هناك سيناريو غير عسكري وعنوانه الاستمرار في العقوبات المشددة التي فرضت على النيجر من قبل المجموعة الاقتصادية الأفريقية ومن جانب الدول الغربية، وهي الأقسى من الذي عرفته مالي وبوركينا فاسو اللتين عبرتا إلى حكم عسكري عبر الانقلابات.

وفي الوقت عينه، ثمة إمكانية، مقابل الامتناع عن التدخل العسكري، مطالبة الانقلابيين بالعودة إلى الحكم المدني عبر انتخابات جديدة. ويبدو أنهم قبلوا مناقشة طرح كهذا، إلا أنهم امتنعوا عن تقديم أجندة واضحة.

وسبق لـ«إيكواس» أن اعتمدت هذا المخرج مع باماكو وواغادوغو حتى اليوم، وما زال العسكر في السلطة، والعودة إلى الحكم المدني في الثلاجة.


مقالات ذات صلة

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر (أ.ف.ب)

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أعلنت النيجر، الأحد، طرح اليورانيوم الذي تنتجه شركة «سومير» التابعة لشركة «أورانا» الفرنسية العملاقة قبل تأميمها في يونيو (حزيران)، للبيع في السوق الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب) p-circle

تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

تاريخ أفريقيا حافل بها... فيما يلي الانقلابات العسكرية الناجحة في السنوات العشر الأخيرة في القارة السمراء وآخرها انقلاب غينيا بيساو يوم الأربعاء 26 نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا سفير النيجر بالجزائر يسلم أوراق اعتماده للرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

استئناف الحوار بين الجزائر والنيجر بعد تصاعد الأزمة في 2023

يسعى وفد من حكومة النيجر يزور الجزائر حالياً، لطي خلاف حاد نشأ في صيف 2023 بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، واشتدت الأزمة باحتجاج نيامي على …

أفريقيا رئيس النيجر المخلوع محمد بازوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

النيجر نحو تنظيم «مؤتمر وطني» بشأن ميثاق انتقالي

أعلنت وزارة الداخلية في النيجر أن النظام العسكري الحاكم سينظّم «مؤتمراً وطنياً» من 15 حتى 19 فبراير (شباط)، يهدف خصوصاً لتحديد مدة للفترة الانتقالية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
الولايات المتحدة​ قاعدة أغاديز (أرشيفية - أ.ب)

الجيش الأميركي أنهى سحب قواته من آخر قاعدة في النيجر

أعلن الجيش الأميركي، الاثنين، إنهاء سحب كل قواته من قاعدته الأخيرة في النيجر؛ تلبية لمطلب قادة الانقلاب العسكري في الدولة الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«الصليب الأحمر»: «إيبولا» في الكونغو لم يصل بعد إلى ذروته... وقد يستمر عاماً

طبيب يرتدي معدات الوقاية الشخصية ويقف بالقرب من سيارة إسعاف في مركز لعلاج مرض إيبولا بشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية (رويترز)
طبيب يرتدي معدات الوقاية الشخصية ويقف بالقرب من سيارة إسعاف في مركز لعلاج مرض إيبولا بشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية (رويترز)
TT

«الصليب الأحمر»: «إيبولا» في الكونغو لم يصل بعد إلى ذروته... وقد يستمر عاماً

طبيب يرتدي معدات الوقاية الشخصية ويقف بالقرب من سيارة إسعاف في مركز لعلاج مرض إيبولا بشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية (رويترز)
طبيب يرتدي معدات الوقاية الشخصية ويقف بالقرب من سيارة إسعاف في مركز لعلاج مرض إيبولا بشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية (رويترز)

كشف مسؤول في الصليب الأحمر اليوم الثلاثاء أن وباء إيبولا ​في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية لم يصل بعد إلى ذروته، وربما يستمر لمدة عام، بحسب وكالة «رويترز».

وأُبلغ عن أكثر من 800 حالة إصابة في الكونغو بسلالة بونديبوجيو النادرة، والتي لا ‌يتوفر لها ‌علاج أو ​لقاح ‌للوقاية ⁠منها، منها ​192 حالة ⁠وفاة. وتشير بيانات حكومية إلى أن المرض، الذي ينتقل عن طريق سوائل الجسم حتى بعد الوفاة، ينتشر بسرعة عبر ثلاثة أقاليم.

وقال ⁠برونو ميشون، مدير العمليات ‌في الاتحاد ‌الدولي لجمعيات الصليب الأحمر ​والهلال الأحمر، ‌للصحافيين عبر اتصال بالفيديو من ‌شرق الكونغو: «من الصعب جداً معرفة مدى انتشار الوباء بالضبط... لكن نعم، أعتقد أننا لم نتجاوز الذروة ‌بعد، بل لا تزال أمامنا فرصة للسيطرة».

وأضاف: «نخشى أن يستمر الأمر ⁠لمدة ⁠عام حتى يتم القضاء على المرض».

وواجهت جهود الاستجابة عقبات بسبب نقص مراكز العلاج، ومقاومة بعض المجتمعات لتطبيق إجراءات صحية صارمة، في حين يؤكد مسؤولون صحيون أن الحجم الحقيقي للأزمة لا يزال غير معروف بعد أكثر ​من شهر على ​إعلان تفشي المرض.


موسكو: العلاقات مع باماكو بلغت مستوى «غير مسبوق»

شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)
شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)
TT

موسكو: العلاقات مع باماكو بلغت مستوى «غير مسبوق»

شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)
شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

أعلن السفير الروسي لدى دولة مالي، إيغور غروميكو، أن العلاقات بين روسيا ومالي بلغت «مستوى غير مسبوق»، خصوصاً في المجال العسكري.

حديث السفير الروسي يأتي بعد فترة من الشك إثر هجمات عنيفة شنها تنظيم «القاعدة» ومتمردون ضد العاصمة المالية باماكو؛ نهاية أبريل (نيسان) الماضي، عُدّت أول اختبار حقيقي للشراكة العسكرية والأمنية بين البلدين، التي بموجبها تنشر موسكو مئات الجنود في مالي.

وقال الدبلوماسي الروسي خلال حفل استقبال بمناسبة «يوم روسيا»، إن «العلاقات الروسية - المالية بلغت مستوى غير مسبوق، وهي تواصل تطورها في المجالات الاقتصادية والعسكرية التقنية والثقافية والتعليمية».

ووفق برقية نشرتها السفارة الروسية، الاثنين، فإن السفير أكد أن «روسيا قاومت مراراً وتكراراً وبنجاح النازية والفاشية وغيرها من أشكال التعصب المتطرف. لطالما دافعت بلادنا، وستواصل الدفاع، عن المساواة بين الشعوب، واحترام سيادة الدول، وبناء عالم عادل متعدد الأقطاب».

السفير الروسي يلقي كلمته بشأن العلاقات بين روسيا ومالي خلال احتفال «يوم روسيا» في باماكو

وشدد وزير شؤون الماليين في الخارج والتكامل الأفريقي، موسى آغ طاهر، على أن «موسكو لا تزال أحد أهم الشركاء الاستراتيجيين لمالي»، مضيفاً أن بلاده «تولي أهمية خاصة للقمة الروسية - الأفريقية الثالثة، المقرر عقدها في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، التي ستعزز التعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والتكنولوجي بين روسيا والقارة الأفريقية».

ووقعت روسيا ومالي، في يونيو (حزيران) 2025، اتفاقية تحدد أسس العلاقات بين البلدين، وذلك في ختام محادثات جرت في الكرملين، بين الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ورئيس مالي الانتقالي، عاصمي غويتا، الذي أجرى زيارة رسمية إلى روسيا.

ومنذ وصول غويتا إلى الحكم إثر انقلاب عسكري عام 2020، راجع وألغى الاتفاقيات العسكرية التي تربط مالي ودولاً غربية؛ من أبرزها فرنسا (القوة الاستعمارية السابقة لمالي)، وتوجه نحو التحالف مع موسكو في حربه على الإرهاب والتمرد.

وبموجب هذه الشراكة الجديدة، حصلت مالي على كميات من الأسلحة والطائرات العسكرية، بالإضافة إلى دعم ميداني من قوات روسية ضمن ما يعرف بـ«الفيلق الأفريقي» الذي يتبع وزارة الدفاع الروسية، وجاء محل قوات مجموعة «فاغنر» الخاصة التي حُلّت العام الماضي.

وزير شؤون الماليين بالخارج والتكامل الأفريقي موسى آغ طاهر يلقي كلمته خلال احتفال «يوم روسيا» في باماكو

ورغم أن الجيش المالي، المدعوم من القوات الروسية، خسر خلال الأشهر الأخيرة كثيراً من مواقعه لمصلحة المتمردين وتنظيم «القاعدة»، في شمال مالي، فإنه يؤكد تحقيق مكاسب على الأرض، بدعم جوي وبري واستخباراتي من القوات الروسية.

وقال الجيش المالي، الأحد، إنه نجح في القضاء على قيادي بارز من «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، الموالية لتنظيم «القاعدة»، خلال غارة جوية على منطقة موغنان وسط البلاد. وقال الجيش المالي: «تم تحييد قيادي إرهابي رفيع المستوى بغارة جوية دقيقة بطائرة مسيرة، بعد تحديد موقعه في موغنان. هذا الشخص يُعرف بالأسماء المستعارة: عمر كيرينا، وفاروق، وحسيني ماودو».

وقال الجيش إن القيادي يتولى تنسيق العمليات الإرهابية في جبهات عدة تغطي منطقتي سيكاسو وكوتيالا، في جنوب ووسط مالي، بالإضافة إلى أجزاء من دولة بوركينا فاسو المجاورة.

ومع ذلك، تواجه مالي وضعية أمنية صعبة، بسبب اتساع دائرة نفوذ الجماعات الإرهابية، وارتفاع مستوى تكلفة الحرب التي يخوضها الجيش المالي، وقالت جهات مقربة من «الفيلق الأفريقي» الروسي إن «الوضع في مالي لم يتغير، حيث ما زال تحت سيطرة حكومة مالي والقوات الحليفة».

وأضافت المصادر نفسها أن «(الفيلق الأفريقي) التابع لوزارة الدفاع الروسية والجيش المالي، يواصل تنفيذ عمليات تهدف إلى تحديد مواقع التشكيلات الإرهابية، وتنفيذ دوريات في المناطق المأهولة بالسكان، وتطهير الطرق، ومرافقة القوافل».


أطباء بلا حدود تفصل 18 موظفاً متهمين بالاستغلال الجنسي للاجئات سودانيات

سودانية نازحة من الفاشر في مخيم للنازحين شرق تشاد يوم 27 نوفمبر 2025 (رويترز)
سودانية نازحة من الفاشر في مخيم للنازحين شرق تشاد يوم 27 نوفمبر 2025 (رويترز)
TT

أطباء بلا حدود تفصل 18 موظفاً متهمين بالاستغلال الجنسي للاجئات سودانيات

سودانية نازحة من الفاشر في مخيم للنازحين شرق تشاد يوم 27 نوفمبر 2025 (رويترز)
سودانية نازحة من الفاشر في مخيم للنازحين شرق تشاد يوم 27 نوفمبر 2025 (رويترز)

أعلنت منظمة أطباء بلا حدود اليوم الاثنين أن العشرات من موظفيها اتُّهموا بالاستغلال الجنسي للاجئات سودانيات في تشاد، مشيرة إلى أنها فصلت 18 موظفاً بعدما أثبتت التحقيقات «سوء سلوك خطير» صدر عنهم.

وقالت المنظمة غير الحكومية إنها أطلقت عدّة تحقيقات بشأن «شبهات خطيرة بالاستغلال، والاعتداء الجنسي» أبلغت عنها أواخر العام 2024 لاجئات سودانيات في شرق تشاد.

وأضافت في الرسالة التي أكّدت فيها المعلومات أنه «بينما أكّدت المراجعة بعض الادعاءات الـ59 الواردة، بقيت ادعاءات أخرى غير مثبتة إذ لم يكن بالإمكان في بعض الحالات تحديد هوية الضحايا، أو الجناة»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

عربات متجهة نحو تشاد عند مركز أدري الحدودي في 8 يونيو 2026 إذ تصل أعداد متزايدة من السودانيين الفارّين من حرب السودان (أ.ف.ب)

وتابعت: «عندما أثبتت التحقيقات وجود سوء سلوك جسيم، اتُخذت إجراءات تأديبية فورية. ونتيجة لذلك، تم فصل 18 موظفاً، ومُنعوا الآن من العمل مع منظمة أطباء بلا حدود».

وشدّدت المنظمة على أن «سوء السلوك هذا يمثّل انتهاكاً خطيراً لقيم منظمة أطباء بلا حدود، ومسؤولياتها، ونأسف بشدّة للأضرار التي نجمت عن ذلك».

وقالت: «نواصل العمل لتعزيز أنظمتنا للوقاية، والرصد، والاستجابة». وتابعت: «نحضّ الموظّفين والمرضى وأفراد المجتمع على الإبلاغ عن أي سوء سلوك، ونحن ملتزمون بضمان أن قنوات التبليغ لدينا آمنة، ويمكن الوصول إليها، والوثوق فيها».

أسفرت الحرب الأهلية السودانية التي اندلعت في أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش و«قوات الدعم السريع» عن مقتل عشرات آلاف الأشخاص، ودفعت أكثر من 12 مليون شخص للنزوح، فرّ نحو مليون منهم غرباً إلى تشاد، بحسب الأمم المتحدة.