مديرة مكتب منظمة الصحة العالمية في سوريا متهمة بالفساد مع مسؤولين محليين كبار

تحكمت بموازنة تبلغ 115 مليون دولار... وقدّمت سيارات وعملات ذهبية «هدايا»

المديرة المتهمة أكجيمال ماغتيموفا (أ.ب)
المديرة المتهمة أكجيمال ماغتيموفا (أ.ب)
TT

مديرة مكتب منظمة الصحة العالمية في سوريا متهمة بالفساد مع مسؤولين محليين كبار

المديرة المتهمة أكجيمال ماغتيموفا (أ.ب)
المديرة المتهمة أكجيمال ماغتيموفا (أ.ب)

اتهم موظفو مكتب سوريا الإقليمي التابع لـ«منظمة الصحة العالمية»، رئيستهم في العمل بإساءة إدارة ملايين الدولارات وإرسال هدايا إلى مسؤولين حكوميين بما في ذلك أجهزة كمبيوتر وعملات ذهبية وسيارات، وانتهاك إرشادات المنظمة المعنية بجائحة فيروس «كوفيد - 19» التي اجتاحت البلاد، على ما أوردت وكالة الأنباء الألمانية في تقرير لها، اليوم (الخميس).
وتكشف أكثر عن 100 وثيقة ورسائل ومواد أخرى سرية حصلت عليها «أسوشييتد برس»، أن مسؤولي «منظمة الصحة العالمية» أخبروا محققين بأن ممثلة المنظمة داخل سوريا د. أكجيمال ماغتيموفا، تورطت في سلوك مسيء، وضغطت على موظفي منظمة الصحة العالمية لتوقيع عقود مع سياسيين بارزين في الحكومة السورية، إلى جانب تورطها المستمر في إساءة إنفاق أموال المنظمة والجهات المانحة.
من ناحيتها، رفضت ماغتيموفا، وهي طبيبة ومواطنة من تركمانستان، الرد على الأسئلة المتعلقة بالادعاءات، قائلة إنها لا تستطيع الإجابة، «بسبب التزاماتها كموظفة في منظمة الصحة العالمية»، واصفةً الاتهامات بأنها «تشهيرية».
وأثارت الشكاوى الواردة من أكثر عن 10 موظفين على الأقل، واحداً من أكبر التحقيقات داخل منظمة الصحة منذ سنوات، بمشاركة في بعض الأحيان، أكثر من 20 محققاً.
وأكدت منظمة الصحة في بيان لها «أن التحقيق جارٍ»، ووصفته بأنه «مطول ومعقد». ونظراً إلى مسائل تتعلق بالسرية وحماية الموظفين، رفضت المنظمة التعليق على المخالفات المزعومة لماغتيموفا.
جدير بالذكر أن ميزانية مكتب «منظمة الصحة العالمية» في سوريا، بلغت نحو 115 مليون دولار العام الماضي، من أجل معالجة القضايا الصحية في بلد تمزقه الحرب ويعيش فيه حوالى 90% من السكان في فقر، ويحتاج أكثر عن نصفهم إلى مساعدات إنسانية.
وعلى مدار الأشهر الكثيرة الماضية، عكف محققو منظمة الصحة على التحقيق في عدد من الأحداث، بما في ذلك حفلة أقامتها ماغتيموفا للاحتفاء بإنجازاتها الخاصة على نفقة المنظمة، وكذلك طلبها من موظفين في ديسمبر (كانون الأول) 2020 إكمال تحدٍّ في الرقص. كما أن هناك مزاعم بأن ماغتيموفا قدمت «خدمات» لسياسيين رفيعي المستوى في سوريا، إلى جانب عقد اجتماع سري مع مسؤولين عسكريين روس، «ما يشكل خرقاً محتملاً لحيادية منظمة الصحة العالمية بوصفها كياناً يتبع الأمم المتحدة».
وفي إحدى الشكاوى التي جرى إرسالها إلى المدير العام للمنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس، في مايو (أيار)، كتب موظف مقيم في سوريا، أن ماغتيموفا «وظّفت أقارب غير أكفياء لمسؤولين حكوميين، بمن فيهم بعض المتهمين بارتكاب انتهاكات لا حصر لها لحقوق الإنسان».
وفي مايو، جرى تعيين المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في شرق البحر المتوسط ممثلاً بالنيابة في سوريا ليحل محل ماغتيموفا بعد منحها إجازة، لكنها لا تزال مدرجة كممثلة للمنظمة داخل سوريا، في دليل موظفي المنظمة. وأخبر الكثير من الموظفين داخل سوريا محققي الوكالة، بأن ماغتيموفا «أخفقت في إدراك مدى خطورة الجائحة داخل سوريا وعرّضت حياة الملايين للخطر». واشتكى ما لا يقل عن خمسة منهم من أن الإرشادات المتعلقة بالتعامل مع جائحة «كوفيد - 19» الصادرة عن منظمة الصحة انتُهكت. وقالوا إنها لم تشجع العمل عن بُعد، وجاءت إلى المكتب بعد إصابتها بـ«كوفيد - 19»، وعقدت اجتماعات من دون وضع كمامة. وذكر أربعة من الموظفين، أنها نقلت العدوى إلى آخرين.
وفي ديسمبر 2020، في السنة الأولى للجائحة، أصدرت ماغتيموفا تعليمات لمكتب سوريا، لتعلم رقصة سريعة يجري الترويج لها من خلال تحدٍّ عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من أجل فاعلية ستُعقد تحت مظلة الأمم المتحدة، نهاية العام.
من جهته، كتب رفيق الحبال، موظف الاتصالات في منظمة الصحة، في رسالة بريد إلكتروني إلى جميع العاملين في سوريا: «يرجى ملاحظة أننا نريدك أن تستمع إلى الأغنية، وتدرب نفسك على الخطوات، وتصور نفسك وأنت ترقص مع أنغام الموسيقى لتكون جزءاً من فيديو رقصة شعبية عالمية». وبصورة منفصلة، أرسلت ماغتيموفا رابطاً لموقع عبر «يوتيوب» وصفته بأنه «أفضل فيديو تعليمي». وتُظهر مقاطع فيديو متعددة، موظفين، بعضهم يرتدي سترات أو زي منظمة الصحة العالمية، يؤدون رقصة «تحدي الجيروساليما» في المكاتب والمستودعات المجهزة بالإمدادات الطبية، في وقت كان كبار المسؤولين في منظمة الصحة في جنيف ينصحون دول العالم بالعمل عن بُعد أينما أمكن ذلك، وتعليق جميع التجمعات غير الضرورية.

الرقصة التي طلبت التدريب عليها في ذروة الجائحة (أ.ب)

وتثير وثائق داخلية ورسائل بريد إلكتروني، مخاوف حيال طريقة استغلال أموال منظمة الصحة تحت قيادة ماغتيموفا، ويزعم موظفون أنها لطالما ارتكبت أخطاء على نحو روتيني في إنفاق أموال المانحين المحدودة التي تهدف إلى مساعدة أكثر من 12 مليون سوري، في حاجة ماسة إلى المساعدات الصحية.
ومن بين الأحداث التي يجري التحقيق فيها، حفل نظمته ماغتيموفا في مايو الماضي عندما تلقت جائزة من جامعة «تافتس»، جامعتها الأم. وأُقيم الحفل في فندق «فورسيزونز» بدمشق، وتضمنت قائمة الضيوف نحو 50 شخصاً، في الوقت الذي تلقى أقل من 1% من السكان السوريين جرعة واحدة من لقاح «كوفيد - 19». وشهد برنامج الأمسية، تصريحات لوزير الصحة السوري أعقبها حفل استقبال، وحفل استمر قرابة ساعتين من الموسيقى.
وتُظهر وثائق منظمة الصحة العالمية، أنه بينما جرت الدعوة إلى هذا الحدث للاحتفال بإعلان منظمة الصحة العالمية 2021 عاماً للعاملين في مجال الصحة، جرى تخصيص الأمسية لماغتيموفا، وليس للعاملين في مجال الصحة. أما تكلفة الحفل حسب الوثائق، فتجاوزت 11 ألف دولار.
وأثار مسؤولون آخرون داخل منظمة الصحة العالمية، المخاوف بخصوص إنفاق ماغتيموفا، قائلين إنها متورطة في الكثير من العقود المشكوك فيها، بما في ذلك صفقة النقل التي منحت عدة ملايين من الدولارات لمورِّد تربطها به علاقات شخصية. واشتكى ما لا يقل عن خمسة موظفين من أن ماغتيموفا استغلت أموال منظمة الصحة العالمية لشراء هدايا لوزارة الصحة وغيرها، بما في ذلك «خوادم وأجهزة كومبيوتر محمولة جيدة للغاية» وعملات ذهبية وسيارات. ولم يتسنَّ لوكالة «أسوشييتد برس» التأكد من صحة هذه المزاعم.
وقال الكثير من موظفي منظمة الصحة العالمية إنهم تعرضوا لضغوط لإبرام صفقات تتعلق بإمدادات أساسية، مثل الوقود، مع أعضاء نافذين في الحكومة السورية. وتأتي هذه الاتهامات، بعد شكاوى متعددة حول سوء سلوك داخل المنظمة التابعة للأمم المتحدة في السنوات الأخيرة، بما في ذلك وقوع اعتداءات جنسية في الكونغو، وممارسة مسؤول كبير في المنظمة في غرب المحيط الهادئ، سلوكاً عنصرياً.
وقال خافيير جوزمان، مدير شؤون الصحة العالمية في مركز التنمية العالمية في واشنطن: «إن التهم الأخيرة المتعلقة بماغتيموفا (مزعجة للغاية)، ومن غير المرجح أن تكون استثناءً». وأضاف جوزمان: «من الواضح أن هذه مشكلة منهجية، فهذا النمط من الادعاءات لا يحدث فقط في أحد مكاتب منظمة الصحة العالمية، وإنما في مناطق متعددة».
وأضاف أنه على الرغم من «أن البعض كان ينظر إلى تيدروس بوصفه الضمير الأخلاقي للعالم خلال جائحة (كوفيد – 19)، فإن مصداقية المنظمة تضررت بشدة جراء التقارير المتواترة عن سوء السلوك». ودعا جوزمان منظمة الصحة العالمية، إلى «الكشف علانية عن أي تقرير يخلص إليه التحقيق حول ممارسات ماغتيموفا ومكتب سوريا».


مقالات ذات صلة

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

العالم العربي أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

استبقت تركيا انعقاد الاجتماع الرباعي لوزراء خارجيتها وروسيا وإيران وسوريا في موسكو في 10 مايو (أيار) الحالي في إطار تطبيع مسار العلاقات مع دمشق، بمطالبتها نظام الرئيس بشار الأسد بإعلان موقف واضح من حزب «العمال الكردستاني» والتنظيمات التابعة له والعودة الطوعية للاجئين والمضي في العملية السياسية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم العربي درعا على موعد مع تسويات جديدة

درعا على موعد مع تسويات جديدة

أجرت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا (جنوب سوريا) اجتماعات عدة خلال الأيام القليلة الماضية، آخرها أول من أمس (الأربعاء)، في مقر الفرقة التاسعة العسكرية بمدينة الصنمين بريف درعا الشمالي، حضرها وجهاء ومخاتير ومفاوضون من المناطق الخاضعة لاتفاق التسوية سابقاً وقادة من اللواء الثامن المدعوم من قاعدة حميميم الأميركية. مصدر مقرب من لجان التفاوض بريف درعا الغربي قال لـ«الشرق الأوسط»: «قبل أيام دعت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا، ممثلةً بمسؤول جهاز الأمن العسكري في درعا، العميد لؤي العلي، ومحافظ درعا، لؤي خريطة، ومسؤول اللجنة الأمنية في درعا، اللواء مفيد حسن، عد

رياض الزين (درعا)
شمال افريقيا مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

أجرى وزير الخارجية المصري سامح شكري اتصالات هاتفية مع نظرائه في 6 دول عربية؛ للإعداد للاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب بشأن سوريا والسودان، المقرر عقده، يوم الأحد المقبل. وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير أحمد أبو زيد، في إفادة رسمية، الخميس، إن شكري أجرى اتصالات هاتفية، على مدار يومي الأربعاء والخميس، مع كل من وزير خارجية السودان علي الصادق، ووزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، ووزير خارجية العراق فؤاد محمد حسين، ووزير خارجية الجزائر أحمد عطاف، ووزير خارجية الأردن أيمن الصفدي، ووزير خارجية جيبوتي محمود علي يوسف. وأضاف أن «الاتصالات مع الوزراء العرب تأتي في إطار ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

أطلق الأردن سلسلة اتصالات مع دول عربية غداة استضافته اجتماعاً لبحث مسألة احتمالات عودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومشاركتها في القمة المقبلة المقرر عقدها في المملكة العربية السعودية هذا الشهر. وقالت مصادر أردنية لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماع عمّان التشاوري الذي عُقد (الاثنين) بحضور وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن وسوريا، ناقش احتمالات التصويت على قرار عودة سوريا إلى الجامعة العربية ضمن أنظمة الجامعة وآليات اعتماد القرارات فيها. وفي حين أن قرار عودة سوريا إلى الجامعة ليس مقتصراً على الاجتماعات التشاورية التي يعقدها وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن، فإن المصادر لا تستبعد اتفاق

شؤون إقليمية الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

بدأ الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أمس (الأربعاء) زيارة لدمشق تدوم يومين واستهلها بجولة محادثات مع نظيره السوري بشار الأسد تناولت تعزيز العلاقات المتينة أصلاً بين البلدين. وفيما تحدث رئيسي عن «انتصارات كبيرة» حققتها سوريا، أشار الأسد إلى أن إيران وقفت إلى جانب الحكومة السورية مثلما وقفت هذه الأخيرة إلى جانب إيران في حرب السنوات الثماني مع إيران في ثمانينات القرن الماضي. ووقع الأسد ورئيسي في نهاية محادثاتهما أمس «مذكرة تفاهم لخطة التعاون الاستراتيجي الشامل الطويل الأمد». وزيارة رئيسي لدمشق هي الأولى التي يقوم بها رئيس إيراني منذ 13 سنة عندما زارها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

مقتل عامل وإصابة 6 في حريق بمصفاة «بيجي» العراقية

صورة لعملية إطفاء الحريق نشرتها وكالة الأنباء العراقية (واع)
صورة لعملية إطفاء الحريق نشرتها وكالة الأنباء العراقية (واع)
TT

مقتل عامل وإصابة 6 في حريق بمصفاة «بيجي» العراقية

صورة لعملية إطفاء الحريق نشرتها وكالة الأنباء العراقية (واع)
صورة لعملية إطفاء الحريق نشرتها وكالة الأنباء العراقية (واع)

قالت مصادر من الشرطة وأخرى طبية، إن اشتعال وحدة لإنتاج الوقود أدى إلى اندلاع حريق كبير في مصفاة «بيجي» العراقية، الاثنين، ما أسفر عن مقتل عامل وإصابة ستة آخرين على الأقل.

وقال مهندسون في مجمع مصفاة «بيجي»، على بعد نحو 180 كيلومتراً إلى الشمال من بغداد، إنهم شاهدوا جثة واحدة على الأقل، وإن الدفاع المدني تمكن من السيطرة على الحريق. وأضاف مهندسون في المصفاة أن الحريق لم يؤثر على عمليات الإنتاج.


تراشق سياسي لبناني إثر وقوع 15 قتيلاً بانهيار مبنى في طرابلس

عناصر من الدفاع المدني يرفعون الأنقاض لإنقاذ العالقين تحت مبنيين انهارا في طرابلس شمال لبنان (د.ب.أ)
عناصر من الدفاع المدني يرفعون الأنقاض لإنقاذ العالقين تحت مبنيين انهارا في طرابلس شمال لبنان (د.ب.أ)
TT

تراشق سياسي لبناني إثر وقوع 15 قتيلاً بانهيار مبنى في طرابلس

عناصر من الدفاع المدني يرفعون الأنقاض لإنقاذ العالقين تحت مبنيين انهارا في طرابلس شمال لبنان (د.ب.أ)
عناصر من الدفاع المدني يرفعون الأنقاض لإنقاذ العالقين تحت مبنيين انهارا في طرابلس شمال لبنان (د.ب.أ)

غضب عارم في مدينة طرابلس شمال لبنان، بعد انهيار مبنيين سكنيين متلاصقين؛ كل منهما من 3 طبقات ويضمان 12 شقة، راح ضحيته 15 قتيلاً، بينهم عائلات بأكملها، وسقط 8 أشخاص جرحى، انتُشلوا بعد عملية بحث مضنية. وأُخلي مبنى «جوهر» المجاور لهما، وهو آيل للسقوط أيضاً، فيما أُبلغ عن مبنى آخر في باب التبانة، وغيره بمنطقة القلمون.

ويعيش سكان هذه المناطق المحرومة حالة من الرعب؛ بسبب كثرة المباني السكنية المتصدعة والخطرة، فيما لا يجد السكان مأوى بديلاً، وتغيب الميزانيات اللازمة لتدعيم مبانيهم. ويضطر العشرات إلى ترك منازلهم كل يوم خوفاً من الموت تحت الأنقاض، ويتحولون إلى لاجئين في مدينتهم، ويخاطر آلاف آخرون بالبقاء.

وترأس رئيس الحكومة، نواف سلام، مساء الاثنين، اجتماعاً موسعاً لمتابعة تنفيذ الإجراءات اللازمة للتصدّي لقضية الأبنية المتصدّعة في طرابلس.

انهيار مبنيين

قبيل غروب شمس يوم الأحد، شعر سكان في باب التبانة بأن المبنى يرتجّ بهم، ولم يجدوا الوقت الكافي لمغادرته، فانهار على عائلات بأكملها، وارتجت أسس المبنى الملاصق فانهار أيضاً. من حسن الحظ أن بعض الشقق كان فارغاً، وأمكن خلال أقل من 24 ساعة إنهاء عمليات البحث بفضل الفرق التي جاءت من أكثر من منطقة.

وقال لـ«الشرق الأوسط» الدكتور محمود صيداوي، الذي كان جدّه قد شيّد أحد المبنيين قبل 60 سنة، إنه سكن هناك لأكثر من 26 عاماً، وإنه قضى طفولته في تلك العمارة. وشرح أن «المبنيين المنهارين متلاصقان إلى حد أننا كنا نقفز من سطح إلى آخر». علماً بأن صيداوي فقَدَ عمه سيف صيداوي وابنة عمه سالي في الانهيار، فيما خرج عمه الآخر الذي يسكن البناية نفسها برفقة ابنته إلى السوق، وعاد ليجد ابنه ميتاً تحت الهدم، فيما نجت زوجته.

صورة أرشيفية للمبنيين اللذين انهارا في مدينة طرابلس مساء الأحد... وتبدو عليهما آثار التهالك (الشرق الأوسط)

ويضيف صيداوي: «العمارة عانت خلال معارك باب التبانة - جبل محسن. أصابها كثير من القذائف والرصاص، وقد اضطررنا إلى تركها بسبب الحروب، وسكنَ في شقتنا صديقي من آل الصايغ الذي قضى نحبه في الحادث هو وزوجته وابنته». ويؤكد أن «كل شارع (سوريا) في باب التبانة، تصدعت عماراته؛ بسبب كثرة القذائف والارتجاجات، وهي تحتاج هدماً وإعادة بناء».

التبليغ عن 600 مبنى

وتعدّ حادثةُ الانهيار تلك الثانيةَ خلال أسبوعين، حيث هوت السقوف على رؤوس الساكنين تحتها في طرابلس، بينما يقدّر عدد المباني الخطرة بالمئات، فيما إيواء العائلات أمر غير متوفر. وتتقاذف الجهات المعنية المسؤوليات، وتقف البلدية عاجزة أمام تراكم سنوات من الإهمال وغياب الآليات اللازمة للإنقاذ، وقلة عدد المهندسين لتلبية تبليغات الأهالي.

عناصر من الدفاع المدني وآليات تشارك في رفع الأنقاض وإنقاذ العالقين تحت مبنيين انهارا في طرابلس بشمال لبنان (د.ب.أ)

وبينما كانت عمليات البحث جارية عن ناجين، خرج الأهالي بالمئات في مظاهرات احتجاجية عارمة، وتوجهوا إلى مكاتب ومنازل نواب المدينة، ورشقوها بما تيسر، وحاولوا اقتحام المداخل، محملين إياهم مسؤولية الإهمال. وتدخل «فوج المغاوير» في الجيش اللبناني، وسجل انتشاراً كبيراً في المدينة لتهدئة الوضع.

ويقول رئيس بلدية طرابلس، عبد الحميد كريمة، لـ«الشرق الأوسط»، إن 105 مبانٍ في طرابلس آيلةٌ للسقوط يتوجب هدمها بالكامل، وإن نحو 620 مبنى مهدداً يمكن تدعيم أساساتها. ويلفت إلى أن «ما انهار مساء الأحد، لم يكن ممسوحاً أو مهدداً، ولم يُنذَر السكان». وفي رد على أن قاطني المبنى أنذروا البلدية ولم يُستجب لهم، يرد كريمة: «لقد وضعنا الخط الساخن في خدمة الأهالي منذ أسبوعين. منذ حينها أُبلغ عن أكثر من 600 مبنى. ولم تتمكن فرقنا من الكشف على أكثر من 104 مبانٍ، فيما الـ500 الباقية لا تزال في الانتظار»، مؤكداً أن «العدد أكبر بكثير، وطرابلس بحاجة إلى ورشة ضخمة، ومسح شامل للأبنية».

عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون بموقع انهيار مبنيين في طرابلس شمال لبنان (إ.ب.أ)

وكان كريمة قد وضع استقالة المجلس البلدي في تصرف وزير الداخلية، عادّاً أن الوضع بات يتجاوز إمكانيات البلدية. وقال في مؤتمره الصحافي إن «القرار ليس تهرّباً من المسؤولية، بل لوضع الحكومة وأجهزتها أمام مسؤولياتها الكاملة تجاه هذا الوضع الخطير».

وبخصوص هذا الملف الموروث، يقول كريمة: «بذلت البلدية أقصى جهدها، بالتعاون مع نقابة المهندسين، وأعدّت برنامج (كول سنتر) والمسح، لكن المباني التي مسحناها جزء من عدد كبير من المباني، ونتحدث عن حياة الآلاف من أهلنا المهددين؛ جراء أمر مزمن وتقصير من قبل الدولة والسلطات».

هذا يعطي فكرة عن حجم المأساة في مدينة عانت أحياؤها الشعبية إهمالاً طويلاً، ومعارك متلاحقة، وفقراً مدقعاً، وأصبحت مشكلتها تحتاج إلى ورشة كبرى للإعمار والترميم.

تحرك حكومي

إثر الحادثة، دعا رئيس الوزراء، نواف سلام، إلى اجتماع عاجل في منزله بوزيرَيْ؛ الداخلية أحمد الحجار، والعدل عادل نصار، ووجههما إلى طرابلس للإشراف على التنسيق بين الأجهزة العاملة على الأرض، كما عقد اجتماعاً موسعاً في السراي الحكومي يضم جميع المعنيين من وزراء وهيئات محلية للتصدي لقضية الأبنية المتصدعة.

الوضع القاتم لم يمنع التجاذبات السياسية، حيث قال نائب طرابلس، فيصل كرامي، في تصريح: «ما جرى هو نتيجة الإهمال الذي حذّرنا منه مراراً. ولا تكفي عبارات الأسف بعد سقوط الضحايا. كل قطرة دم تُسفك بسبب غياب الدولة هي مسؤولية هذه الحكومة وبرقبتكم»، وأضاف: «من يعجز عن حماية الناس، فلا يحق له الاستمرار في حكمهم. المطلوب إغاثة فورية بالأفعال لا بالكلام، وإلا فلتكن استقالة فورية».

عنصر من الدفاع المدني أمام ركام مبنيين انهارا في طرابلس بشمال لبنان (إ.ب.أ)

أما رئيس الوزراء السابق، ابن المدينة، نجيب ميقاتي، فطالب الحكومة بـ«استكمال الإجراءات التي كانت قد بوشرت في الحكومة السابقة، لا سيما لجهة تكليف بلدية طرابلس، التي تملك الإحصاءات الكاملة بشأن واقع المباني، بالتعاون مع وزارة الداخلية والبلديات، إلزام أصحاب الأبنية المتصدّعة بترميمها وتدعيمها في أسرع وقت ممكن». وأشار إلى أنه في حال تعذّر ذلك لأسباب مادية، فإنه ينبغي على الدولة رصد مبالغ من الخزينة العامة لتدعيم هذه المباني.

وهو ما حدا برئيس الوزراء، نواف سلام، إلى التذكير بأنه «أمام حجم هذه الكارثة الإنسانية التي هي نتيجة سنوات طويلة من الإهمال المتراكم، واحتراماً لأرواح الضحايا، فإنني أهيب بكل العاملين في السياسة، في طرابلس أو خارجها، أن يترفعوا عن محاولات توظيف هذه الكارثة المروعة لجني مكاسب سياسية رخيصة وآنية. فهذا أمر معيب»، مؤكداً: «أنا وحكومتي لم ولن نتهرب من المسؤولية، وسوف نستمر في القيام بواجباتنا كاملة؛ بما فيها محاسبة مَن قد يكون مقصراً في هذه القضية».


الرئيس الفلسطيني يصدر قراراً بنشر مسودة الدستور المؤقت

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)
TT

الرئيس الفلسطيني يصدر قراراً بنشر مسودة الدستور المؤقت

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)

أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس قراراً، اليوم الاثنين، بنشر المسودة الأولى لمشروع الدستور المؤقت لدولة فلسطين، وإتاحتها للاطلاع العام عبر المنصة الإلكترونية المخصصة للجنة الوطنية لصياغة الدستور، وفي وسائل النشر التي تقررها اللجنة.

وذكرت «وكالة الأنباء الفلسطينية» أن القرار يهدف إلى توسيع نطاق المشاركة المجتمعية في صياغة الوثيقة الدستورية، من خلال دعوة المواطنين ومؤسسات المجتمع المدني والقوى السياسية والخبراء والأكاديميين إلى تقديم ملاحظاتهم ومقترحاتهم على المسودة، خلال فترة تمتد إلى 60 يوماً من تاريخ نشر القرار.

وبحسب القرار، ستتولى لجنة التنسيق والصياغة المنبثقة من لجنة إعداد الدستور المؤقت تسلم الملاحظات وتنظيمها ودراستها، حيث سيتم تصنيفها إلى ملاحظات جوهرية تتعلق بالمبادئ الدستورية، وأخرى فنية مرتبطة بالصياغة والتنظيم، تمهيداً لإدخال التعديلات اللازمة بما يحقق المصلحة العامة والتوافق الوطني.

وأشارت الوكالة إلى أن اللجنة ستعد تقريراً مفصلاً بنتائج دراسة الملاحظات والتوصيات، ليُرفع إلى الرئيس الفلسطيني لمناقشته واعتماده قبل إعداد النسخة النهائية من مشروع الدستور.