سباق رمضان يضع بيوت الأزياء العالمية في مأزق

التنافس على نيل رضا زبون المنطقة يثير ردوداً عكسية

«فكتوريا سيكريت» دخلت السباق الرمضاني بملابس منزلية (خاص)
«فكتوريا سيكريت» دخلت السباق الرمضاني بملابس منزلية (خاص)
TT

سباق رمضان يضع بيوت الأزياء العالمية في مأزق

«فكتوريا سيكريت» دخلت السباق الرمضاني بملابس منزلية (خاص)
«فكتوريا سيكريت» دخلت السباق الرمضاني بملابس منزلية (خاص)

منذ فترة وموجة من التعليقات والانتقادات تظهر على السطح حول استغلال بيوت الأزياء العالمية شهر رمضان والعيد، وتحويلهما من مناسبة روحانية إلى فرصة تجارية يُسوّقون فيها منتجات خاصة تحت عنوان «تشكيلة رمضان» أو «رمضان كوليكشن». في البداية اعتبرت المنطقة تخصيص قِطع حصرية بخامات مُترفة وترصيعات غنية احتراماً لها، لكن بعد دخول أغلب بيوت الأزياء السباق الرمضاني، فإن الظاهرة أغرقت السوق بفساتين بخطوط محتشمة وأكمام طويلة، تتماوج بدرجات الرمال والذهب أو الزمرد، مما أصاب البعض بالتخمة.

يمكنك قراءة أيضا... هجمة «رمضانية» على الـ«كوفر آب»

تشكيلة «دولتشي آند غابانا» لرمضان (خاص)

المصمم السعودي العالمي محمد آشي يعلِّق على هذه الظاهرة قائلاً إنه مهما تعددت الأساليب واختلفت النيات، وبغضّ النظر عن الأهداف المعلَنة وغير المعلَنة، فإن المجموعات الرمضانية أصبحت في السنوات الأخيرة كما لو أنها جزء من تقويم الموضة، مثلها مثل موسم الـ«هوت كوتور والأزياء الجاهزة وخط الكروز وخط البري فول. وصُنّاع الموضة والترف يتعاملون معه مثلما يتعاملون مع السنة الصينية في كل عام».

من تشكيلة «جيورجيو أرماني» لرمضان (خاص)

لا يرفض آشي فكرة طرح أزياء خاصة بهذا الشهر: «فأنا أيضاً طرحت مجموعة قفاطين في السابق، وكانت تجربة تجارية ناجحة»، وفق اعترافه، لـ«الشرق الأوسط». ويتابع: «لكن هذا لا يمنع من القول إن الغرب يمكن أن يستفيد أكثر في حال استعان بخبراء ومتخصصين من أبناء المنطقة؛ لأنهم أكثر من يفهم الثقافة وتلك الفروقات الدقيقة التي تميِّز بلداً عن آخر ولا يمكن أن يشعر بها شخص من ثقافة أخرى، مهما حاول. فكلنا نعرف أن تفاصيل طقوس رمضان في السعودية ليست هي نفسها في قطر أو دبي أو المغرب أو تونس أو مصر وغيرها... لكل بلد خصوصيته وتقاليده وطقوسه».

تشكيلة «دولتشي آند غابانا» لرمضان (خاص)

ما يُجمِع عليه عدد من المراقبين أن هذا السباق المحموم على الوجود في المنطقة، خلال هذا الشهر، يوقع البعض في مطب الاستسهال. يكتفون بفساتين محتشمة بألوان ترتبط بالمنطقة، أو يعرفون أن أهل المنطقة يميلون إليها مثل الأخضر، يطلقون عليها اسم «تشكيلة رمضان»؛ لتسويقها.

المصمم السعودي العالمي محمد آشي لا يرفض فكرة طرح أزياء خاصة بهذا الشهر، وكانت له تجربة تجارية ناجحة من خلال مجموعة قفاطين، لكنه يقول إن الغرب يمكن أن يستفيد أكثر في حال استعان بخبراء ومتخصصين من أبناء المنطقة؛ لأنهم أكثر من يفهم ثقافتها وتلك الفروقات الدقيقة التي تميِّز بلداً عن آخر ولا يمكن أن يشعر بها شخص من ثقافة أخرى، مهما حاول

 

من تشكيلة «جيورجيو أرماني» لرمضان (خاص)

فرانشيسكا فانتوري، وهي مؤسِّسة شركة «إيليفايت» للعلاقات العامة بإيطاليا، وعملت في دبي لسنوات، تقول إن «هذا الشهر أصبح يمثّل للعلامات التجارية العالمية ما يمثّله يوم الحب العالمي أو أعياد الميلاد في الغرب، ومن ثم يتعاملون معه على هذا الأساس: بطرح منتجات حصرية ومحدودة بألوان يرون أنها تمثّل الثقافة العربية والإسلامية. وهذا يطرح السؤال عما إذا كان صناع الموضة يفهمون ما يعنيه الشهر الفضيل بالنسبة للملايين من المسلمين، أم أنه مجرد وسيلة لتسويق منتجاتهم»، وفقاً لتساؤلها.


«فندي» من بيوت الأزياء التي تربطها بالمنطقة علاقة جيدة (خاص)

ولا تخفي فانتوري أن النية قد تكون حسنة تستهدف تقديم منتجات متميزة وأنيقة تليق بسوق تقدِّر كل ما هو جميل: «لكن هناك استسهالاً وعدم تعمق في فهم المعنى الحقيقي لهذا الشهر»، مضيفة: «اسم (تشكيلة رمضان) بحد ذاته يتضمن مفهوماً مغلوطاً؛ لأنه يعطي الانطباع بأن رمضان بالنسبة للمسلمين يتمحور حول الاستهلاك، وصرف مبالغ طائلة على آخِر صيحات الموضة، مع أن الحقيقة هي عكس ذلك تماماً. إنه شهر الروحانيات والاهتمام بالآخر من خلال أعمال الخير والصبر والعطاء. أما المظهر الجميل فهو مُكمل لكل هذا وليس الأساس».

من تشكيلة «فندي» لرمضان 2023 (خاص)

توافقها الرأي راني إيلمي، وهي مؤسِّسة شركة «فرايم» للعلاقات العامة في دبي، وتتعامل مع بيوت أزياء مهمة مثل «إيترو» و«جيني» و«باي فار» وغيرها، بأن هناك مبالغة في التسويق والرغبة في الوجود عوض الاهتمام بالجانب الروحاني والخيري لهذا الشهر الفضيل. تقول: «أشعر أحياناً بأن بعض الأسماء العالمية لم تفهم بعدُ المعنى الحقيقي لهذا الشهر، من تواصل إنساني والإحساس بالغير، وغير ذلك من الأمور. تركز، في المقابل، على جانب السهر والولائم والحفلات».

من تشكيلة «هارفي نيكلز» (خاص)

الحل، بالنسبة لها، أن تفهم بيوت الأزياء العالمية أن سوق المنطقة مهمة طوال السنة وليس خلال رمضان وحده. لكن فرانشيسكا فانتوري ترى أنه على الشركات الإقليمية التي تُوظفها هذه العلامات أن تكون شُجاعة، بحيث تشرح لهم بعض التفاصيل الغائبة عنهم: «عليهم التعاون مع خبراء ومتخصصين لقراءة ما بين السطور، وفهم تلك التفاصيل المهمة التي لا يمكن أن تفهمها أو تشعر بها إلا إذا عشتها وتغلغلت في عُمقها».

من تشكيلة «ماج» الرمضانية (خاص)

وهذا تحديداً ما تدركه راني إيلمي عندما تقول إن جانباً من المشكلة التي باتت تستفزّ البعض، أن السباق لم يعد يقتصر على اقتطاع جزء من الكعكة الدسمة التي تشكِّلها المنطقة من خلال الدعايات التلفزيونية، أو طرح التشكيلات الحصرية باللونين الذهبي أو الأخضر فحسب، بل بات يشمل حفلات إفطار وسحور خاصة تقيمها بيوت الأزياء بشكل يومي تقريباً. ربما يكون الأمر، بالنسبة لها، وسيلة تعبّر بها عن احترامها لزبون المنطقة ورغبتها الصادقة في مشاركته احتفاليته بهذا الشهر، لكن إذا أخذنا العام الماضي مقياساً، فإن كثرتها باتت تثير استياء البعض لما تتطلبه من جهد ووقت. فهذا الشهر خاص بالعائلة والأحبّة والمقرَّبين. راني إيلمي تحاول تجنيب عملائها ركوب هذه الموجة «باقتراحي عليهم أن يقدموا هدايا عوض دعوات الإفطار والسحور التي من المفترض أن يقضيها الصائم مع الأهل والأقرباء والأصدقاء وليس مع العملاء».

الأخضر يتألق في هذا الشهر (خاص)
 

بالصور... مختارات «الشرق الأوسط» لأجمل التصاميم في حفل الأوسكار

نيز جبريل، وهي مستشارة موضة ولاكجري في دبي، أكدت بدورها أن كثرة حفلات الإفطار والسحور، التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة، أثارت موجة من الاستياء لدى شريحة كبيرة من الناس، ولا سيما من العاملين في مجال الموضة: «فالمعروف لدينا أن رمضان هو شهر البساطة والخير والعبادات ومساعدة الغير، لهذا خلقت كثرة هذه الحفلات والمأدبات ردّات فعل عكسية، حيث ترجمها البعض على أنها انتهازية»، ثم تستطرد: «أعتقد أن هذه الانتقادات تناهت إلى مسامع هذه العلامات العالمية. فمكاتبهم الإقليمية قدّمت، هذا العام، اقتراحات من شأنها أن تقوّي العلاقة من دون أن تخُص المتعارف عليه، مثل تقديم هدايا أو تبرعات لصالح أعمال خيرية عوض إقامة هذه الحفلات». وفي حين تبدو نيز جبريل متفائلة بأن أغلب العلامات التجارية صادقة في رغبتها في فهم المنطقة وربط علاقة جيدة معها تستمر طويلاً، تضيف راني إيلمي أنه من الخطأ إلقاء كل اللوم على العلامات التجارية: «علينا أن ندرك أن أكثر ما تفهمه هو الإيرادات، والأرقام تؤكد لهم دائماً أن رمضان من الأشهر التي لا تبخل فيها المرأة على مظهرها بالغالي والنفيس. من هذا المنظور، فإن المستهلك يسهم في ترسيخ بعض هذه الأفكار، حين يُقبل على هذه التشكيلات الحصرية بنهم، لتكون النتيجة ارتفاع المبيعات، ومن ثم تعزيز الانطباع الذي كوّنته العلامات العالمية عن رمضان بأنه شهر الاستهلاك والأرباح، لهذا لا يمكننا أن نلومهم على حرصهم على تسجيل حضورهم فيه بأي شكل من الأشكال»، وفق قولها.
ما لا يختلف فيه اثنان أن ما يزيد من وطيس هذا السباق على كسب ود الزبون الشرقي حالياً، الانفتاح الذي شهدته المملكة العربية السعودية، والذي أسهم في جعل المنطقة كلها بمثابة المُنقذ أو طوق النجاة الذي يتشبث به صُنّاع الترف في ظل غياب الصين وإغلاقها لثلاث سنوات تقريباً. فقطاع الموضة السعودي وحده قُدّر بـ24 مليار دولار أميركي في عام 2021، والتوقعات تشير إلى أن هذا الرقم سيزيد أكثر وأكثر في السنوات المقبلة، كما أن قطاع الموضة في منطقة الخليج كلها يقدَّر بـ89 مليار دولار أميركي.

كيف كانت البداية وكيف تطورت

في عام 2016 زاد وطيس المنافسة على نيل ود زبون المنطقة في هذا الشهر الفضيل.
فعندما طرحت دار «دولتشي آند غابانا» مجموعة عباءات، أثارت كثيراً من الجدل؛ بين مستاء لم ير فيها جديداً سوى أنها تلعب على مشاعر زبون يحب كل شيء يحمل توقيعاً عالمياً، ومعجَب على أساس أن العباءة أخذت حقها من الاهتمام. لكن في النهاية حققت المراد للدار الإيطالية، وحصدت أرباحاً طائلة فتحت عيون بقية بيوت الأزياء على فرصة ذهبية لا يجب تفويتها. الآن دخلت على الخط دُور مجوهرات عريقة وبيوت أزياء عالمية كانت في الماضي تُلمّح أو تقدم إصدارات بكميات قليلة وعلى استيحاء. من النادر حالياً غياب اسم عالمي عن هذه المناسبة، من «ديور» و«فندي» إلى «كارولينا هيريرا» و«ساندرو»، وهلمّ جرّاً، بل حتى علامة «فكتوريا سيكريت» المعروفة بملابسها الداخلية وعروضها المثيرة التي لا يتوقع أحد أن تصميماتها واستراتيجياتها تتمشى مع ثقافة رمضان، دخلت السباق، هذا العام، بمجموعة ملابس منزلية وبيجامات نوم طويلة وبأكمام من حرير الساتان. قالت إن الهدف منها «تسليط الضوء على أهمية حبّ الذات وقوة المرأة في الشهر الفضيل، والاحتفاء، في الوقت نفسه، بالجمال والسلام الداخلي». التفسير نفسه تقريباً قدّمته مصممة المجوهرات فاليري ميسيكا، التي أطلقت حملة جديدة لا تختلف عن تلك التي قدّمتها في العام الماضي، باستثناء اختلاف الوجوه. هذه السنة تعاونت مع لاعبة كرة المضرب السعودية يارا الحقباني، والمصمّمة الإماراتية مريم الرميثي، والممثّلة اللبنانية المقيمة في الكويت ليلى عبد الله، كُلّهن أجمعن على أن شهر رمضان المبارك يتمحور، بالنسبة لهن، حول التأمّل الذاتي والالتزام بالنمو على الصعيد الشخصي والمثابرة.
مصمم الأحذية كريستيان لوبوتان، الذي يقضي وقتاً لا بأس به في مصر، يعرف أهمية الفوازير، لهذا ركز حملته الرمضانية على إثارة مشاعر الحنين بداخلنا، بجعلها تيمة مجموعته الرمضانية، حسبما جاء في منشور أرفقه مع الحملة يقول فيه: «الفوازير من البرامج الفنية التي أحدثت ثورة في الأزياء والموضة في العالم العربي، وهي، لدى البعض، جزء لا يتجزأ من ذكريات رمضان».

يمكنك قراءة أيضا... عرض مثير لـ«دولتشي آند غابانا» في العلا

بدورها تحتفي علامة «ساندرو» بإطلاق مجموعة جديدة وحصرية تشمل فساتين طويلة تعتمد على ألوان الأخضر، والأخضر الزمرّدي، والأصفر.
في المقابل ركزت شركة «بنفت كوزمتكس» على مفهوم العطاء والعمل الخيري الذي يرتبط بهذه المناسبة، وطوَّرت برنامجاً رمضانياً مليئاً بالتحديات يجمع بين المرح والترفيه من خلال مسابقات شيّقة يذهب ريعها لصالح «جمعية النهضة»، وهي منظمة غير ربحية تدعم النساء في السعودية اجتماعياً واقتصادياً.


مقالات ذات صلة

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
لمسات الموضة «برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان».

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

«ميسيكا» تقدم إصدارها الجديد من خاتم «ماي توين توي آند موي My Twin Toi & Moi» بالألماس بمطعم «لابيروز» التاريخي حيث يلتقي الفن الباريسي بالتاريخ والجمال الخالد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على إرباك المتلقي ودفعه لإعادة النظر فيما اعتاده؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)

أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

لا يزال أسبوع الهوت كوتور لربيع وصيف 2026 بباريس مستمراً في إتحاف عشاق الموضة بأجمل الأزياء وأكثرها ابتكاراً. فهذا الموسم يختلف عما تابعناه لسنوات، بفضل دخول…

«الشرق الأوسط» (لندن)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».


«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
TT

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

مع اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان». هذا السباق؛ الذي كان إلى عهد قريباً سباقاً تجارياً بحتاً يتودد إلى زبونة لا تبخل على نفسها وأحبتها بالغالي والرخيص في هذه المناسبة، أصبح مع الوقت سباقاً على كسبها بما يُرضيها. لم يعد من الأولويات طرحُ إكسسوارات جلدية فاخرة بلمسات لامعة وزخرفات غنية، وأزياء بتصاميم طويلة تطبعها ألوان مستوحاة من رمال الصحراء الذهبية أو من الأخضر الزمردي الذي تربطه بالمنطقة حالة عشق ممتدة.

ألوان هادئة وتصاميم راقية تهمس أكثر مما تصرخ (برونيلو كوتشينيلّي)

فهذه الزبونة باتت تُدقق في كل شيء، ولم يعد همّها الصرعات التي تنتهي بانتهاء موسم واحد. أصبحت أعمق وعياً بأهمية الاستدامة من خلال الاستثمار في قطع بجودة عالية تغذي الرغبة في التألق والتميز، وفي الوقت ذاته تستمر مدة أطول.

والنتيجة كانت أن بيوت الأزياء الكبيرة وسعت الخيارات، وكسرت المتوقع أو تلك الصورة النمطية التي رسموها في أذهانهم عن هذا الشهر ومتطلباته. تنوعت الألوان لتشمل كل ألوان الموضة، مثل الأبيض والعنابي، كما تخففت الإكسسوارات والأزياء المقترحة من التطريزات الكثيرة.

صورة رسمتها دار «برونيلو كوتشينيلّي» للمرأة العربية لا تحتاج إلى تسويق (برونيلو كوتشينيلّي)

في المقابل، قدم معظمهم تصاميم تهمس بالرقي بدل الصراخ، وليس أدلّ على هذا من دار «برونيلو كوتشينيلّي» التي قدمت تصاميم تنبض رقياً وأناقةً، من خلال عبايات تأخذ في كل تفاصيلها ثقافة المنطقة من جهة؛ وموسم الخريف والشتاء من جهة ثانية... معاطف وفساتين طويلة بأكمام وكنزات من الكشمير ناعمة، وبنطلونات مستوحاة من عالم الفروسية، وأوشحة رأس تحولت زينةً نظراً إلى جمالها وتناسقها مع البشرة العربية... كل ما في هذه التشكيلة مرسوم لامرأة تريد خيارات عملية وعقلانية تتعدى ما تتطلبه اللحظة أو المناسبة، بل تريدها استثماراً طويل المدى، أو على الأقل تستفيد منها سنوات بدل شهر واحد.

من مقترحات دار «بيربري» للشهر الفضيل (بيربري)

كذلك دار «بيربري» التي تقدم مجموعة رمضانية بأسلوب يعكس هويتها بشكل واضح، وذلك من خلال نقشات المربعات اللصيقة بها، وظهرت في معاطف واقية من المطر خفيفة تناسب أجواء المنطقة الدافئة، وأوشحة من الكشمير. وتتضمن التشكيلة أيضاً أحذية «سلون (Sloane)» المفتوحة من الخلف، وحقائب «برايدل (Bridle)» المطرزة بأحجار الراين الشفافة والمزينة بنقشة الدار الكلاسيكية المتقاطعة باللون البيج، بالإضافة إلى نظارات شمسية بمفصل معدني على شكل شعار الفارس «نايت (Knight)» الخاص بالعلامة؛ مزينٍ بأحجار الكريستال.

في أول تشكيلة رمضانية له وضع جوناثان آندرسون لمساته على حقيبة «لايدي ديور» بشكل زادها أناقة (ديور)

«ديور» لم تخرج من السباق، بل دخلته بقوة أكبر هذه المرة؛ فجوناثان آندرسون، الذي قدم أول مجموعة من خط الـ«هوت كوتور» منذ فترة قصيرة أبهر بها عالم الموضة، يقدم هنا أول مجموعة رمضانية له أيضاً. بحسه الفني، فتح فصلاً جديداً احترم فيه ذوق المرأة العربية، مدركاً أنها لا تريد تغيير رموز الدار الأساسية: فهي تعشقها.

«لايدي ديور» مطرزة بالورود (ديور)

حقيبة «لايدي ديور» مثلا عادت بلمسة مميزة عبارة عن عقدة أنيقة بتوقيع خاص من المصمم، وأخرى تكسوها زخارف زهرية دقيقة من مئات البتلات الوردية. لم يكن الغرض منها مخاطبة امرأة معروفة بحبها التطريز والبريق، بقدر ما كان احتراماً لإرث دار عشق مؤسسها الورود وزرعها بحب في حدائقه وأزيائه كما في عطوره وإكسسواراته.

لم تعد الألوان مقتصرة على ألوان الصحراء والذهبي... ودخل العنابي على الخط في كثير من الإكسسوارات (ديور)

في هذه المجموعة، لم يكتف آندرسون بالأزياء والإكسسوارات، مثل حقيبتَي «لايدي ديور» و«ديور بو» أو أحذية لكل المناسبات المهمة فقط، بل أبدع مجموعة من المجوهرات يمكن أن ترتقي بأي زيٍّ مهما كانت بساطته. لم يغب اللون الذهبي عن المجموعة، لكنه أضاف إليه مجموعة بألوان العنابي والوردي والأبيض ليخاطب كل المناسبات والأذواق.


خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
TT

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

بين بريق المجوهرات وقصة حب وراء إبداعها، وأروقة مطعم أيقوني يحمل بين جدرانه تاريخاً وقصصاً لا تُنسى، صُوّرت مجموعة «ميسيكا» و«لابيروز» الجديدة لتغذي كل الحواس وتوقظ الذاكرة بمناسبة «عيد الحب». ورغم أن «ميسيكا» علامة شابة وُلدت منذ نحو 21 عاماً، و«لابيروز» مطعم باريسي يعود عمره إلى 260 عاماً، فإنه حدث بينهما تناغم عجيب والتحام يجمع التاريخ والحداثة.

نسجت فاليري خيوطاً بين الماضي والحاضر عبر علاقة حب طويلة بالألماس (ميسيكا)

بمناسبة «عيد الحب»، اختارت «ميسيكا» أن تقدم نسختها الجديدة والحصرية من خاتم «ماي توين توي آند موي (My Twin Toi & Moi)»، في مطعم «لابيروز»؛ والسبب أن المطعم يتعدى أنه مكان فاخر لتناول أشهى الأطباق، إلى ما هو أكثر. فإلى جانب أنه رمز للفن الباريسي في العيش، فقد اشتهر عبر الأجيال بخصوصية أجوائه التي احتضنت قصص الحب وأسراره على مدى قرون.

بدأت قصة «لابيروز» عام 1766 عندما تأسس في عهد لويس الـ15، وسرعان ما ترسّخ في ذاكرة المجتمع الباريسي مكاناً فريداً من نوعه، وعنواناً للقاء الأحبة. وفي عام 1850، وتحت إدارة جول لابيروز، أصبح من أوسع وجهات «لوتو باريس» رواجاً، مستقطباً أسماء لامعة مثل موباسان، وزولا، وفيكتور هوغو، ورودان، وسارة برنار. وهذا العام انضمت فاليري ميسيكا إلى هذه الباقة من المبدعين. هي أيضاً تعشق الأساطير وقصص التاريخ وتتقن صياغتها بلغتها الخاصة.

فاليري تخدش المرآة بخاتم «كونكورد» المرصع بماسة سوليتير بوزن 6 قراريط (ميسيكا)

اكتشفت فاليري أن في صالونات هذا المطعم الخاصة تُروى أسطورة تعود إلى القرن الـ19 مفادها بأن النساء كن يتعمدن خدش المرايا بالأحجار الكريمة، وتحديداً الألماس؛ لاختبار أصالتها. هذه الخدوش لا تزال شاهدة على تلك اللحظات حتى اليوم، وكان من الطبيعي أن تُحفّز خيال المصممة.

يحمل خاتم «ماي توين» الجديد نقشاً خاصاً «Messika x Lapérouse» ليُخلّد هذه الشراكة الفريدة بالذهب والألماس (ميسيكا)

وهكذا وُلدت فكرة استحضار الرابط الأبدي الذي يجمع بين المرأة والألماس من خلال إصدار جديد من تصميم «ماي توين» الأيقوني. جاء هذه المرة مصنوعاً من الذهب الوردي ويجمع بين حجرين من الألماس يزن كلّ منهما 0.60 قيراط؛ أحدهما مقطوع على شكل الكمثرى، والآخر على شكل الزمرد، موضوعين وجهاً لوجه في تناغم عصري يعبّر عن مفهوم «تُوَا إيْ مُوَا (أنت وأنا)». يستمد الخاتم طابعه الرومانسي من امتزاج شكلين متناقضين يكمل كلاهما الآخر، وتحيط بكل حجر هالة من الياقوت الأحمر، في تباين لوني جريء يُجسّد قوة الحب والترابط. كما يعبّر التصميم عن فلسفة «ميسيكا» في الانسجام عبر التناقض بدل التماثل.

نغمات من الأحمر العميق وأطباق شهية شكلت خلفية للألماس (ميسيكا)

تقول فاليري عن هذه الخطوة: «(لابيروز) يلمس قلبي منذ زمن طويل، فهو يجسّد وجهاً من وجوه باريس؛ تلك المدينة التي يسطع فيها الضوء كأنّه صندوق مجوهرات. ما يزيد من أهميته بالنسبة إليّ كيف تُشكّل الألماسات جزءاً من روحه. هذا إضافة إلى أن تاريخه يحمل طابعاً من الحرية والجرأة المبطّنة، وهو ما يتناغم تماماً مع هوية دار (ميسيكا). أردت عبر هذا التصميم أن أنسج خيوطاً بين الماضي والحاضر، وأن أُحيي هذا الطقس الرمزي للحب والألماس الذي خلّف أثره على مرآة الحُب بإحساس بالغ بالرهافة».

الألماس والحب... علاقة أبدية لعبت عليها المصممة (ميسيكا)

لتجسيد هذه المشاعر تعاونت مع المصوّرة أوليفيا هودري لكي تتواصل هذه القصة عبر سلسلة من الصور مستوحاة من عالم «لابيروز» برومانسيته وغموضه، وهو ما يُفسِر الخلفية التي تغلب عليها نغمات الأحمر العميق والعناصر الحسيّة.