7 خيانات أميركية للأكراد في مائة عام... هل تخذلهم مجدداً بسوريا؟

دورية أميركية بغطاء جوي تراقب خط التماس بين «قوات سوريا الديمقراطية» وفصائل سورية معارضة مدعومة من تركيا في ريف الحسكة شرق الفرات في ديسمبر 2021 (أ.ف.ب)
دورية أميركية بغطاء جوي تراقب خط التماس بين «قوات سوريا الديمقراطية» وفصائل سورية معارضة مدعومة من تركيا في ريف الحسكة شرق الفرات في ديسمبر 2021 (أ.ف.ب)
TT

7 خيانات أميركية للأكراد في مائة عام... هل تخذلهم مجدداً بسوريا؟

دورية أميركية بغطاء جوي تراقب خط التماس بين «قوات سوريا الديمقراطية» وفصائل سورية معارضة مدعومة من تركيا في ريف الحسكة شرق الفرات في ديسمبر 2021 (أ.ف.ب)
دورية أميركية بغطاء جوي تراقب خط التماس بين «قوات سوريا الديمقراطية» وفصائل سورية معارضة مدعومة من تركيا في ريف الحسكة شرق الفرات في ديسمبر 2021 (أ.ف.ب)

لن تكون المرة الأولى، وعلى الأغلب ليست الأخيرة، التي يتعرض فيها الأكراد لـ«خيانة» أميركية أو غربية، في حال لم يكن الرد على توغل تركي أو على استمرار القصف الجوي ضد «أهداف كردية» في شمال سوريا، في مستوى توقعاتهم ومطالبهم.
في القرن الماضي، تغير ميزان القوى العالمي والإقليمي. انهارت الإمبراطورية العثمانية، وتقهقرت فرنسا وبريطانيا في العالم والمنطقة العربية، وتصاعد النفوذ الأميركي. لكن أربعة أمور بقيت «ثابتة»، هي:
أولاً، استمرار حلم نحو 40 مليون كردي بتأسيس كيان أو إدارات مستقلة في الدول الأربع التي يعيشون فيها، تركيا وسوريا والعراق وإيران، من دون أي منفذ بحري.
ثانياً، إجماع هذه الدول الأربع على التنسيق ضد الأكراد رغم الخلافات الكثيرة فيما بينها.
ثالثاً، استعمال القوى الكبرى أو الإقليمية الأكراد أداة في صراعاتها ضد بعضها بعضاً، ولتحقيق أهداف معينة، وبينها اعتماد التحالف الدولي بقيادة أميركا عليهم مكوناً أساسياً في الحرب ضد «داعش».
رابعاً، تغيرت الإدارات الأميركية وتكررت الخيانات، وتغيرت القيادات الكردية في المساحات الجغرافية، وبقيت الطعنات.

خيبات ولدغات
هنا تذكير بسبع خيبات كردية ولدغات غربية – أميركية، خلال مائة عام:
1) بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية وخروجها خاسرة من الحرب العالمية الأولى، خصصت «معاهدة سيفر» في 1920 مساحة للأكراد في تركيا، كي يقيموا حكماً ذاتياً على منطقة خارج سوريا والعراق وإيران.
وبعد معارضة أنقرة وسطوع نجم مصطفى كمال أتاتورك ودعم واشنطن، واجه الأكراد طعم أول طعنة في «معاهدة لوزان» في 1923، التي فتحت الباب لباريس ولندن لتقاسم جناحي «الهلال الخصيب» في سوريا والعراق، وذهبت وعود «معاهدة سيفر» أدراج الرياح. فالمنطقة التي وعدتهم الدول العظمى بها في شرق الأناضول، ذهبت نهائياً إلى جمهورية تركيا الوليدة.
وكما هو حال أميركا، غازلت بريطانيا أتاتورك بأنها فضلت العلاقة مع أنقرة على حساب دعم «جمهورية أرارات» الكردية. وأدى هذا إلى هجرة كبيرة للأكراد من جنوب تركيا إلى دول مجاورة، خصوصاً شمال شرقي سوريا. وغالباً ما استعملت دمشق «البعثية»، لاحقاً، موضوع الهجرة في خطابها ضد الأكراد، فقالت وتقول «ليسوا سوريين».
2) بعد عقود من الثورة والهجرة الكردية في تركيا، قامت أميركا بدعم أكراد العراق ضد نظام عبد الكريم قاسم بعد تسلمه الحكم في 1958، ثم دعمت الانقلاب الذي أطاح به في فبراير (شباط) 1963.
واتبع النظام البعثي الجديد في العراق نهجاً صارماً ضد الأكراد. وعندما جنح أكثر باتجاه الاتحاد السوفياتي، تعاونت واشنطن مع طهران المحكومة يومها من الشاه، في تسليح الأكراد ودعمهم بهدف زعزعة الأوضاع في العراق. وتكرر الدعم في السبعينات، ليس بهدف إنشاء دولة كردية، بل لخلق قلاقل داخل العراق للتشويش على أي تقارب سوري – عراقي بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد وخروج مصر من المعادلة العربية. وحسب قول وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر، فإن الدعم العسكري للأكراد لم يكن أبدا هدفه انتصار الأكراد بقدر ما كان يرمي إلى إضعاف حكم بغداد. وتضمن تقرير «لجنة بايك» إلى الكونغرس الأميركي تفاصيل ذلك والتأكيد على أن «هذه السياسة لم تُنقل إلى عملائنا (الأكراد)، الذين شجعناهم على الاستمرار في القتال».
لاحقاً، رعت أميركا اتفاقاً بين صدام حسين، ممثلاً عن الرئيس أحمد حسن البكر وشاه إيران في ديسمبر (كانون الأول) 1975، فقامت طهران بالتخلي عن دعمها لأكراد العراق، بمباركة من إدارة الرئيس الأميركي الجديد جيرالد فورد.
3) تعرض أكراد العراق لأكثر من طعنة أميركية في الثمانينات والتسعينات. فإدارة الرئيس رولاند ريغان التزمت الصمت على استعمال بغداد أسلحة كيماوية في كردستان العراق.

طعنات التسعينات
أما إدارة جورج بوش الأب، فقد شجعت العراقيين على التحرك ضد بغداد بعد حرب الخليج عام 1991، ثم تخلت عنهم. ودعا بوش نفسه «الجيش العراقي والشعب العراقي إلى تولي زمام الأمور بأنفسهم، لإجبار الديكتاتور صدام حسين على التنحي»، لكنه لم يفعل الكثير عندما هب الشيعة في جنوب العراق والأكراد قرب حدود سوريا. غير أن أميركا فرضت حظراً جوياً سمح بانتعاش الكيان الكردي في النصف الثاني من عقد التسعينات. وقوبل هذا الصعود للمولود الكردي بتنسيق سوري – تركي – إيراني لمنع تحولهم إلى «دويلة كردية» على الحدود تلهم أبناء جلدتهم في هذه الدول.
4) بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، أمر الرئيس جورج بوش الابن بغزو العراق. وحصل تنسيق مع الأكراد وقياداتهم السياسية، وباتوا بين الرابحين الرئيسيين من تغيير النظام العراقي. وتعززت مكاسبهم لدى اعتماد أميركا عليهم في الحرب ضد «داعش».
وفي 2017، أراد رئيس إقليم كردستان السابق، مسعود البارزاني، الإفادة من دعم التحالف بالمضي خطوة في إقامة الكيان الكردي، فأراد تنظيم استفتاء لتقرير المصير واستقلال الإقليم. وجاءت الصدمة أو الخيانة، عندما أعلنت أميركا بوضوح تحفظها على هذه الخطوة.
5) بعد التغيير في العراق في 2003 وبروز الكيان الكردي، انتعشت طموحات أكراد سوريا وانتفضوا في مارس (آذار) 2004، لكن تحركاتهم لم تحظ بأي دعم غربي. قبل ذلك بسنوات، عندما حشدت تركيا جيشها على حدود سوريا في 1998 وطالبت بطرد زعيم «حزب العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان من دمشق، دعمت واشنطن وحلفاؤها موقف أنقرة، علماً بأن «العمال» مدرج على قوائم الإرهاب الغربية. أوجلان خرج من سوريا وتعرض «العمال» إلى ضربات التنسيق الأمني بين دمشق وأنقرة إلى حين ظهور الاحتجاجات في سوريا في 2011، حين قررت دمشق تسهيل بروز دور الأكراد ضد المعارضة الأخرى.

السحر والساحر
6) انقلب السحر على الساحر. قوي الأكراد وضعفت دمشق، وتحالفت أميركا مع الأكراد في قتال «داعش» المتمدد بعد 2014 ووفرت لهم دعماً عسكرياً وغطاءً جوياً، واعتمدت في شكل أساسي على «وحدات حماية الشعب» الكردية، التي تعتبرها أنقرة امتداداً لـ«العمال الكردستاني». وبعد هزيمة «داعش» جغرافياً بالتعاون بين التحالف والأكراد، تشكلت مظلة جوية سمحت بتأسيس إدارة ذاتية وقوة عسكرية وسيطرة على ربع مساحة سوريا ومعظم الثروات الاستراتيجية في شمال شرقي البلاد.
وأقلق ظهور هذا الكيان المسمى بـ«روج أفا» (غرب كردستان) أنقرة ودمشق وطهران، فغيرت تركيا من أولوياتها في سوريا، من «إسقاط النظام» إلى التمدد في الأراضي السورية، وعقدت تسويات مع روسيا في أعوام 2016 و2018 و2019 سمحت بـ«تقطيع أوصال» الكيان الكردي في شمال سوريا ومنع وصوله إلى مياه البحر المتوسط.
حصل هذا بدعم روسي وصمت أو عجز أميركي. لكن الخيانة الجديدة حصلت لاحقاً.
7) في نهاية 2019، قرر الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب فجأة سحب قواته من حدود سوريا وتركيا. واعتبر الأكراد هذا القرار خيانة أميركية بتغريدة «ترمبية». وسمح هذا بتوغل تركي سريع وهز أركان «الإدارة الذاتية» وقواتها وحربها ضد «داعش».
بعد مفاوضات ماراثونية، عقدت اتفاقات أميركية – تركية وروسية – تركية، حصلت أنقرة بموجبها على تعهدات من القوتين الكبريين بسحب «وحدات حماية الشعب» الكردية من الحدود إلى وراء عمق 30 كلم.
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يقول حالياً، إن واشنطن وموسكو لم تلتزما اتفاقات العام 2019، وسبق أن صعد ضربات المسيرات (الدرون) ضد «أهداف كردية». وهو يراهن حالياً على قوة موقفه بسبب حرب أوكرانيا وحاجة واشنطن وموسكو إليه، كي يشنّ عملية جديدة ضد الأكراد السوريين.
ملامح «خيانة» أميركية جديدة تلوح في الأفق. فالأميركيون لم يوقفوا الأتراك عن شن ضربات بالمسيرات، ولم يوقفوا القصف الجوي العنيف. والأكراد، يراهنون على «داعش»، أو على اهتمام الغرب بعدم انبعاث التنظيم. ويقول الأكراد إن الحرب ضدهم ستجعلهم يتخلون عن قتال «داعش». وهناك من يلوّح بفتح مخيم «الهول»، الذي يسمى «دويلة داعش»، لدفع أميركا للتحرك لصالح الأكراد. أما الروس، فإنهم ينقلون رسائل الإذعان من أنقرة إلى القامشلي، وهي: انسحاب «وحدات حماية الشعب» من المدن الرئيسية والمناطق الحدودية شمال سوريا، والترحيب بانتشار مؤسسات الدولة السورية وحرس حدودها.
دمشق، من جهتها، مرتاحة من الخيانات الأميركية والطعنات الروسية والضربات التركية. وهي لا تستطيع الترحيب بكل هذا، بل أغلب الظن أنها ستصدر بيان إدانة لـ«العدوان التركي». وهي مسرورة في باطنها مما يتعرض له الأكراد. وأضعف الإيمان، أن هذا «العدوان» سيجلب الأكراد ضعفاء إلى طاولة التفاوض المُرّة.
طريق الأكراد إلى دمشق، نهر معبد بالخيبات والنكسات.


مقالات ذات صلة

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

العالم العربي أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

استبقت تركيا انعقاد الاجتماع الرباعي لوزراء خارجيتها وروسيا وإيران وسوريا في موسكو في 10 مايو (أيار) الحالي في إطار تطبيع مسار العلاقات مع دمشق، بمطالبتها نظام الرئيس بشار الأسد بإعلان موقف واضح من حزب «العمال الكردستاني» والتنظيمات التابعة له والعودة الطوعية للاجئين والمضي في العملية السياسية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم العربي درعا على موعد مع تسويات جديدة

درعا على موعد مع تسويات جديدة

أجرت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا (جنوب سوريا) اجتماعات عدة خلال الأيام القليلة الماضية، آخرها أول من أمس (الأربعاء)، في مقر الفرقة التاسعة العسكرية بمدينة الصنمين بريف درعا الشمالي، حضرها وجهاء ومخاتير ومفاوضون من المناطق الخاضعة لاتفاق التسوية سابقاً وقادة من اللواء الثامن المدعوم من قاعدة حميميم الأميركية. مصدر مقرب من لجان التفاوض بريف درعا الغربي قال لـ«الشرق الأوسط»: «قبل أيام دعت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا، ممثلةً بمسؤول جهاز الأمن العسكري في درعا، العميد لؤي العلي، ومحافظ درعا، لؤي خريطة، ومسؤول اللجنة الأمنية في درعا، اللواء مفيد حسن، عد

رياض الزين (درعا)
شمال افريقيا مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

أجرى وزير الخارجية المصري سامح شكري اتصالات هاتفية مع نظرائه في 6 دول عربية؛ للإعداد للاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب بشأن سوريا والسودان، المقرر عقده، يوم الأحد المقبل. وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير أحمد أبو زيد، في إفادة رسمية، الخميس، إن شكري أجرى اتصالات هاتفية، على مدار يومي الأربعاء والخميس، مع كل من وزير خارجية السودان علي الصادق، ووزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، ووزير خارجية العراق فؤاد محمد حسين، ووزير خارجية الجزائر أحمد عطاف، ووزير خارجية الأردن أيمن الصفدي، ووزير خارجية جيبوتي محمود علي يوسف. وأضاف أن «الاتصالات مع الوزراء العرب تأتي في إطار ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

أطلق الأردن سلسلة اتصالات مع دول عربية غداة استضافته اجتماعاً لبحث مسألة احتمالات عودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومشاركتها في القمة المقبلة المقرر عقدها في المملكة العربية السعودية هذا الشهر. وقالت مصادر أردنية لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماع عمّان التشاوري الذي عُقد (الاثنين) بحضور وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن وسوريا، ناقش احتمالات التصويت على قرار عودة سوريا إلى الجامعة العربية ضمن أنظمة الجامعة وآليات اعتماد القرارات فيها. وفي حين أن قرار عودة سوريا إلى الجامعة ليس مقتصراً على الاجتماعات التشاورية التي يعقدها وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن، فإن المصادر لا تستبعد اتفاق

شؤون إقليمية الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

بدأ الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أمس (الأربعاء) زيارة لدمشق تدوم يومين واستهلها بجولة محادثات مع نظيره السوري بشار الأسد تناولت تعزيز العلاقات المتينة أصلاً بين البلدين. وفيما تحدث رئيسي عن «انتصارات كبيرة» حققتها سوريا، أشار الأسد إلى أن إيران وقفت إلى جانب الحكومة السورية مثلما وقفت هذه الأخيرة إلى جانب إيران في حرب السنوات الثماني مع إيران في ثمانينات القرن الماضي. ووقع الأسد ورئيسي في نهاية محادثاتهما أمس «مذكرة تفاهم لخطة التعاون الاستراتيجي الشامل الطويل الأمد». وزيارة رئيسي لدمشق هي الأولى التي يقوم بها رئيس إيراني منذ 13 سنة عندما زارها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

بعد إقرار مصري بتضررها... هل باتت علاقات القاهرة وتل أبيب على المحك؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (الرئاسة المصرية)
TT

بعد إقرار مصري بتضررها... هل باتت علاقات القاهرة وتل أبيب على المحك؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (الرئاسة المصرية)

تطرق حديث رسمي مصري عن تضرر العلاقات مع تل أبيب، جراء سياساتها العدوانية بالمنطقة، بعد سلسلة انتقادات إسرائيلية في وسائل إعلام عبرية تجاه القاهرة وتسليحها ومواقفها، ما يعبر عن توتر في العلاقات مستمر منذ حرب السابع من أكتوبر (تشرين الأول) في قطاع غزة.

الموقف المصري، بحسب دبلوماسيين سابقين، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، يعد تأكيداً على ما وصلت إليه الحالة المصرية في تصورها للعلاقات مع إسرائيل، مؤكدين «أنها باتت على المحك، والتنبؤ بمستقبلها يتوقف على تراجع تل أبيب عن سياساتها في المنطقة، من دون أن يؤثر ذلك على اتفاقية السلام التي ستبقى مجرد نصوص قانونية بلا تطبيق كامل».

علاقات «متضررة»

وقال وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في مقابلة مع شبكة «CNN»، الثلاثاء، إن القاهرة ملتزمة بتعهداتها مع إسرائيل بموجب معاهدة السلام، وإنها ستظل ملتزمة ما دام الجانب الإسرائيلي ملتزماً بتعهداته.

وأضاف أن علاقات البلدين تأثرت بالسياسات العدوانية الإسرائيلية، لا سيما في الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان، والهجمات على دول عربية أخرى.

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير محمد حجازي، أن تصريحات الوزير المصري «دقيقة وتعبر عن واقع العلاقات، وعن موقف مصر صاحبة المبادئ والالتزام بالتعهدات، وتأكيد على الرفض القاطع للممارسات الإسرائيلية في مختلف الساحات، والتي تمس العلاقات وتضعها في موقف محرج للغاية».

ويشير مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، إلى أنه «منذ حرب غزة وحتى اللحظة، العلاقات بين مصر وإسرائيل يشوبها توتر كبير، وأصبحت على المحك، خاصة إذا استمرت إسرائيل في سياساتها الحالية في غزة والضفة وجنوب لبنان».

ولا يستبعد هريدي أن يزداد التوتر بين مصر وإسرائيل في ضوء تداعيات حرب إيران، «وإصرار تل أبيب على تهديد أمن واستقرار المنطقة».

وأوائل مايو (أيار) الحالي، دعت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية إلى «ضرورة أن تنظر إسرائيل بجدية نحو حدودها الجنوبية، وتستعد لاحتمال نشوب حرب مباشرة مع مصر، مع وجود تهديد متنامٍ من القاهرة»، زاعمة، أن «هناك حالياً، حرباً باردة مع مصر، وليس سلاماً بارداً».

ورغم «اتفاقية السلام» المُوقَّعة عام 1979، فإنَّ القاهرة تعمل، حسب ادعاءات التقرير العبري، «مراراً ضد المصالح الإسرائيلية، لا سيما بمعارضتها الشديدة للاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وصولاً إلى التدخل في المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان، وكان ذروة ذلك، تنظيم مناورات عسكرية استفزازية تماماً على الحدود الإسرائيلية الشهر الماضي».

وآنذاك لم يستبعد الجنرال المتقاعد إسحاق بريك، في مقال له، دخول إسرائيل في «حرب صعبة» ضد التحالف التركي - المصري، مع تعزيز البلدين قدراتهما العسكرية.

وأواخر أبريل (نيسان) الماضي، زعم عضو الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقَّعة منذ عقود مع إسرائيل «بشكل ممنهج، بإنشاء بنية تحتية قتالية في سيناء، وتشييد جيش ضخم وحديث، وإجراء تدريبات على الحدود».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

مستقبل «محل شكوك»

وفي ضوء ذلك التحريض، فإن مستقبل العلاقات بين مصر وإسرائيل يبقى «موضع شكّ»، حيث أكد السفير محمد حجازي أن ذلك المستقبل يتوقف على سياسات إسرائيل في المنطقة، «وإذا رغبت في التصعيد فلن يكون لها مكان في علاقات الشرق الأوسط ومستقبله».

ومنذ اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل لم تشهد العلاقات بين البلدين توتراً مثل الحاصل حالياً، خاصة بعد احتلال إسرائيل محور «فيلادلفيا» المحاذي للحدود المصرية بالمخالفة لمعاهدة السلام، ثم نقضها اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى التوصُّل إليه في يناير (كانون الثاني) 2025 بوساطة القاهرة، ثم احتلالها محور «موراغ»، فضلاً عن احتلال القوات الإسرائيلية معبر رفح من الجانب الفلسطيني، قبل القبول باتفاق في أكتوبر الماضي، تواصل خرقه يومياً.

وفي سبتمبر (أيلول) 2025، وفي خضم أزمة افتعلها نتنياهو بشأن اتفاق الغاز بين القاهرة وتل أبيب، تطرَّق وزير الإعلام المصري ضياء رشوان (الذي كان وقتها رئيس هيئة الاستعلامات المصرية) إلى حرب عام 1973 بين مصر وإسرائيل، ووصفها بأنها كانت «نزهة»، مضيفاً: «الآن الأسلحة تطوَّرت، والمسافات قصرت، والقدرة على استخدام الأوراق العسكرية مختلفة؛ إذ حشدت تل أبيب 5 فرق لمحاولة السيطرة على قطاع غزة، الذي تبلغ مساحته 365 كيلومتراً مربعاً، فماذا ستفعل في مواجهة جيوش نظامية حقيقية في المنطقة».


هل يعلق لبنان حضوره «المسار الأمني» مع إسرائيل أم يُشارك لتثبيت الهدنة؟

الدخان يتصاعد من بلدة البرج الشمالي في جنوب لبنان إثر استهدافها بقصف إسرائيلي (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من بلدة البرج الشمالي في جنوب لبنان إثر استهدافها بقصف إسرائيلي (أ.ف.ب)
TT

هل يعلق لبنان حضوره «المسار الأمني» مع إسرائيل أم يُشارك لتثبيت الهدنة؟

الدخان يتصاعد من بلدة البرج الشمالي في جنوب لبنان إثر استهدافها بقصف إسرائيلي (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من بلدة البرج الشمالي في جنوب لبنان إثر استهدافها بقصف إسرائيلي (أ.ف.ب)

استمرار الخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار، بدلاً من العمل على تثبيته، لا يشجّع لبنان، المتردد في المشاركة في اجتماع المسار الأمني، الذي يطغى عليه الحضور العسكري ويجمعه بالوفد الإسرائيلي، برعاية وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في واشنطن يوم 29 مايو (أيار) الحالي.

ويقف لبنان حالياً أمام خيارين؛ إما تعليق مشاركته، وإما حضوره، مشترطاً إدراج وقف إطلاق النار بنداً أول على جدول الأعمال التقني، لأن تعذّر وقفه يحرج، في آنٍ واحد، رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون وحكومة الرئيس نواف سلام، بعدما كانا قد ربطا موافقتهما على بدء المفاوضات بوقف الأعمال العدائية، التي أخذت تتوسع، بدلاً من أن تتراجع، مع ارتفاع وتيرة الغارات الإسرائيلية على البلدات الواقعة شمال نهر الليطاني.

فلبنان لا يبدي حماسةً لاستئناف المفاوضات تحت ضغط إسرائيل بالنار ورد «حزب الله» عليها، وهذا ما يضع الولايات المتحدة الأميركية أمام اختبار تعهدها بالضغط على تل أبيب لإلزامها بوقف النار على أن ينسحب تلقائياً على «حزب الله».

وفي هذا السياق، قال مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط» إن لبنان تجاوب مع طلب الولايات المتحدة الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، كما استجاب لاحقاً لرغبتها في رفع مستوى التمثيل وضم عسكريين إلى الوفد المفاوض، مقابل إصراره على أن تبدأ بتثبيت الهدنة.

وتساءل المصدر: ماذا قدَّم الراعي الأميركي للبنان؟ وما الأسباب الكامنة وراء عدم تجاوبه في تثبيت وقف إطلاق النار بما يُعزّز موقع الدولة اللبنانية في مواجهة «حزب الله»، الذي يرفض المفاوضات المباشرة، ويطالب باستبدال أخرى غير مباشرة بها، ويشن عليها أقسى الحملات السياسية، فيما يتباهى نوابه بالإنجازات والانتصارات التي حققها مقاتلو الحزب، ويدعون إلى استثمارها، ولكن عبر مفاوضات غير مباشرة؟

ولفت المصدر إلى أن لبنان كان قد اتخذ قراره بعدم ربط مصيره بإيران، خلافاً لإصرار «الثنائي الشيعي»، ومن ثم لا يجد ما يبرر لواشنطن عدم إلزام إسرائيل بوقف إطلاق النار. وقال إن لبنان شارك في الجلسة الثالثة من المفاوضات بوفد ترأسه السفير السابق سيمون كرم، وإن مشاركته جاءت في إطار إعلان نيته إنهاء حال الحرب مع إسرائيل التي لم تلتزم بوقف الأعمال العدائية. وأضاف أن لبنان كان، ولا يزال، يراهن على تدخل الإدارة الأميركية فور انتهاء الجولة، للضغط على إسرائيل وتهيئة المناخين السياسي والأمني الملائمين لانعقاد اجتماع يقتصر على العسكريين تحت سقف البحث في المسار الأمني، تمهيداً لاستئناف اجتماعات المسار السياسي يومي 2 و3 يونيو (حزيران) المقبل.

وأكد أن لبنان بدأ التحضير لاجتماع المسار الأمني، الذي يغلب عليه الطابع التقني، مستغرباً ما روّج له البعض عن أن عون، بالتوافق مع سلّام، يدرسان تشكيل لواء خاص بالجنوب استجابة لطلب واشنطن. وأوضح أن هذا الطرح لم يُدرج على بساط البحث خلال جولة المفاوضات الأخيرة، وأن ما جرى تداوله استند، بصورة غير مباشرة، إلى تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لإحدى المحطات الأميركية.

عناصر في الدفاع المدني يبحثون عن ضحايا عالقين تحت أنقاض منزل استهدف بغارة إسرائيلية في بلدة دير قانون النهر يوم الثلاثاء (أ.ب)

واستغرب المصدر الحملة التي شنّها نواب «حزب الله» في هذا الخصوص، وقال إنهم كانوا في غنى عنها لو استمزجوا رأي عون فيما يجري التداول به عبر الوسيط الرئاسي الذي يتواصل مع النائب حسن فضل الله، والمقصود به العميد أندريه رحال. وأكد أن تشكيل لواء خاص مقاتل من الجيش ليس مطروحاً؛ لأنه لا وجود لدى قيادته لأي تمييز بين لواء وآخر، ولا فرز لألويته إلى فئة «أ» و«ب». إضافة إلى أن موقف عون لا جدال فيه في هذا الشأن. ولفت إلى أن «حزب الله» يفتعل معركة لا وجود لها لصرف الأنظار عن مطالبته بحصرية السلاح بيد الدولة لبسط سلطتها على كل أراضيها تطبيقاً لاتفاق الطائف الذي يؤيده وبدأ يستحضره في جميع المناسبات.

وأوضح المصدر أن تشكيل الوفد العسكري إلى اجتماع المسار الأمني لا يزال موضع تداول وتشاور بين عون وسلام وقائد الجيش العماد رودولف هيكل. وتوقّع أن يضم الوفد، إضافة إلى الملحق العسكري في سفارة لبنان في واشنطن العميد أوليفر حاكمة، عدداً من الضباط ذوي الاختصاص والخبرة الميدانية، ولم يستبعد أن يكون من بينهم قائد عمليات منطقة جنوب الليطاني العميد نيقولا تابت، الذي يمثّل لبنان في اجتماعات لجنة «الميكانيزم» المكلفة بالإشراف على تطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية. كما توقّع أن تستجيب واشنطن والمجتمع الدولي لاحتياجات الجيش من التجهيزات على مختلف المستويات، بما يُتيح له تعزيز انتشاره في الجنوب.

ولم يستبعد بأن يلتحق بالوفد ضباط من مديرية الشؤون الجغرافية وغرفة العمليات في وزارة الدفاع، وقال إن اجتماع المسار الأمني هو لوضع اتفاق الإطار الذي يتمسك به الوفد المفاوض، ويكون بمثابة خريطة الطريق لنشر الجيش في جنوب الليطاني حتى الحدود الدولية، بالتزامن مع انسحاب إسرائيل منه طبقاً لجدول زمني يُتفق عليه برعاية أميركية وبواسطة لجنة ارتباط ثلاثية، تضم ضباطاً عن الأطراف الثلاثة، يوكل إليها مراقبة تنفيذ الاتفاق الأمني لإنهاء حال الحرب بين البلدين والتدخل لمعالجة الخروق في حال حصولها.

ورأى المصدر أن هناك ضرورة لوجود ممثل عن مديرية الشؤون الجغرافية، للتحقق من انسحاب إسرائيل حتى الحدود الدولية، تطبيقاً لما نصّت عليه اتفاقية الهدنة المعقودة بين البلدين عام 1949. وأضاف أنه يمكن تقسيم الجنوب إلى قطاعات أمنية للتأكد، بشكل ملموس، من عدم وجود أي سلاح غير شرعي. ورجّح أن يبحث المسار الأمني مرحلة ما بعد انتهاء مهام قوات «يونيفيل» في مطلع العام المقبل، بهدف إيجاد بديل لها، وقد يقع الخيار على تفعيل دور هيئة المراقبين المنبثقة عن الهدنة مع زيادة عددها، علماً بأنها تنتشر حالياً على جانبي الحدود، ولها مقران رئيسيان في محلة بئر حسن في الضاحية الجنوبية لبيروت، وفي القدس.

الدخان يتصاعد من بلدة البرج الشمالي في جنوب لبنان إثر استهدافها بقصف إسرائيلي (أ.ف.ب)


الحكومة اليمنية تقرّر حزمة إصلاحات اقتصادية ومعيشية

جانب من اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)
جانب من اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تقرّر حزمة إصلاحات اقتصادية ومعيشية

جانب من اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)
جانب من اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)

اتخذت الحكومة اليمنية حزمة واسعة من القرارات الاقتصادية، والمالية، والإدارية، تضمنت إجراءات معيشية مباشرة لصالح موظفي الدولة، إلى جانب إصلاحات مرتبطة بالإيرادات، والجمارك، والرقابة المالية، في مسعى لاحتواء التدهور الاقتصادي، وتحسين كفاءة مؤسسات الدولة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً.

وجاءت القرارات اليمنية خلال اجتماع مجلس الوزراء في العاصمة المؤقتة عدن، برئاسة رئيس الحكومة شائع الزنداني، وبحضور محافظ البنك المركزي أحمد غالب، حيث ناقش المجلس الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في ظل استمرار التحديات المالية والخدمية التي تواجهها البلاد منذ سنوات. وفق ما أورده الإعلام الرسمي.

وأكدت الحكومة اليمنية أنها تضع تحسين معيشة المواطنين، والوفاء بالتزاماتها تجاه موظفي الدولة في مقدمة أولوياتها، وبالتوازي مع مساعيها لاستعادة الاستقرار الاقتصادي، والخدمي، وتحسين الأداء المؤسسي والإداري في مختلف أجهزة الدولة.

وأقر مجلس الوزراء صرف بدل غلاء معيشة بنسبة 20 في المائة لكافة موظفي الدولة، ضمن حزمة الإجراءات الهادفة إلى تخفيف الأعباء المعيشية، وتعزيز القدرة الشرائية، استناداً إلى مقترح مقدم من وزارة الخدمة المدنية والتأمينات.

حزم من الأوراق النقدية اليمنية حيث تعاني السوق من أزمة سيولة (رويترز)

كما وافق المجلس على استكمال إجراءات التسويات الوظيفية المتوقفة منذ أكثر من 13 عاماً، بما في ذلك تنفيذ الأثر المالي للترقيات العلمية الخاصة بأعضاء هيئة التدريس، والكوادر الأكاديمية في الجامعات الحكومية.

وشملت القرارات أيضاً اعتماد صرف العلاوات السنوية المستحقة للأعوام من 2021 وحتى 2024 لجميع موظفي وحدات الخدمة العامة، في خطوة قالت الحكومة إنها تهدف إلى معالجة الاختلالات المتراكمة في ملف الأجور، والمرتبات، وتحسين الأوضاع المعيشية للعاملين في القطاع العام.

وشددت الحكومة اليمنية على أن هذه الإجراءات تأتي ضمن توجه حكومي شامل للإصلاح الإداري، والمالي، وتحريك مؤسسات الدولة، ورفع كفاءة الإنفاق العام، وتعزيز الانضباط الوظيفي، بالتزامن مع مواصلة الجهود الرامية إلى استعادة الاستقرار الاقتصادي، والخدمي.

تحرير الدولار الجمركي

في إطار الإصلاحات الاقتصادية، أقرت الحكومة اليمنية تحرير سعر الدولار الجمركي، تنفيذاً لقرار مجلس القيادة الرئاسي رقم 11 لعام 2025، باعتباره جزءاً من رؤية حكومية تستهدف توحيد الأوعية الإيرادية، ومعالجة التشوهات السعرية، وتعزيز كفاءة تحصيل الموارد العامة.

وأكدت الحكومة أن القرار لن يشمل السلع الأساسية المعفاة أصلاً من الرسوم الجمركية، وأن تأثيره سيقتصر بصورة رئيسة على السلع الكمالية، وغير الأساسية، في محاولة لطمأنة المواطنين، والحد من المخاوف المتعلقة بارتفاع الأسعار.

ووجهت الحكومة الوزارات، والجهات المختصة، والسلطات المحلية بتكثيف الإجراءات الرقابية، ومنع أي استغلال للقرار في فرض زيادات سعرية غير مبررة على السلع الأساسية، مع التشديد على توحيد إجراءات التطبيق في مختلف المنافذ الجمركية، ومنع أي استثناءات خارج الأطر القانونية.

تطلع في الشارع اليمني لتحسن الأوضاع الاقتصادية والنقدية (أ.ف.ب)

كما كلف مجلس الوزراء وزارة الصناعة والتجارة بالتنسيق مع الغرف التجارية والجهات ذات العلاقة، بتنفيذ حملات رقابة ميدانية لضبط الأسعار، ومنع الاحتكار، والمغالاة، وإعداد قوائم استرشادية دورية لأسعار السلع الأساسية.

وفي السياق ذاته، شددت الحكومة اليمنية على وزارتي الدفاع، والداخلية، والأجهزة الأمنية المختصة ضرورة تعزيز الرقابة على المنافذ، والأسواق، والطرق، ومكافحة عمليات التهريب، ومنع دخول البضائع المخالفة، وغير المستوفية للإجراءات القانونية.

إصلاحات ضريبية وإدارية

ألزم مجلس الوزراء اليمني مصلحة الضرائب باتخاذ الإجراءات اللازمة لتحصيل الضريبة العامة على المبيعات، والقيمة المضافة على السلع الخاضعة للقانون، إلى جانب تعزيز إجراءات مكافحة التهرب الضريبي، وتحسين كفاءة التحصيل.

كما وجه وزارتي الخدمة المدنية والمالية بإعداد خطة تنفيذية لمعالجة ظاهرة الازدواج الوظيفي، وتنقية كشوف المرتبات، عبر الاستمرار في فتح الحسابات البنكية لموظفي الدولة المدنيين، والعسكريين، والجهات غير المبوبة.

وفي الجانب المؤسسي، أقر المجلس تشكيل اللجنة العليا للمناقصات، في خطوة قالت الحكومة إنها تستهدف تعزيز مبادئ الشفافية، والنزاهة، والرقابة على التعاقدات الحكومية، ورفع مستوى الحوكمة، والكفاءة في إدارة المشتريات العامة.

وشددت الحكومة اليمنية على أهمية اضطلاع اللجنة بدورها في ترسيخ مبادئ المنافسة العادلة، ومنع التجاوزات، والاختلالات، بما يخدم جهود مكافحة الفساد، وحماية المال العام، وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة.

ترحيب رئاسي

هذه التدابير الحكومية لقيت ترحيباً من مجلس القيادة الرئاسي اليمني على لسان مصدر مسؤول في المجلس، حيث وصفها بأنها خطوة متقدمة على طريق الإصلاحات الشاملة الهادفة إلى تحسين الأوضاع المعيشية، وتعزيز كفاءة مؤسسات الدولة، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المصدر الرئاسي بما تضمنته القرارات من إجراءات مباشرة لصالح المواطنين، وفي مقدمها اعتماد بدل غلاء المعيشة، وصرف العلاوات السنوية المتأخرة، ومعالجة التسويات الوظيفية، إلى جانب الإجراءات المتعلقة بتحسين كفاءة الإنفاق العام، وتفعيل الأجهزة الرقابية، ومكافحة الفساد.

اجتماع سابق لمجلس القيادة الرئاسي اليمني (إعلام حكومي)

وأكد المصدر أن هذه الخطوات تأتي امتداداً لمسار الإصلاحات الاقتصادية والمالية والإدارية التي يقودها مجلس القيادة الرئاسي، والحكومة، بموجب قرار المجلس رقم 11 لعام 2025 بشأن أولويات الإصلاحات الشاملة، والتي تشمل توريد موارد الدولة إلى حساب الحكومة لدى البنك المركزي، وإغلاق منافذ التهريب، وإيقاف الهدر، وتعزيز الاعتماد على الذات.

كما ثمن المصدر التزام الحكومة بتنفيذ الإصلاحات الضرورية، بما فيها تحرير سعر الدولار الجمركي، معتبراً أن هذا الإجراء معمول به في العديد من دول العالم، ويستهدف معالجة الاختلالات في السياسة الإيرادية والجمركية، وتعزيز قدرة الدولة على دفع المرتبات، وتحسين الخدمات العامة.

وأشارت الرئاسة اليمنية إلى أن الحكومة حرصت على حماية المواطنين من أي أعباء إضافية من خلال استمرار إعفاء السلع الأساسية من الرسوم، وبالتوازي مع اتخاذ إجراءات رقابية مشددة لمنع الاحتكار، والتلاعب بالأسعار.