الغرب يتوعد طهران بالمحاسبة ما لم توضح منشأ يورانيوم 84 %

الثلاثي الأوروبي محذراً من مخزون اليورانيوم الإيراني: لا يمكن استبعاد احتمال تصنيع جهاز متفجر نووي

صورة نشرتها وكالة «الطاقة الدولية» من انطلاق اجتماعها الفصلي في فيينا الاثنين الماضي
صورة نشرتها وكالة «الطاقة الدولية» من انطلاق اجتماعها الفصلي في فيينا الاثنين الماضي
TT

الغرب يتوعد طهران بالمحاسبة ما لم توضح منشأ يورانيوم 84 %

صورة نشرتها وكالة «الطاقة الدولية» من انطلاق اجتماعها الفصلي في فيينا الاثنين الماضي
صورة نشرتها وكالة «الطاقة الدولية» من انطلاق اجتماعها الفصلي في فيينا الاثنين الماضي

حذَّرت الدول الأوروبية إيران من أن عدم توضيحها «بشكل عاجل وفوري» مسألة العثور على آثار يورانيوم مخصب بنسبة 84 في المائة سيعرضها «للمحاسبة». وأضافت الدول الثلاث وهي ألمانيا وفرنسا وبريطانيا في بيان مشترك، أنها «لم تقتنع» بشرح إيران سبب العثور على هذه الآثار وتفسيرها بأنه كان «حادثاً عرَضياً». ودعت الدول أمين عام الوكالة رافائيل غروسي إلى إبقائها مطلعة «بأسرع وقت ممكن» على نتائج تعاون إيران، وقبل الاجتماع المقبل لمجلس المحافظين في يونيو (حزيران). وفي هذا إشارة إلى إمكانية دعوة الدول الغربية لاجتماع طارئ لمجلس المحافظين لبحث إيران قبل الاجتماع الدوري بعد 3 أشهر.
وطغت مسألة العثور على آثار اليورانيوم بهذه النسبة المرتفعة على نقاشات مجلس المحافظين التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية. ووصفت الدول الأوروبية الثلاث العثور على آثار يورانيوم بنسبة 84 في المائة، بأنها «خطوة تصعيدية جديدة تطرح أسئلة حول نوايا برنامج إيران النووي الذي يشكل تهديداً واضحاً للمنطقة والأمن العالمي»، مضيفة بأنه «لا يوجد تبرير مدني مقبول للتخصيب بهذه المستويات العالية».
وأشار البيان، الذي يعد من أشد البيانات لهجة التي تصدر عن الدول الثلاث حول إيران، إلى خطوات أخرى اتخذتها إيران تدل على عدم شفافيتها في برنامجها النووي، وتتعلق بتعديل إيران لأجهزة الطرد المركزي من الجيل السادس في منشأة فوردو، إضافة إلى استمرار رفضها إعطاء أجوبة حول المواقع السرية الثلاثة وتخفيض عمليات مراقبة المفتشين وإبقاء كاميرات المراقبة مغلقة. واستنتجت الدول الأوروبية بأن هذه الخطوات «تقرب إيران بشكل خطير من الأنشطة الفعلية المتعلقة بالسلاح النووي وتقوض مزاعم إيران بأن برنامجها سلمي». وقال البيان إن مخزون إيران من اليورانيوم المخصَّب بنسبة 60 في المائة «ضعف كمية المواد النووية التي لا يمكن استبعاد احتمال تصنيع جهاز متفجر نووي منها».
وألقت السفيرة الأميركية للوكالة الذرية لورا هولغايت كملة أمام مجلس المحافظين شكلت صدى لبيان الدول الأوروبية الثلاث. ودعت هولغايت إيران لتوضيح مسألة العثور على آثار يورانيوم بنسبة 84 في المائة، «بشكل عاجل»، ووصفت الخطوة «عن قصد أو غير قصد» بأنها تستمر «بزيادة التوتر إلى درجات غير مسبوقة».
وقالت هولغايت إن «استمرار إيران في إنتاج اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60 في المائة ليس له أغراض سلمية موثوقة. لا توجد دولة أخرى في العالم اليوم تستخدم اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة للغرض الذي تزعمه إيران»، وفي إشارة إلى أنشطة إيران في منشأة فوردو، أضافت: «يجب على إيران أن تكف عن استفزازاتها النووية ومتابعتها المستمرة للخطوات التي تشكل مخاطر انتشار خطيرة».
ورغم «القلق البالغ»، الذي عبر عنه مندوبو الدول الغربية داخل مجلس المحافظين من العثور على آثار يورانيوم عالية التخصيب بدرجات غير مسبوقة، فإنها رحبت في المقابل بالاتفاق بين غروسي وطهران، ولكنها بقيت حذرة تجاه التعاون الذي ما زال على إيران أن تثبته.
وقال دبلوماسي غربي رفيع مشارك في اجتماع مجلس المحافظين لـ«الشرق الأوسط»، إن الدول الغربية تأخذ مسألة العثور على يورانيوم مخصب بنسبة 84 في المائة «بالكثير من الجدية والقلق البالغ»، ولكنها تنتظر تفسير إيران بعد أن وعدت غروسي بذلك. ولكنه أضاف مشككاً في الحصول على رد مقنع، وقال: «لا نعرف تحديداً ما الذي تم الاتفاق عليه مع غروسي، ولكن علينا منح إيران فرصة». وأشار إلى أن إيران «لا يمكنها أن تستمر بهذه اللعبة طويلاً»، معبراً عن أمله بأن تتعاون تفادياً لتصعيد جديد.
وغروسي نفسه لا يبدو واثقاً من الاتفاق مع إيران، إذ تراجع عن بعض ما كان أعلنه ليلة عودته من طهران إلى فيينا عندما قال إن إيران ستعيد تركيب كاميرات المراقبة التي أزالتها سابقاً وإنها سمحت بالوصول إلى المواقع السرية ولأشخاص ذوي أهمية تريد الوكالة الحديث إليهم ضمن تحقيقها. وبعد أن نفت إيران الاتفاق على أي من تلك الأمور، عاد غروسي وقال في المؤتمر الصحافي الذي عقده في بداية انطلاق أعمال مجلس المحافظين، إن بعض الأمور ما زالت بحاجة للاتفاق عليها مع إيران، وإن فريقاً من الوكالة يسافر قريباً إلى طهران للقيام بذلك.
وقررت الدول الغربية عدم طرح مشروع قرار جديد يدين إيران هذه المرة داخل مجلس المحافظين، بعد أن تبلغت من غروسي بأنه توصل لتفاهمات محسوسة مع المسؤولين الإيرانيين لشرح المسائل العالقة. وقال دبلوماسيون غربيون مشاركون في اجتماعات المجلس لـ«الشرق الأوسط» إن المجلس سينتظر ويقيّم ما يقدم الإيرانيون لغروسي في الأسابيع المقبلة قبل اتخاذ خطوات إضافية. ووصف أحد الدبلوماسيين الغربيين عدم طرح مشروع قرار يدين إيران هذه المرة بأنه «هدوء ما قبل العاصفة».
ودعت الصين أيضاً في كلمة ألقاها مندوبها لي سونغ أمام مجلس المحافظين، إيران إلى التعاون مع الوكالة وحل المسائل العالقة «في أقرب وقت ممكن». وحثَّ الأطراف المعنية على «الهدوء وضبط النفس لخلق الشروط اللازمة لاستئناف الجهود الدبلوماسية». واتهم السفير الروسي ميخائيل أوليانوف من جهته الدول الغربية بعرقلة التوقيع على الاتفاق النووي مع إيران، وقال إنه ليس هناك «خطة ب» وأنه يجب العودة للاتفاق النووي.
وحمَّل الدبلوماسيون الغربيون إيران مسؤولية عدم التوقيع على الاتفاق، وذكرت المندوبة الأميركية والدبلوماسيون الأوروبيون بأن إيران امتنعت عن توقيع الاتفاق في أغسطس (آب) العام الماضي، مشيرين إلى أن الوضع زاد تعقيداً منذ ذلك الحين. وقالت السفيرة الأميركية إن إيران أدخلت شروطاً غير مرتبطة بالاتفاق ولا يمكن القبول بها مثل دعوتها لوقف التحقيق الذي تجريه الوكالة الدولية بالمواقع النووية السرية، وأضافت أنه «لا يمكن تخيل أن الوكالة قد تقوم بأي خطوة مماثلة مع أي دولة».
وشكك بضع الدبلوماسيين بنوايا إيران في التعاون مع غروسي رغم الوعود التي قطعتها عليه خلال زيارته لطهران الأسبوع الماضي. وذكَّر أحدهم في حديث لـ«الشرق الأوسط» بالاتفاق الذي تم التوصل إليه قبيل اجتماع مجلس المحافظين في مارس (آذار) العام الماضي بين إيران وغروسي. وكان الاتفاق آنذاك أكثر تحديداً ويتحدث عن مهل زمنية لم تفِ إيران بأي منها. ومقارنة بنص الاتفاق من العام الماضي، فإن الاتفاق الذي عاد به غروسي هذه المرة من طهران كان عاماً ويحمل الكثير من التفسيرات ولا يتضمن أي مهل زمنية. ويتحدث البيان عن أن إيران ستتعاون مع الوكالة في تحقيقها حول المواقع السرية وتوافق على زيادة عمليات المراقبة.
واتفاق العام الماضي الذي صدر بتاريخ 5 مارس 2022. تحدث عن أن الوكالة الذرية الإيرانية ستزوّد الوكالة الدولية برد مكتوب يتضمن شرحاً ووثائق تدعم الشرح، حول المواقع السرية الثلاثة، خلال 20 يوماً.
وتضمن الاتفاق أيضا أن الوكالة ستقيم الرد وترسل أي أسئلة إضافية لإيران خلال أسبوعين وأن غروسي سيلتقي بعد أسبوع من ذلك بالمسؤولين الإيرانيين في طهران لشرح هذه المسائل. وأضاف الاتفاق أن غروسي سيطلع مجلس المحافظين على النتائج قبل اجتماع يونيو 2022. ولكن الرد الذي حصل عليه غروسي آنذاك لم يكن «مقنعاً تقنياً»، وأبلغ المجلس بذلك الذي أصدر بدوره مشروع قرار يدين إيران ويدعوها للتعاون. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تبنى المجلس قراراً جديداً يدين إيران بسبب استمرار غياب تعاونها في التحقيق.


مقالات ذات صلة

«الطاقة الذرية» تؤكد وضع كاميرات في إيران

شؤون إقليمية «الطاقة الذرية» تؤكد وضع كاميرات في إيران

«الطاقة الذرية» تؤكد وضع كاميرات في إيران

أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التقارير بشأن إعادة وضع كاميرات مراقبة في إيران، في سياق الاتفاق الأخير بين مدير الوكالة التابعة للأمم المتحدة والمنظمة الإيرانية للطاقة الذرية. وقال فريدريك دال، المتحدث باسم الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية، أمس، إن «العمل جار» دون تحديد عدد الكاميرات أو المواقع التي وصلتها الوكالة الدولية. وأفادت «جمعية الحد من التسلح» التي تراقب امتثال لدول لمعاهدة حظر الانتشار النووي ومقرها واشنطن، بأن الوكالة الدولية بدأت في إعادة تركيب كاميرات المراقبة في بعض منشآت إيران التي تقترب من عتبة الأسلحة النووية. وتوصل غروسي في طهران بداية مارس

«الشرق الأوسط» (فيينا)
شؤون إقليمية أنباء عن إعادة كاميرات المراقبة «الأممية» في منشآت نووية إيرانية

أنباء عن إعادة كاميرات المراقبة «الأممية» في منشآت نووية إيرانية

أفادت «جمعية الحد من التسلح» بأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدأت في إعادة تركيب كاميرات المراقبة في بعض المنشآت النووية الإيرانية بموجب الاتفاق الأخير بين مدير الوكالة رافائيل غروسي، وإيران التي تقترب من عتبة الأسلحة النووية. وتوصل غروسي طهران في بداية مارس (آذار) إلى اتفاق مع المسؤولين الإيرانيين بشأن إعادة تشغيل كاميرات المراقبة في مواقع نووية عدة وزيادة عمليات التفتيش في منشأة فوردو. وتسبب الاتفاق في تفادي مجلس محافظي التابع للوكالة الدولية إصداراً جديداً يدين طهران بسبب عدم تجاوبها مع مطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، خصوصاً تلك المتعقلة بالتحقيق في ثلاثة مواقع سرية، عثر فيها على آثا

«الشرق الأوسط» (فيينا)
شؤون إقليمية الكشف عن «فوردو»... أبرز تسريبات مسؤول أعدمته إيران بتهمة التجسس

الكشف عن «فوردو»... أبرز تسريبات مسؤول أعدمته إيران بتهمة التجسس

بعد نحو 5 أشهر على إعدام علي رضا أكبري، النائب السابق لوزير الدفاع الإيراني، على خلفية اتهامه بالتجسس لصالح بريطانيا، نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مصادر إسرائيلية وإيرانية أن المسؤول السابق «كان جاسوساً غير متوقع» بسبب ولائه الشديد للنظام، لكنه لعب دوراً رئيسياً في الكشف عن منشأة فوردو التي ضمت أنشطة سرية لإيران قبل أن تعترف طهران بوجود موقع تخصيب اليورانيوم الواقع تحت الأرض في عام 2009. وأعدم أكبري (62 عاماً)، الذي يحمل الجنسية البريطانية، فجر 14 يناير (كانون الثاني)، بعد ثلاثة أيام من تسريب قضية اعتقاله لوسائل الإعلام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية موسكو تُحمل الغرب تعثر إحياء «الاتفاق النووي»

موسكو تُحمل الغرب تعثر إحياء «الاتفاق النووي»

حذر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أمس من ضياع فرص إحياء الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، وحمّل الغرب مسؤولية تعثر المفاوضات. وقال لافروف خلال مؤتمر صحافي في نيويورك أمس: «سيكون من الخطأ الفادح تفويت فرصة استئناف خطة العمل الشاملة المشتركة بشأن برنامج إيران النووي»، وحمّل «تصرفات الغرب» المسؤولية إذ قال «في هذه المرحلة، لا يعتمد استئناف الاتفاق، على إيران أو روسيا أو الصين... الذين دمروه يجب عليهم إعادته إلى الحياة الآن». وانتقد لافروف «متطلبات جديدة لم يتم ذكرها في المسودة الأولى للاتفاق». وأضاف «لنفترض أنه تم التوصل إلى اتفاق لاستئنافه منذ فترة طويلة.

شؤون إقليمية عبداللهيان يتحدث عن «مبادرات» لاستئناف مفاوضات «النووي»

عبداللهيان يتحدث عن «مبادرات» لاستئناف مفاوضات «النووي»

أعلن وزير الخارجية الإيراني أمير حسين عبداللهيان، أمس أن بلاده تلقت أفكاراً بشأن مفاوضات إحياء الاتفاق النووي لعام 2015 عن إيران، معرباً عن امتنانه للدور البناء لسلطان عمان ونواياه الصادقة في هذا الصدد. وفي اليوم الثاني لزيارته إلى عمان التي اختتمها أمس متوجهاً إلى بيروت، قال عبداللهيان عقب لقائه مع نظيره العماني إن مسقط «تلعب دائماً دوراً بناء» في محادثات النووية، وأضاف «قد أجرينا المشاورات اللازمة في هذا الصدد». وفي وقت لاحق، نقلت وكالة الأنباء العمانية عن عبداللهيان القول إن سلطنة عُمان لديها «مبادرات جدية» فيما يخص الملف النووي الإيراني «ستسهم» في عودة المفاوضات. وذكرت وزارة الخارجية العما

ميرزا الخويلدي (مسقط)

مسؤول إيراني: مراسم تشييع خامنئي ستتضمن محطة في العراق

طالبات يرفعن صورة للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي خلال مظاهرة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في بغداد... 12 مارس 2026 (أ.ف.ب)
طالبات يرفعن صورة للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي خلال مظاهرة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في بغداد... 12 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مسؤول إيراني: مراسم تشييع خامنئي ستتضمن محطة في العراق

طالبات يرفعن صورة للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي خلال مظاهرة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في بغداد... 12 مارس 2026 (أ.ف.ب)
طالبات يرفعن صورة للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي خلال مظاهرة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في بغداد... 12 مارس 2026 (أ.ف.ب)

قال مسؤول إيراني، اليوم الأربعاء، إن مراسم تشييع المرشد علي خامنئي، الذي قتل في مطلع الهجوم الأميركي الإسرائيلي في فبراير (شباط)، ستتضمن محطة في العراق، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت السلطات الإيرانية أعلنت أن المراسم ستبدأ في الرابع من يوليو (تموز)، وتشمل محطات في طهران وقم، قبل أن يوارى الجثمان الثرى في مشهد (شمال شرق) في التاسع من الشهر.

وقال رئيس بلدية طهران علي رضا زاكاني في مقطع فيديو بثته وسائل إعلام رسمية إن مراسم «ستقام في العراق في الثامن من يوليو 2026، وفي التاسع من يوليو، في مشهد».


ترمب يهدد إيران باستئناف القصف قبل توقيع مذكرة التفاهم

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال جلسة عمل على هامش قمة مجموعة السبع في إيفيان الفرنسية (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال جلسة عمل على هامش قمة مجموعة السبع في إيفيان الفرنسية (رويترز)
TT

ترمب يهدد إيران باستئناف القصف قبل توقيع مذكرة التفاهم

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال جلسة عمل على هامش قمة مجموعة السبع في إيفيان الفرنسية (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال جلسة عمل على هامش قمة مجموعة السبع في إيفيان الفرنسية (رويترز)

هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، باستئناف العمليات العسكرية ضد إيران إذا لم تلتزم طهران بتعهداتها، قبل يومين من التوقيع المرتقب على مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية الهادفة إلى إنهاء الحرب في الشرق الأوسط، في مؤشر إلى أن الاتفاق لا يزال هشاً رغم الترحيب الدولي به.

وقال ترمب، على هامش قمة مجموعة السبع في مدينة إيفيان الفرنسية، وإلى جانبه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إن مذكرة التفاهم مع إيران «ليست نهائية»، مضيفاً: «إذا لم تعجبني، فسنعود إلى إطلاق النار عليهم وإلقاء القنابل على رؤوسهم».

وتابع الرئيس الأميركي: «إذا لم تعجبني، وإذا لم يحسنوا السلوك، فسنعود فوراً إلى إلقاء القنابل في منتصف رؤوسهم بالضبط». وأوضح أن مذكرة التفاهم لا تتضمن تخفيفاً فورياً للعقوبات المفروضة على طهران، لكنه قال إن هذه المسألة ستُبحث في وقت لاحق.

وتأتي تصريحات ترمب في لحظة حساسة، إذ يفترض أن يوقع الطرفان، الجمعة في سويسرا، مذكرة تفاهم تمهّد لتمديد وقف إطلاق النار الذي أُعلن في أبريل لمدة 60 يوماً، وفتح مفاوضات حول تسوية نهائية تنهي الحرب، وتعيد فتح مضيق هرمز، وترفع الحصار البحري الأميركي عن إيران.

اتفاق غير مكتمل

أعلن مسؤولون أميركيون وإيرانيون، الأحد، التوصل إلى إطار لإنهاء الحرب بين البلدين، ورفع الحصار الأميركي عن إيران، وإعادة فتح مضيق هرمز، الذي تحوّل منذ إغلاقه الفعلي إلى إحدى أكثر نقاط الضغط حساسية في أسواق الطاقة العالمية.

لكن ترمب حرص، الأربعاء، على إبقاء الاتفاق تحت سقف مشروط. فالمذكرة، كما وصفها، ليست تسوية نهائية، ولا تمنح طهران تخفيفاً فورياً للعقوبات. وهي، في نظر واشنطن، اختبار لسلوك إيران قبل الانتقال إلى المرحلة التالية من التفاوض.

ويقول مسؤولون أميركيون إن المناقشات اللاحقة يفترض أن تتناول مستقبل البرنامج النووي الإيراني، بما في ذلك مصير مخزون اليورانيوم المخصب. لكن هذا الملف لا يزال مفتوحاً على تفسيرات متباينة؛ فواشنطن تتحدث عن إخراج المخزون أو تدميره، في حين تؤكد طهران أن أي معالجة يجب أن تتم ضمن اتفاق نهائي يحفظ احتياجاتها النووية.

ولم تحقق الولايات المتحدة، حتى الآن، كثيراً من الأهداف التي أعلنها ترمب في بداية الحرب. فالنظام الإيراني لا يزال قائماً، ولم تسلم طهران مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، ولم تُدمر قدراتها الصاروخية بالكامل، كما لم يتوقف دعمها لجماعات مسلحة مناهضة لإسرائيل، وفي مقدمتها «حزب الله» في لبنان.

إيرانيون يمرون أمام لوحة تذكارية لقتلى الحرب الإسرائيلية - الأميركية في طهران، بينما بدأت أولى ناقلات النفط الإيرانية مغادرة الحصار في مضيق هرمز (أ ف ب)

العقوبات والنفط

فتح الاتفاق المؤقت الباب أمام توقعات بتخفيف جزئي للقيود على إيران، خصوصاً في قطاع النفط، لكن ترمب سعى إلى الفصل بين توقيع المذكرة وبين أي مكاسب اقتصادية فورية لطهران.

وقال إن مذكرة التفاهم لا تشمل تخفيفاً فورياً للعقوبات، وإن هذه المسألة ستناقش لاحقاً. ويأتي ذلك في وقت قال فيه مسؤول أميركي كبير إن الولايات المتحدة سترفع عقوبات عن النفط الإيراني بموجب الاتفاق، بما قد يفتح الباب أمام زيادة المعروض بملايين البراميل.

وتراجعت أسعار النفط مجدداً، الأربعاء، تحت ضغط توقعات إعادة فتح مضيق هرمز وزيادة الإمدادات. وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت إلى ما دون 80 دولاراً للبرميل، في أدنى مستوى منذ اندلاع الصراع بين الولايات المتحدة وإيران.

ومع ذلك، يحذر مسؤولون في قطاع الطاقة من أن إنتاج النفط والغاز في الشرق الأوسط قد يحتاج إلى أشهر للعودة إلى مستوياته السابقة، حتى إذا فُتح المضيق رسمياً واستؤنفت حركة الملاحة. فالمخاطر البحرية، والأضرار التي خلفتها الحرب، وارتفاع كلفة التأمين، تجعل العودة إلى الوضع الطبيعي عملية تدريجية.

لبنان عقدة معلقة

يبقى لبنان إحدى أكثر القضايا تعقيداً في الاتفاق. فقد دخلت الجبهة اللبنانية في مسار الحرب بعد أن أطلق «حزب الله» النار عبر الحدود تضامناً مع طهران عقب الضربات الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ثم اجتاحت إسرائيل مناطق في جنوب لبنان في مارس، بهدف القضاء على الحزب.

ولا تزال القوات الإسرائيلية تسيطر على جزء كبير من جنوب لبنان، حيث نزح أكثر من مليون شخص. لكن «حزب الله» لم يُهزم، ولا تزال طهران تعتبر أن أي وقف دائم للحرب يجب أن يشمل لبنان أيضاً، وأن يؤدي إلى انسحاب إسرائيلي.

دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت في صورة أرشيفية من أبريل 2026 (رويترز)

في المقابل، تقول إسرائيل إنها ليست طرفاً في المفاوضات الأميركية - الإيرانية، وإنها لن تنسحب من المناطق التي تسيطر عليها، وتحتفظ بحق استخدام القوة العسكرية. وأدى ذلك إلى خلاف واضح بين واشنطن وتل أبيب، بعدما قال ترمب، الثلاثاء، إنه «غير راضٍ» عن طريقة تعامل إسرائيل مع الموقف في لبنان.

وأضاف ترمب في القمة: «بدوننا، بدون الولايات المتحدة، لما كانت هناك إسرائيل. وبدوني، لما كانت هناك إسرائيل، لأنه لم يكن هناك رئيس آخر مستعداً لفعل ما فعلته».

وقال متحدث باسم «حزب الله» إن الجماعة تعتقد أن إيران لن توافق على هدنة دائمة ما لم ينتهِ الوجود الإسرائيلي في لبنان، في إشارة إلى أن ملف الجبهة اللبنانية قد يظل قادراً على تعطيل المسار السياسي حتى بعد توقيع مذكرة التفاهم.

ترحيب روسي مشروط

في موازاة التحذير الأميركي، رحبت روسيا بالتفاهم بين واشنطن وطهران، ودعت إلى التزام جميع الأطراف بموجباته، بما في ذلك إسرائيل.

وقالت وزارة الخارجية الروسية إن الوزير سيرغي لافروف بحث في اتصال هاتفي مع نظيره الإيراني عباس عراقجي الاتفاق الأميركي - الإيراني لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط، وأبلغه أن موسكو مستعدة لتقديم الدعم.

وأضافت الخارجية الروسية أن لافروف أكد دعم موسكو للتفاهمات التي جرى التوصل إليها بوساطة باكستان وقطر لخفض التوترات في المنطقة، مشدداً على أهمية التزام جميع الأطراف الضالعين في النزاع المسلح، بمن فيهم إسرائيل.

وأكدت موسكو استعدادها لدعم الجهود الرامية إلى حل الأزمة «بناء على خبرتها الفريدة ومعرفتها المتخصصة»، في إشارة إلى رغبة روسية في الاحتفاظ بدور سياسي في ترتيبات ما بعد الحرب، لا سيما في ظل علاقتها الوثيقة مع طهران واتصالاتها المتواصلة مع أطراف إقليمية أخرى.

اختبار ما قبل التوقيع

قبل يومين من التوقيع المرتقب، تبدو مذكرة التفاهم أقرب إلى هدنة مشروطة منها إلى اتفاق سلام مكتمل. فهي توقف الحرب مؤقتاً، وتفتح مضيق هرمز، وتمنح واشنطن وطهران 60 يوماً لصوغ تسوية أوسع. لكنها لا تحسم بعد الملفات التي فجّرت الحرب: البرنامج النووي، العقوبات، الصواريخ، ودور إيران الإقليمي.

وجاءت لهجة ترمب مزدوجة. فهو يروّج للاتفاق باعتباره خطوة نحو إنهاء الحرب، لكنه يلوّح في الوقت نفسه باستئناف القصف إذا لم يرَ من طهران ما يعتبره التزاماً كافياً.

أما إيران، فتدخل مرحلة التوقيع وهي تراهن على رفع الحصار، وفتح المضيق، والحصول على مسار يخفف العقوبات لاحقاً. غير أن أي تعثر في لبنان، أو خلاف على البرنامج النووي، أو تأخير في تنفيذ البنود البحرية، قد يعيد الاتفاق إلى دائرة التهديد التي رسمها ترمب بوضوح: مذكرة تفاهم قابلة للتوقيع، لكنها ليست بعيدة عن القصف إذا انهارت الثقة.


كواليس خطة برّاك لـ«فصل العراق» عن مفاوضات إيران

رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي خلال لقائه المبعوث الأميركي توم برَّاك في بغداد 16 يونيو 2026 (إعلام حكومي)
رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي خلال لقائه المبعوث الأميركي توم برَّاك في بغداد 16 يونيو 2026 (إعلام حكومي)
TT

كواليس خطة برّاك لـ«فصل العراق» عن مفاوضات إيران

رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي خلال لقائه المبعوث الأميركي توم برَّاك في بغداد 16 يونيو 2026 (إعلام حكومي)
رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي خلال لقائه المبعوث الأميركي توم برَّاك في بغداد 16 يونيو 2026 (إعلام حكومي)

يحاول رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي إنقاذ بلاده الغنية بالنفط من «الإفلاس» خلال زيارته إلى الولايات المتحدة الشهر المقبل، في حين يعمل المبعوث الأميركي توم برّاك، الذي زار بغداد يومي الاثنين والثلاثاء، على التأكد أن بغداد «تقوم بما يلزم» لنزع سلاح الفصائل قبل الحصول على المساعدة المنتظرة من واشنطن أو من حلفائها الإقليميين، وفق مصادر موثوقة ومسؤولين عراقيين.

وقالت المصادر إن الزيدي، ومن خلفه تحالف «الإطار التنسيقي»، الذي يتألف من أحزاب شيعية متنفذة، يأمل أن يساعده الرئيس الأميركي دونالد ترمب، حين يلتقيه في واشنطن منتصف يوليو (تموز) المقبل، لا سيما في تأمين قروض من الولايات المتحدة «قد تسهم فيها دول خليجية»، كما قال مسؤولان في التحالف الشيعي.

وأكدت مصادر عراقية، أن عشرات رجال الأعمال العراقيين سيرافقون الزيدي إلى واشنطن أملاً في «إنعاش الخزينة المالية شبه الخاوية».

إلا أن هذا السقف من التوقعات مرهون بنجاح الزيدي ليس في نزع سلاح الفصائل، بل في القضاء على مواردها الاقتصادية ومنع أفرادها من الاشتراك في الحكومة، وقطع القنوات التي تستخدمها طهران للوصول إلى المؤسسات الريعية في بغداد، كما تنقل المصادر عن مضمون اجتماعات برّاك في بغداد وأربيل.

ومنذ منح البرلمان العراقي الثقة لحكومة علي الزيدي، يحاول الأخير إعادة التموضع بين النفوذ الإيراني الذي يبدو عليه التراجع في بغداد، والقوة الأميركية الضاغطة لكبح جماح الفصائل المسلحة والحد من نفوذها. ومع مرور الوقت أظهرت حكومته الفتية ميلاً تكتيكياً تجاه واشنطن.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال لقائه المبعوث الأميركي توم برّاك في بغداد 16 يونيو 2026 (رويترز)

«قصة نجاح»

الآن، ترسم جهود برّاك في بغداد ملامح صراع صامت بين جبهة إيران وحلفائها التي تحاول الحفاظ على منطقة رمادية دون تنازلات كبرى، وبين الأميركيين الذين يريدون فصل ملف العراق عن المفاوضات الجارية حول الملف النووي ومضيق هرمز؛ تحسباً لثغرات في مذكرة التفاهم التي تمنح هدنة 60 يوماً قبل التوصل إلى اتفاق نهائي.

واتفق برّاك والزيدي، الثلاثاء، على «النزع الكامل للسلاح وحل جميع الجماعات والتشكيلات المسلحة، العاملة خارج سلطة الدولة»، وفق بيان عراقي - أميركي مشترك.

وقالت المصادر الموثوقة إن المسؤولين الأميركيين يسعون لتحقيق أقصى قدر ممكن من المكاسب في بغداد على حساب إيران؛ تحسباً لحصول الأخيرة على الموارد والوقت الكافيين لاستعادة نفوذها في المنطقة.

وأوضحت المصادر أن «الرئيس الأميركي يرغب في أن تتحول الحكومة العراقية الجديدة إلى (قصة نجاح)»، إلا أن الدوائر الاستخبارية الأميركية المعنية بالعراق «شديدة الحذر في بلوغ هذا التقييم في الوقت الراهن».

وجاءت زيارة براك، وهي الأولى منذ تجديد ولايته في المنصب مبعوثاً أميركياً إلى بغداد ودمشق، بعد نحو أسبوعين من انطلاق ما وصفته الحكومة العراقية بـ«خطة حصر السلاح»، وفي ذروة أزمة مالية وصفها مسؤول عراقي لـ«الشرق الأوسط» بـ«الخانقة»؛ إذ قد تجد الحكومة نفسها بعد 3 أشهر من الآن، «في أفضل التقديرات»، عاجزة عن الإيفاء بـ«التزامات داخلية».

ويُعتقد أن الأزمة المالية حولت قادة «الإطار التنسيقي» إلى سياسيين واقعيين، سرعان ما انخرطوا، خلال فترة قياسية، في حملة دعائية تكرس رغبتهم في حصر السلاح بيد الدولة.

وكان رئيس «تيار الحكمة» عمار الحكيم، وهو أحد قادة «الإطار التنسيقي»، قد صرح في ندوة عامة أقيمت في بغداد أخيراً أن التحالف الشيعي كان سيمضي إلى تنفيذ خطة حصر السلاح، حتى لو لم تحدث الحرب مع إيران، بوصفها حاجة «داخلية»، على حد تعبيره.

ويميل مراقبون إلى الشك في عملية «حصر السلاح» مع اختفاء ردود الفعل الإيرانية تجاه خطة «حصر السلاح» التي بادرت إليها فصائل موالية وباشرت الحكومة برعايتها وتنظيمها.

ومنذ مطلع يونيو (حزيران) لم تعلّق الدوائر الرسمية في طهران على دمج عناصر حلفائها العراقيين في المؤسسات الحكومية، في حين تحرص على إدراج ملف «حزب الله» وسلاحه في بنود التفاوض.

وكان لافتاً أن يقوم السفير الإيراني في بغداد محمد كاظم آل صادق، بزيارة رئيس الحكومة بعد نحو ساعتين فقط اجتماعه بالمبعوث الأميركي توم برّاك، الذي كان حينها في طريقه إلى أربيل للقاء المسؤولين الكرد.

رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي خلال لقائه السفير الإيراني محمد كاظم آل صادق في بغداد (إعلام حكومي)

«عربون» حصر السلاح

تفوح رائحة البراغماتية من غرف صناعة القرار في بغداد. وقال عضو في «الإطار التنسيقي» لـ«الشرق الأوسط» إن «كثيرين داخل التحالف باتوا أكثر واقعية في الاستجابة لخطة حصر السلاح». وأضاف: «هناك من ينظر إليها على أنها (عربون) لكسب ثقة لاعبين إقليميين ودوليين كانوا على وشك اتخاذ قرار بفرض عزلة على العراق».

وأوضح العضو، الذي فضل عدم ذكر اسمه، أن «بعض قادة التحالف شاركوا خلال الاجتماعات الأخيرة مخاوف من مقاربة أمنية وسياسية جديدة يجري اعتمادها في المحيط العربي قد تصنف العراق، في أفضل الأحوال، دولة غير صديقة».

بيد أن مسؤولاً عراقياً قال إن «الخطة التي شملت حتى الآن ثلاثة فصائل مسلحة تهدف إلى معالجة خلل أصاب علاقة العراق بدول عربية وخليجية»، رغم الشكوك التي تحاصر آليات التنفيذ.

وعلمت «الشرق الأوسط» أن مسؤولاً أميركياً أبلغ زعيمين في تحالف «الإطار التنسيقي» مطلع يونيو أن الولايات المتحدة ترى أن الخطة المعلن عنها في حاجة إلى المزيد من الوضوح في ظل غياب آليات شفافة يمكن التحقق من خلالها من أن الفصائل المسلحة لن تكون قادرة على الوصول إلى أسلحتها.

مع ذلك، أكدت مصادر موثوقة أن المسؤول الأميركي قال إن واشنطن ترى في العملية الراهنة «خطوة واعدة» لم تكن في متناول اليد قبل سنوات، كما تتفهم عدم القدرة على القيام بخطوات ثورية وصادمة لنزع السلاح، لكن التقييم الأميركي لنجاح العملية يرتبط بإزالة المخاوف من كونها «مجرد عملية شكلية».

وانضمت إلى هذه الخطة، حتى الآن، «سرايا السلام» و«عصائب أهل الحق» و«كتائب الإمام علي»، بإعلان انفصالها عن «الحشد الشعبي». ورغم غياب الآلية الفنية المتعلقة بأسلحة هذه الجماعات، إلا أن شخصيات مقربة من الحكومة تقول إن رئيسها علي الزيدي بات «المسؤول عن تحركات العناصر المسلحة وسلاحها»، وأن «بقية التفاصيل ليست جوهرية».

أعضاء من «سرايا السلام» يهتفون خلال مراسم بدء اندماجهم بالدولة العراقية في سامراء شمال بغداد 4 يونيو 2026 (أ.ب)

«أكثر شراسة»

ووصل برّاك إلى بغداد لمنح الزيدي دفعة إلى الأمام. وقال مسؤولان عراقيان لـ«الشرق الأوسط» إن واشنطن تريد من الحكومة في بغداد أن تكون «أكثر شراسة ووضوحاً في نزع سلاح الفصائل».

ونقل مسؤول ثانٍ، طلب عدم الكشف عن اسمه لأنه غير مخوّل التحدث علناً، عن اجتماعات برّاك والمسؤولين في بغداد، أن الولايات المتحدة «تشجع خطوات جدية لتذويب المكاتب الاقتصادية، ومنع إيران من الاستفادة من الموارد العراقية».

ومصطلح «المكاتب الاقتصادية» شائع منذ سنوات في الأوساط العراقية، للإشارة إلى هياكل مالية وتجارية تضم موظفين رسميين، تقوم بإدارة مصالح الفصائل المسلحة وتعظيم مواردها.

وتبدو مهمة براك في بغداد تشبه «كاسحة ألغام» قبل مجيء الشركات الأميركية إلى العراق للاستثمار في قطاعات النفط والاتصالات والنقل، والتي تحولت خلال السنوات العشر الماضية حدائقض مثمرة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، على حد وصف مسؤول حكومي سابق.

وفهمت «الشرق الأوسط» من دبلوماسيين غربيين ومسؤول عراقي أن توم براك يتصرف في بغداد بوصفه «الرجل الذي يمكنه تأهيل علي الزيدي بوصفه شريكاً ناجحاً ومقبولاً في المنطقة»، لكن «ليس بينما يتساهل مع قوة الفصائل ونفوذها». وقال أحد الدبلوماسيين إن «الرئيس الأميركي يدعم مقاربة براك في بغداد، لكنه يريد نتائج سريعة، تراعي توقيتات التفاوض مع الإيرانيين».

وقال مسؤول عراقي إن «الأجواء داخل الإطار التنسيقي تتلقى إشارات متعددة تفيد بأن توم برّاك يحاول هندسة مقاربة تجمع بغداد بدمشق بدلاً من طهران، وكثيرون من القوى الشيعية لا يشعرون بالارتياح لهذا المسار».

الشرع مستقبلاً برّاك في دمشق (الرئاسة السورية)

إفلاس وغضب

ومهما تكن مقاربة برّاك، فإن الولايات المتحدة تريد تسريع التغيير في بغداد؛ نظراً لحاجتها إلى الأموال. ونقل مصدران أن قادة التحالف الشيعي كانوا قد اجتمعوا مطلع يونيو، بحضور رئيس الحكومة، وعرضوا مخاوف من «الإفلاس واحتمالات تفجر غضب الشارع».

وقال أحد قادة «الإطار التنسيقي» مخاطباً رئيس الحكومة: «بناءً على المعطيات التي بين يديك قد نجد أنفسنا بعد 3 أشهر عاجزين عن صرف الرواتب، أو عن الوفاء بالتزامات داخلية أخرى». واستطرد قائلاً: «في هذه الحالة، ليست هناك ضمانات بأننا سنكون قادرين على مواجهة غضب الشارع، في حال لم نعثر على حل».

وقال صحافيون عراقيون إن رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي أخبرهم خلال لقاء مفتوح مع الصحافة الأسبوع الماضي، أن الخزينة العراقية تسلمت تريليون دينار (نحو مليار دولار)، في حين عليه تأمين نحو 10 تريليونات لصرف رواتب الموظفين في القطاع العام إلى جانب «نفقات أخرى».

وبناءً على تقديرات غير رسمية، فقد خسر العراق نحو 250 مليون دولار يومياً نتيجة إغلاق مضيق هرمز، الذي أسفر عن توقف أكثر من 90 في المائة من الصادرات النفطية عبر الموانئ الجنوبية.

وأكد المصدران لـ«الشرق الأوسط» أن «غالبية قادة التحالف وافقوا على خطة قدمها رئيس الحكومة تتضمن حزمة إصلاحات سياسية وأمنية واقتصادية لمعالجة الأزمة».

إلا أن أحد المصدرين قال إن «الحكومة العراقية تبحث عن قروض مالية من جهات مانحة غربية وخليجية، رغم أن تداعيات الحرب مع إيران تلقي بظلالها الثقيلة على العلاقات بين بغداد ومن قد يرغب في مساعدتها».

دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (موقع الحشد الشعبي)

«مكافأة» حصر السلاح

وتبرز معضلة إضافية قد تسهم في إضعاف التحالف السياسي الذي يمدّ الزيدي بالقوة السياسية؛ إذ يجد نفسه تحت ضغوط مركبة، مع انضمام فصائل إلى مبادرة حصر السلاح؛ أملاً في الحصول على مناصب في الحكومة.

وتنظر هذه الفصائل إلى المناصب الجديدة على أنها «مكافأة مستحقة»، لكنها لا توازي الأثمان الباهظة جراء تخليها عن السلاح أمام جمهورها، كما يقول أعضاء في هذه الفصائل.

ويتوقع أن تُظهر هذه المجموعات رد فعل «غير مريح للزيدي» في حال أصرت الولايات المتحدة على منع وصول الأشخاص المدرجين في قوائم الإرهاب إلى الحكومة الجديدة، وفقاً لهؤلاء الأعضاء.

وقالت مصادر إن «الإطار التنسيقي» أبلغ الزيدي بضرورة ملء الحقائب الوزارية الشاغرة في الحكومة قبل السفر إلى واشنطن ولقاء ترمب، إلا أن قيادياً في التحالف الشيعي نقل عن اجتماعات براك الأخيرة قوله إن «إكمال الحكومة بأفراد منتمين إلى الفصائل لن يُشعر الزيدي بالارتياح حين يجلس على الكرسي المجاور للرئيس في البيت الأبيض».

ولم يرد مكتب الزيدي الإعلامي على طلبات للتعليق، فيما إذا كان ملف سلاح الفصائل المسلحة أو مشاركة ممثليها في الحكومة سيكون أحد ملفات النقاش في البيت الأبيض الشهر المقبل.

مع ذلك، سيحاول رئيس الحكومة العراقية إقناع الرئيس الأميركي بحشد تحالف من جهات مانحة يضم دولاً خليجية للحصول على قروض، من خلال المساهمة مقابل استثمارات تعمل بغداد على إتاحتها للشركات الإقليمية والأميركية، وفق مسؤولين عراقيين.