شكوك أميركية في تراجع إدارة بايدن عن «أولوية» الاتفاق النووي مع إيران

خبراء لـ«الشرق الأوسط»: ترفض العودة للاتفاق واختارت الارتماء في أحضان روسيا والصين

قاذفة أميركية تقود سرباً من المقاتلات خلال تدريبات مشتركة فوق إسرائيل الثلاثاء الماضي (أ.ب)
قاذفة أميركية تقود سرباً من المقاتلات خلال تدريبات مشتركة فوق إسرائيل الثلاثاء الماضي (أ.ب)
TT

شكوك أميركية في تراجع إدارة بايدن عن «أولوية» الاتفاق النووي مع إيران

قاذفة أميركية تقود سرباً من المقاتلات خلال تدريبات مشتركة فوق إسرائيل الثلاثاء الماضي (أ.ب)
قاذفة أميركية تقود سرباً من المقاتلات خلال تدريبات مشتركة فوق إسرائيل الثلاثاء الماضي (أ.ب)

هل تأكيدات إدارة الرئيس بايدن المستمرة منذ فترة، بأن «العودة إلى مفاوضات إحياء الاتفاق النووي مع إيران لم تعد أولوية»، تعد مؤشراً حقيقياً على «موت» هذا الاتفاق، أم أنها تصريحات مؤقتة لا تعكس موقفها الحقيقي؟ إدارة بايدن تقول إن دعم الاحتجاجات الشعبية في إيران بات أولوية، وإنها تقوم بحملة ضغوط بهدف معاقبة مسؤولي النظام، جنباً إلى جنب مع الاتحاد الأوروبي، الذي أعلن أخيراً عن حزمة من العقوبات، بينها التفكير في تصنيف «الحرس الثوري» الإيراني منظمةً إرهابية.
وإذا كان هذا الأمر صحيحاً، فما هو التفسير المنطقي للاجتماع السري الذي عقده المبعوث روبرت مالي مع سفير إيران في الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، ما لم يكن إحياء الاتفاق النووي هو الأولوية؟
يقول بعض المحللين إن إيران ربما ارتكبت «خطيئة» عبر تدخلها في الحرب الروسية ضد أوكرانيا، ما قد يكون عجّل بوقف المفاوضات النووية أو حتى إلغائها، علماً بأن طهران هي التي رفضت «العروض» السابقة، بحسب تأكيدات المسؤولين الأميركيين والغربيين أنفسهم.
ورغم ذلك، يعتقد محللون أن التدخل الإيراني قد يكون «خطأ» استراتيجياً في حسابات طهران، نتيجة لقراءة خاطئة لموقف واشنطن من التوازنات الدولية الجديدة نتيجة للحرب الأوكرانية. غير أن إصرار إدارة بايدن على العودة إلى الاتفاق النووي، رغم انقسام حلفاء واشنطن وشركائها، يؤكد خطورة هذه العودة. ويرى البعض أنها ستؤدي إلى منح طهران المزيد من الإمكانات لمواصلة سياساتها المزعزعة للاستقرار في المنطقة والعالم، وهو الأمر الذي تواصل إدارة بايدن نفسها، التحذير منه.
- في أحضان روسيا والصين
يقول ريتشارد غولدبرغ، كبير الباحثين في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن، إن الحديث عن تراجع «الأولوية» يشير إلى أن حصول تغيير في موقف إيران يمكن أن يؤدي إلى أولوية مختلفة. وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: هذا يعني أن عدم طرحها على الطاولة سببه في الحقيقة، رفض طهران للصفقة حتى الآن.
ويضيف: «ما لم نشهد عودة لعقوبات الأمم المتحدة على إيران، ستظل الصفقة مطروحة على الطاولة».
وعن الاجتماعات السرية لمالي مع المسؤولين الإيرانيين، قال غولدبرغ: هناك عدة أسباب محتملة؛ كأن ينقل بالفعل رسائل حول صفقة نووية محتملة، أو لتمرير الرسائل المتعلقة بمفاوضات الرهائن أو تبادل الأسرى، مثل حالة سيامك نمازي، أو محاولة لدق إسفين في علاقات طهران بموسكو. «نحن فقط لا نعرف، لكنه يثير الشكوك ويمنح النظام فرصة لتقويض الاحتجاجات، بالقول: انظروا، الأميركيون يتحدثون إلينا».
ويرى غولدبرغ أن السبب الأكثر ترجيحاً لتدخل إيران في الحرب الأوكرانية «سبب لا يمكن لمعظم المراقبين الأميركيين قبوله كمنطلق»، وهو أن إيران «لا تريد عقد أي اتفاق نووي بعد الآن، وبدلاً من ذلك ترمي نفسها في أحضان روسيا والصين». ويتساءل: «ما الذي خسرته إيران بمساعدة روسيا؟ لا شيء حتى الآن». لا عودة لعقوبات الأمم المتحدة، ولا تهديد باستخدام القوة العسكرية، ولا تغيير في «اليأس» لعقد صفقة في واشنطن وبروكسل، حيث يبقى من الأسهل السعي إلى اتفاق تهدئة، بدلاً من مواجهة أزمة وشيكة قد تتطلب استخدام القوة العسكرية.
- قنوات دبلوماسية
من ناحيته، يقول باتريك كلاوسن، كبير الباحثين في «معهد واشنطن»، إن القول بأن الاتفاق لم يعد أولوية، أو أنه مات، لا يعني «أن حكومة الولايات المتحدة ستوقف الدبلوماسية بشأن برنامج إيران النووي». وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: سوف تحافظ حكومة الولايات المتحدة على تلك الدبلوماسية، إذا لم يكن هناك سبب آخر سوى الحفاظ على جبهة مشتركة (قدر الإمكان) مع الدول الخمس دائمة العضوية. إذا وافق الإيرانيون على لقاء سري مع ممثلي حكومة الولايات المتحدة، فهذا يعني أن المسؤولين الأميركيين ما زالوا قادرين على التواصل والاستماع، وهذا ما يفعله الدبلوماسيون.
وأضاف كلاوسن: «إذا قدم الإيرانيون بشكل غير متوقع، عرضاً جاداً بشأن إحياء الاتفاق، فإن إدارة بايدن والأوروبيين سيناقشون ما يجب فعله». وأشار إلى أن هناك شيئاً واحداً واضحاً: «كل من فريق بايدن والأوروبيين، يريد المزيد من الإيرانيين، أكثر مما تم الاتفاق عليه في أغسطس (آب) الماضي». وشدد على وجه الخصوص، أنه ستكون هناك حاجة إلى المزيد من طرق التفتيش والعمل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في ضوء الأنشطة العديدة التي قام بها الإيرانيون.
وقال كلاوسن، من ناحية أخرى، «يود فريق بايدن أن يُظهر للأميركيين أنهم مختلفون تماماً عن ترمب، وأنه أخطأ في الانسحاب من الاتفاق، وأن الفريق يمكنه إصلاح الأخطاء التي ارتكبها ترمب». واعتبر التدخل الإيراني في حرب أوروبية خطوة جريئة. وقد يكون أحد التفسيرات هو أن الإيرانيين أساءوا قراءة كيف سيكون رد فعل الأوروبيين. لكن تفسيري هو أن الإيرانيين قرروا أنهم لا يهتمون كثيراً بأوروبا، وهي لن تساعدهم طالما تعارض الولايات المتحدة ذلك. وعلى أي حال، «ليس هناك الكثير مما يحتاجون إليه في أوروبا».
- إقالة مالي
في المقابل، يقول مايكل روبن، كبير الباحثين في «معهد أميركان إنتربرايز»، إن بايدن، ليس أميناً في الحديث عن تغيير «الأولوية». وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: يعتقد بايدن أنه إذا قال إن الاتفاق قد مات، فإن منتقدي الاتفاق سيتوقفون عن الاهتمام بما تفعله إدارته فيما يتعلق بإيران. ومع ذلك، تظل الحقيقة هي أن مبعوثه الخاص روب مالي يواصل المضي قدماً في المفاوضات، ويلتقي بالسفير الإيراني لدى الأمم المتحدة؛ لمواصلة مشاركته. ويضيف: «إذا ماتت الصفقة حقاً، أو إذا كانت سياسة بايدن ستتم معايرتها مع الواقع، فقد حان الوقت لإقالة مالي أو إعادة تكليفه بشروط جديدة. باختصار، لا أصدق كلمة من التي يقولها بايدن».
ويرى روبن أنه عام 2009، تجاهل الرئيس باراك أوباما المتظاهرين لأنه أراد التعامل مع النظام الإيراني. ولسوء الحظ، يبدو أن الأمر يتكرر اليوم. ورغم فرض عقوبات متفرقة على شخصيات في النظام الإيراني، فإن هذا لا يُقارن بـ«الضغط الأقصى» الذي فرضه وزير الخارجية السابق مايك بومبيو. واعتبر أنه بحسابات طهران، يعد هذا فوزاً. فهم يوطدون علاقتهم مع روسيا، وقد يحصلون أيضا على أموال أو ائتمان هم في أمسّ الحاجة إليه، يمكّنهم من شراء طائرات روسية جديدة، خصوصاً أن متوسط عمر معظم الطائرات المقاتلة في سلاح الجو الإيراني يتجاوز الآن 40 عاماً.
وهاجم روبن، روبرت مالي وجيك سوليفان مستشار الأمن القومي. وقال: «بصراحة، عملت والدة مالي مع جماعة الإخوان المسلمين في الجزائر، وكان والده اشتراكياً في مصر، ولديه وجهة نظر يسارية متطرفة، ولن يسمح لواقع ما بعد الحرب الباردة بتغييرها». وبالنسبة لسوليفان، قال إنه «كان موظفاً صغيراً نسبياً عندما قرر الدخول في مفاوضات سرية مع الإيرانيين. وأدرك معظم المحللين أن الإيرانيين كانوا يلعبون معه ويسعون لخداع هيلاري كلينتون.. هو لم يكن يعرف كيف يعمل العالم، واعتبرها بمثابة تذكرته، تماماً كما فعل دنيس روس بالتحدث مع ياسر عرفات. سوليفان لا يريد أن يعترف بأنه ارتكب خطأ فادحاً».


مقالات ذات صلة

«الطاقة الذرية» تؤكد وضع كاميرات في إيران

شؤون إقليمية «الطاقة الذرية» تؤكد وضع كاميرات في إيران

«الطاقة الذرية» تؤكد وضع كاميرات في إيران

أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التقارير بشأن إعادة وضع كاميرات مراقبة في إيران، في سياق الاتفاق الأخير بين مدير الوكالة التابعة للأمم المتحدة والمنظمة الإيرانية للطاقة الذرية. وقال فريدريك دال، المتحدث باسم الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية، أمس، إن «العمل جار» دون تحديد عدد الكاميرات أو المواقع التي وصلتها الوكالة الدولية. وأفادت «جمعية الحد من التسلح» التي تراقب امتثال لدول لمعاهدة حظر الانتشار النووي ومقرها واشنطن، بأن الوكالة الدولية بدأت في إعادة تركيب كاميرات المراقبة في بعض منشآت إيران التي تقترب من عتبة الأسلحة النووية. وتوصل غروسي في طهران بداية مارس

«الشرق الأوسط» (فيينا)
شؤون إقليمية أنباء عن إعادة كاميرات المراقبة «الأممية» في منشآت نووية إيرانية

أنباء عن إعادة كاميرات المراقبة «الأممية» في منشآت نووية إيرانية

أفادت «جمعية الحد من التسلح» بأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدأت في إعادة تركيب كاميرات المراقبة في بعض المنشآت النووية الإيرانية بموجب الاتفاق الأخير بين مدير الوكالة رافائيل غروسي، وإيران التي تقترب من عتبة الأسلحة النووية. وتوصل غروسي طهران في بداية مارس (آذار) إلى اتفاق مع المسؤولين الإيرانيين بشأن إعادة تشغيل كاميرات المراقبة في مواقع نووية عدة وزيادة عمليات التفتيش في منشأة فوردو. وتسبب الاتفاق في تفادي مجلس محافظي التابع للوكالة الدولية إصداراً جديداً يدين طهران بسبب عدم تجاوبها مع مطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، خصوصاً تلك المتعقلة بالتحقيق في ثلاثة مواقع سرية، عثر فيها على آثا

«الشرق الأوسط» (فيينا)
شؤون إقليمية الكشف عن «فوردو»... أبرز تسريبات مسؤول أعدمته إيران بتهمة التجسس

الكشف عن «فوردو»... أبرز تسريبات مسؤول أعدمته إيران بتهمة التجسس

بعد نحو 5 أشهر على إعدام علي رضا أكبري، النائب السابق لوزير الدفاع الإيراني، على خلفية اتهامه بالتجسس لصالح بريطانيا، نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مصادر إسرائيلية وإيرانية أن المسؤول السابق «كان جاسوساً غير متوقع» بسبب ولائه الشديد للنظام، لكنه لعب دوراً رئيسياً في الكشف عن منشأة فوردو التي ضمت أنشطة سرية لإيران قبل أن تعترف طهران بوجود موقع تخصيب اليورانيوم الواقع تحت الأرض في عام 2009. وأعدم أكبري (62 عاماً)، الذي يحمل الجنسية البريطانية، فجر 14 يناير (كانون الثاني)، بعد ثلاثة أيام من تسريب قضية اعتقاله لوسائل الإعلام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية موسكو تُحمل الغرب تعثر إحياء «الاتفاق النووي»

موسكو تُحمل الغرب تعثر إحياء «الاتفاق النووي»

حذر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أمس من ضياع فرص إحياء الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، وحمّل الغرب مسؤولية تعثر المفاوضات. وقال لافروف خلال مؤتمر صحافي في نيويورك أمس: «سيكون من الخطأ الفادح تفويت فرصة استئناف خطة العمل الشاملة المشتركة بشأن برنامج إيران النووي»، وحمّل «تصرفات الغرب» المسؤولية إذ قال «في هذه المرحلة، لا يعتمد استئناف الاتفاق، على إيران أو روسيا أو الصين... الذين دمروه يجب عليهم إعادته إلى الحياة الآن». وانتقد لافروف «متطلبات جديدة لم يتم ذكرها في المسودة الأولى للاتفاق». وأضاف «لنفترض أنه تم التوصل إلى اتفاق لاستئنافه منذ فترة طويلة.

شؤون إقليمية عبداللهيان يتحدث عن «مبادرات» لاستئناف مفاوضات «النووي»

عبداللهيان يتحدث عن «مبادرات» لاستئناف مفاوضات «النووي»

أعلن وزير الخارجية الإيراني أمير حسين عبداللهيان، أمس أن بلاده تلقت أفكاراً بشأن مفاوضات إحياء الاتفاق النووي لعام 2015 عن إيران، معرباً عن امتنانه للدور البناء لسلطان عمان ونواياه الصادقة في هذا الصدد. وفي اليوم الثاني لزيارته إلى عمان التي اختتمها أمس متوجهاً إلى بيروت، قال عبداللهيان عقب لقائه مع نظيره العماني إن مسقط «تلعب دائماً دوراً بناء» في محادثات النووية، وأضاف «قد أجرينا المشاورات اللازمة في هذا الصدد». وفي وقت لاحق، نقلت وكالة الأنباء العمانية عن عبداللهيان القول إن سلطنة عُمان لديها «مبادرات جدية» فيما يخص الملف النووي الإيراني «ستسهم» في عودة المفاوضات. وذكرت وزارة الخارجية العما

ميرزا الخويلدي (مسقط)

«الحرس الثوري» يعلن انفجار ناقلة بعد اصطدامها بلغم في مضيق هرمز

أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)
أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)
TT

«الحرس الثوري» يعلن انفجار ناقلة بعد اصطدامها بلغم في مضيق هرمز

أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)
أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)

​نقلت وسائل إعلام إيرانية عن «الحرس الثوري»، اليوم (السبت)، أن ‌ناقلة ‌نفط ​تعرضت لانفجار ‌واندلعت ⁠فيها ​النيران بعد ⁠اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها مضيق ⁠هرمز.

وأفاد التقرير ‌بأن الناقلة ‌كانت ​تحمل ‌أكثر ‌من مليوني برميل من النفط الخام، وكانت ‌تحاول عبور الممر المائي ⁠الاستراتيجي بشكل ⁠غير قانوني عبر مسار غير مرخص به من إيران.


ترمب يلوّح بضرب «جبل الفأس»

بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)
TT

ترمب يلوّح بضرب «جبل الفأس»

بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)

تتواصل الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران في ظلّ غياب مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى تسوية، وسط تصاعد التهديدات العسكرية وتبادل الاتهامات بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز.

وفي ظلّ هذه الأجواء، لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإمكانية استهداف موقع «جبل الفأس»، في إطار مساعي واشنطن لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي. وبرّر ترمب تصعيده قائلاً إن إيران قد تستخدم السلاح النووي «إذا تمكنت من الحصول عليه».

في المقابل، استبعد الرئيس الأميركي استخدام السلاح النووي ضد إيران، مؤكداً أن واشنطن لا تحتاج إلى مثل هذه الأسلحة لتحقيق أهدافها العسكرية. لكنه أشار إلى إمكانية اللجوء إلى أسلحة تقليدية شديدة التدمير، في إشارة إلى قنبلة «جي بي يو 43/ بي» المعروفة أيضاً باسم «أم القنابل»، والتي تُعدّ أقوى سلاح أميركي غير نووي.

من جانبه، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أمس، أن بلاده لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، وأنها مستعدة للحوار، مشدداً على أن طهران لن تخضع للعقوبات.


إيران تلتف على الحصار الأميركي بصادرات وقود محدودة

تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)
تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)
TT

إيران تلتف على الحصار الأميركي بصادرات وقود محدودة

تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)
تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)

تمكنت إيران من تصدير شحنات محدودة من غاز البترول المسال ووقود الطائرات منذ يوليو (تموز)، رغم الحصار البحري الأميركي المفروض على صادراتها، مستفيدة من عمليات نقل الشحنات بين السفن في مياه الخليج، وفق معلومات استخباراتية بحرية ومصادر في قطاع الشحن.

وفي حين تؤكد واشنطن أن الحصار يحدّ بصورة كبيرة من صادرات الطاقة الإيرانية، تكشف هذه الشحنات عن محاولات طهران الالتفاف على القيود والحفاظ على منافذ محدودة لتصريف منتجاتها النفطية.

وقالت أربعة مصادر عاملة في مجال الأمن البحري ومتابعة تحركات النفط في الخليج لوكالة «رويترز» إن إيران تمكنت خلال الأسابيع الأخيرة من تمرير شحنات من غاز البترول المسال، عبر إخفائها ضمن عمليات متزايدة لنقل المنتجات النفطية من سفينة إلى أخرى.

ولم تكن هذه الصادرات قد ظهرت في تقارير سابقة بهذه الصورة، وهي، رغم محدودية حجمها مقارنة بصادرات إيران من الطاقة قبل فرض الحصار، تقدم مؤشرات على استمرار تدفق بعض المنتجات النفطية الإيرانية إلى الأسواق الخارجية.

وأظهر تحليل أجرته منظمة «متحدون ضد إيران النووية»، التي تراقب حركة ناقلات النفط المرتبطة بإيران باستخدام بيانات تتبع السفن وصور الأقمار الصناعية، أن ما لا يقل عن 8 ناقلات غاز محملة بغاز البترول المسال الإيراني غادرت خليج عُمان منذ منتصف يوليو.

صور الأقمار الصناعية

بزشكيان يترأس اجتماعاً حكومياً لمناقشة إدارة استهلاك الوقود بحضور وزيرَي الداخلية والنفط وقادة الشرطة الإيرانية الأحد (الرئاسة الإيرانية)

كما أظهرت صور الأقمار الصناعية وتحليلات مجموعة الاستخبارات البحرية «سينماكس» وصول ناقلة أخرى تحمل وقود طائرات إيرانياً إلى ميانمار في سبتمبر (أيلول).

ووفقاً لتحليل «رويترز» لبيانات السفن والعقوبات الأميركية، فإن 6 من ناقلات الغاز الـ8، إلى جانب ناقلة وقود الطائرات، تخضع لعقوبات أميركية بسبب نقل منتجات نفطية وبتروكيماوية إيرانية.

وقالت جميما شيلي، الباحثة في منظمة «متحدون ضد إيران النووية»، إن المنظمة رصدت عدداً محدوداً من الناقلات التي تحمل غاز البترول المسال الإيراني، في حين أعادت القوات الأميركية توجيه الغالبية العظمى من الناقلات المحملة بمنتجات إيرانية.

وأضافت أن بعض ناقلات الغاز نقلت شحناتها بالقرب من مدينتي شناص وصحار الساحليتين في عُمان، بينما انتظرت ناقلات أخرى في خليج عُمان قبل محاولة تجاوز الحصار الأميركي، الذي قالت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إنه يمتد عبر الخليج بالقرب من الحدود الإيرانية الباكستانية.

وقدّرت شيلي إجمالي شحنات غاز البترول المسال التي رصدتها المنظمة بنحو 4.1 مليون برميل، مشيرة إلى أن هذه التحركات تبدو مدفوعة بانتهاز فرص محدودة لتصدير المنتجات، أكثر من كونها دليلاً على تحول استراتيجي واسع نحو استخدام سفن أصغر للالتفاف على القيود.

ووفقاً لتحليل المنظمة، اتجهت معظم الشحنات إلى ميناء في ماليزيا، حيث يُرجح إجراء عمليات إضافية لنقلها بين السفن، قبل وصولها إلى وجهات محتملة في الصين.

الجيش الأميركي: الحصار محكم

في المقابل، تؤكد القيادة المركزية الأميركية أن الحصار البحري لا يزال محكماً، وأن مرور بعض السفن لا يعني بالضرورة نجاحها في الإفلات من القيود.

وقال مسؤول عسكري أميركي لـ«رويترز» إن القوات الأميركية تقيّم حركة كل سفينة على حدة، من خلال إجراءات تشمل مراجعة الوثائق، مشيراً إلى أن بعض السفن قد يُسمح لها بالمرور لأسباب إنسانية.

وأوضح المسؤول أن إدراج سفينة على قوائم العقوبات الأميركية ليس العامل الوحيد الذي يحدد خضوعها للحصار، لافتاً إلى أن القوات تراقب بعض السفن عن كثب من دون اتخاذ إجراءات مباشرة ضدها لأسباب عملياتية.

وفي تحديث صدر في 13 أكتوبر (تشرين الأول)، قالت القيادة المركزية الأميركية إن قواتها عطّلت 4 سفن تجارية وأعادت 135 سفينة أخرى خلال الحصار الأخير، الذي استمر ثلاثة أشهر وفق البيان. وكانت القيادة قد ذكرت في تصريحات سابقة أنها أعادت سفناً قادمة من آسيا وصادرت بعض الناقلات.

تشكيك أميركي في البيانات

وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد (الرئاسة الإيرانية)

وشكك متحدث باسم وزارة الخزانة الأميركية في دقة بيانات الشحن التي تشير إلى نجاح سفن في تجاوز الحصار، قائلاً إن بعض السفن قد تتلاعب بمواقعها أو تستخدم هويات مزيفة أثناء عمليات التحميل، داعياً إلى التعامل مع هذه البيانات بحذر.

وأضاف أن ما وصفه بـ«الإقصاء الاقتصادي»، إلى جانب الحصار البحري، يفاقم الضغوط على إيران ويحدّ من قدرتها على تحقيق الإيرادات.

وفرضت الولايات المتحدة الحصار للمرة الأولى في 13 أبريل (نيسان)، قبل أن ترفعه في يونيو (حزيران) عقب التوصل إلى مسودة تفاهم مع إيران، ثم تعيد فرضه في 14 يوليو بعد انهيار الاتفاق، وفق المعلومات الواردة في التقرير.

وترافق الحصار مع حملة عقوبات مالية وتجارية تستهدف تقليص الإيرادات الإيرانية وقطع ما تبقى لطهران من روابط مالية خارجية. وفي هذا السياق، فرضت واشنطن الأسبوع الماضي عقوبات جديدة على 17 سفينة قالت إنها شاركت في نقل النفط الخام والبتروكيماويات والمنتجات البترولية الإيرانية.

ضغوط تدفع طهران للمجازفة

وتأتي محاولات تصدير المنتجات النفطية في وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً اقتصادية متزايدة، وسط تراجع قدرتها على بيع النفط الخام وتزايد القيود المفروضة على تعاملاتها التجارية والمالية.

وقال توربيورن سولتفيدت، المحلل الكبير لشؤون الشرق الأوسط لدى شركة «فيريسك مابلكروفت» المتخصصة في معلومات المخاطر، إن تدهور الأوضاع الاقتصادية قد يدفع إيران إلى تحمل مخاطر أكبر في محاولة تمرير شحنات محدودة، رغم عدم وجود مؤشرات على احتمال تخفيف الحصار.

وأشار إلى أن وقود الطائرات قد يمثل خياراً مناسباً لإيران في هذه الظروف، نظراً إلى الضغوط المتزايدة التي يتعرض لها قطاع الطيران الإيراني بسبب العقوبات الأميركية، وما قد ينجم عنها من توقف عدد متزايد من الطائرات، الأمر الذي قد يترك فائضاً من وقود الطائرات في المصافي المحلية.

وفي مؤشر على حجم الضغوط التي تواجهها صادرات الطاقة الإيرانية، قالت شركة «كبلر» المتخصصة في تحليل بيانات الشحن والطاقة إن صادرات النفط الخام الإيراني انخفضت إلى الصفر في سبتمبر، في أول شهر لا تُسجل فيه أي شحنة منذ أن بدأت الشركة تتبع أنشطة إيران عام 2013.

من جانبه، قال وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، إن الحصار منع معظم مشتريات الصين من النفط الإيراني، وجعل إيران غير قادرة على توريد النفط الخام إلى عملائها.

وتشير هذه المعطيات إلى أن الحصار الأميركي يفرض قيوداً واسعة على صادرات الطاقة الإيرانية، وإن كانت الشحنات المحدودة من غاز البترول المسال ووقود الطائرات توضح أن طهران لا تزال تحاول استغلال الثغرات المتاحة في حركة الشحن البحري. لكن استمرار هذه العمليات لا يعني بالضرورة نشوء مسار بديل قادر على تعويض خسائر صادرات النفط الخام، خصوصاً في ظل تشديد العقوبات ومراقبة الناقلات وعمليات النقل بين السفن.