تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب)
الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب)
TT

تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب)
الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب)

تشهد قارة أفريقيا انقلابات عسكرية بوتيرة سريعة؛ إذ عرفت القارة عشرات الانقلابات الناجحة التي أطاحت بقادة وأنظمة منذ نيل معظم دول القارة استقلالها عن الدول الأوروبية في النصف الثاني من القرن الماضي.

وتبرز هذه الانقلابات كسمة بارزة لعدم الاستقرار السياسي والأمني الذي يشهده عدد غير قليل من الدول الأفريقية التي عرفت بعضها أكثر من انقلاب في فترة زمنية لا تتجاوز أشهراً أو سنوات قليلة.

فيما يلي الانقلابات العسكرية الناجحة في السنوات العشر الأخيرة في القارة الأفريقية، وآخرها انقلاب غينيا بيساو يوم الأربعاء 26 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي الذي أطاح بالرئيس أومارو سيسوكو إمبالو.

جنود يقومون بدورية في شارع بالقرب من مكان إطلاق النار بالقرب من القصر الرئاسي في اليوم الذي نجح فيه انقلاب بالإطاحة برئيس غينيا بيساو... الصورة في مدينة بيساو 26 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

بوركينا فاسو (سبتمبر 2015)

في 17 سبتمبر (أيلول) 2015، وبعد أقل من سنة على سقوط بليز كومباوري الذي أطاحت به انتفاضة شعبية في بوركينا فاسو، أطاح انقلاب بالرئيس ميشال كافاندو، بقيادة وحدة نخبة من الجيش. وأعيد كافاندو إلى مهامه بعد أسبوع، إثر اتفاق بين الجنود الموالين والانقلابيين.

زيمبابوي (نوفمبر 2017)

في 21 نوفمبر 2017، أُجبر الرئيس روبرت موغابي (93 سنة) - في حينه، الرئيس الأكبر سناً في العالم - على تقديم استقالته بدفع من الجيش وحزبه وضغط الشارع، في ختام أسبوع من الأزمة، بينما كانت الجمعية الوطنية تبحث إقالته.

مالي (أغسطس 2020)

في 18 أغسطس (آب) 2020، أُطيح بالرئيس إبراهيم أبو بكر كيتا بعد بضعة أشهر من أزمة سياسية. وأدى الانقلاب العسكري إلى فرض عقوبات دولية، رُفعت بعد تشكيل حكومة انتقالية، بهدف تسليم السلطة للمدنيين خلال 18 شهراً.

الجيش الغابوني يظهر على شاشة التلفزيون حيث يعلن استيلاءه على السلطة... 30 أغسطس 2023 (رويترز)

تشاد (أبريل 2021)

في 20 أبريل (نيسان) 2021، غداة وفاة الرئيس إدريس ديبي، أقدم مجلس عسكري انتقالي برئاسة نجل الرئيس الراحل محمد إدريس ديبي، الذي كان آنذاك قائداً للحرس الرئاسي، على حل الحكومة والجمعية الوطنية. ومن ثم وعد ديبي «الابن» بمؤسسات جديدة بعد انتخابات «حرة وديمقراطية» في غضون سنة ونصف السنة.

وفجَّر الانتقال غير الدستوري للسلطة أعمال شغب في العاصمة نجامينا، أخمدها الجيش.

ولا يزال محمد إدريس ديبي رئيساً للبلاد مع فوزه بانتخابات الرئاسة لعام 2024.

مالي (مايو 2021)

في 24 مايو (أيار) 2021، اعتقل العسكريون الرئيس ورئيس الوزراء بعد تعيين حكومة انتقالية جديدة أثارت استياءهم. وتم تنصيب الكولونيل آسيمي غويتا في يونيو (حزيران) رئيساً انتقالياً.

غينيا (سبتمبر 2021)

في 5 سبتمبر 2021، أطاح انقلاب عسكري بالرئيس ألفا كوندي. ووعد الانقلابيون بقيادة الكولونيل مامادي دومبويا بإجراء «مشاورات» وطنية بهدف تحقيق انتقال سياسي يوكل إلى «حكومة وحدة وطنية».

وأصبح دومبويا رئيساً مؤقتاً وتعهَّد بإجراء انتخابات ديمقراطية في غضون ثلاثة أعوام.

ولا يزال دومبويا رئيساً لغينيا بعد مرور ما يزيد على أربعة أعوام على الانقلاب.

بوركينا فاسو (يناير 2022)

في 23 يناير (كانون الثاني) 2022، استولى عسكريون متمردون على القاعدة العسكرية في العاصمة واغادوغو، واعتقلوا الرئيس كريستيان كابوري. وفي 24 يناير، أعلن الجيش على شاشة التلفزيون أن كابوري قد عُزل من الرئاسة. وبعد الإعلان، أعلن الجيش حلّ البرلمان والحكومة ووقف العمل بالدستور. وفي 31 يناير، أعلن المجلس العسكري إعادة العمل بالدستور، وتعيين قائد الانقلاب المقدم بول هنري سانوغو داميبا رئيساً مؤقتاً.

بوركينا فاسو (سبتمبر 2022)

تعهد قائد انقلاب يناير 2022 اللفتنانت كولونيل بول هنري داميبا باستعادة الأمن، لكن هجمات المتطرّفين تزايدت وأثّرت سلباً على معنويات القوات المسلحة مما أدى إلى انقلاب ثانٍ في سبتمبر 2022 واستولى قائد المجلس العسكري الكابتن إبراهيم تراوري على السلطة.

النيجر (يوليو 2023)

في يوليو (تموز) 2023، احتجز أفراد من الحرس الرئاسي الرئيس محمد بازوم في قصره، وظهروا على شاشة التلفزيون الرسمي، وقالوا إنهم استولوا على السلطة؛ لإنهاء «الوضع الأمني المتدهور وسوء الحوكمة».

وبعدها بأيام، أعلن المجلس العسكري قائد قوات الحرس الرئاسي عبد الرحمن تياني، رئيساً جديداً للبلاد، ما أثار مخاوف بخصوص الأمن في منطقة تُعد النيجر فيها حليفاً رئيسياً للقوى الغربية التي تسعى للسيطرة على تمرد جماعات مرتبطة بتنظيمي «القاعدة» و«داعش».

الغابون (أغسطس 2023)

أعلن ضباط كبار في الجيش بقيادة الجنرال برايس كلوتير أوليغي نغيما، إلغاء نتائج الانتخابات، وإغلاق حدود البلاد، وحل مؤسسات الدولة، في بيان متلفز صباح 30 أغسطس، عقب إعلان لجنة الانتخابات فوز الرئيس علي بونغو أونديمبا بولاية ثالثة في 29 أغسطس.

وأنهى الانقلاب حكم عائلة بونغو على الغابون، والذي استمر 56 عاماً.

وفي أقل من أسبوع من الانقلاب العسكري أدى الجنرال نغيما اليمين الدستورية بوصفه رئيساً انتقالياً للغابون، وقال إن الجيش استولى على السلطة دون إراقة دماء؛ بهدف تحسين الظروف المعيشية للغابونيين الذين ظلوا فقراء خلال عقود من حكم أسرة بونغو أونديمبا.

وفي أبريل 2025، فاز قائد الانقلاب الجنرال نغيما بالانتخابات الرئاسية، ليستمر بالتالي رئيساً للبلاد.

غينيا بيساو (نوفمبر 2025)

في 26 نوفمبر 2025، شهدت غينيا بيساو انقلاباً عسكرياً مفاجئاً تزامن مع المرحلة النهائية من الانتخابات العامة. أعلن مجموعة من ضباط الجيش عبر التلفزيون الرسمي، عزل الرئيس أومارو سيسوكو إمبالو، وتعليق عمل كافة مؤسسات الدولة «حتى إشعار آخر»، وذلك قبل يوم من الموعد المقرر لإعلان النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية.

شكّل الانقلابيون هيئة حاكمة جديدة سموها «القيادة العسكرية العليا لاستعادة النظام»، وأعلنوا وقف العملية الانتخابية وإغلاق حدود البلاد ومجالها الجوي، مع فرض حظر تجول عام حفاظاً على الأمن.

تجدر الإشارة إلى أنه في 12 أبريل 2012، أدى انقلاب عسكري في غينيا بيساو أيضاً إلى تعطيل العملية الانتخابية قبل أسبوعين من الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية. وخلع الانقلابيون بقيادة الجنرال أنطونيو إندجاي الرئيس ريموندو بيريرا ورئيس حكومته.


مقالات ذات صلة

رفعت الأسد... رحل مخلفاً تركة ثقيلة من الانتهاكات

تحليل إخباري صورة بشار وعائلته مع عمّه رفعت الأسد في أبريل 2024 بعد عودته من فرنسا (مواقع تواصل)

رفعت الأسد... رحل مخلفاً تركة ثقيلة من الانتهاكات

رحل رفعت الأسد، عمُّ الرئيس المخلوع بشار الأسد، عن عمر ناهز 88 عاماً، وظلت صحائف أعماله مفتوحة في ذاكرة السوريين المثقلة بانتهاكات جسيمة اتُّهم بالمسؤولية عنها.

سعاد جرَوس (دمشق)
أفريقيا الرئيس الانتقالي في غينيا بيساو الجنرال هورتا نتام خلال مؤتمر صحافي في بيساو (رويترز) p-circle

الرئيس الانتقالي لغينيا بيساو: نفذنا انقلاباً «لتفادي إراقة الدماء»

قال العسكريون الذين استولوا على الحكم قبل شهر في غينيا بيساو إنهم نفذوا انقلابهم «لتفادي إراقة الدماء»، فيما كانت البلاد تنتظر نتائج الانتخابات.

«الشرق الأوسط» (بيساو)
أفريقيا المركبات المدرعة العسكرية تظهر أمام مقر محطة الإذاعة والتلفزيون في بنين وذلك بعد يوم من إحباط القوات المسلحة لمحاولة انقلاب (رويترز) p-circle

بنين: فرنسا تنشر قوات خاصة إثر محاولة انقلابية فاشلة

أعلنت السلطات في بنين أن فرنسا نشرت قوات خاصة في البلد الواقع في غرب أفريقيا، إثر محاولة انقلابية فاشلة الأحد الماضي، لعب الفرنسيون دوراً في إحباطها.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا المركبات المدرعة العسكرية تظهر أمام مقر محطة الإذاعة والتلفزيون في بنين وذلك بعد يوم من إحباط القوات المسلحة لمحاولة انقلاب (رويترز)

بنين: فرنسا نشرت قوات خاصة في البلاد للتصدي لمحاولة الانقلاب

كشف قائد الحرس الجمهوري في بنين ديودونيه دجيمون تيفودجري اليوم الأربعاء أن فرنسا نشرت قوات خاصة لدعم الجيش في صد محاولة الانقلاب.

«الشرق الأوسط» (باريس - بورتو نوفو)
أفريقيا رئيس بنين باتريس تالون خلال زيارة لقصر الإليزيه في باريس يوم 26 أبريل 2016 (رويترز) p-circle

قوات من «إيكواس» تنتشر في بنين بعد محاولة انقلاب فاشلة

وصل رئيس بنين باتريس تالون إلى مقر التلفزيون الرسمي، مساء اليوم (الأحد)، في بث مباشر، حيث من المتوقع أن يلقي بياناً عقب محاولة انقلاب فاشلة.

«الشرق الأوسط» (كوتونو)

مقتل «رجل موسكو» في جمهورية مالي


وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو برفقة وزير خارجية روسيا في موسكو يوم 28 فبراير 2024 (رويترز)
وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو برفقة وزير خارجية روسيا في موسكو يوم 28 فبراير 2024 (رويترز)
TT

مقتل «رجل موسكو» في جمهورية مالي


وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو برفقة وزير خارجية روسيا في موسكو يوم 28 فبراير 2024 (رويترز)
وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو برفقة وزير خارجية روسيا في موسكو يوم 28 فبراير 2024 (رويترز)

لقي وزير الدفاع المالي، ساديو كامارا، مصرعه في هجوم شنته «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، الموالية لتنظيم «القاعدة»، السبت، على العاصمة المالية باماكو.

ويشكّل مقتل كامارا (47 عاماً) ضربة موجعة للمجلس العسكري الحاكم في مالي، إذ يُعدّ أحد «الخمسة الكبار». كما يُعدّ العقل المدبر وراء استبدال الشراكة مع روسيا بالنفوذ الفرنسي، حيث تلقّى تدريباً عسكرياً متقدماً في روسيا قبل «انقلاب 2020» بوقت قصير، وعاد إلى مالي قبيل تنفيذ الانقلاب بأيام؛ مما أثار تكهّنات حينها بشأن دور روسي في التخطيط للتحرك.

وفي كيدال، شمال البلاد، أعلن المتمرّدون الطوارق، أمس، التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لـ«فيلق أفريقيا» من المدينة التي قالوا إنهم صاروا يسيطرون عليها «بالكامل».


42 قتيلاً على الأقل في اشتباكات عرقية في شرق تشاد

مسافرون في محطة نقل بمدينة الطينة شرق تشاد (رويترز)
مسافرون في محطة نقل بمدينة الطينة شرق تشاد (رويترز)
TT

42 قتيلاً على الأقل في اشتباكات عرقية في شرق تشاد

مسافرون في محطة نقل بمدينة الطينة شرق تشاد (رويترز)
مسافرون في محطة نقل بمدينة الطينة شرق تشاد (رويترز)

قُتل 42 شخصا على الأقل في اشتباكات بين جماعتين عرقيتين في شرق تشاد، وفق ما أعلن مسؤول حكومي الأحد.

وقال المسؤول الحكومي إن الاشتباكات التي وقعت السبت في غيريدا بإقليم وادي فيرا أجّجها نزاع حول بئر.

وتوجّه إلى المنطقة الأحد وزراء وكبار المسؤولين المحليين ورئيس أركان الجيش.

وقال نائب رئيس الوزراء المكلّف الإدارة الإقليمية واللامركزية ليمان محمد، في حديث للتلفزيون الرسمي «إن الوضع تحت السيطرة».

على مدى سنوات، شهد شرق تشاد نزاعات بين مزارعين ورعاة ماشية من البدو العرب، وتفاقمت التوترات بفعل النزوح الكثيف هربا من النزاع في السودان المجاور.

وتفيد تقديرات مجموعة الأزمات الدولية غير الحكومية، بأن النزاعات بين المزارعين والرعاة أوقعت أكثر من ألف قتيل وألفي جريح بين العامين 2021 و2024.


ماذا يعني سقوط كيدال في يد المتمردين الطوارق؟

قوات عسكرية مالية في كيدال خلال يوليو 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)
قوات عسكرية مالية في كيدال خلال يوليو 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

ماذا يعني سقوط كيدال في يد المتمردين الطوارق؟

قوات عسكرية مالية في كيدال خلال يوليو 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)
قوات عسكرية مالية في كيدال خلال يوليو 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)

احتفل المتمردون الطوارق، الأحد، بالعودة إلى مدينة كيدال، والسيطرة عليها «بالكامل»، وذلك بعد 3 سنوات من خروجهم منها على يد الجيش المالي المدعوم من روسيا. وتداول ناشطون من الطوارق مقاطع فيديو لانسحاب القوات الروسية من المدينة، وإنزال علم مالي ورفع علم «إقليم أزواد» بدلاً منه.

مدينة كيدال، التي يبلغ تعداد سكانها 55 ألف نسمة، ظلت عقوداً بؤرة الصراع المستمر بين سلطات باماكو والمتمردين الطوارق، وظلت السيطرة عليها عنوانَ النفوذ والسلطة في شمال مالي. فما قصة هذه المدينة النائية والنائمة في حضن الجبال بقلب الصحراء الكبرى؟

معقل التمرد

منذ استقلال دولة مالي عن فرنسا عام 1960، ومدينة كيدال تتأرجح بين السلطات المركزية في العاصمة باماكو التي تبعد أكثر من 1500 كيلومتر إلى الجنوب، ونفوذ حركات الطوارق المسلحة التي تسعى إلى الحصول على حكم ذاتي في إقليم أزواد بالشمال، الذي يمثل ثلثي مساحة مالي.

يقول الطوارق إن مدينة كيدال كانت مركزاً لمقاومة الاستعمار الفرنسي القادم من الجنوب، ويعتقدون أن تبعية كيدال لباماكو فكرة موروثة عن الاستعمار الفرنسي. وأعلنوا التمرد مباشرة بعد الاستقلال، ولكن الرئيس المالي آنذاك، موديبو كيتا، قضى على ثورتهم بعنف بدعم من الاتحاد السوفياتي.

رغم ذلك، فإن مدينة كيدال ظلّت ذات رمزية تاريخية كبيرة في قلوب الطوارق، حيث تعدّ بالنسبة إليهم «المركز الروحي والسياسي»، خصوصاً بالنسبة إلى قبائل إيفوغاس ذات الحضور القوي في منطقة الصحراء الكبرى، وصاحبة التأثير والنفوذ في شمال مالي.

ينحدر من مدينة كيدال ومن قبائل إيفوغاس أغلب قادة حركات التمرد. ومن أشهر هؤلاء؛ إياد أغ غالي، زعيم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، الموالية لتنظيم «القاعدة»، التي ضربت السبت العاصمة باماكو ودبّرت عملية اغتيال وزير الدفاع المالي ساديو كامارا.

المدينة المحصنة

توصف مدينة كيدال بأنها قلعة حصنتها الطبيعة، حيث تقعُ في قلب سلسلة جبال آدرار إيفوغاس؛ وذلك نسبة إلى القبيلة المعروفة، وقد منحتها هذه الجبال أهمية استراتيجية وعسكرية كبيرة في منطقة الصحراء الكبرى.

جعلت هذه التضاريس الوعرة من كيدال حصناً طبيعياً يصعب اختراقه عسكرياً، واستُخدمت لعقود قاعدةً خلفية للمقاتلين، ومخبأَ استراتيجياً للجماعات المسلحة بعيداً عن أعين الرقابة الجوية والبرية. كما تزيد قيمة المدينة عسكرياً بسبب وجود مطار عسكري فيها، بالإضافة إلى قربها من قاعدة «تيساليت» الاستراتيجية؛ مما يعني أن من يسيطر على كيدال فهو يسيطر على خطوط الإمداد الجوي والبري في شمال مالي، ويتحكم في الطريق المؤدية إلى الحدود مع الجزائر والنيجر.

رمزية السيادة

بدا رفع العلم المالي في كيدال رمزاً لاستعادة السيادة الكاملة، حيث ظلّت كيدال خارج سلطة الدولة المركزية لأكثر من عقد (2012 - 2023)، وعُدّت استعادتها من قبل الجيش المالي ومجموعة «فاغنر» الروسية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 «انتصاراً تاريخياً» لسياسة المجلس العسكري الحاكم.

وخلال الفترة من 2012 حتى 2023، شكلت مدينة كيدال معقل «تنسيقية الحركات المسلحة المتمردة»، رغم وجود قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والجيش الفرنسي، إلا إن الجيش المالي ظل غير مسموح له بدخولها؛ مما أسهم في تعثر تنفيذ «اتفاق المصالحة» الموقع في الجزائر عام 2015.

وظلت باماكو ترى في الوضع الخاص لمدينة كيدال حجر عثرة أمام تنفيذ الاتفاق؛ لأن الحكومة المالية ترى أن بقاء كيدال تحت سيطرة الحركات المسلحة هو «دولة داخل الدولة»؛ مما أدى في النهاية إلى انهيار الاتفاق رسمياً.

برميل بارود

تُلخّص كيدال كلّ تعقيدات مالي... فرغم أنها المعقل التاريخي والسياسي للمتمردين الطوارق، فإنها أيضاً كانت منطقة تداخل مع الحركات الإرهابية، حيث تعايشت فيها حركات متمردة «علمانية» وأخرى متطرفة مرتبطة بفكر «القاعدة»، خصوصاً حركة «أنصار الدين» التي تحوّلت فيما بعد إلى «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين».

وكان الموقف المعادي للسلطات المركزية في باماكو، هو المشترك ما بين هذه الجماعات المتناقضة، وفي بعض الأحيان لم يكن كافياً لتحقيق التعايش، فاندلعت مواجهات مسلحة في المدينة بين الطرفين، كشفت عن هشاشة التوازنات في المدينة.

بالإضافة إلى ذلك، تبرز التوازنات القبلية والعرقية الحساسة في المدينة، حيث إن السيطرة عليها تتطلب تفاهماً مع زعماء القبائل المحليين، وأي محاولة لتغيير ديموغرافيتها أو فرض سلطة عسكرية خارجية تُقابل بمقاومة اجتماعية شرسة تتجاوز العمل العسكري. كل هذه التعقيدات تجعل من كيدال «برميل بارود» في منطقة مشتعلة. وما يزيد من تعقيد الوضع أنها تحولت نقطةَ عبور رئيسية لشبكات التهريب العابرة للصحراء، لينمو في المدينة اقتصاد التهريب والإرهاب والتنقيب عن الذهب، وهو اقتصاد لا يريد الفاعلون فيه أي نوع من الاستقرار أو السلطة المركزية.