غموض في «المركزي» اللبناني ينذر بـ«مخاض» نقدي جديد

تتوالى التسريبات عن وجود تباينات صريحة في مقاربات السياسات النقدية للمرحلة المقبلة

السوق المالية تترقب تعميماً من مصرف لبنان (رويترز)
السوق المالية تترقب تعميماً من مصرف لبنان (رويترز)
TT

غموض في «المركزي» اللبناني ينذر بـ«مخاض» نقدي جديد

السوق المالية تترقب تعميماً من مصرف لبنان (رويترز)
السوق المالية تترقب تعميماً من مصرف لبنان (رويترز)

لم تكد المؤسسات المالية اللبنانية تعاود أنشطتها اليوم (الاثنين)، بعد عطلة عيد الأضحى، حتى استشعر المتعاملون من القطاعين العام والخاص، والمودعون في البنوك، بملامح غموض غير بناء وقابل لخلق أجواء قلق مشروع من إمكانية تطوره السلبي إلى مخاض نقدي جديد في ظل استحكام الفراغات الدستورية واستمرار الشلل الإداري والوظيفي في المؤسسات العامة.

ومن الواضح، بحسب مصادر مالية ومصرفية معنية، أن التوجس الظاهر في ردهات البنوك وأسواق صرف العملات النظامية والموازية على حد سواء، الذي بدأ يكتنف آليات ضخ وإدارة السيولة بالليرة وبالدولار عبر منصة «صيرفة» والفروع المصرفية، نشأ أساساً عن استحقاق مفصلي يتمثل بقرب انتهاء ولاية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بنهاية الشهر الحالي، وينمو طرداً جراء ما يرافق هذا الاستحقاق من الأسئلة الحائرة بشأن استمرار العمل بحزمة التعاميم الاستثنائية المصدرة غالباً بقرار منه، وضمن منطوق الصلاحيات الواسعة الممنوحة له.

اقرأ أيضاً

وفيما يتعزز الاقتناع بانتقال موقع الحاكمية والمهام إلى النائب الأول الدكتور وسيم منصوري، تتوالى التسريبات السياسية والإعلامية عن وجود تباينات صريحة في مقاربات السياسات النقدية للمرحلة المقبلة، وبما يشمل منظومة التعاميم الطارئة لتنظيم العمليات المصرفية والسحوبات المتاحة للمودعين. في حين يلتزم الحاكم ونوابه الأربعة عدم الإفصاح أو التصريح عن المداولات بينهم، أو ضمن إطار المجلس المركزي الذي يضمّهم إلى جانب المدير العام لوزارة الاقتصاد، الذي يلتئم دورياً منتصف كل أسبوع، واستثنائياً بدعوة من سلامة عند الاقتضاء.

حاكم «مصرف لبنان» رياض سلامة (رويترز)

 وفي الأثناء، يبقى القرار الحكومي والسياسي أشبه باللغز، بشأن ضرورات الاستعانة بسلامة وخبراته في إدارة المرحلة الانتقالية، والمرجّح تمددها إلى حين انتخاب رئيس جديد للجمهورية وتأليف حكومة جديدة مكتملة الصلاحيات تبادر إلى تعيين حاكم أصيل، حيث لم تظهر، حتى الساعة، حصيلة التداول الجدّي بأفضل الخيارات المتاحة لمشاركته في صناعة القرار النقدي والسياسات الآيلة إلى عدم التسبّب باستعادة مشاهد المضاربات المتفلتة على العملة الوطنية.

ويلفت مسؤول مصرفي كبير في اتصال مع «الشرق الأوسط»، إلى ارتباط الاستحقاق بمقتضيات تماهي السلطة النقدية وبالمثل وزارة المال، مع المعادلات التي خلص إليها التقييم الأحدث لصندوق النقد الدولي، والتي تشير إلى أهمية خفض معدلات التضخم المرتفعة، ومعالجة التدهور الحاد في سعر الصرف، وإعادة بناء مصداقية المصرف المركزي. وكذلك التوصيات بتشديد السياسة النقدية وتعزيز الجهود للحؤول دون تمويل الحكومة من خلال المصرف المركزي، فضلاً عن تأكيد المديرين أن توحيد أسعار الصرف الرسمية سيساعد في تنظيم السياسة النقدية بدرجة أكبر، والحد من الضغوط على احتياطات المصرف المركزي، وزيادة إيرادات المالية العامة.

ويلاحظ أن أول الالتباسات المستجدة تمثلت بعدم صدور التجديد المعتاد للتعميم 158، وبالتالي تعذر تلبية البنوك لحصص السحوبات الشهرية لصالح المستفيدين من مندرجاته، الذي يتيح لهم الحصول على 800 دولار شهرياً موزعة مناصفة بين 400 دولار نقدي (بنكنوت) ومثلها بالليرة على السعر الرسمي الساري، أي 15 ألف ليرة لكل دولار (فيما يلامس المائة ألف في السوق السوداء)، على أن يتم ضخ النصف المصروف بالليرة أيضاً، أي 3 ملايين ليرة عبر بطاقة الدفع الإلكتروني الخاصة بكل مستفيد.

ولدى مراجعة الدوائر المختصة في البنك المركزي، جرى إبلاغ مديري البنوك بأن التجديد سيصدر لاحقاً اليوم أو غداً (الثلاثاء) على أبعد تقدير، ومن المرجّح أن يتضمن تعديلات حسابية وتنفيذية توجب التريث في صرف المبالغ المستحقة، وإعلام المراجعين بوقائع التأخير التقني البحت. بينما سرت معلومات مسبقة بأن التطبيقات المحدثة للتعميم ستفضي إلى صرف 300 دولار نقدي شهرياً وحجب الحصة المقررة بالليرة، بسبب تعذر التخفيف من الاقتطاع المحقّق فعلياً، الذي تناهز نسبته 84 في المائة قياساً بالسعر الواقعي للدولار والبالغ نحو 92 ألف ليرة.

حقائق

9.5 مليار دولار

إجمالي احتياطات العملات الصعبة لدى مصرف لبنان

ولم تسلم العمليات اليومية للمبادلات النقدية عبر منصة صيرفة من أجواء الالتباسات المستجدة، لا سيما بعد تسريبات عن مواقف مشكّكة لدى نائبين للحاكم على الأقل، بشأن جدوى الاستمرار في تشغيل المنصة والأكلاف المالية التي تتحملها ميزانية البنك المركزي واحتياطات العملات الصعبة لديه البالغة حالياً نحو 9.5 مليار دولار فقط، وهي أقل من التوظيفات الإلزامية العائدة للودائع في الجهاز المصرفي، التي تفوق مستوى 13 مليار دولار من إجمالي ودائع تناهز 95 مليار دولار.

متظاهرون في تحرك سابق أمام مقر مصرف لبنان ببيروت (رويترز)

ولوحظت، في هذا السياق، برودة ظاهرة في إقبال زبائن البنوك على طلب إجراء مبادلات جديدة عبر المنصة، عقب تقلّص هوامش العائد المستهدف، إذ كانت الآلية المعتمدة تتيح للحساب الفردي تصريف ما يصل إلى المليار ليرة شهرياً، توازي نحو 10.87 ألف دولار وفق السعر الرائج لدى الصرافين، بغية الحصول على «ربح» يقارب نحو 380 دولاراً، بعد تصريف المبلغ المودع بالليرة بنحو 11.6 ألف دولار نقدي، يتم حسم 3 في المائة من المبلغ كمتوسط عمولة لصالح البنك المنفذ للعملية، أي أن الصرف الصافي يبلغ نحو 11.25 ألف دولار كحصيلة لكل عملية.

لكن الانكفاء النسبي لسعر الدولار في الأسواق الموازية واقترابه من عتبة 90 ألف ليرة قبل أن يستعيد التداول الاثنين، بنحو 91 ألف ليرة، أدى إلى انكماش تلقائي، وبما يقارب النصف، للعائد المنشود. وهو ما حفز كثيراً من الزبائن والمودعين على «التريث»، خصوصاً مع شيوع تسريبات أيضاً عن توجه البنك المركزي لإقرار خفض جديد ومتدرج على سعر عرض الدولار عبر المنصة استهدافاً لسعر 85 ألف ليرة بدلاً من 86.2 ألف ليرة الساري حالياً.


مقالات ذات صلة

سلام يتفقد المناطق الحدودية: سيادة لبنان مسؤولية تجاه الناس ومشاكلهم

المشرق العربي أهالي بلدة يارين يستقبلون رئيس الحكومة نواف سلام ويلبسونه العباء التقليدية (الشرق الأوسط)

سلام يتفقد المناطق الحدودية: سيادة لبنان مسؤولية تجاه الناس ومشاكلهم

جال رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في عدد من بلدات الجنوب، في زيارة تمتد يومين وتحمل أبعاداً سياسية وإنمائية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري قائد الجيش العماد رودولف هيكل خلال زيارته إلى واشنطن (قيادة الجيش اللبناني)

تحليل إخباري زيارة قائد الجيش اللبناني إلى واشنطن بين «اختبار الشراكة» و«كمين التوصيفات»

تحوّلت زيارة قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل إلى الولايات المتحدة، من محطةٍ يفترض أن تركز على دعم المؤسسة العسكرية وتنسيق المساعدات، إلى ساحة سجال سياسي

إيلي يوسف (واشنطن)
المشرق العربي مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه وأعلام أيران في تحرك دعا له الحزب أمام منظمة «إسكوا» وسط بيروت الأربعاء (إ.ب.أ)

«حزب الله» يتضامن مع إيران... وجعجع: إنهاء أزمة لبنان يبدأ بوقف دعمها له

في ظلّ الترقب الذي تعيشه المنطقة، تعكس المواقف اللبنانية التناقض القائم في مقاربة الملفات الإقليمية، ولا سيّما ما يتصل بدور إيران.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم العربي جنديان إسرائيليان من وحدة «شاحاف 869» المستحدثة يشغلان طائرة مسيرة (الجيش الإسرائيلي)

توغلات إسرائيلية متزايدة في الجنوب... والجيش اللبناني يلاحق مسارب التسلل

أكثر من 10 تفجيرات في شهر واحد نفذتها القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية منذ مطلع العام، استهدفت منازل في القرى الحدودية عبر تفخيخها ونسفها.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي ما تبقّى من الإهراءات المدمرة في مرفأ بيروت (رويترز)

قضية تفجير مرفأ بيروت تنتقل قريباً إلى مرحلة المحاكمات

علمت «الشرق الأوسط»، من مصادر قضائية مطلعة، أن البيطار تسلّم عبر النيابة التمييزية كتاباً من السلطات الألمانية، جواباً على استنابة سطرها لها.

يوسف دياب (بيروت)

قاسم يُحكم السيطرة على مفاصل «حزب الله»

رئيس حكومة لبنان نواف سلام متحدثا في عيتا الشعب خلال زيارة تاريخية له إلى الجنوب (الشرق الأوسط)
رئيس حكومة لبنان نواف سلام متحدثا في عيتا الشعب خلال زيارة تاريخية له إلى الجنوب (الشرق الأوسط)
TT

قاسم يُحكم السيطرة على مفاصل «حزب الله»

رئيس حكومة لبنان نواف سلام متحدثا في عيتا الشعب خلال زيارة تاريخية له إلى الجنوب (الشرق الأوسط)
رئيس حكومة لبنان نواف سلام متحدثا في عيتا الشعب خلال زيارة تاريخية له إلى الجنوب (الشرق الأوسط)

يُحاول أمين عام «حزب الله»، نعيم قاسم، إحكام السيطرة على مفاصل المؤسسات الإدارية للحزب، التي أدخل إليها مقربين منه كانوا مهمشين في فترة قيادة الأمين العام السابق، حسن نصر الله، كما أدخل إليها سياسيين من غير رجال الدين.

وتُعدّ أبرز التغييرات التي كشفت عنها مصادر واسعة الاطلاع لـ«الشرق الأوسط»، هي تسلّم الوزير والنائب السابق محمد فنيش مسؤولية إدارة الهيئة التنفيذية التي تُعدّ بمثابة «حكومة» الحزب، مع الاتجاه إلى تعيين رئيس الكتلة النيابية النائب محمد رعد، في منصب نائب الأمين العام.

وكشفت المصادر أن قاسم يُحاول أن يمسك بمفاصل الحزب عبر ربط كل المؤسسات الحزبية بالأمانة العامة، بعدما كان هذا الموقع سابقاً يتولى القيادة من دون الخوض في التفاصيل التي كانت من مسؤولية الهيئة التنفيذية للحزب.

من جهة أخرى، بدأ رئيس الحكومة نواف سلّام زيارة تاريخية إلى الجنوب؛ حيث لا يزال العديد من السكان ينتظرون إعادة الإعمار على وقع الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، فيما كان لافتاً الترحيب الذي استُقبل به سلام في كل القرى رغم حملة التخوين التي شنّها عليه «حزب الله».


سجناء «داعش» يهددون الأمن العراقي

قافلة أميركية تنقل محتجزين من «داعش» على طريق في ضواحي الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 7 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
قافلة أميركية تنقل محتجزين من «داعش» على طريق في ضواحي الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 7 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

سجناء «داعش» يهددون الأمن العراقي

قافلة أميركية تنقل محتجزين من «داعش» على طريق في ضواحي الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 7 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
قافلة أميركية تنقل محتجزين من «داعش» على طريق في ضواحي الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 7 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

كشفت مصادر أمنية عن أن سجناء من تنظيم «داعش» وجّهوا تهديدات إلى حراس عراقيين خلال نقلهم من سوريا، متوعدين بالقتل بعد هروبهم من السجون.

يأتي ذلك بالتزامن مع تسلّم العراق دفعة جديدة من المعتقلين في خطوة وصفتها الحكومة بالاستباقية لحماية الأمن القومي.

وقالت مصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط» إن «معظم السجناء يودعون في سجون ومراكز احتجاز في بغداد والحلة»، وهما منطقتان تضمّان منشآت احتجاز عالية التحصين.

وأضافت أن «جهاز مكافحة الإرهاب يتولى الإشراف على النقل والتوزيع»، موضحةً أن «أرجل وأيدي السجناء تُقيّد مع وضع أغطية لحجب وجوههم»، وأن «بعضهم يوجه تهديدات مباشرة إلى الحراس بالقتل في حال تمكنهم من الهروب».

وأشارت المصادر إلى أن «الأوامر مشدَّدة بعدم الحديث مع السجناء أو الاحتكاك بهم»، وأن «غالبية الحراس لا يعرفون الجنسيات المختلفة التي ينحدر منها السجناء».


«حماس» سلّمت المختطفين فنالت إشادات من ترمب

مقاتلون من «حماس» يحملون جثماناً بعد استخراجه من نفق خلال البحث عن جثث الرهائن الإسرائيليين في خان يونس 29 أكتوبر 2025 (أ.ب)
مقاتلون من «حماس» يحملون جثماناً بعد استخراجه من نفق خلال البحث عن جثث الرهائن الإسرائيليين في خان يونس 29 أكتوبر 2025 (أ.ب)
TT

«حماس» سلّمت المختطفين فنالت إشادات من ترمب

مقاتلون من «حماس» يحملون جثماناً بعد استخراجه من نفق خلال البحث عن جثث الرهائن الإسرائيليين في خان يونس 29 أكتوبر 2025 (أ.ب)
مقاتلون من «حماس» يحملون جثماناً بعد استخراجه من نفق خلال البحث عن جثث الرهائن الإسرائيليين في خان يونس 29 أكتوبر 2025 (أ.ب)

لم يتوقف الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، خلال تصريحاته المتكررة عن قطاع غزة في الآونة الأخيرة، عن الإشادة بحركة «حماس»، ودورها في إعادة المختطفين الأحياء والأموات الإسرائيليين.

وتظهر تصريحات ترمب المتكررة أن أشد المتفائلين الأميركيين والإسرائيليين لم يتوقعوا أن تتم استعادة جميع المختطفين الأحياء والأموات في هذه الفترة القصيرة، في ظل حرب إسرائيلية استمرت عامين، وطالت الأخضر واليابس في القطاع.

إلى ذلك، يتباهى الجيش الإسرائيلي بتشكيل 5 فرق ميليشيات فلسطينية تعمل ضد «حماس» في قطاع غزة، في حين حذّرت أوساط في اليمين الحاكم من دورها، ومن صرف الأموال الطائلة عليها، من منطلق أن هذا النوع من التنظيمات يعمل بدافع الجشع إلى المال في أحسن الأحوال، وليس مستبعداً أن ينقلب على مشغليه، ويصبح معادياً لإسرائيل في حال وجد مَن يدفع له أكثر.